د. سنية الحسيني تكتب - العلاقات التركية المصرية إلى أين؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. سنية الحسيني تكتب – العلاقات التركية المصرية إلى أين؟

0 193

بقلم  د. سنية الحسيني  *- 18/3/2021

منذ أيام تصاعدت وتيرة تصريحات تركية مصرية متبادلة حول إمكانية عودة العلاقات بين البلدين. لم تأت تلك التصريحات مفاجأة، فقد أفصحت الأشهر الأخيرة عن تصريحات لمسئولي البلدين تفيد بإمكانية ذلك. كما أبدت تركيا منذ مطلع العام الماضي رغبتها بإعادة تطبيع علاقاتها مع مصر. ويبدو أن التطورات التي لحقت بالمنطقة مؤخراً قد تساهم في تحقيق ذلك، خصوصاً في ظل برود العديد من الجبهات المشتعلة، وتقاطع المصالح بين البلدين. ولكن اذا ما تحققت المصالحة بين هذين البلدين الإقليميين المركزيين، فما هي حدود تلك المصالحة وما هو مداها، في ظل اعتبارات يصعب معها التجاوز عن التوازنات والتحالفات الموجودة في المنطقة اليوم؟.

في الرابع عشر من شهر آذار الجاري، جاء تأكيد سامح شكري وزير الخارجية المصري، بأنه قد يكون هناك أرضية ومنطلق لعلاقات طبيعية مع أنقرة في حال تغيرت السياسة التركية تجاه مصر والتزمت بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وانتهجت سياسات إقليمية تتوافق مع السياسة المصرية. جاء ذلك رداً على ما أعلنه مولود تشاووش أوغلو، وزير الخارجية التركي يوم الجمعة الماضي، حول بدء الاتصالات بين تركيا ومصر من أجل إعادة العلاقات إلى طبيعتها. وبدأت وتيرة التصريحات في التصاعد منذ مطلع شهر آذار الجاري، اذ أشار أوغلو إلى استعداد تركيا للتفاوض والتوقيع على اتفاقية الاختصاص البحري مع القاهرة، في ظل تلميح وزير الدفاع التركي بعدها بايام باحتمال حدوث تطورات جديدة مع مصر. وكان فيصل أوغلو، مبعوث الرئيس التركي إلى العراق قد أعلن أيضاً استعداد بلاده للتوسط في أزمة ملف سد النهضة بين مصر وأثيوبيا.

رغم أن العلاقات التركية المصرية كانت في أوج تألقها في عهد الرئيس حسني مبارك، ثم زادت ازدهاراً في عهد الرئيس محمد مرسي، خفتت تلك العلاقات بصعود الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، اذ لم تعترف تركيا بالنظام المصري الجديد واعتبرته غير شرعي. وجرى تخفيض التمثيل الدبلوماسي بين البلدين منذ شهر تشرين الثاني عام ٢٠١٣، بعد أن سحبت مصر سفيرها من أنقرة وطلبت مغادرة السفير التركي القاهرة. واستقبلت تركيا قيادات معارضة إسلامية مصرية وسمحت لها بممارسة العمل السياسي والإعلامي ضد النظام المصري، بالمقابل استهدف الإعلام المصري تركيا ورئيسها. وامتد الصراع بين البلدين في اطار الازمة الخليجية حيث تأججت بحصار  قطر في شهر حزيران عام ٢٠١٧، والتي تعمقت في اطارها تجاذبات المحاور في المنطقة. اتهمت قطر بدعم الارهاب، في إشارة إلى دعمها لجماعة الاخوان المسلمين، واصطفت تركيا إلى جانب قطر، مؤسسة أول قاعدة عسكرية لها في الخليج. وكانت مصر من بين أعضاء المحور المقابل الذي ضم دولة الامارات العربية والمملكة السعودية والبحرين.

وتوالت الخلافات تباعا وتصاعدت بين البلدين بعد ذلك،  فتأجج الصراع بينهما في ليبيا إلى أن وصل حد التهديد المصري بالتدخل العسكري لوقف تقدم قوات حكومة الوفاق الشرعية التي تدعمها تركيا، والتي وقعت تركيا معها اتفاقات أمنية وعسكرية، من أجل استعادة مدينة سرت وقاعدة الجفرة من قوات خليفة حفتر الذي تدعمه مصر ودولة الامارات بالإضافة إلى فرنسا وروسيا. وتبني الرئيس المصري  سياسات معارضة للمصالح التركية في شرق المتوسط، فأسست مصر منتدى غاز شرقيّ المتوسط عام ٢٠١٤ الذي ضم إسرائيل واليونان وقبرص بالإضافة إلى الأردن والسلطة الفلسطينية بينما استبعدت تركيا، ووقعت عدداً من الاتفاقيات لترسيم الحدود البحرية مع كل من قبرص واليونان. وفي المقابل، قامت تركيا بترسيم المنطقة الاقتصادية المشتركة بينها وبين ليبيا في شهر تشرين الثاني عام ٢٠١٩، والذي رفضته مصر واعتبرته غير شرعي.

خلال السنوات الماضية تبدلت المواقف وتكشفت العديد من الحقائق، الأمر الذي فرض على تركيا ومصر إعادة النظر في مواقفهما وسياساتهما تجاه بعضهما البعض. حدت قمة العلا من حدة العلاقات العدائية بين الدول الخليجية الشقيقة، وبات هناك تقارب بين قطر والسعودية والدول الأخرى بدرجات متفاوتة، ولم يعد هناك مبرر لمصر لابقاء علاقات معادية مع قطر أو حتى تركيا، خصوصاً في ظل تطور العلاقات التركية مع الكويت وعمان، والسعودية. وفي مطلع هذا العام تمّت تسوية أزمة حصار قطر في قمة العلا، كما ازدادت التوجهات نحو التوصل إلى تهدئة في ليبيا، وباتت مصر أكثر موضوعية في مواقفها تجاه غاز شرق المتوسط، بما يتفق مع مصالحها في الأساس، ويتقاطع مع موقف تركيا. بدلت القاهرة مؤخراً سياستها تجاه الأزمة الليبية، وباتت مواقفها أقرب إلى مواقف أنقرة، فقد أرسلت وفداً دبلوماسياً وأمنياً رفيع المستوى إلى طرابلس، وبات هناك امكانية لاعادة سفارتها اليها، والتي أغلقت منذ عام ٢٠١٤. وعندما بدأت التنقيب في شرق البحر المتوسط، احترمت مصر اتفاقية أنقرة وطرابلس حول الحدود البحرية، وكانت قد أكدت في وقت سابق بأن هذه الاتفاقية لا تضر بمصالحها، كما قبلت بتحفظات تركيا على الحدود البحرية والجزر عند توقيعها اتفاقية ترسيم الحدود مع أثينا في شهر آب الماضي.

خلال السنوات الأخيرة تكشفت أمام مصر العديد من الحقائق التي تتعلق بسياسة حلفائها تجاهها، خصوصاً الحليفين الإماراتي والإسرائيلي، حيث أعطى ذلك مبرراً آخر لمصر لإعادة النظر في علاقاتها المضطربة مع تركيا. كشفت إتفاقية التطبيع الإماراتية الإسرائيلية عن اتفاقيات تجارية بين البلدان من شأنها الاضرار بمصر. وتتطلع أبو ظبي وتل أبيب إلى تدشين خط أنابيب يتجنب المرور بقناة السويس، ويمتد من أبو ظبي -مرورا بالأراضي السعودية- إلى ميناء إيلات في خليج العقبة بالبحر الأحمر، ومنه إلى ميناء “أشكلون” بالبحر المتوسط. وتتحجج إسرائيل بأن الطريق البحري ما بين بحر العرب وقناة السويس بات مكلفاً مادياً وأمنياً في ظل التهديدات الايرانية. إن ذلك المشروع ومشاريع أخرى شبيهة بين دولة الامارات العربية وإسرائيل قد تضع مصر أمام تحديات صعبة، وتجعل من إسرائيل الرابح الأكبر في هذه المعادلة.  هذا بالإضافة إلى أن إسرائيل تعتبر المستفيد الأول من منتدى شرقي المتوسط، والذي مكنها من تصدير ما لديها من غاز عبر فتح مسارات مع دول المنتدى ومنها مصر والأردن.

منذ اكتشاف حقل “ظهر” المصري للغاز في البحر المتوسط وحقول أخرى، باتت مصر تتطلع لأن تكون مركزاً إقليمياً للطاقة، على أساس استيراد الغاز من الدول المجاورة ومعالجته ثم تصديره. وتملك مصر خط أنابيب غاز مع إسرائيل وآخر مع الأردن، كما تخطط لمد خط أنابيب بينها وبين قبرص، بالاضافة إلى امتلاكها لقناة السويس التي تسهل وصول الغاز إلى أي مكان في العالم، كما تحتفظ مصر، بشكل منفرد من بين دول المنطقة، في دمياط وقرب الإسكندرية بمنصتين لتسييل الغاز. جاء توقيع إسرائيل وقبرص واليونان في كانون الثاني من العام الماضي على اتفاق يتجاهل مصر، وذلك بمد خط أنابيب “إيست ميد” لنقل الغاز الطبيعي من منطقة شرق البحر المتوسط إلى أوروبا، انطلاقاً من إسرائيل وصولاً إلى إيطاليا، بمثابة عمل يقوض الحلم المصري، على الرغم من عدم حسم مسألة نجاح اتمام المشروع كما هو متوقع له عام ٢٠٢٥.

على الرغم من مصالحها الاستراتيجية والتي قد تتعارض مع سياسات ومواقف حليفتيها، الامارات وإسرائيل، كما هو الحال في ملف سد النهضة حيث تدعما أثيوبيا على حساب مصر، ومشاريع الطاقة وغيرها، الا أن تحالفات مصر الاقتصادية والسياسية والأمنية وارتباطها العميق بمحور “دول الاعتدال”، خصوصا الاقتصادية منها مع دولة الامارات العربية، والأمنية والسياسية مع إسرائيل، خصوصاً ما يتعلق بامن سيناء وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، تجعل من الصعب على مصر تغيير تحالفاتها ومحاورها. وتبقى البراغماتية التركية، التي سمحت باستمرار العلاقات الاقتصادية مع مصر طوال سنوات القطيعة السبع والتي حكمتها في الأساس اعتبارات المصالح، وإمكانية تعامل مصر مع تركيا في حدود ما تسمح به شروط وجودها في محور “دول الاعتدال” هي المحدد الأقوى لمستقبل العلاقات بين مصر وتركيا.

 * كاتبة وأكاديمية فلسطينية.

sania_hus@yahoo.com    

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.