د. رمزي عودة يكتب - انقلاب أبيض في الإستراتيجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. رمزي عودة يكتب – انقلاب أبيض في الإستراتيجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية

0 64

د. رمزي عودة *- 2/1/2021

وصف تقرير أعده مركز الأمن الأميركي، السياسات الترامبية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأنها سياسات مضرة بالمصالح الأميركية في المنطقة، وأنها أدت الى نتائج عكسية على الاستقرار في المنطقة وعلى الحل النهائي لتسوية الصراع. وبالرغم من أن هذا التقرير غير ملزم لإدارة بايدن، الا أن مركز الأمن الأميركي يعتبر من المراكز المهمة في صنع السياسة الخارجية الأميركية للإدارات الديمقراطية، كما أن معدي التقرير من الوازنين الذين لديهم خبرة واسعة في منطقة الشرق الأوسط؛ فقد شغل السيد غولدنبرغ الباحث الرئيس في التقرير منصب رئيس أركان المبعوث الخاص للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية في وزارة الخارجية الأميركية. ولعب دورا قياديا رئيسيا مع الفريق المصغر الذي يدعم مبادرة الوزير كيري لإجراء مفاوضات سلام الوضع الدائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين. أما مايكل كوبلو الباحث الثاني فهو مدير السياسات في منتدى السياسة الإسرائيلية، وبالنسبة لتمارا كوفمان ويتس الباحثة الثالثة فهي زميلة أولى في مركز سياسة الشرق الأوسط في معهد بروكينغز.

يشير التقرير الى ضرورة قيام إدارة بايدن الجديدة بانتهاج ثلاث سياسات معاكسة بشكل دراماتيكي لسياسات ترامب السابقة تجاه القضية الفلسطينية، وهي:

أولا- معالجة القضايا الملحة التي تهدد أي إمكانية لإحراز تقدم في معالجة الصراع وتمنع الولايات المتحدة من لعب دور بناء. وهنا يدعو التقرير الى إعادة فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة والغاء صفقة القرن وإعادة فتح قنصلية أميركية في القدس، وإعادة منح الأموال لوكالة غوث اللاجئين، الى أخره من إجراءات بناء الثقة مع القيادة الفلسطينية.

ثانيا- اتباع خطوات ملموسة لتحسين الحرية والأمن والازدهار للإسرائيليين والفلسطينيين بشكل هادف، ودفع آفاق حل الدولتين المتفق عليه للنزاع على المدى المتوسط. حيث يدعو التقرير إلى الاعتراف بمرجعية قرار 242 كإطار دولي لحل الدولتين وفرض عقوبات على إسرائيل إذا ما استمرت في سياسة الاستيطان والضم. كما يدعو التقرير الى البدء بخطوات عملية لتوسيع سيطرة السلطة الوطنية على مناطق “ج” ومناطق “ب”.

ثالثا- إعادة تشكيل دور الولايات المتحدة من أجل مزيد من المثابرة والتأثير، من خلال تعديل كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الأطراف ذات العلاقة وبقية العالم بشأن هذه القضية. حيث يدعو التقرير الى التعاون مع الدول العربية والأطراف الدولية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وعدم تشجيع سياسات التطبيع بين دولة الاحتلال والدول العربية.

بالضرورة، نستشف مما ورد في التقرير أن السياسة الأميركية الجديدة والمتوقعة تجاه القضية الفلسطينية ستمثل انقلابا أبيض على السياسات الترامبية الشعبوية السابقة تجاه الصراع، وستتبلور هذه السياسة وفقا للمحددات التالية:

– لن تكون صفقة القرن جزءا من هذه السياسة، وعلى العكس ستؤكد الإدارة الجديدة على التزامها بحل الدولتين ورفض الاستيطان وعدم الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة للدولة العبرية.

– ستتضمن هذه السياسة إمكانية فرض عقوبات على إسرائيل إذا ما استمرت في سياسات الاستيطان وإنشاء الطرق الالتفافية الاستيطانية وتعطيل حل الدولتين.

– ستتضمن السياسة الأميركية الجديدة طلب تعديلات في السياسة الفلسطينية تجاه المصالحة والأسرى والحريات، حيث سيطلب من السلطة الوطنية إجراء تغييرات شكلية تجاه دعم الأسرى من خلال تحويلهم إلى ملف المساعدات الاجتماعية في موازنة السلطة، كما سيطلب منها اتخاذ إجراءات مناسبة لإعادة العملية السياسية الى سابق عهدها قبل الانقسام.

– لن تتضمن السياسة الجديدة تشجيع اتفاقات التطبيع العربي مع دولة الاحتلال، باعتبار أن هذه الاتفاقات غير مفيدة في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث تشجع هذه الاتفاقات إسرائيل على عدم المضي قدما في تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وهو موضوع الصراع الأساس في المنطقة.

من الأهمية بمكان بالنسبة للسياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، ألا يؤدي السعي لتحقيق حل الدولتين في المستقبل إلى تأجيل الولايات المتحدة خطوات لزيادة الحرية والازدهار والأمن للجميع. وهذا يعني قيام الولايات المتحدة باتباع سياستين متوازيتين لا متقاطعتين، بالنسبة لكل من مفاوضات الحل النهائي والمفاوضات متعددة الأطراف المتعلقة بالتعاون والازدهار وتشجيع الحريات.

في السياق السابق، يبدو السؤال المهم الآن: كيف ستستثمر القيادة الفلسطينية هذا التحول الدراماتيكي المتوقع  في السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية؟؟ وهنا، فإنني أجادل بأن على القيادة الفلسطينية أن تبدأ بالتحرك والتفاعل الخارجي، وأن تبتعد عن سياسة الانتظار ورد الفعل. وأقصد هنا، أهمية العمل على التفاوض والتواصل مع فريق بايدن الانتقالي، وتوضيح المواقف الفلسطينية تجاه الصراع، وتجاه السياسات الأميركية المتوقعة في المنطقة، وهي بالمناسبة سياسات ليست بعيدة عن مبادرة السيد الرئيس أبو مازن المتمثلة بالدعوة الى عقد مؤتمر دولي للسلام برعاية دولية. وربما تفيد عملية إعادة إنتاج منظومة العلاقات بين دولة فلسطين المحتلة وبين إدارة بايدن المنتخبة في هذه الأثناء بالتحديد، في بلورة سياسات أكثر وضوحا واتساقا مع المصالح الفلسطينية، كما أن مثل هذه العلاقات والاتصالات ستعزز من فرص توجه حكومة بايدن لتطبيق معايير السياسة الأميركية الجديدة باتجاه يراعي بشكل أكبر المصالح الفلسطينية.

* مدير وحدة الأبحاث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.