د. إبراهيم نعيرات: أمريكا على مفترق الطرق: ترامب والنظام المالي العالمي بين الهيمنة والسيادة
د. إبراهيم نعيرات 5-2026: أمريكا على مفترق الطرق: ترامب والنظام المالي العالمي بين الهيمنة والسيادة
في شوارع واشنطن، بين أروقة الكونغرس وزوايا البنوك الكبرى، يبدو كل شيء هادئًا على السطح، صخب سياسي معتاد، تصريحات متبادلة، صدامات حزبية، لكن خلف هذه الواجهة، تدور لعبة أعقد وأعمق بكثير. هناك صراع لا يُرى بسهولة، صراع بين قوتين تتنافسان على قلب القرار الأمريكي: قوة المال التي تتحكم في تدفقات العالم وتجعل الدول أدوات في حساباتها وقوة الإنتاج التي تمنح الدولة سيادتها وتعيد للإنسان دوره كشريك في البناء لا مجرد رقم يُحسب في دفاتر البنوك.
وفي هذه اللحظة الحرجة يظهر دونالد ترامب ليس كمنظر اقتصادي أو مخطط نظام جديد، بل كفصل كاشف يكشف التناقضات المكبوتة التي تهز كل مؤسسة وكل قرار ويضع الشعب الأمريكي أمام الحقيقة أن الاختيار بين السيادة الاقتصادية أو الهيمنة المالية ليس مجرد خيار سياسي بل قضية وجودية للبلاد. كل خطاب له، كل تهديد تجاري، كل خطوة لإعادة ترتيب التحالفات العالمية ليست تكتيكًا عابرًا بل محاولة لإعادة رسم حدود الممكن لمحاولة استعادة قدرة الدولة على توجيه اقتصادها وخياراتها بنفسها.
في ظاهر السياسة الأمريكية، تبدو الأمور كسلسلة من الصراعات الحزبية، لكن الحقيقة أعمق بكثير، قصة امتدت قرنين من الزمن بين نموذجين متناقضين للحكم والاقتصاد: بين رؤية تجعل الإنسان شريكًا في البناء ورؤية تجعله مجرد رقم في حسابات الربح والخسارة. ما نراه اليوم ليس بداية الأحداث بل لحظة كشف ذروة مؤقتة لمواجهة متواصلة بين سيادة الدولة أو الاقتصاد المالي العالمي العابر للحدود، بين فكرة ربط المال بالإنتاج أو استخدام المال كأداة للهيمنة على البشر. هذا الصراع غالبًا ما يُدار في الظل لكنه يحدد مسار السياسات الكبرى وحدود الممكن داخل الولايات المتحدة وخارجها ويعيد تشكيل النظام الدولي بأسره.
تبدأ القصة بفهم مفهومين أساسيين: الأول هو النظام الأمريكي، فكرة تأسيسية تقوم على سيادة الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار الاقتصادي وربط المال بالإنتاج الحقيقي — مصانع وبنية تحتية وعلم وتكنولوجيا. في هذا النموذج يُنظر إلى الائتمان كأداة لبناء القدرة الإنتاجية للمجتمع لا كغاية في حد ذاته، ويصبح المال وسيلة لتحرير الإنسان وتمكينه. أما المفهوم الثاني فهو النظام الإمبراطوري المالي، نموذج أقدم يقوم على السيطرة عبر البنوك العالمية والمضاربات والديون بحيث يحل التمويل محل الإنتاج ويتحول البنك المركزي من أداة سيادية بيد الدولة إلى مؤسسة تخدم شبكة ضيقة من المصالح العابرة للحدود، بينما يُختزل الإنسان إلى رقم يمكن ضبطه عبر الدين والخوف وسلطة المال. هنا المال لا ينمي المجتمع بل يديره، وتصبح الهيمنة الناعمة بديلاً عن القوة العسكرية التقليدية، ويصبح الاقتصاد أداة لإدارة العالم كمسألة حسابية باردة.
على الضفة الأخرى يبرز النموذج الإنتاجي السيادي الذي يرى الدولة شريكًا في التنمية وليس مجرد مراقب للسوق. في هذا التصور يُوجَّه الائتمان إلى المصانع والطرق والمختبرات والتعليم وكل ما يرفع القدرة الإنتاجية طويلة الأمد، بينما تُعد المضاربات المالية خطرًا هيكليًا لأنها تفصل المال عن العمل وتراكم الثروة دون خلق قيمة حقيقية. هذه الثنائية لم تُحسم عبر التاريخ لكنها استقرت في قلب الولايات المتحدة نفسها: دولة–أمة ذات سيادة شكلية وفي الوقت نفسه مركز قيادة للنظام المالي العالمي، دولة تتأرجح بين الحلم الإنتاجي والسيطرة المالية العالمية.
ترامب كشاهد على التناقضات المكبوتة
هنا يظهر دونالد ترامب، ليس كمنظر اقتصادي أو مهندس نظام متكامل، بل كتعبير غريزي عن انفجار تناقضات مكبوتة. لم تكن رئاسته بداية الصراع، بل لحظة كشفه، جاءت في زمن تآكلت فيه القاعدة الصناعية الأمريكية وتفككت الطبقة الوسطى وتحولت قطاعات واسعة من المجتمع إلى خاسرين دائمين في منظومة لا يتحكمون بقواعدها. ومع انسداد قنوات التغيير داخل المؤسسات التقليدية، ظهر الخطاب الشعبوي أداة للتعبير عن احتجاج جماهيري، لغة رفض ليست أيديولوجيا جاهزة، بل صرخة لمجتمع يشعر بأن مستقبله يُباع ويُشترى في الأسواق العالمية.
سياسات ترامب، خاصة التعريفات الجمركية، لم تكن مجرد إجراءات تجارية، بل محاولة لإعادة طرح سؤال السيادة الاقتصادية وكسر التبعية لسلاسل إنتاج خارجية قيدت القرار الوطني لعقود. لكنها لم تخض حربًا مفتوحة على النظام المالي القائم، ليس فقط لغياب الرغبة، بل إدراكًا لحدود الممكن داخل دولة معقدة ومتشابكة المصالح.
وفي هذا السياق بدأ الصراع الداخلي ينعكس على السياسة الدولية، حيث لم تعد الولايات المتحدة مجرد لاعب ملتزم بالقواعد المالية العالمية، بل قوة تبحث عن أدوات لحماية سيادتها الاقتصادية، تعيد ترتيب تحالفاتها، وتوظف اقتصادها كسلاح سياسي لإعادة تشكيل المصالح العالمية بما يخدم أولوياتها الوطنية.
خلال تلك المرحلة تبيّن أن التغيير في الولايات المتحدة لا يُحسم عبر الانتخابات وحدها. الدولة العميقة للنظام المالي، من مؤسسات وبيروقراطية وإعلام، أظهرت قدرتها على التعطيل والاحتواء. هنا تحولت الشعبوية إلى سلاح مزدوج، فهي نجحت في نزع الشرعية الأخلاقية عن النموذج القائم لكنها فشلت في التحول إلى مشروع سيادي متكامل قادر على إعادة توجيه الائتمان وبناء مؤسسات بديلة. ومع ذلك أرسلت سياسات ترامب رسالة واضحة للعالم: أمريكا لم تعد رهينة النظام المالي الدولي، وهي مستعدة لاستخدام القوة الاقتصادية لإعادة ترتيب موازين القوة العالمية وفق مصالحها الإنتاجية والسيادية.
الأزمة المستمرة والمستقبل المحتمل
الإصرار على الاستمرار وحديث ترامب عن ولاية ثالثة، رغم استحالة حدوثها دستورياً، لم يكن مجرد نزعة شخصية، بل تعبير رمزي عن فهمه أن الصراع ليس انتخابيًا بل بنيويًا، وأن الرئاسة أداة محدودة في معركة أطول مع نموذج أعمق. فهو يخشى أن ينهار كل ما كشف بمجرد خروج الشخص الذي فجّر التناقضات في ظل غياب نخب بديلة ومؤسسات جديدة قادرة على حمل المشروع.
ومع تعمق الصورة، يتضح أن جوهر الصراع ليس ماليًا فقط بل فلسفيًا أيضًا: النموذج المالي العابر للحدود يرى الإنسان رقمًا وعبئًا يجب إدارته، بينما النموذج الإنتاجي السيادي يراه طاقة خلاقة واستثمارًا طويل الأمد، يجعل التعليم والعلم والعمل أدوات للتحرر وليس للضبط. بهذا المعنى تصبح المعركة صراعًا على معنى السياسة ودور الدولة قبل أن تكون صراعًا على الميزانيات وأسعار الفائدة.
وفي خلفية المشهد الأمريكي المضطرب تظهر مفارقة عالمية: بينما تتخبط الولايات المتحدة في صراعها الداخلي، كانت قوى صاعدة تطبق عمليًا منطق الاقتصاد الإنتاجي السيادي، موجهة الائتمان نحو الصناعة والبنية التحتية، مدركة أن السيطرة على سلاسل التوريد تعني السيطرة على القرار السياسي، وأن فائض القدرة الإنتاجية لا التفوق المالي وحده هو مصدر القوة الحقيقي.
في النهاية، ليست قضية ترامب جوهر القصة، بل الأزمة التي كشفها. لم يكن مهندس نظام جديد ولا زعيمًا مؤسسًا، بل فصل كاشف في صراع تاريخي لم يُحسم بعد، انعكس بوضوح على السياسة الدولية الأمريكية وجعلها قوة تبحث عن سيادتها الاقتصادية، تعيد ترتيب تحالفاتها وتوظف أدوات الاقتصاد لتحقيق أهداف استراتيجية. السؤال المفتوح اليوم ليس من سيحكم، بل أي نموذج سيحكم: نموذج يربط المال بالإنتاج ويعيد للدولة سيادتها ودورها، أم نموذج مالي عابر للحدود يستمر في إدارة العالم كمسألة حسابية باردة؟ مستقبل النظام الدولي كله، بما فيه الولايات المتحدة، مرهون بالإجابة على هذا السؤال.



