أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: حين لا تكفي لغة القوة: ترمب وإيران واختبار فهم الشرق الأوسط

د. إبراهيم نعيرات 24-2-2026: حين لا تكفي لغة القوة: ترمب وإيران واختبار فهم الشرق الأوسط

في السياسة الدولية، ليست المشكلة دائمًا في امتلاك أدوات القوة، بل في فهم البيئة التي تُستخدم فيها تلك الأدوات. فالقوة، مهما بلغت حدّتها، قد تتحول من وسيلة ضغط إلى عامل تعقيد إذا أُسيء تقدير السياق. هذه الحقيقة برزت بوضوح في تجربة تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إيران، حيث شكّلت سياسة “الضغط الأقصى” ركيزة أساسية في إدارة ملف شديد الحساسية والتشابك.

منذ وصوله إلى البيت الأبيض، قدّم ترمب نفسه بوصفه رجل الحسم والصفقات الكبرى. في منطقه السياسي، كما في عالم الأعمال الذي جاء منه، الضغط يولّد التنازلات، ورفع سقف التهديد يفتح باب التفاوض من موقع أقوى. وعندما قررت إدارته الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، لم يكن القرار مجرد خروج من اتفاق دولي، بل إعلانًا عن انتقال إلى مرحلة جديدة: عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، خطاب تصعيدي، ورسائل ردع عسكرية واضحة.

الفرضية كانت مباشرة: إذا ارتفع الثمن بما يكفي، ستعيد طهران حساباتها.

لكن هذه الفرضية اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا مما تفترضه معادلات الضغط التقليدية. ففي الأنظمة الغربية، حيث تتأثر الحكومات بالرأي العام ودورات الانتخابات، قد يؤدي الضغط الاقتصادي إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية. تتراجع سياسات، تصعد قوى جديدة، وتتبدل الحسابات تحت وطأة الكلفة الشعبية. أما في إيران، فالمعادلة مختلفة جذريًا.

النظام السياسي الإيراني ليس مجرد حكومة تنفيذية قابلة للاستبدال عبر صناديق الاقتراع، بل بنية أيديولوجية–مؤسساتية تأسست بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وتداخلت فيها المرجعية الدينية مع السلطة السياسية. شرعية النظام لا تستند فقط إلى الأداء الاقتصادي، بل إلى سردية تأسيسية تقوم على الاستقلال ورفض الهيمنة الخارجية. في مثل هذا السياق، لا يُقرأ التهديد الخارجي كضغط سياسي عادي، بل كاختبار للشرعية ذاتها.

هنا تكمن المفارقة. فالتهديد الذي يُفترض أن يُضعف النظام قد يتحول إلى مادة تعبئة داخلية. وإذا كانت شرعية السلطة مرتبطة بخطاب “المقاومة”، فإن الانصياع العلني لضغوط خارجية قد يُفهم كتراجع عن جوهر المشروع. وبدل أن يخلق الضغط انقسامًا داخليًا، قد يدفع نحو مزيد من التماسك في مواجهة “العدو الخارجي”.

لا يعني ذلك أن العقوبات لم تؤلم. فقد تعرّض الاقتصاد الإيراني لضغوط شديدة، وتراجعت العملة، وارتفعت معدلات التضخم. لكن في الأنظمة ذات الطابع الأيديولوجي، لا يتحول الألم الاقتصادي تلقائيًا إلى تنازل سياسي. أحيانًا يتحول إلى عنصر في خطاب الصمود، يعيد إنتاج الرواية الرسمية بدل أن يقوّضها.

في المقابل، حققت سياسة “الضغط الأقصى” مكاسب تكتيكية محدودة. فقد رفعت كلفة بعض أنشطة إيران الإقليمية، وأظهرت حزمًا سياسيًا أمام جمهور داخلي أميركي كان يطالب بموقف أكثر تشددًا. لكنها في الوقت نفسه ضيّقت مساحة المناورة السياسية. فكلما ارتفع سقف التهديد، ارتفع معه سقف الخطاب المقابل. وكلما تقلصت مساحة التراجع، أصبحت التسوية أكثر تعقيدًا.

الشرق الأوسط، عمومًا، ليس ساحة تُدار وفق منطق الضغط الخطي البسيط. إنه فضاء مشبع بتاريخ طويل من التدخلات، وحساسيات السيادة، وتوازنات ردع متبادلة. وإيران ليست دولة معزولة يمكن احتواؤها ضمن حدودها الجغرافية؛ بل لاعب إقليمي تتقاطع مصالحه ونفوذه في العراق وسوريا ولبنان واليمن. لذلك، فإن أي تصعيد معها لا يبقى ثنائيًا، بل يتحول إلى شبكة تفاعلات متعددة المستويات، تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية.

السؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كانت القوة أداة مشروعة في السياسة الدولية — فهي كذلك بلا شك — بل كيف ومتى تُستخدم. الردع بحد ذاته ليس خطأ استراتيجيًا. لكن الفرق كبير بين الردع كجزء من استراتيجية متكاملة، وبين التهديد كأداة ضغط خطابية منفصلة عن فهم البنية العميقة للطرف الآخر.

في الحالة الإيرانية، مسّ الضغط جوهر الهوية السياسية للنظام، لا هامشه الإداري. وحين يُستهدف الجوهر، يصبح التراجع مكلفًا رمزيًا بقدر كلفته السياسية. لذلك لم يكن مستغربًا أن ترد طهران عبر خطوات تصعيدية مضادة، سواء في الملف النووي أو في ساحات النفوذ الإقليمي، بما يعكس منطق التوازن لا الانحناء.

في المحصلة، لم يُفضِ التصعيد إلى تغيير استراتيجي واضح في سلوك إيران، بقدر ما أدّى إلى إعادة تموضع أكثر صلابة. أما الاستقرار المستدام — وهو الهدف المعلن لأي سياسة ردع — فظل بعيد المنال. وهنا يظهر الدرس الأوسع: الشرق الأوسط لا يُدار بعقلية السوق وحدها، ولا يُفهم عبر منطق القوة المجردة. إنه فضاء تتحكم فيه معادلات الهوية والشرعية والرمزية بقدر ما تتحكم فيه المصالح المادية.

قد تكون القوة ضرورية في بعض اللحظات، لكن فعاليتها ترتبط بمدى انسجامها مع فهم عميق للسياق. وفي بيئات سياسية ذات جذور أيديولوجية عميقة، قد لا يؤدي التصعيد إلى الانحناء، بل إلى مزيد من التشدد. بين لغة القوة ومنطق الهوية، تتحدد حدود التأثير — وتنكشف كلفة سوء التقدير.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى