د. سنية الحسيني: ماذا بعد أن تكشف دور إسرائيل في المنطقة؟
د. سنية الحسيني 1 يناير 2026 ماذا بعد أن تكشف دور إسرائيل في المنطقة؟
لعل أهم ما جاءت به أحداث 7 أكتوبر قبل عامين، هو انكشاف القناع الذي تخفت خلفه إسرائيل لسنوات، ليس فقط كقوة احتلال في فلسطين، تزور التاريخ وتتحايل على الجغرافيا وترتكب جرائم بحق الأبرياء، بل أيضا كقوة إقليمية خبيثة تسعى لتدمير قوى المنطقة لصالح سطوتها وسيطرتها على الشرق الاوسط. لعقود، خصوصا الأخيرة، سعت الولايات المتحدة وإسرائيل لتسويق إيران كعدو إستراتيجي لدول المنطقة، وفي ذلك مكسب مهم لإسرائيل، يضعف إيران ويعزلها، وهي دولة منافسة قوية لها، ويشغل الدول العربية القوية، خصوصاً دول الخليج، عن خطر إسرائيل، وتورطها في صراع ممتد مع منافس تاريخي لها.
هناك تطورات مهمة لافتة وقعت في الأيام الأخيرة الماضية، تكشف وعياً عربياً لخطورة تغلغل إسرائيل في المنطقة. جاءت الضربة السعودية لقوات مدعومة من الإمارات في اليمن، لتعكس هذا التطور. فرغم تشابك الأهداف السعودية الإماراتية في اليمن باستهداف الحوثيين، إلا أن السعودية اتخذت قرارها بمحاصرة الوجود الاماراتي في اليمن، وعزله. لم تعد علاقة إسرائيل والإمارات خفية، وهي علاقة بدأت وتطورت قبل اتفاقية التطبيع بين البلدين في العام ٢٠٢٠، إلا أنه منذ ذلك التاريخ أصبحت الإمارات تساعد إسرائيل علانية في تحقيق أهدافها الاستراتيجة في المنطقة، حتى على حساب حلفائها السابقين. وعليه، اختارت السعودية منع الوجود الامارتي الخطير في اليمن، حتى وإن جاء ذلك على حساب محاربة الحوثيين وإيران فيها. فهل باتت الإمارات ومن ورائها إسرائيل أخطر على السعودية والدول العربية من إيران؟ وخاصة وأن السعودية تتفاوض مع الحوثيين وإيران على تهدئة الأوضاع في اليمن.
ترتبط تلك التطورات مباشرة بحرب السودان، التي بدأت في العام ٢٠٢٣. فالسودان يشكل من الناحية الاستراتيجية شريطاً طويلاً على البحر الأحمر، بالإضافة إلى اعتبارات مهمة أخرى. ويمثل ذلك الوجود السوداني على البحر الأحمر بعدا مهما لإسرائيل، تسعى لأن لا يكون تحت سيطرة قوة معادية. وتدعم الإمارات في السودان قوات الدعم السريع ضد المؤسسة الرسمية السودانية، الممثلة بالجيش، الذي يدعمه مصر والسعودية والدول العربية، ودول العالم، كممثل رسمي للسودان، وكأن هناك حرباً بالوكالة بين الإمارات ودول عربية. والجدير بالذكر أن نظام البرهان قد قطع علاقته مع الإمارات، بسبب تزويد قوات الدعم السريع بأسلحة متقدمة. وهو الأمر الذي أشار اليه أيضاً مشرعون أمريكيون في الكونجرس، لدرجة قيام السودان برفع دعوة ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية.
يذكرنا ذلك بدعم الإمارات لإثيوبيا، والذي برز بوضوح خلال الصراع المصري الإثيوبي بسبب بناء إثيوبيا لسد النهضة، على حساب مصالح مصر والسودان. تعتبر الإمارات من أكبر المستثمرين الداعمين للإقتصاد الإثيوبي منذ العام ٢٠١٦، وتطورت العلاقة إلى دعم استراتيجي بعد ذلك، برز بشكل واضح في ملف سد النهضة منذ العام ٢٠٢٠، وهو العام الذي قامت فيه الإمارات بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وتعتبر العلاقات الإسرائيلية الأثيوبيّة من أهم العلاقات الاسرائيلية في أفريقيا، بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي، وتشعبت ضمن أطر أمنية وسياسية وتقنية. وتعد إثيوبيا حليفاً استراتيجيا تقليدياً لإسرائيل في أفريقيا. ويفسر موقع إثيوبيا الاسترتيجي القريب من البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي، البالغ الاهمية لإسرائيل، هذه العلاقة الاستثنائية بين البلدين. وشيدت إسرائيل منصة مراقبة استراتيجية في إثيوبيا، ولها تواجد أمني وتعاون استخباري وعسكري، لدرجة وصفت فيها إثيوبيا كبوابة إسرائيل الأمنية لأفريقيا. وتدعم إسرائيل إثيوبيا تقنياً في إدارة مواردها المائية، وهو ما يرجح الدور الإسرائيلي في بناء سد النهضة.
ينقلنا ذلك للتطور الأخير، والذي يتعلق باعتراف إسرائيل لـ “أرض الصومال”، الذي أثار ضجة كبيرة، فاسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي تعترف بهذا الكيان الانفصالي. إلا أن إثيوبيا قد سبقتها بتوقيع مذكرة تفاهم تنص على وصول بحري لإثيوبيا إلى سواحل “أرض الصومال”. وتنص المذكرة التي لم يفعل العمل بها، على تأجير حوالي ٢٠ كيلو متراً من سواحل “أرض الصومال” لإثيوبيا لمدة ٥٠ عاماًً. جاء الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” كخطورة استراتيجية محسوبة، ترتبط بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وفي توقيت يترتبط بتطورات البيئة الأمنية والسياسية الإقليمية. فاسرائيل بعد حرب غزة، وتفاعلات ذلك في إطار تصاعد التصادم مع الحوثيين في البحر الأحمر، باتت تبحث عن شركاء ساحليين خصوصا بالقرب من السواحل الجنوبية للبحر الأحمر، الذي يشكل مسألة أمن قومي لإسرائيل. وتعتبر “أرض الصومال” كياناً منفصلا عن الصومال منذ العام ١٩٩١، ورغم ذلك لا يعترف بذلك الانفصال وبذلك الكيان أي دولة من دول العالم. وتملك “أرض الصومال” ساحلًا طويلًا مقابل باب المندب.
ويفتح الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” تطبيعاً ضمن إتفاقيات إبراهيم وتعاوناً بحرياً أمنياً على البحر الأحمر. لا تفتح إسرائيل بذلك التطبيع مع “أرض الصومال” مواجهة مع الحوثيين وإيران فقط، في عقر دارهما في البحر الأحمر، بل تواجه الوجود التركي، الحليف المقرب للصومال في المنطقة. يقودنا ذلك لتفسير عامل الوقت وسبل التحرك الآني الإسرائيلي للأقدام على خطوة الاعتراف بـ “أرض الصومال” الآن. تعتبر العلاقة بين تركيا والصومال أعمق علاقة تركية في أفريقيا، ويمكن وصفها بأنها تحالف استراتيجي شامل، حيث قدمت تركيا نفسها كالراعي الدولي الأبرز للصومال. وتعتبر الصومال بالنسبة لتركيا بوابة للتواجد الدائم في القرن الأفريقي، وتمتلك فيها قاعدة توكسوم العسكرية، كأكبر قاعدة لها في الخارج. وجرى تنظيم الجيش الصومالي الحديث ضمن عقيدة وتدريب تركي. كما أن هناك تواجداً تركيا في ميناء مقديشو، الأمر الذي يمنح أنقرة موطئ قدم بحرياً مقابل خليج عدن. ويعد التواجد الإسرائيلي في “أرض الصومال” وبالقرب من باب المندب تهديداً مباشراً للنفوذ التركي في الصومال، والذي بنته أنقره خلال ١٤ عاماً، واختراقاً لمنطقة تعتبرها أنقرة امتدادًا طبيعيًا لنفوذها البحري خارج المتوسط.
يعيدنا ذلك لقضية التزامن، أي لماذا اختارت إسرائيل هذا الوقت بالذات للاعتراف بـ “أرض الصومال”. قد يرتبط ذلك أيضاً بالتحركات التي بدأتها إسرائيل الأسبوع الماضي لإنشاء قوة عسكرية ثلاثية مع اليونان وقبرص لمواجهة تركيا في شمال وشرق البحر المتوسط. فالمستهدف في العمليتين من قبل إسرائيل هي تركيا. فالقوة العسكرية الثلاثية، إن تبلورت ستؤثر على التوازن الاستراتيجي في تلك المنطقة، الذي يميل لصالح تركيا. يأتي ذلك في ظل صراع متصاعد حول التنافس البحري على الغاز في البحر المتوسط. إن ذلك يرتبط أيضاً بالعلاقة التركية الليبية، ومعاهدة ترسيم الحدود البحرية، التي تتعلق باستخراج الغاز البحري، والذي تعارضها إسرائيل واليونان وقبرص، والتنافس على مناطق النفوذ في البحر المتوسط. وقد يجيب ذلك أيضاً على تساؤلات حول انفجار طائرة مسؤولين ليبيين عسكريين قبل أيام، كانوا في زيارة رسمية لتركيا، ولهم دور مهم في تنسيق العلاقات الثنائية بين ليبيا وتركيا.
يبدو أن تطور الصراع الحالي في سوريا بين إسرائيل وتركيا قد وصل مرحلة معقدة، تفسر محاولات إسرائيل لحصار تركيا في مناطق نفوذ حساسة في البحر المتوسط والبحر الأحمر. ونشرت تركيا مؤخرا في شمال سوريا منظمة رادارات وصواريخ دفاعية، اعتبرتها إسرائيل تهديداً مباشراً الطيران العسكري الإسرائيلي. ويبدو أن الصراع بين إسرائيل وتركيا في سوريا يتصاعد في ظل تمدد إسرائيلي عسكري وأمني داخل البلاد، ودعم إسرائيل للأقليات الكردية والدرزية عسكريا في سبيل تقسيم واضعاف الدولة السورية، وهو ما يتناقض مع الموقف التركي وكذلك السعودي، اللتان تدعمان وجود دولة سورية متماسكة. وترفض قوات قسد، المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، الإلتزام بالاتفاق الذي أبرم قبل ثمانية أشهر، ويلزم تلك القوات بالانخراط بالقوات العسكرية السورية الرسمية وتحت عباءتها. وترفض تركيا التواجد العسكري لقوات قسد في الشمال السوري، وتعتبر أنه يشكل تحدياً للأمن القومي التركي.
وفي ظل تلك التطورات في سوريا، وتصاعد الصراع بين إسرائيل وتركيا، تبدو مبادرات إسرائيل في البحر المتوسط مع اليونان وقبرص. وبتطبيع العلاقات مع “أرض الصومال” محاولات ضغط على تركيا، في إطار فرض إسرائيل لمعادلات القوة على المنطقة.
إن الحقيقة التي حاولت أن تتجاهلها دول المنطقة لعقود طويلة هي وجود إسرائيل ككيان معادي لجميع دولها، يعمل على تدميرها، لأن ذلك يجعله تلقائيا الأقوى فيها. لم تنس إسرائيل ولن تنسى أنها محاطة بالعداء، وذلك يفسر استراتيجيتها الأمنية والعسكرية تجاه الدول المحيطة بها، ويبدو أن هذه الدول اليوم باتت تخشى دور إسرائيل ومخططاتها.
وفي النهاية، يبدو جلياً أن نزع سلاح حزب الله في لبنان، والخلاف اللبناني اللبناني، يصب في مصلحة إسرائيل على حساب لبنان. كما أن نزع سلاح فصائل المقاومة في فلسطين، في ظل مواصلة إسرائيل لاحتلالها وتمددها واعتداءاتها على أرض الفلسطينيين، وتنكرها لحقوقهم، يصب في مصلحة إسرائيل على حساب مستقبل القضية الفلسطينية. يأتي ذلك بالإضافة إلى أن تقوية مكانة الأقليات المسلحة في سوريا، والمدعومة من إسرائيل، يأتي على حساب وحدة واستقرار الدولة السورية، وفي غير صالحها.
مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook



