د. رفيق الحسيني يكتب - نحن وأمريكا في عهد بايدن ... الهجمة الصهيونية المضادة بدأت فهل نحن جاهزون؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. رفيق الحسيني يكتب – نحن وأمريكا في عهد بايدن … الهجمة الصهيونية المضادة بدأت فهل نحن جاهزون؟

0 102

بقلم د.رفيق الحسيني *- 2/2/2021

أثلجت خسارة الرئيس ترمب صدور معظم الفلسطينيين في الوطن والشتات، وأنا منهم… فرحل بدون أن يخلّف أصدقاء في العالم، إلا نتانياهو الذي أثنى عليه في يوم شتمه الأمريكيون أنفسهم بسبب تحريضه لمؤيديه على اقتحام الكونغرس عنوة … وهو عمل لا يقوم به إلا الدكتاتوريون في جمهوريات الموز البائسة!

ومع ترمب، رحل زوج ابنته الصهيوني كوشنر وسفيره فريدمان ومستشاره غرينبلات ورجالاته من قيادات المعسكر الصهيوني المسيحي الداعم لسياساته العنصرية والمؤيد لإسرائيل بدون تحفظ … كما رحل معه شيلدون أديلسون اليهودي الملياردير الذي موّل حملته الانتخابية الأولى والثانية بالملايين مقابل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وحل مكان ذلك الرئيس الوبش رئيس جديد قديم، متمرس في قضايا الشرق الأوسط … فقد قضى أكثر من ثلاثة عقود في مجلس الشيوخ كان خلالها رئيساً لعدد من اللجان الهامة، وكان نائباً للرئيس أوباما على مدى ثمان سنوات، الذي أرسله عدة مرات إلى الشرق الأوسط لإقناع إسرائيل بالتروي في بناء المستوطنات حتى لا تقضي على حل الدولتين، كان أهمها في العام 2010، فما كان من نتانياهو إلا أن أعلن عن بناء حفنة جديدة من الوحدات السكنية في مستعمرة رامات شلومو بالقدس الشرقية عشية وصوله، الأمر الذي أثار في حينها رد فعل عنيف من بايدن، فتوترت العلاقات بين الحكومتين وما كان من أوباما لاحقاً إلا أن أمر مندوبته في مجلس الأمن سامانثا باور – ولأول مرة – بالامتناع عن التصويت – بدلاً من استخدام حق الفيتو – على قرار ادانة إسرائيل لإقامتها المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة! والجدير بالذكر أن بايدن عيّن باور مؤخراً كرئيسة للوكالة الأمريكية للتنمية.

وبايدن هو ثاني مسيحي كاثوليكي يصبح رئيساً لأمريكا بعد جون كينيدي، الذي لم يكن يطيق بن غوريون على الاطلاق، وكان قد هدده في العام 1963 بفرض المقاطعة على إسرائيل إذا لم يلتزم بالكشف عن برنامجها النووي، فجاء اغتياله على أيدي مجهولة بعد أسابيع معدودة!

وهو مرتبط بعلاقة قوية مع البابا فرنسيس الأرجنتيني الأصل والذي طالما أظهر عطفاً على وضع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة. كما أنه – ككينيدي – من أصل أيرلندي وبالتالي متعاطف ضمنياً مع الفلسطينيين – بسبب نضال الأيرلنديين المشابه للنضال الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني في النصف الأول من القرن الماضي.

كما أن بايدن يعرف أن نتانياهو كان يتمنى فوز ترمب عليه ودعمه بكل إمكاناته، فالأخير- كما كان واضحاً – كان كالخاتم في أصبع رئيس الوزراء الإسرائيلي. بالمقابل، فإن بايدن يعرف أن معظم يهود أمريكا – وبخاصة الجيل الشاب – قد اقترعوا لصالحه كما السود والأقليات الأخرى، فهم لا يطيقون ترمب ولا المسيحيين الصهاينة ولا حتى نتانياهو… ولا يؤمنون بسياسته الرامية إلى الإطاحة بفكرة الدولة الفلسطينية من أساسها… فمعظم هؤلاء اليهود الأمريكيين – الذين تابعوا ما قاله مرشح الرئاسة عن الحزب الديمقراطي السناتور اليهودي بيرني ساندرز عن إسرائيل – أصبحوا يعون بأن إسرائيل بسياساتها اليمينية الحالية وبسيطرتها الكاملة على مقدرات الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، سوف تدمّر حل الدولتين بشكل نهائي مما يعني قيام دولة واحدة نصف سكانها (أو أكثر) من العرب، تعمل على نظام عنصري مثلما كانت جنوب أفريقيا، فتُدمّر الدولة اليهودية في المستقبل! كما استوعب اليهود الأمريكيين الشباب الذين بدأوا يخرجون من “الغيتو” التي حشرتهم الحركة الصهيونية فيه لسنوات طوال أن الفلسطينيين لن ينسوا وطنهم حتى بعد أن مات الآباء والأجداد وما زالوا متمسكون بترابهم، لا يخيفهم لا تهديد بالقتل أو السجن أو الاغتصاب وبأن “يهوا” إله اليهود – الذي ادعت الصهيونية التلمودية (بالتعاون مع المسيحية الصهيونية) أنه أحضرهم الى “أرض الميعاد” – لا ينوي اقتلاع الفلسطينيين منها كما وعد!

بالتأكيد إن ما حاولت ايضاحه عن بايدن من إيجابيات في سطور قليلة أعلاه، قد دققت فيه بتمعن مراكز الدراسات الصهيو–أمريكية وكتبت في تحليله مجلدات قبل أشهر من هزيمة ترمب، ووضعت خطة سياسية وإعلامية مُعمّقة للتعامل مع السلبيات الذي سيجلبها انتصاره وتفادي كل المخاطر التي ستحدثها خسارة ترمب، واستغلال كافة الفرص المتاحة وهي محدودة – مقارنة بأيام ترمب – التي ستظهر بارتقاء بايدن والحزب الديمقراطي سدة الحكم.

قبل أيام أرسل لي أحد الأصدقاء دراسة محدودة التوزيع نشرها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy) وهي عبارة عن توجيهات سياساتية قدمها الباحث الرئيسي ديفيد ماكوفسكي لإدارة الرئيس الجديد بايدن. ومن غير المعروف للقارئ الفلسطيني – ولا حتى الأمريكي – أن هذا المعهد تم إنشاؤه سرّاً من قبل منظمة إيباك (التي تمثل اللوبي السياسي الصهيوني كبير التأثير في واشنطن) في العام 1985 ليعمل لصالح إيباك في الخفاء. وبعد قراءة ما جاء في ورقة ماكوفسكي بتمعن، أضحى واضحاً أن ما جاء في هذا البحث من توصيات هي خلاصة الخطة الصهيونية للتعامل مع بايدن وادارته الجديدة!

تتلخص الدراسة التي أعدها ماكوفسكي – وهو يميني صهيوني – وقدمها لإدارة بايدن، بمساعدة دينيس روس مسؤول التخطيط السياساتي السابق في وزارة الخارجية خلال إدارة الرئيس بوش الابن (وهو من نفس الفصيل)، في النقاط التالية (ترجمة حرفية):

الاستثمار في التطبيع العربي – الإسرائيلي؛

البناء على التطبيع لتقليص الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وابقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض للوصول إلى حل الدولتين؛

استكشاف ترتيبات موازية بين إسرائيل والسعودية ودول عربية أخرى، وأيضاً بين إسرائيل والفلسطينيين. حيث أن التقدم في العلاقات الإسرائيلية السعودية سيحفز على إنهاء الطريق المسدود التي وصلت إليه العلاقات الإسرائيلية – الفلسطينية؛

تأكيد دعم الولايات المتحدة لأمن إسرائيل. وإذا قامت إسرائيل بتحديد النشاط الاستيطاني ضمن الجدار الأمني (جدار الفصل العنصري)، فان على الولايات المتحدة أن تفرّق بين المستوطنات المتوافقة مع حل الدولتين والمستوطنات التي تقوّض إمكانية ذلك؛

الاستمرار في إبقاء السفارة الأمريكية في القدس وبنفس الوقت يتم توضيح السياسة بخصوص مستقبل المدينة؛

إعادة التواصل الدبلوماسي المباشر مع السلطة الفلسطينية، مع التركيز على الحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، وتأسيس نظام دعم اجتماعي مبني على الحاجة؛

مساندة الفرقاء في الحفاظ على هدنة في قطاع غزة بتسهيل دعم مالي متواضع (محدود)؛

تعيين مسؤول لتنسيق عناصر السياسة المذكورة أعلاه، مع التركيز على مسألة ثقة الفرقاء بهذا الشخص أكثر من سيرته السياسية.

ماذا يعني إذا تبنت الحكومة الأمريكية الجديدة خطة ماكوفسكي وأفكاره؟

أولاً: إن سياسة حثّ الدول العربية على التطبيع مع إسرائيل (على حساب التنازل عن الخطوط الحمر بالنسبة لفلسطين) ستستمر على قدم وساق، تحت ستار الادّعاء أن هذه السياسة “ستردع إسرائيل عن ضم أراض إضافية تمنع تحقيق حل الدولتين” وهو سبب واه، ولكن الولايات المتحدة والدول العربية المُطبّعة اعتبره تنازلاً هاماً من جانب إسرائيل.

ثانياً: اعادة العلاقة الأمريكية مع المملكة العربية السعودية الى مسارها والتي كان بايدن قد هدد بالحاق الضرر بها نتيجة لدعمها غير المحدود لترمب ضد أوباما، متذرعاً بما حدث مع الصحفي السعودي جمال خاشوقجي وبالحرب “غير الانسانية” التي استهدفت المدنيين والأطفال في اليمن.

ثالثا: تأكيد الدعم المطلق لأمن إسرائيل يعني أن الإدارة الأمريكية ستزود إسرائيل بأكثر أنواع الأسلحة تقدما وتمتنع عن بيعها لأي من البلدان المحيطة بإسرائيل، وستدعمها بالمال بدون قيد أو شرط.

رابعا: الاعتراف بالمستوطنات التي يشملها جدار الفصل العنصري وهي تمثل أكثر من 90% من المستوطنات الحالية بما فيها كافة مستوطنات القدس والخليل وسلفيت ورام الله ونابلس وقلقيلية الخ.

خامسا: إبقاء السفارة الأمريكية في القدس بما لذلك من معان ومغاز، مع التفاوض مع إسرائيل على امكانية إعادة فتح قنصلية في القدس الشرقية، الأمر الذي سيحتاج إلى موافقة إسرائيلية حسب ورقة ماكوفسكي، الأمر الذي لن توافق عليه إسرائيل الا إذا حافظت على كل (أو معظم) الإنجازات التي حصلت عليها في عهد ترمب.

سادسا: في مقابل كل ذلك، يقترح ماكوفسكي أن تعيد الحكومة الأمريكية فتح قنوات الاتصال مع السلطة (مكتب واشنطن ومنسق لعملية السلام) ودعمها (ولو بشكل غبر مباشر لحين حل قضية مخصصات الأسرى والشهداء) والأونروا بالأموال، والسماح لبعض الأموال المحدودة بدخول غزة … مع التشديد على رفض دعم أسر الأسرى والشهداء ونعت كل ما لا يوافق إسرائيل (من أعمال تقوم به السلطة لصالح أي عمل مقاوم للاحتلال) بالفساد الإداري والمالي والتهديد بوقف كافة أشكال الدعم.

وفي الحقيقة، فإن كل ما يدّعي ماكوفسكي أنه في صالح الفلسطينيين – بعض المال وفتح قنوات الاتصال – يخدم اسرائيل في الأساس، حيث يمكن أن يؤدي الى إخماد التفكير الفلسطيني بخصوص انتفاضة جديدة أو أي نوع من أنواع المقاومة السلمية، ويُبقي على الوضع الحالي الذي هو – على المدى القصير والمتوسط – لصالح إسرائيل.

بالتأكيد، إذا ما تبنّت الحكومة الأمريكية الجديدة ما نصح به ماكوفسكي – ومن وراءه دينيس روس وغيرهم من الصهيونيين المُتستّرين بثوب الباحثين عن مصالح الولايات المتحدة، فإن إسرائيل تكون قد حافظت على كافة ما حققته من إنجازات في عهد ترمب وكوشنير وايدلسون، وبالمقابل لم يحصل الفلسطينيون على أي أنجاز يُذكر باستثناء إعادة فتح مكتب تمثيل في واشنطن والحصول على بعض الدعم المالي “التصبيري” المحدود للسلطة ولحماس وللأونروا والذي “لا يُسمن ولا يُغني من جوع”.

ولذلك، وحتى نتمكن من منافسة اللوبي الصهيوني الذي خلع ثوب الأسد بعد رحيل ترمب وزبانيته ولبس ثوب الثعلب، نحتاج – اليوم قبل غداً – إلى خطة مركزية مبنية على منهجية سياسية إعلامية واقعية، تناقض الطروحات الصهيونية وتُنافسها، تستخدم المنظمة / السلطة في تحضيرها أشخاصاً مخضرمين في العمل مع الأمريكيين والغرب في القطاعات الاقتصادية والسياسية والإعلامية المختلفة. وهناك في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أعداداً كبيرة من الشباب الفلسطيني والعربي المتعلم والمثقف والذي يتطلع إلى خدمة قضيته العادلة وتنفيذ أية خطة مدروسة تُعيد فلسطين على خارطة العالم كما كانت في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

آن الأوان برأيي المتواضع – ورغم فقداننا لمراكز الأبحاث ومراكز التخطيط ومكاتب التعبئة الفكرية التي امتلكناها سابقاً – أن نجد آلية أفضل لتحليل واستيعاب ما يدور من حولنا وما يُخطط لنا … وأن نعود للتفكير والتحليل والتخطيط الاستراتيجي الذي امتلكنا بعض مقوماته سابقاُ، ولا نعتمد في التعامل مع بايدن وادارته الجديدة على أفكار غير مدروسة موجودة في رأس شخص أو إثنين، فنصبح في التصدّي للمشروع الصهيوني مثل شخصية زوزو الهزلية في مجلة السندباد … الذي كان يأتي بفكرة غير مدروسة، وعندما يفشل في تنفيذها وتنقلب فكرته إلى مصيبة ويخسر كل شيء، يهرش رأسه ذا الشعرة الواحدة ويقول مُبتسماً: “يا لها من فكرة!”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.