أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: غزة المحاصرة بين جدران الايديولوجيا: تقديس الفكرة وإنكار الإنسانية

د. إبراهيم نعيرات 6-2-2026: غزة المحاصرة بين جدران الايديولوجيا: تقديس الفكرة وإنكار الإنسانية

غزة ليست مجرد بقعة محاصرة على الخريطة، بل مرآة لفشل سياسي وأخلاقي ممتد، ومكان ضاقت به الجغرافيا واتسع فوقه الصراع إلى حدّ الاختناق. منذ اتفاق أوسلو، بدا السلام وكأنه عبء غير مرغوب فيه أكثر منه خيارًا تاريخيًا، مرحلة مؤقتة سرعان ما تحوّلت إلى شيء يجب تجاوزه. لم يكن السؤال الحقيقي كيف نصل إلى تسوية، بل كيف نعيش من دونها.

في إسرائيل، لا يمكن اختزال المجتمع كله في موقف واحد، لكن المعسكر اليميني القومي والديني الذي هيمن على القرار خلال العقود الأخيرة تعامل مع أوسلو باعتباره خطأً تكتيكيًا لا مسارًا ينبغي استكماله. هذا المعسكر لم ينظر إلى التسوية كحل، بل كتهديد مؤجل، ولم يرَ في الدولة الفلسطينية شريكًا ممكنًا، بل خطرًا على هوية الدولة ومستقبلها. الخوف من الديموغرافيا، ومن الاعتراف المتبادل، ومن فكرة المساواة نفسها، جعل السلام الحقيقي أكثر إرباكًا من استمرار الصراع. هكذا جرى تفريغ الاتفاقيات من مضمونها عبر الاستيطان وفرض الوقائع وتحويل فكرة الحل إلى إدارة دائمة للأزمة، وفي العمق سكنت معادلة لا تقبل التدرج ولا التسوية، إما السيطرة الكاملة على الأرض، أو صراع مفتوح بلا نهاية.

في الجهة المقابلة، تقف حماس بمشروع يرى فلسطين كوحدة واحدة غير قابلة للتجزئة، مشروع لا يقوم على حلول مرحلية ولا على تسويات ناقصة. الزمن عنصر مركزي في هذه الرؤية، فالتاريخ يُنظر إليه بوصفه مسارًا طويلًا لا يُقاس بمنطق الإنجاز السريع. إن لم يتحقق الهدف اليوم، فسيتحقق في المستقبل. تُترك الأرض قطعة واحدة كاملة، ويُنظر إلى الإسلام بوصفه الضامن النهائي، لا السياسة ولا التوازنات الدولية. وبهذا المعنى، لا يكون الحاضر مركز القرار، بل الوعد البعيد الذي يمنح الصراع معناه واستمراريته.

لكن ما لا يدركه الطرفان، أو يرفضان الاعتراف به، أن معسكر الصلح أوسع بكثير من معسكر الرفض، وأن الشارع هنا وهناك بات أكثر وعيًا مما تفترضه القيادات. الفلسطيني العادي يدرك أن إنكار وجود الآخر لم يعد ممكنًا، كما يدرك الإسرائيلي العادي أن القوة وحدها لا يمكنها محو شعب كامل أو إلغاء حضوره إلى الأبد. المعادلة، على مستوى الناس، أصبحت مفهومة وقاسية في آن واحد: لا هذا الطرف قادر على ابتلاع الآخر، ولا ذاك قادر على محوه، وأي حديث عن “الحسم النهائي” لم يعد سوى وهم سياسي مكلف.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر. فبينما تتسع قاعدة الفهم الواقعي في المجتمعات، تضيق خيارات السياسة، ويعلو صوت المشاريع التي لا تعيش إلا في مناخ الرفض. الحرب بين المعسكر اليميني في إسرائيل وحماس لا تُدار فقط بوصفها مواجهة عسكرية، بل بوصفها عملية إقصاء منهجية لأفكار الصلح نفسها، عملية تهدف إلى دفعها خارج المجال العام، وتشويهها، وربطها بالضعف أو الخيانة، وجعل العودة إليها شبه مستحيلة. وفي هذا السياق، تصبح الدماء هي الضامن الحقيقي لاستمرار المعادلة. فكلما سال الدم، تراجعت اللغة العقلانية، وانكمش معسكر التسوية، وارتفعت كلفة أي صوت يدعو إلى الحل. الدم لا يحسم الصراع، لكنه يحسم النقاش، ويغلق النوافذ التي قد يدخل منها السلام. ومع كل جولة، تُدفن فكرة الاعتراف المتبادل أعمق تحت الركام، لا لأنها غير واقعية، بل لأنها لا تخدم من يعيش على الصراع.

لكن ما لا يدركه الطرفان أيضًا أن المسار كله يتجه نحو عنق زجاجة يزداد ضيقًا مع الوقت. إسرائيل اليمينية تتصرف وكأن الزمن يعمل لصالحها، لكنها في الحقيقة تتصارع معه. فكل عام يمرّ، تتعقّد المسألة أكثر، وتتآكل الشرعية، ويتعمق الانقسام الداخلي، ويتحول التفوق العسكري إلى عبء سياسي وأخلاقي. الاحتلال الذي أُدير طويلًا كملف أمني بات عقدة وجودية، لا يمكن تأجيل انفجارها إلى ما لا نهاية.

وفي المقابل، تراهن حماس على الزمن بوصفه وعدًا تاريخيًا، لكنها تصطدم بواقع مجتمعي منهك. غزة التي تُقدَّم كخزان رمزي للمستقبل تُستنزف في حاضرها، وتُستنزف معها قدرة الناس على الاحتمال، وعلى تخيّل حياة خارج منطق الانتظار الطويل. الزمن هنا لا يعمل فقط كحليف، بل كاختبار قاسٍ للمجتمع، يراكم التعب ويعمّق الفجوة بين الخطاب والواقع.

هكذا، بينما يظن كل طرف أنه يضغط على خصمه، فإنه في الحقيقة يضغط على الواقع كله حتى الاختناق. كل خطوة نحو الحافة تُقدَّم بوصفها صلابة، لكنها في المحصلة تقرّب الجميع من نقطة لا عودة فيها، حيث لا الشعارات تكفي، ولا القوة تحسم، ولا الوعود المستقبلية تقنع.

غزة هي المكان الذي تتكثف فيه هذه المأساة. تحمل أكثر مما تتحمل؛ تُستَخدم لاختبار أوهام السيطرة والخلاص المؤجل. مساحة صغيرة تُحمَّل أكثر مما تحتمل، وتُستخدم لاختبار أوهام كبرى، وهم السيطرة الدائمة، ووهم الخلاص المؤجل. وبين هذين الوهمين، يُسحق معسكر الصلح الأكبر، الصامت غالبًا، العارف باستحالة الإلغاء، والعاجز عن فرض منطقه في زمن الدم.

في النهاية، يفرض السؤال نفسه بإلحاح لا يمكن الهروب منه: هل استنفدت الأطراف فعلًا كل أدواتها، أم أن الحرب تتحول في كل مرة إلى خيار جاهز يُستدعى كلما ظهرت مساحة صغيرة لتحقيق أهداف الإقصاء؟ هل يُشعل الصراع لأن لا بديل عنه، أم لأن البديل — الجلوس والاعتراف والقبول بالحل — يهدد البُنى الأيديولوجية التي تقوم عليها هذه المشاريع؟ فإما أن تتيقن الأطراف، عاجلًا أم آجلًا، أن لا مناص من الجلوس، لا بوصفه تنازلًا بل ضرورة وجودية، وإما أن تستمر في إدارة الصراع بالدم، جولة بعد أخرى، حتى لا يبقى ما يمكن إقصاؤه سوى الإنسان نفسه.

وهكذا لا يُقتل السلام لأنه مستحيل، بل لأنه غير مرغوب فيه من القوى التي تحتاج الصراع لتبرير وجودها. ومع كل جولة حرب، لا نبتعد فقط عن الحل، بل نُعاد تهيئة الوعي الجماعي ليعتقد أن الحل لم يكن ممكنًا أصلًا. وحين يُدرك الجميع حجم الخسارة، قد يكون السؤال لم يعد كيف نصل إلى السلام، بل كم من الدم يجب أن يُراق بعد، حتى يُسمح لفكرة بسيطة، يعرفها الناس منذ زمن، أن تعود إلى السطح من جديد.

مركز الناطور للدراسات والابحاثFacebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى