د. رائد نجم يكتب - المصالحة تغلق الباب أمام الحل الاقليمي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. رائد نجم يكتب – المصالحة تغلق الباب أمام الحل الاقليمي

0 69

بقلم  د. رائد نجم * – 27/9/2020

كان الشرق الأوسط مستقراً نسبياً في ظل النظام الجيوسياسي القديم الذي نشأ في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والذي كان قائماً على توازن القوى بين قوتين عالميتين وحلفائهما المحليين، ولكن مع انتهاء الحرب الباردة انهار النظام. وبقيت الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة في الاقليم، ولكن نفوذها تراجع لعدة لأسباب أهمها فشلها في تحقيق السلام في المنطقة من خلال ممارسة الضغط على حليفتها “اسرائيل” بما يخدم تعزيز نفوذها في المنطقة. وتجربة الربيع العربي التي افقدتها ثقة حلفائها بها في المنطقة. وادارتها غير الناجحة للملف العراقي الذي نتج عنه نفوذ ايراني اوسع في العراق، وفشلها في الملف السوري والذي ترجم بدخول روسيا للمنطقة وتعزيز مكانتها، وخلافاتها المتصاعدة مع القوى البارزة في الاقليم ايران وتركيا وباكستان. وعجزها عن تحقيق الانتصار في افغانستان ما اضطرها للاتفاق مع حركة طالبان. وهو ما أدى الى ظهور قوى اقليمية ومحاولتها ملء الفراغ وابرزها ايران وتركيا و”اسرائيل” وبأقل درجة ما يعرف بمحور الاعتدال العربي.

ومع ذلك تمكنت الولايات المتحدة من استعادة قدرتها على توجيه وقيادة منطقة الشرق الأوسط رغم عودة ظهور روسيا وصعود الصين في المنطقة. وترجم هذا النجاح من خلال بدء الولايات المتحدة ببناء محور استراتيجي تقليدي بين إسرائيل ودول محور الاعتدال العربي رغم إجراءاتها المجحفة بحقوق الشعب الفلسطيني من نقل سفارتها للقدس، والاعتراف ب القدس عاصمة للاحتلال، وقطع التمويل عن السلطة والانروا، ومحاولة تصفية قضية اللاجئين، ورغم طرحها لخطة سلام ترمي الى تصفية ما تبقى من حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته على حدود الرابع من حزيران 1967 وفق قرارات الشرعية الدولية.

لم تمارس الولايات المتحدة أي ضغط على حليفتها “اسرائيل” لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وفق رؤية حل الدولتين. بل حاولت مجدداً تجاوز الفلسطينيين وفرض حل من الخارج لصالح “اسرائيل”. ووفقاً لهذا الحل الخارجي او الاقليمي يتم احداث التغيير الإقليمي بعقد تحالف بين “اسرائيل” وبعض الدول العربية، ويتولى من بين قضايا أخرى ايجاد حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي وفقاً لخطة ترامب ” صفقة القرن ” ويفرضه على الشعب الفلسطيني، على عكس الرؤية التقليدية الثابتة بأن اتفاق سلام فلسطيني اسرائيلي أولاً من شأنه أن يضمن التغيير الإقليمي.

في الحل الاقليمي تكون مسؤولية تحقيق الحل ليست فقط على عاتق “إسرائيل” والفلسطينيين، وانما تشترك دول اخرى في الحل. وادرج هنا أمثلة على حلول اقليمية سبق طرحها. الاول هو إنشاء مملكة أردنية تضم ثلاث ولايات، الضفة الشرقية والضفة الغربية و غزة ، وترتبط بعلاقة وفق النموذج الفيدرالي الامريكي، وتظل السياسة الخارجية والقوات العسكرية من مسؤولية الحكومة الفيدرالية في عمان. والثاني على مبدأ تبادل الاراضي بزيادة 720 كم مربع لمساحة قطاع غزة باتجاه مصر، وهي مساحة تعادل في الحجم حوالي 12٪ من الضفة الغربية، مطلوب من الفلسطينيين التنازل عنها لصالح “اسرائيل”. وفي المقابل تحصل مصر من “إسرائيل” على أرض في جنوب غرب النقب (منطقة باران). أما الحل الثالث فهو الجمع بين الحلين بإنشاء اتحاد أردني فلسطيني مع اجراء تبادل الاراضي، ويمكن ان يقتصر الاتحاد على الأردن والضفة الغربية فقط. وتصبح غزة، سواء بحجمها الحالي أو بعد زيادة حجمها دولة تحت الرعاية المصرية، أي ربط الضفة الغربية مع الأردن وغزة مع مصر.

وفقاً لخطة ترامب تم ادخال تعديلات جديدة تتعلق بتبادل الاراضي حيث تم اقتراح ضم اراضي بسكانها في منطقة المثلث للأراضي الفلسطينية، واراضي في النقب واخرى جنوب الخليل تعادل نسبتها 14% من مساحة الضفة التي يريد الاحتلال ضم 30% من أراضيها. ورغم ان خطة ترامب تتحدث عن اقامة دولة فلسطينية من خلال التفاوض مع الاحتلال خلال اربع سنوات قادمة، الا ان الخطة ابقت البعد الاقليمي حاضراً من خلال اشراك دول الطوق العربي في توطين اللاجئين مقابل منحها مساعدات مالية، فيما بقيت الاراضي التي سيتم منحها للفلسطينيين كتعويض مقابل ما تبقى من نسبة الـ30% من الاراضي التي ستضمها اسرائيل مجهولة.

ولكن ليس بالضرورة ان يكتب النجاح للخطة الامريكية بتشكيل محور استراتيجي في المنطقة لإحداث تغيير جيوسياسي اقليمي، كمقدمة لفرض حل اقليمي للقضية الفلسطينية لأكثر من سبب. أولها ان أي تغيير اقليمي يجب ان يأخذ بعين الاعتبار ان يحقق الامن الاقليمي، ولكن المحور المقصود هنا سيتصادم مع امن المحوين الايراني والتركي، فلا يقدم لهما ضمانات أمنية، كما أن سبب تشكيله غير المعلن هو مواجهة ايران، أي ان تشكيله سيتسبب في ادخال المنطقة في حالة من الاستنزاف وعدم الاستقرار لن يسمح فيها لأي طرف بالهيمنة غير “اسرائيل”، اما الطرف العربي المتحالف معها فسيكون وقود معركة الاستنزاف.

والثاني أن الصراع الدولي يزداد سخونة في المنطقة بالتواجد الروسي في سوريا وليبيا وحلفها الحذر غير المعلن مع ايران لمواجهة النفوذ الامريكي في المنطقة. وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تسعى للخروج من المنطقة والاتجاه شرقا لحصار الصين بالتعاون مع القوى الاقليمية هناك وجدت ان الصين تدخل بقوة الى الشرق الاوسط المحسوب كمنطقة نفوذ امريكية وذلك من خلال الحديث عن توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية مع ايران قيمتها 400 مليار دولار في البنية التحتية للنفط والغاز والطرق لمدة 25، وهو ما يجعل النظام الايراني محصناً من أي مغامرات محتملة بعد سريان الاتفاق.

والثالث ان المنطقة العربية ما زالت تعيش تداعيات الربيع العربي من سيولة امنية وعدم استقرار سياسي، وتراجع عملية الدمقرطة لصالح ظهور أنظمة اوتوقراطية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الحريات وزيادة انتهاكات حقوق الانسان. وزيادة الرفض الشعبي العربي، ما يعني أن أنظمة المنطقة التي يراد لها الدخول في محور استراتيجي غير مستقرة ومهددة من الداخل، ودخولها في هكذا محور مع العدو الاول للشعوب العربية وهو الاحتلال الاسرائيلي يضع هذه الانظمة في حالة انكشاف ويزيد من فرص التحرك الشعبي ضدها.

والرابع أن الحل المطلوب تنفيذه من المحور الجديد فيه خروج جوهري عن حل الدولتين وفق الاتفاقات الموقعة والمبادرة العربية، وانتهاك صارخ لأركان القضية الفلسطينية الاساسية وهي الحدود والقدس واللاجئين، وارتهان لموقف الاحتلال وائتلاف اليمين الحاكم الذي يريد فرض حل وظيفي بحكم ذاتي محدود تحت سيطرته.

وبدلاً من أن تراكم دول المحور العربي من اسباب قوتها بالاحتفاظ بالملف الفلسطيني باعتباره احد اوراق قوتها الاقليمية، ومصدر للحصول على تأييد شعوبها، وورقة مهمة في ترتيبات الاقليم تقطع الطريق من خلاله على تركيا وايران من التدخل والتغلغل في المنطقة العربية باسم القضية الفلسطينية، وتسحب من خلاله ذرائع جماعات الاسلام السياسي العنيفة وغير العنيفة في ممارسة انشطتها ضد هذه الانظمة، بدأت تحصد نتائج عكسية تمثلت في سحب القضية الفلسطينية من ايادي هذا المحور بإجماع يظهر لأول مرة بين م ت ف و حماس وباقي الفصائل الفلسطينية توج باتفاق على المصالحة واجراء انتخابات عامة بشكل متدرج.

والمصالحة هنا تعبير عن ارادة فلسطينية تعيد التأكيد على ان فلسطين هي مركز القرار، وتجرد المحور العربي من احد اوراق قوته الاقليمية، وتدحض أي زعم حول امكانيته فرض أي حل على الشعب الفلسطيني في اطار المحور الاستراتيجي مع “اسرائيل”، أي أن المصالحة تجهض أي فرصة لفرض أي حل خارجي علي الفلسطينيين لا يتفق مع ثوابتهم المعلنة، بل ويمكن ان تتسبب في انهيار هذا المحور الاستراتيجي العربي الاسرائيلي المدعوم أمريكياً بإعلان عجزه المبكر عن حل أولى وأهم الازمات المطلوب منه معالجتها من اجل البقاء على قيد الحياة.

* باحث في الشئون السياسية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.