أقلام وأراء

د. إبراهيم نعيرات: العدالة الانتقالية بوابة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني

د. إبراهيم نعيرات 28-3-2026: العدالة الانتقالية بوابة إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني

في ظل الانقسام الفلسطيني المستمر منذ سنوات، لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي بين فصائل، بل تحولت إلى حالة مركبة أثّرت في مختلف جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين، من الاقتصاد والخدمات إلى الثقة بالمؤسسات الوطنية. ومع استمرار هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة تتجاوز الحلول التقليدية القائمة على تقاسم السلطة أو الاتفاقات المؤقتة، نحو معالجة أعمق لجذور الأزمة، وهو ما يفتح المجال أمام التفكير في تبني مسار العدالة الانتقالية كمدخل وطني شامل للمصالحة.

العدالة الانتقالية، كما أثبتت تجارب دول عديدة، ليست مجرد أداة قانونية، بل إطار متكامل يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات والصراعات من خلال كشف الحقيقة، والاعتراف بالأخطاء، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات. وقد نجحت دول مثل المغرب عبر تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة والاستقرار، من خلال اعتماد مقاربة شمولية لم تعتمد على المحاكمات الواسعة بقدر ما ركزت على الاعتراف وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

غير أن إسقاط هذه التجارب على الحالة الفلسطينية لا يمكن أن يتم بشكل حرفي، ففلسطين لا تعيش مرحلة “ما بعد النزاع” كما في معظم تجارب العدالة الانتقالية، بل تعيش واقعًا مزدوجًا يجمع بين الانقسام الداخلي واستمرار الاحتلال. هذا التعقيد يفرض تحديات إضافية، أبرزها ضعف السيادة، وازدواجية المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وغياب سردية وطنية موحدة حول أحداث الانقسام، فضلًا عن تراجع الثقة بين الفاعلين السياسيين، وتأثير العوامل الإقليمية والدولية.

ورغم هذه التحديات، فإن العدالة الانتقالية تظل إطارًا واعدًا إذا ما جرى تكييفه مع الخصوصية الفلسطينية. فالمصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت خلال سنوات الانقسام، سواء على المستوى السياسي أو المؤسساتي أو المجتمعي. كما أن تجاهل هذه المرحلة أو القفز فوقها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في أشكال جديدة، حتى لو جرت انتخابات أو اتفاقات سياسية.

ولا يمكن إغفال أن الانقسام لم يعد مجرد حالة طارئة، بل أصبح مرتبطًا ببنى مصالح سياسية واقتصادية نشأت خلال سنواته، وهو ما يجعل تجاوزه أكثر تعقيدًا. فبعض الفاعلين قد لا يرون في المصالحة مصلحة مباشرة، الأمر الذي يفرض التفكير في آليات تحفيز واقعية تشجع على الانخراط في هذا المسار، بدل الاكتفاء بالدعوة إليه.

في المقابل، فإن استمرار الانقسام لا يعني فقط بقاء الوضع على ما هو عليه، بل ينطوي على كلفة متزايدة سياسيًا واجتماعيًا، تتمثل في تآكل شرعية المؤسسات، وتعميق الفجوة بين المجتمع والنظام السياسي، وتراجع القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، ما يجعل المصالحة ليست خيارًا مثاليًا، بل ضرورة وجودية.

بعد فشل القيادات من جميع الأطياف في تجاوز الانقسامات، أصبح لزامًا على الشعب الفلسطيني الوقوف، ومراجعة الذات، ومساءلة الماضي، مع التطلع إلى بناء سياسي واجتماعي واقتصادي صلب، قادر على التحمل والمواجهة. فالشعب، بوصفه الحاكم والمتضرر معًا، هو من يملك الشرعية لمحاسبة الماضي، وتوجيه الحاضر، وصياغة مستقبل يعكس مصالحه وحقوقه، بعيدًا عن الانتماءات الفئوية والحسابات الضيقة.

واحدة من أهم أدوات العدالة الانتقالية هي إنشاء إطار وطني مستقل لكشف الحقيقة، يتيح للمجتمع الفلسطيني بجميع أطيافه رواية تجاربهم والمساهمة في بناء ذاكرة جماعية مشتركة. فغياب رواية موحدة يجعل كل جهة أسيرة سرديتها الخاصة، مما يعمق الانقسام بدل تجاوزه. الاعتراف المتبادل لا يعني بالضرورة الإدانة القانونية الشاملة، بل يهدف إلى تفكيك رواسب الماضي وبناء أساس أخلاقي جديد للعلاقات الوطنية، يعكس أن الشعب هو الحاكم الحقيقي والمتضرر الذي يجب أن تُبنى المصالحة من أجل مصلحته وشرعيته.

إلى جانب ذلك، يشكل جبر الضرر عنصرًا محوريًا في أي مسار مصالحة. فالآثار التي خلفها الانقسام لم تكن سياسية فقط، بل إنسانية أيضًا، حيث تضرر آلاف المواطنين على المستويين الفردي والجماعي. ومن هنا، فإن التعويض لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المادي، بل يجب أن يشمل أبعادًا معنوية ونفسية، تعيد للمتضررين شعورهم بالإنصاف والكرامة، وتسهم في إعادة دمجهم في الحياة العامة.

أما على المستوى المؤسسي، فلا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية دون إصلاح البنى التي ساهمت في تكريس الانقسام. ويتطلب ذلك إعادة هيكلة المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية على أسس مهنية ووطنية، بعيدًا عن الانتماءات الفصائلية، بما يضمن حيادها وفعاليتها. فاستمرار المؤسسات بشكلها الحالي يعني بقاء أسباب الانقسام قائمة، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق سياسي.

ومع ذلك، تبرز إشكالية أساسية تتعلق بكيفية التوفيق بين العدالة والمصالحة. فالدعوة إلى المساءلة قد تثير مخاوف من فتح باب الصراعات، في حين أن تجاهلها قد يؤدي إلى شعور بالإفلات من العقاب. لذلك، يمكن اعتماد مقاربة مرنة تقوم على مبدأ “الاعتراف مقابل التخفيف”، بحيث يتم التركيز على المسؤولية الأخلاقية والسياسية، دون الانزلاق إلى محاكمات واسعة قد تعيق المسار برمته. الهدف هنا ليس الانتقام، بل التعلم من الماضي ومنع تكرار الأخطاء.

كما أن نجاح أي مسار للعدالة الانتقالية يتطلب إشراك المجتمع الفلسطيني بكل مكوناته، وعدم حصره في اتفاق بين النخب السياسية. فالمصالحة الحقيقية تبدأ من المجتمع، عبر مبادرات الحوار المحلي، وتعزيز ثقافة التسامح، وإشراك الشباب والمرأة والفئات المهمشة في صياغة المستقبل. وفي هذا السياق، يلعب المجتمع المدني دورًا مهمًا في خلق مساحات للحوار، ومراقبة تنفيذ أي اتفاق، وضمان استمراريته.

كما أن جيلًا فلسطينيًا كاملًا نشأ في ظل الانقسام، دون أن يعيش تجربة الوحدة الوطنية، ما يهدد بترسيخ الانقسام كواقع دائم في الوعي الجمعي، وهو ما يضاعف أهمية التحرك العاجل لإعادة بناء سردية وطنية جامعة.

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل تأثير الاحتلال على هذا المسار، إذ يشكل عاملًا ضاغطًا يحد من قدرة المؤسسات على العمل بحرية، ويؤثر على مجمل البيئة السياسية. ومع ذلك، فإن ربط المصالحة الداخلية بزوال الاحتلال قد يؤدي إلى تعطيلها إلى أجل غير معلوم. لذلك، يبدو من الضروري العمل على مسارين متوازيين: معالجة الانقسام الداخلي من جهة، والاستمرار في مواجهة الاحتلال عبر الأدوات السياسية والقانونية من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الانتخابات كحل سحري للأزمة، إذ إن أي عملية ديمقراطية لا تستند إلى قاعدة مصالحة وطنية حقيقية قد تعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، مما يجعل العدالة الانتقالية شرطًا ممهّدًا، لا بديلًا، لأي مسار ديمقراطي ناجح.

إن تبني مسار العدالة الانتقالية في فلسطين لا يعني الوصول إلى حلول سريعة، بل يتطلب نهجًا تدريجيًا يقوم على بناء الثقة أولًا، ثم الانتقال إلى خطوات أكثر عمقًا. فقد تبدأ العملية بحوارات غير رسمية وإجراءات لخفض التوتر، قبل الانتقال إلى مراحل كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي. هذا التدرج يسمح بتقليل المخاطر، ويمنح الأطراف فرصة لاختبار النوايا وبناء أرضية مشتركة.

في المحصلة، لا تتعلق المصالحة الفلسطينية بإغلاق ملف الماضي فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السياسة والمجتمع، وبين السلطة والمواطن. إنها لحظة اختبار لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على التحول من إدارة الانقسام إلى بناء الوحدة، ومن الصراع على السلطة إلى الشراكة في المشروع الوطني. وبين هذين الخيارين، يتحدد شكل المستقبل الفلسطيني، مع التأكيد الدائم على أن الشعب هو الحاكم والمتضرر، وأن كل مسار مصالحة يجب أن يُبنى لمصلحته وشرعيته.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى