أقلام وأراء

د. سنية الحسيني: ملاحظات حول مسودة الدستور

د. سنية الحسيني 19-2-2026: ملاحظات حول مسودة الدستور

بعد نحو سبعة أشهر من تشكيل الرئيس محمود عباس للجنة صياغة الدستور، قرر الرئيس قبل أيام مسودة «الدستور المؤقت لدولة فلسطين» للجمهور والمؤسسات للاطلاع وإبداء الملاحظات خلال 60 يوما.

ويفترض أن تتلقى اللجنة المختصة وتجمع وتدرس تلك الملاحظات، لإعداد تقرير بعد ذلك حولها في غضون شهرين، لتقدم تقريراً مفصلاً بالنتائج ووضع التوصيات، تمهيداً لوضع النسخة النهائية من مشروع الدستور، قبل عرضه على استفتاء شعبي. هل يمثل ذلك التطور مبادرة حقيقية لوضع دستور لدولة فلسطين، أم هي استجابة لظروف سياسية معقدة، كما حدث في فترات سابقة، وهل جاءت المسودة الجديدة بحلول لأزمة سياسية ودستورية استعصت لسنوات، تبرر وجودها اليوم؟

كشف الرئيس قبل أشهر عبر مرسوم رئاسي عن خطة طموحة للتحول المؤسسي، استعداداً للانتقال من السلطة إلى الدولة، تتضمن إعداد دستور مؤقت يُصاغ بحلول شهر تشرين الأول من العام الجاري، وإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني في الشهر التالي.

وأعلن الرئيس أكثر من مرة التزامه بإجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية خلال عام واحد فقط بعد توقف الحرب على غزة. وأشار في خطابه في الأمم المتحدة العام الماضي إلى أن تكليف لجنة صياغة الدستور المؤقت يأتي كـ «جزء من جهود الإصلاح».

وتدعو دول عديدة الفلسطينيين لعمل إصلاحات سياسية في مؤسساتها ومن ضمنها منظمة التحرير.

كما تتزامن كل تلك التطورات مع موجة اعترافات مهمة، من قبل دول غربية بدولة فلسطين، في أعقاب الجرائم التي ارتكبتها سلطات الاحتلال في غزة خلال الحرب الأخيرة، وضغوط سلطات الاحتلال في الضفة الغربية أيضاً، وبشكل غير مسبوق على الواقع السياسي المعقد الذي يواجه الفلسطينيين.

تشهد التجربة الفلسطينية لإقرار القانون الأساس الفلسطيني، وإجراء تعديلات عليه في عامي ٢٠٠٣ و٢٠٠٥، وإحياء لجنة الدستور في العام ٢٠١١، على تأثر تلك القرارات باعتبارات سياسية.

اعتمد المجلس التشريعي الفلسطيني القانون الأساسي في العام 1997، كدستور مؤقت للسلطة الفلسطينية. وحددت اتفاقية أوسلو مدة خمس سنوات انتقالية، قبل البت بقضايا الحل النهائي، والتي كان يفترض أن تنتهي في العام ١٩٩٩.

لم يُصدّق الرئيس عرفات على القانون الأساس في ذلك الوقت، بل قام بتشكيل لجنة لصياغة دستور الدولة الفلسطينية في العام ١٩٩٩، برئاسة نبيل شعث.

إلا أنه في العام 2002، قام عرفات بإقرار النظام الأساسي الفلسطيني المؤقت، أي بعد مرور ثلاث سنوات على رفض حكومة الاحتلال إنهاء المرحلة الانتقالية، والتي كانت مقرره وفق الاتفاق عام ١٩٩٩، وبالتزامن مع تطورات سياسية مهمة في الأراضي الفلسطينية، في أعقاب انتفاضة الأقصى، وما صاحبها من سياسة اجتياحات واغتيالات وتقويض وتطويق لمكانة السلطة.

تم نشر خارطة طريق في شهر نيسان من العام 2003، والتي ربطت التقدم السياسي في الأراضي الفلسطينية بإصلاح مؤسسات السلطة وبناء هياكل حكم فعّالة. في ذات العام، وضعت تعديلات جوهرية على النظام الأساسي الفلسطيني، عدلت من طبيعة نظام الحكم نفسه، وذلك باستحداث منصب رئيس الوزراء في النظام الأساس. وضعت تبعاً لذلك ترتيبات دستورية في النظام الأساسي لتحديد صلاحيات الرئيس ورئيس الوزراء، كمنصب مستحدث.
ينص تعديل عام 2003 صراحة على اختيار الرئيس لرئيس الوزراء (مادة 45)، ويُنشئ التعديل باباً كاملاً للسلطة التنفيذية يجعل فيه الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء (مادة 63)، ويُفصل فيه صلاحيات رئيس الوزراء (مادة 68).

في العام ٢٠٠٥، أُقرت تعديلات دستورية جديدة، بعد وفاة الرئيس عرفات، تتعلق بصياغة نظام انتخابي، مكن حركة حماس من المشاركة في الانتخابات التشريعية، بعد حدوث توافق وطني بين الفصائل الفلسطينية على خوض الانتخابات.

وأقر القانون الأساسي من بين تلك التعديلات بولاية تشريعية ورئاسية مدتها أربع سنوات، بعد أن كانت غير محددة، وتتوقف على انتهاء الفترة الانتقالية قبل هذا التعديل.

في إطار التطورات السياسية، وزيادة نسبة الدول المعترفة بفلسطين في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة ٢٠٠٨ – ٢٠٠٩، ومحاولات السلطة نيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، قام الرئيس عباس في العام ٢٠١١ بتفعيل لجنة صياغة الدستور، لمناقشة المسودة الرابعة والنهائية.

تأسست تلك اللجنة في الأصل بقرار من الرئيس ياسر عرفات، في شهر تشرين الثاني 1999، برئاسة نبيل شعث، لوضع مشروع دستور دائم لدولة، وعملت اللجنة من داخل أطر منظمة التحرير، المجلس المركزي.

وصدرت المسودة الأولى أواخر شهر كانون الأول 2000، ونُشرت في شهر شباط 2001، ووصلت إلى المسودة الثالثة، التي قُدمت للمجلس المركزي في 9 آذار 2003.

انتقل في هذا الجزء للإجابة عن السؤال الثاني، والمتعلق بمدى تقديم مسودة الدستور الجديدة الصادرة خلال العام الجاري، والتي تتكون من ديباجة، و13 باباً و162 مادة، حلولاً للأزمات السياسية والدستورية منذ العام ٢٠٠٧.

سرد بعض الانتقادات على مسودة الدستور الأخيرة، ومقارنتها بالواقع الحالي، يجيب عن ذلك السؤال.

في العام ٢٠٠٧، بعد حدوث الانقسام الفلسطيني، واجه العمل بالنظام الأساس الفلسطيني تحديات جوهرية.

تمثلت في تساؤلات ارتبطت بإعلان الرئيس لحالة الطوارئ، وتشكيله لحكومة طوارئ، ودعوته لاستفتاء شعبي، وكذلك حله للمجلس التشريعي، وإصداره للمراسيم الرئاسية التي لها قوة القانون، خصوصاً أن هناك حداً زمنياً محدداً لحالة الطوارئ، في ظل غياب متواصل للمجلس التشريعي، وعدم عقد انتخابات رئاسية وتشريعية طوال تلك السنوات التالية.

وهو ما أجبر السلطة على إعادة تفعيل هيكلية منظمة التحرير شكلياً.

أبرز الانتقادات المتداولة حول مسودة «الدستور المؤقت لدولة فلسطين 2026» (المطروحة للتعليقات العامة)

• الانتقاد الأول يرتبط بتشكيلة لجنة صياغة الدستور ومصدرها، والتي كان يفترض أن تضمن التوازن السياسي، في ظل انقسام حزبي صارخ، وعدم وجود برلمان، الإطار الشرعي القادر على احتواء هذا النوع من الانقسام.

• الانتقاد الثاني، ويرتبط بالأول، والذي يجعل إقرار المسودة، وفق المادة الأخيرة منها، مرتبطاً بقرار من الرئيس، في ظل الواقع السياسي الموضح أعلاه، وتزداد التعقيدات في ظل عدم وجود سقف زمني لإقرار الدستور.

• الانتقاد الثالث حول عدم تحديد حدود الدولة الفلسطينية، بما يتناقض مع ما أرساه القانون الأساس المعدل في العام ٢٠٠٣، وجعله بنداً تأسيسياً، خصوصاً في ظل التوسع الاستيطاني الشره، والتصريحات والممارسات الرسمية الإسرائيلية الخطيرة على مستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة.

• الانتقاد الرابع لفكرة أنه دستور المنشأ هو تنفيذي مؤقت للدولة الفلسطينية، فما الداعي له إذا كان هناك قانون أساسي مؤقت، ووظيفي.

• الانتقاد الخامس: غموض العلاقة بين الدولة الناشئة بفعل هذا الدستور المؤقت ومنظمة التحرير، كممثلة للشعب الفلسطيني.

• الانتقاد السادس تقنين صلاحية الرئيس بحل البرلمان، الواردة في نص المادة ٨٤ من المسودة، والتي تشترط التشاور، حيث تمنح تلك الصلاحية الرئيس قوة كبيرة على حساب البرلمان، وكانت هذه الصلاحية وراء أزمة سياسية متواصلة.

• الانتقاد السادس يتعلق بمنصب نائب الرئيس، والتي تمنح الرئيس صلاحية تعيين نائب وإقالته، ويفترض أن يصل الرئيس ونائبه بشكل انتخابي. وعندما يرتبط هذا الانتقاد بالانتقاد الثاني، وتقييد إقرار الدستور بقرار الرئيس وحده، دون وجود سقف زمني، يفتح ذلك الباب لتولي النائب الحالي للرئاسة، وفق ما نص عليه مرسوم التعين، وتلاشي فرصة تطبيق الشكل الشرعي لانتقال السلطة المنصوص عليها في مسودة الدستور.

• الانتقاد السابع يتعلق بسلطات الرئيس الخارجية الواسعة، الواردة في المادة ٨٢ من المسودة، والتي تمنحه سلطة التوقيع والتصديق على المعاهدات الدولية، ما يصعب السلطة الرقابية للبرلمان.

• الانتقاد الثامن حول باب السلطة القضائية، الذي طاله الكثير من الانتقاد، خصوصاً فيما يتعلق بعدم وقف عقوبة الإعدام، وتقليص بعض الحريات، خصوصاً النقابيّة منها.

• الانتقاد التاسع يتعلق بدور المحكمة الدستورية في الإعلان عن خلو منصب الرئيس، في ظل دور الرئيس الواضح في اختيار رئيس المحكمة، الأمر الذي يعني إقحام المحكمة في الصراع بدل تحييدها.

• الانتقاد العاشر يتعلق بتعديل الدستور، وفق المادة ١٥٥ من المسودة، والتي تمنح الرئيس القوة الأولى في اقتراح التعديل، مقابل ثلث أعضاء البرلمان، كما تحرم الشعب من التصويت على التعديل، في حال إقراره في البرلمان بأغلبية كبيرة.

يأتي ذلك في ظل عدم وجود خريطة طريق زمنية لعقد الانتخابات، الرئاسية والتشريعية، ومواعيد ممكنة للاستفتاء الشعبي على الدستور، ما يرجح أن مبادرة كتابة الدستور ارتبطت هذه المرة أيضاً باعتبارات سياسية، وليست مبادرة جادة لحل الأزمة الدستورية الفلسطينية المستعصية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى