أقلام وأراء

د. عبد الحي زلوم يكتب – رداً على خطاب ترامب في الكونغرس بتاريخ 28.2.2017: الارهاب الاسلامي هو الابن غير الشرعي للارهاب الامريكي.. التصعيد مع ايران يتبع مبدأ (اسرائيل اولاً) وليس (امريكا أولاً) كما وعد ترامب الناخبين

رأي اليوم – د. عبد الحي زلوم – 6/3/2017

كان من الواضح أن خطاب ترامب في الكونغرس في مجمله موجهاً لتنفيذ مصالح مؤسسات التجمع العسكري الصناعي ومهادنة دولة الأمن القومي واعادة هيكلة الضرائب لمصلحة طبقته فكانت كل قراراته رشوةً لفئة من المجتمع التي انتخبه الأمريكيون لانه أدعى إنه سيحارب مؤسسات فسادها في واشنطن وهكذا إنتخب الامريكيون ذئبا ليرعى الغنم .دعنا نرى ما جاء في خطابه بالتسلسل الذي جاء فيه بعد ديباجة النفاق عن احداث الكراهية ضد اليهود مع أنّ حملته الانتخابية بُنيت على الكراهية :

1.كالعادة بدأ خطابه باكذوبة “الارهاب الاسلامي” :

دعنا نسمي الأشياء بأسمائها، راعي الارهاب الاسلامي كان الغرب ومخابراته وأعوانه بدءاً من “المجاهدين” في أفغانستان إلى “مجاهدي” الدولة الاسلامية. هل هؤلاء هم الارهابيون أم أولئك الذين غرروا بهم ومن اعطاهم جوازات ووثائق سفرهم ، ودفع ثمن تذاكر سفرهم، وتكفل بنقلهم عبر الحدود الى مناطق القتال وتكفل برواتبهم الشهرية وبتسليحهم وبتزويدهم بالدعم الاستخباري واللوجستيكي وما إلى ذلك . هؤلاء هم الارهابيون وكفانا نفاقاً!.

أكذوبة الارهاب الاسلامي كانت لتنفيذ برامج المحافظين الجدد للهيمنة على العالم ومصادره الطبيعية خصوصاً في العالم الاسلامي كما كانت أجندة المحافظين الجدد تبينها بوضوح . مكنت هذه الاكذوبة تجار حروب الولايات المتحدة من التجارة بما يزيدُعن 5 تريليون دولار (5 الاف مليار دولار) التي انفقتها الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر 2001 على حروبها في العراق وأفغانستان وسوريا وباكستان وذلك حسب تقرير من البروفيسور Neta Crawford استاذة العلوم السياسية في جامعة.

الأسباب الحقيقية لحرب الارهاب الأمريكية على العالم الاسلامي هي أن بلادهُ تقع على مفترق ثلاث قارات رئيسية و يمتلك ثلثي مصادر النفط العالمية التي تحرك جيوشهم وصناعتهم بل وحضارتهم . والادهى من ذلك انهم يعتقدون انهم لا يستحقونها، فهي صدفة جيولوجية أنْ وقعت تحت أراضيهم لكن علومهم هي التي اكتشفته وحفارتهم هي التي وصلت الى مكامنه ومصافيهم هي التي كررته ومدنيتهم هي التي بحاجة اليه ، واما (أصحابه بالصدفة) فقد اصبح المال بأيديهم اداة لدمار الاخرين ولانغماسهم في شهواتهم ووممارساتهم اللاحضارية . بل قالوا ايضاً أنهم انتقلوا من البداوة الى الانحطاط دون المرور بمرحلة الحضارة . ثم إن العالم الاسلامي يشكل ربع سكان الكرة الأرضية وأهله يؤمنون بأن الربا حرام فكيف سيعمل شارع المال وول ستريت؟ واخيراً ففي عولمتهم يقولون جهاراً نهاراً إن حضارتهم وثقافتهم يجب أن تتقبلها كل شعوب الارض وأن من ليس معهم فهو ضدهم !

2.الاستعمار نشأ وترعرع على الارهاب والعبودية والحرب من كولومبس حتى ترامب

في علم الادارة الحديث عن السلوك التنظيمي يقولون أن سلوك المجتمعات في الحاضر هو تراكمي، وبلغة العامية: العرق دساس.

بعد وصول كولومبوس إلى ما ظنه الهند، كتب لأصحاب حملته بإسبانيا “سأرسل لكم ما تحتاجونه من ذهب، وكل ما تتمنونه من عبيد”. وأضاف: ” فلينصر الرب اولئك الذين يتبعون طريقه!”، ومن مقره في ما يعرف اليوم بهايتي ، قام كولومبوس بحملة اصطياد للسكان الأصليين. أمر بكل من هو فوق الرابعة عشرة من السكان الأصليين بجمع كمية محددة من الذهب خلال 3 شهور . أعطى الذين نجحوا في جمع الذهب قطعة من النحاس يعلقونها على صدورهم ، أما أولئك الذين لم ينجحوا فتم تقطيع أيديهم لينزفوا حتى الموت . وحسب ما كتبه الراهب Bartolome dela casa برتالومي دي لاكازا، الذي عايش تلك الحقبة، فيقول إنه بين 1494 و 1508 فقد مات أكثر من ثلاثة ملايين من السكان الأصليين الذين قضوا نتيجة الحروب أو العبودية أو الأشغال الشاقة . وأضاف الراهب “من يصدق هذا في المستقبل؟ فأنا الذي عايشته أكاد لا أصدقه” . وكتب المؤرخ في جامعة هارفارد ساميول ديلوت موريسون: “إن السياسة التي بدأها كولومبوس واتبعها الذين خلفوه ، قد أدت إلى إبادة جماعية”.

يقول البروفيسور رونالد ديفيس Ronald Davis من جامعة ولاية كاليفورنيا في نورث ريدج North Ridge : “لا نبالغ حين نقول إن الأرباح التي نتجت عن نظام وتجارة الرقيق من 1600 وحتى 1860 قد ساهمت إلى حد كبير في بروز الغرب في غرب أوروبا والولايات المتحدة كالقوى المهيمنة على العالم”.

كان تجار العبيد يقذفون ثلث حمولتهم من العبيد في البحر من المرضى أو من “المشاغبين. “

ثقافة وحضارة الامبراطورية الأمريكية تختصرها إجابة وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرت على سؤال إن كان الحصار على العراق الذي تسبب بموت

500000 طفل عراقي يساوي هذا الثمن فأجابت: نعم أنه يساوي ذلك! هل هناك إرهاب أكبر من إرهاب مثل هذا؟ لعلها اجابت من منطلق الحضارة الغربية فنصف مليون طفل لا شيء بالمقارنة مع إبادة 20 مليون من سكان أمريكا الأصليين والقتلى والجرحى نتيجة عشرات الحروب ومنها حربين عالميتين تم سفك دماء 70 مليون من البشر اغلبهم من المسيحيين في أوروبا ولا يذكر العالم منهم اليوم سوى الادعاء بإن ستة ملايين منهم كانوا من اليهود . كانت تلك الحربين بين قوتين هما الرأسمالية الأنغلوساكسونية والرأسمالية الالمانية على أيهما تُهيمن ليسرق ثروات الآخرين . أليس هذا أبشع أنواع الارهاب؟ أما ما يسمى بالارهاب الاسلامي فهو الابن غير الشرعي لدول الحضارة الغربية متمثلة بزعيمتها الولايات المتحدة وكلب حراستها إسرائيل.

إن دين أصحاب الرأسمالية الانغلوساكسونية هو المال فهم ليسوا من المسيحية أو أي من الاديان في شيء . فكتاب المسيحية المقدس يقول : لا سلام بدون العدل (No Justice No Peace) كما أن الوصايا العشرة تقول : لا تسرق ولا تقتل والسرقة والقتل هي عمادان للنظام .

3.التصعيد ضد إيران

هذه الادارة الأكثر صهيونيةً وعنصريةً وضحالة وخطراً في تاريخ أمريكا الحديث . وهي تأتي في زمن ينقسم المجتمع الأمريكي على نفسه كما تنقسم الدولة العميقة نفسها بين فئة محافظة متطرفة واخرى شديدة التطرف والتي يحركها أنصار نتنياهو وتجعل من ايران والعالم الإسلامي عدوها الأول. كما أنه لم يسبق أن يكون هذا العدد من المناصب الكبرى بإيدي جنرالات ذو أفق سياسي ضيق أمثال وزير الدفاع ومستشار مجلس الأمن القومي . دعنا نبين نبذة عن بعضهم: وزير الدفاع جيمس

ماتيس يُحب أن يُلقبه زملاؤه بالكلب المصروع.وهو فعلاً كذلك. ما أن إستلم وظيفته حتى صرح أن “إيران هي مصدر التهديد الدائم للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط.” وحسب ما جاء في الواشنطن بوست في 12/1/2017 فإن المصادر الاسرائيلية تعتقد بأن ماتيس كان مستعداً لاستعمال القوة ضد إيران عندما كان قائداً للمنطقة العسكرية الوسطى ايام الرئيس اوباما. كما جاء في النيويورك تايمز في 12/2/2017 أن وزير الدفاع ماتيس أصدر أوامره الى البحرية الأمريكية لاعتراض باخرة تجارية إيرانية وهي في المياه الدولية يُعتقد أنها محملة باسلحه الى الحوثيين الى اليمن. إلا ان البيت الأبيض ألغى العملية بحجة أن الخطة قد تمّ تسربيها. ويعتقد الخبراء أنه لو تم تنفيذ الخطة لأصبح الصِدامُ حتمياً. دعنا هنا نرى ماذا ستكون نتيجة الصِدامُ حسب تقدير خبيرين امريكيين والآخر إيراني.

وليم هارتونج هو مدير مشروع التسلح والأمن في مركز كارتر للسياسة الدولية أجاب تلفزيون “ديموكراسي ناو” عن أن زيادة 55 مليار دولار لميزانية البنتاغون يساوي ميزانية الدفاع البريطانية بأكملها وتساءل ضد من كل هذا التسلح ؟ وأضاف أنه لم يكن هناك نقص في ميزانية دفاع اوباما والتي زادت حتى عن ميزانية بوش. أما إذا كان التسلح موجهاً الى إيران فعنده ستكون حربنا في العراق نزهة في حديقة عامة بالمقارنة معها. وأضاف أن ماتيس أراد أن يهاجم إيران ونحن في منتصف حربنا في العراق.

البروفسور جيفري ساكس من جامعة كولمبيا قال إن الـ 600 مليار دولار المعلن عنها لا تعكس كامل ميزانية وزارة الدفاع لان هناك ميزانيات مخفية في وزارات أخرى كوزارة الطاقة بالاضافة الى ميزانيات الاجهزة الأمنية لوصل المبلغ الى 900 مليار

دولار. وأضاف أنه بمثل هذا المبلغ وبمثل هذه الادارة فسوف تنزلق الامور الى ما لا يحمد عقباه!

كان جواب سيد حسين موسافيان عضو مجلس الأمن القومي الإيراني السابق أن اعتراض الباخرة كان سيشكل أقصر الطرق للمواجهة العسكرية. وأضاف أنه محتار من سلوكيات ماتيس فهو من أكثر الجنرالات الأمريكان خبرة وهو يعلم أن عواقب المواجهة مع إيران ستكون أكثر من عشر أضعاف ما واجهته الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق مجتمعتين.

4.هل ستصدق نبوءة اريك هوبسباوم بقدوم عصر البربرية الامريكية

قال المؤرخ العالمي المشهور Eric Haubsawm كما جاء في محاضرة ألقاها بجامعة هارفارد بتاريخ 20 اكتوبر 2006 :” لربما تسبب الإمبراطورية الأمريكية الفوضى والبربرية بدلاً من حفظ النظام والسلام”. وقال “إن هذه الإمبراطورية سوف تفشل حتماً”، ثم أضاف “هل ستتعلم الولايات المتحدة الدروس من الإمبراطورية البريطانية أم أنها ستحاول المحافظة على وضعها العالمي المتآكل بالاعتماد على نظام سياسي فاشل وقوة عسكرية لا تكفي لتنفيذ البرامج التي تدّعي الحكومة الأمريكية بأنها قد صممت من أجلها؟”.

فهل جاء وقت البربرية أم أننا نعيشها؟ وهل سنبقى في عصر انحطاطنا هذا كتنابل السلطان مفعول بنا لا فاعلين ننزلق في أكاذيب الانشقاق الطائفي والعرقي والمذهبي؟

*مستشار ومؤلف وباحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى