د. إبراهيم نعيرات: إسرائيل وأمريكا بعد أكتوبر: قوة الردع وإعادة هندسة ميزان القوى في الشرق الأوسط
د. إبراهيم نعيرات 23-2-2026: إسرائيل وأمريكا بعد أكتوبر: قوة الردع وإعادة هندسة ميزان القوى في الشرق الأوسط
في قلب الشرق الأوسط، حيث تتشابك الجغرافيا بالتاريخ وتتداخل السياسة مع الأمن اليومي، تتحرك إسرائيل في بيئة معقدة تمزج بين التهديدات المباشرة وغير المباشرة، وبين الحلفاء الأقوياء والخصوم المتناميين، وبين الساحات المحلية والإقليمية المتداخلة. منذ تأسيسها، صُممت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على فرضية صارمة: البقاء يتطلب التفوق العسكري المستمر، والاستعداد الدائم لاستخدام القوة إذا اقتضت الضرورة. محدودية العمق الاستراتيجي، ضيق الجغرافيا، وحساسية الجبهة الداخلية جعلت من الأمن أولوية مطلقة تتقدم على أي اعتبار آخر.
في قلب هذه العقيدة يكمن الردع، لا سيما عبر سياسة الغموض النووي التي تشكل مظلة استراتيجية تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة على المستوى الإقليمي. هذه السياسة نجحت في منع الصراعات بين الدول، لكنها لم تكن كافية لإيقاف التهديدات غير الدولتية مثل حركة حماس في غزة، أو التمدد الإيراني عبر وكلائه في لبنان وسوريا واليمن. هنا يتضح أن الردع النووي والتفوق العسكري الكلاسيكي لا يغطي كل الأبعاد، ويبرز دور العمليات الهجومية المحددة كأداة لإعادة ضبط ميزان القوى.
بعد الهجوم المفاجئ لحماس في السابع من أكتوبر 2023، دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من التعقيد. كشف الهجوم عن ضعف الردع التقليدي وأعاد تعريف التهديد باعتباره وجوديًا وفوريًا. لم يقتصر الرد الإسرائيلي على غزة، بل امتد إلى تهديدات حزب الله في لبنان، وإرسال رسائل ردعية لإيران، واستهداف مواقع الحوثيين في اليمن بعد تهديد الملاحة وشن هجمات متبادلة. هذا الانتقال من إدارة صراع منخفض الشدة إلى حروب متعددة الساحات يعكس تحوّلًا استراتيجيًا: لم تعد الغاية تقتصر على الردع وحده، بل أصبحت إعادة تشكيل البيئة الأمنية وفق أولويات الدفاع عن الوجود.
في هذا السياق، تلعب الولايات المتحدة دور القوة المهيمنة التي تحاول إعادة فرض النظام الإقليمي ومنع الفوضى من التوسع. بعد أكتوبر، أظهرت واشنطن تحشيدًا عسكريًا وتهديدًا مباشرًا لإيران، بينما أدارت في الوقت نفسه مفاوضات لتخفيف التوتر ومنع انزلاق الصراع إلى مواجهة واسعة. يجسد هذا المزيج دقة أمريكية تجمع بين الواقعية الهجومية والدفاعية: فالتحشيد العسكري يمثل تهديدًا واضحًا لإيران وإشارة إلى قدرة واشنطن على استخدام القوة، بينما تُستخدم المفاوضات لتقليل المخاطر وتفادي حرب مفتوحة قد تستنزف الموارد وتزيد التعقيد الإقليمي. الدعم الأمريكي يشمل التحالفات الإقليمية، المعلومات الاستخباراتية، والردع النووي، ليشكل غطاء استراتيجي لإسرائيل وحلفائها ويحمي المصالح الأمريكية في الخليج وشرق المتوسط.
غزة لم تعد مجرد ساحة تصعيد محلية، بل أصبحت نقطة انطلاق لتحولات إقليمية أوسع. كل ضربة إسرائيلية هناك تُعيد اختبار الردع وتفكيك قدرات حماس النوعية، لكنها تحمل كلفة سياسية وأخلاقية دولية. في الشمال، يُختبر الردع ضد حزب الله ضمن حسابات دقيقة لتجنب انزلاق الاشتباك إلى حرب شاملة. أما المواجهة مع إيران، فتظهر الحدود الدقيقة للردع المباشر، حيث يتعين على إسرائيل وأمريكا إدارة التهديدات دون الانجرار إلى صراع واسع. وفي اليمن، تُظهر الضربات ضد الحوثيين توسيع مفهوم الأمن ليشمل المجال البحري وخطوط التجارة، ما يؤكد أن الصراع الإسرائيلي لم يعد محصورًا داخل حدودها التقليدية.
من هنا، يمكن تصوير إسرائيل والولايات المتحدة كشبكة مترابطة من الإجراءات الاستراتيجية المتوازية: إسرائيل تسعى لإعادة فرض السيطرة في غزة وفرض معادلات ردع في لبنان وإيران واليمن، بينما تعمل أمريكا على مستوى أوسع لدعم الردع، وتوازن بين التهديد العسكري وإدارة المفاوضات لتثبيت ميزان القوى الإقليمي وحماية مصالحها وضمان استمرار الهيمنة الأمريكية الجزئية.
لحظة إعادة هندسة الشرق الأوسط
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الشرق الأوسط على مفترق طرق، وأن إسرائيل مستعدة لأي سيناريو، ليست مجرد خطاب تعبوي، بل تعبير عن إدراك أن الإقليم يدخل مرحلة إعادة اصطفاف قد تغيّر قواعد اللعبة لعقود. تهديده لإيران برد قوي في حال مهاجمة إسرائيل يعكس انتقالًا من سياسة الاحتواء الضمني إلى ردع مباشر وصريح. المعركة لم تعد تدور فقط بين الضربات المحدودة، بل أصبحت أقرب إلى معادلة ردع مكشوفة.
الخطاب الإسرائيلي يتجاوز إيران ليشمل شبكة نفوذ أوسع، تضم حزب الله وحماس وجماعات مسلحة أخرى، ما يعكس رؤية أن التهديد متعدد الجبهات ومترابط. في المقابل، تحذيرات رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت من احتمال تشكّل “محور سني معاد” بقيادة تركيا والسعودية، مع احتمال انخراط باكستان، تظهر قلقًا من تحول البيئة السنية نفسها إذا تصاعد الغضب الشعبي والسياسي بسبب حرب غزة.
المشهد الإقليمي ليس ثنائيًا بين محور شيعي وآخر سني، بل شبكة معقدة من المصالح المتداخلة. إسرائيل، التي سعت إلى توسيع دائرة التطبيع العربي، تجد نفسها أمام معادلة مزدوجة: مواجهة إيران ووكلائها دون خسارة المسار الإقليمي، والحفاظ على الردع دون دفع الدول المعتدلة إلى إعادة التموضع تحت ضغط الشارع.
القوة والصورة
بعد أكتوبر، لم تتحرك إسرائيل لإظهار القوة العسكرية فحسب، بل أيضاً لإعادة ترسيخ صورتها كقوة إقليمية رادعة. العمليات العسكرية المتعددة الجبهات، والتحذير من أي تحرك إيراني، هي خطاب قوة موجّه للخصوم والحلفاء على حد سواء: إسرائيل استعادت زمام المبادرة وقادرة على العمل في أكثر من ساحة في الوقت ذاته.
الدعم الأمريكي عزز هذه الصورة، ليس فقط بالمساعدات العسكرية والاستخباراتية، بل بالغطاء السياسي والدبلوماسي، ما منح إسرائيل هامش حركة أكبر في إدارة عملياتها. ومع ذلك، الحفاظ على الصورة لا يقل أهمية عن القدرة العسكرية؛ الهيبة في الشرق الأوسط عنصر ردع بحد ذاته، وأي تآكل فيها قد يشجع الخصوم أو يعيد حسابات بعض العواصم.
لكن التحدي يكمن في إدارة تبعات القوة: الإفراط في استخدامها قد يعزز الردع قصير المدى، لكنه قد يدفع قوى إقليمية إلى البحث عن توازنات مضادة، سواء على المستوى السياسي أو الدبلوماسي. الشرق الأوسط اليوم ليس ساحة محاور صلبة، بل شبكة اصطفافات مرنة؛ إسرائيل تسعى لتثبيت تفوقها وردع خصومها، وأمريكا تدعم هذا المسار ضمن إدارة التوازن العالمي.
خاتمة
في الفضاء الضيق بين القوة والسياسة، بين الردع والمفاوضات، وبين الاستنزاف والاستقرار، تحاول إسرائيل إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وضبط ميزان القوى لضمان أمنها، في حين تعمل أمريكا على حماية مصالحها والحفاظ على هيمنة النظام الدولي الجزئي. إسرائيل بحاجة إلى إبقاء صورة القوة حاضرة، بينما تدير تبعات هذه القوة بحذر، لتجنب إعادة اصطفافات إقليمية مضادة قد تعيد رسم حدود الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة. السابع من أكتوبر 2023 لم يكن مجرد حدث عسكري؛ بل لحظة تحول استراتيجية، فتحت باب إعادة هندسة ميزان القوى، وجعلت الردع، القوة، والتحالفات أدوات متداخلة في لعبة البقاء والاستقرار في شرق أوسط متحوّل.



