أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: تحوّل هادئ في المزاج الأمريكي: من دعمٍ تقليدي لإسرائيل إلى إعادة تعريف العلاقة والسيادة

د. إبراهيم نعيرات 1-3-2026: تحوّل هادئ في المزاج الأمريكي: من دعمٍ تقليدي لإسرائيل إلى إعادة تعريف العلاقة والسيادة

لم يكن ما كشفه استطلاع مؤسسة Gallup الأخير مجرد تبدّل رقمي في جدول إحصائي، بل بدا وكأنه لحظة انعكاس هادئة في مرآة السياسة الأمريكية. فبعد أكثر من عقدين ظلّت فيهما كفّة التعاطف الشعبي تميل بوضوح نحو إسرائيل، أظهرت النتائج تقاربًا غير مسبوق، بل تقدّمًا طفيفًا في نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين. هذا التطور، في ظاهره رقمي، لكنه في عمقه ثقافي وسياسي، يعكس تحوّلًا أبطأ وأعمق من أن يُختزل في رد فعل عاطفي على حرب بعينها.

منذ مطلع الألفية، وخصوصًا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تشكّل وعيٌ سياسي أمريكي ربط بين دعم إسرائيل ومفهوم المواجهة العالمية مع الإرهاب. ضمن هذا الإطار، أصبح التحالف يبدو بديهيًا وثابتًا، وجرى التعامل معه باعتباره جزءًا من الإجماع الحزبي العريض في واشنطن. غير أن السنوات الأخيرة حملت تغيّرات متراكمة في المجتمع الأمريكي نفسه. أجيال جديدة دخلت المجال الانتخابي وهي أقل ارتباطًا بسرديات ما بعد 2001، وأكثر انفتاحًا على خطاب حقوق الإنسان والقانون الدولي، وأشدّ تأثرًا بالصور والروايات التي تنقلها وسائل التواصل الاجتماعي من مناطق الصراع لحظة بلحظة.

ومع اتساع هذا التحول، لم يعد النقاش مقتصرًا على سؤال التعاطف، بل امتد إلى طبيعة الحلول السياسية الممكنة. فقد ارتفعت نسبة المؤيدين لفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات طويلة، ما يشير إلى أن المسألة لم تعد انطباعًا عابرًا، بل رؤية سياسية تتبلور تدريجيًا داخل الرأي العام.

إلى جانب ذلك، برز عنصر آخر يعمّق هذا المسار، ويتمثل في تنامي الحساسية تجاه مسألة التأثير السياسي داخل الولايات المتحدة. ففي مناخ يتسم بالاستقطاب الحاد والجدل المستمر حول تمويل الحملات الانتخابية ودور جماعات الضغط، بدأ قطاع من الأمريكيين يطرح أسئلة أكثر صراحة حول حدود النفوذ الذي تمارسه جهات خارجية أو مرتبطة بدول أجنبية. وفي هذا السياق، يُستحضر اسم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصارًا بـ AIPAC بوصفها إحدى أبرز جماعات الضغط المؤثرة في واشنطن.

النقاش هنا لا يعني بالضرورة رفض التحالف مع إسرائيل، بقدر ما يعكس تمسّكًا تقليديًا في الثقافة السياسية الأمريكية بفكرة استقلال القرار الوطني. فجزء من التحول الجاري يرتبط بشعور متزايد لدى البعض بأن العلاقة يجب أن تُدار في إطار توازن واضح، بحيث لا يُفهم الدعم على أنه تبعية، ولا يُنظر إلى جماعات الضغط بوصفها صاحبة الكلمة الفصل في رسم السياسات. هذا البعد السيادي يضيف طبقة جديدة إلى التحول، تتجاوز البعد الإنساني للصراع لتلامس سؤالًا أعمق: من يحدد اتجاه السياسة الخارجية الأمريكية؟

في واشنطن، لا تتحرك السياسات الكبرى باندفاع مفاجئ، بل عبر مسارات تدرجية تتأثر بالمجتمع بقدر ما تؤثر فيه. لذلك، من غير المرجح أن نشهد قطيعة حادة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، أو انقلابًا سريعًا في موازين التحالف. غير أن لغة الخطاب قد تتغير، ومساحة النقاش قد تتسع، وقد تصبح شروط الدعم ومرتكزاته موضع مراجعة أكثر علنية مما كانت عليه في العقود الماضية.

هكذا يتشكل مشهد جديد، ليس صاخبًا بما يكفي ليُسمّى تحوّلًا ثوريًا، ولا عابرًا بحيث يُختزل في موجة انفعال مؤقتة. إنه إعادة تموضع بطيئة، تعكس تحوّلًا في الوعي السياسي الأمريكي نفسه، وفي نظرته إلى موقع بلاده في العالم، وإلى طبيعة تحالفاتها، وإلى الحدود الفاصلة بين الدعم المشروع والتأثير المرفوض. وإذا استمر هذا المسار، فقد لا تتغير العلاقة في جوهرها الاستراتيجي، لكنها ستُعاد صياغتها بلغة مختلفة، وبشروط تُعبّر عن مجتمع أمريكي لم يعد ينظر إلى القضايا الخارجية بالعين ذاتها التي نظر بها قبل عقدين.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى