د. إبراهيم فؤاد عباس يكتب- حل الدولة الواحدة : المحاولة الأخيرة لحل القضية الفلسطينية..! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. إبراهيم فؤاد عباس يكتب- حل الدولة الواحدة : المحاولة الأخيرة لحل القضية الفلسطينية..!

0 259

بقلم  د. إبراهيم فؤاد عباس  *- 11/11/2020

يعتبر حل الدولتين الحل الأمثل لإنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وعندما نقول “حل الدولتين” فإننا نقصد بذلك الحل الذي يتحقق بتطبيق القرارات والاتفاقيات الدولية بدءًا من قرار التقسيم الصادر عام 1947 وحتى المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت العربية في مارس 2002  مرورًا بقراري  مجلس الأمن 242 و338 واتفاقيتي أوسلو وخريطة الطريق.

والحقيقة والواقع يؤكدان على أن الفلسطينيين كان أمامهم فرصة سانحة بعد صدور قرار التقسيم بإعلانهم عن الدولة الفلسطينية  بعد إنشاء دولة إسرائيل على قرابة 78% من أرض فلسطين التاريخية، لكن ما حدث في ذلك الوقت أعتبر الإرهاصة الأولى في تكريس الانقسام الفلسطيني بضم قطاع غزة للحكم العسكري المصري، وضم الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية للأردن، ولزوم العرب الصمت إزاء ضم إسرائيل للنقب (ثلث مساحة فلسطين) والذي أوجد فاصلاً بين غزة والضفة الغربية بما أعتبر عائقًا أمام قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.  كما أن ما حدث بعد ذلك أعطى صورة واضحة لشكل العلاقات الفلسطينية – العربية، فقد انحاز فلسطينيو القطاع إلى مصر التي تحكمهم، وانحاز فلسطينيو الضفة للأردن التي ضمتهم إليها ومنحتهم الجنسية الأردنية، ومعلوم كيف كانت العلاقات المصرية – الأردنية في تلك الفترة، وطيلة عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

إن إعلان دولة فلسطينية أوائل الخمسينيات كان سيعني تدشين حل الدولتين واستمرار تكريس القدس عاصمة لفلسطين. وربما أن التفريط بهذه الفرصة يعتبر الخطأ الأول والخسارة الكبرى التي حلت بالفلسطينيين بعد فترة قصيرة من النكبة.

أما الخطأ الجسيم الذي ارتكبته القيادة الفلسطينية فقد حدث بعد سنوات طويلة من الكفاح المسلح، والذي كان يسير وفق التنظير الثوري الذي طبق في جميع ثورات العالم في التحرر والاستقلال بنجاح “العمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد”، فقد كان الشعب الفلسطيني على وشك أن يحصد ثمار ثورته المسلحة التي انطلقت في الأول من يناير 1965 (ثورة فتح)، عندما تحول إلى النضال السياسي، أي انه عكس المعادلة التي ظل ينادي بها هاني الحسن لسنوات. وكان يمكن أن يتم التفاوض جنبًا إلى جنب مع استمرار الكفاح المسلح، كما حدث بين الفيت كونج والجانب الأمريكي في محادثات باريس، لكن جاءت اتفاقية أوسلو لتحرم العمل العسكري الفلسطيني، ليس ذلك فحسب، بل توكل مهمة وقف تلك العمليات وإجهاضها لقوات الأمن الفلسطينية نفسها.

ولم يمض من الوقت إلا قليلاً ليكتشف المفاوض الفلسطيني أن مفاوضاته مع المحتل كانت عبثية، وأنها لم تكن أكثر من وسيلة لشراء الوقت لإتاحة الفرصة أمام إسرائيل لابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء الجدار الفاصل وتهويد القدس، وذلك ضمن مشهد تبدو فيه السلطة الفلسطينية بأنها لا تعارض تلك الإجراءات من خلال الاستمرار في المفاوضات والإعلان دومًا عن تمسكها بأنها الخيار الوحيد.

وقد ظل “حل الدولتين” يعتمد في نجاحه على ضرورة التزام واشنطن بلعب دور الراعي الأساسي  والنزيه في عملية السلام، وفي ضرورة التزام إسرائيل ببنود تلك العملية وما أسفرت عنه من تفاهمات واتفاقيات ومبادرات ، وهو ما لم يتحقق على الإطلاق في أي مرحلة من مراحل تطور عملية السلام، الأمر الذي أدى إلى موت تلك العملية بعد بضع سنوات من الاحتضار، بالرغم من أن توقيع اتفاقية أوسلو للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في حديقة البيت الأبيض بواشنطن في 13 سبتمبر 1993 تم برعاية أمريكية، وأن الرئيس جورج دبليو بوش هو الذي بشر بحل الدولتين عام 2001، وهو الذي نادى بخريطة الطريق في العام التالي. بيد أن حل الدولتين لم يكن في أي يوم من الأيام بندًا مهمًا في أي من أجندات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فهو، ووفق محرر نشرة البديل دان ليبرمان لم يكن قط مشروعًا إسرائيليًا أو غربيًا للتفيذ، وإنما وسيلة لضياع الوقت، إلى جانب أن حل الدولتين لم يوجد قط، لأنه كي يموت كيان، فإنه ينبغي أن يولد أولاً، وهو ما لم يوجد على أرض الواقع، لأن ما وجد منذ العام 1994 هو سلطة حكم ذاتي كان المفروض أن تكون مؤقتة ، لكنها ظلت مستمرة حتى الآن.

ولعله من الأهمية القول إن هناك من أشار إلى موت مشروع حل الدولتين الذي ولد مشوهًا  قبل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري بعشر سنوات، وضرورة البحث عن البديل عندما طرحت الباحثة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط (هيلينا كوبان) صاحبة كتاب “منظمة التحرير الفلسطينية تحت المجهر” مقالاً لها في 13/10/2003  في صحيفة  “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية السؤال: “بعد أن ماتت خريطة الطريق لماذا لا يطرح البديل؟”،  فخريطة الطريق ، على حد قولها، “لم تعد قائمة الآن (عام 2003)، بعد أن شبعت موتًا.. كما أن موتها يمكن أن ينظر إليه على انه فشل لفكرة إقامة الدولتين المستقلتين كحل للنزاع بينهما”.

السؤال الذي تطرحه المرحلة الآن ليس ألم يحن بعد حل السلطة وعودة الحالة الفلسطينية إلى ما كانت عليه قبل العام 1994.. وإنما ما هو البديل المناسب لمرحلة ما بعد مدريد ومبدأها المخادع (الأرض مقابل السلام)، ومابعد أوسلو وخريطة طريقها المضلل، والمفاوضات العبثية التي تواصلت عبرأكثر من عقدين، مع ضرورة الإشارة إلى أن التهديدات  المتكررة للرئيس محمود عباس بإمكانية اللجوء إلى بدائل كحل السلطة ووقف التنسيق الأمني وإشعال انتفاضة ثالثة، لا يمكن اعتبار أيا منها (بديلاً)، وإنما إجراءات بعيدة عن معنى الحلول الحقيقية، وهي على كل حال إجراءات لا يمكن أن يكتب لها النجاح في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني.  

لكن السؤال الأهم الذي يهمنا جميعًا ونحاول الإجابة عليه من خلال هذه الدراسة: هل بالإمكان تحقيق التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين في دولة واحدة؟

لماذا فشل حل الدولتين؟

كثيرون  يلقون باللوم على الفلسطينيين بسبب رفضهم قرار التقسيم الصادر عام 1947، فيما أن الواقع يؤكد أن  حل الدولتين الذي جاء به قرار التقسيم، لم يرفضه الفلسطينيون (والعرب) فقط، وإنما رفضه أيضًا اليهود. واعتبر دان ليبرمان رفض الفلسطينيين للقرار بأنه جاء لأسباب وجيهة وقانونية، ذلك لأنه ليس لأي جهة أو منظمة دولية الحق في تقسيم أراضيهم وتقرير مصيرهم. أما رفض اليهود فجاء على أساس أن إقامة دولة يهودية قابلة للحياة مفتوحة لملايين اليهود يتطلب توسعًا إقليميًا ودولة تخلو من أي جنس آخر غير اليهود.

وينبغي أن نذكر بأن وعد بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر1917  تضمن أيضًا هذا الحل. كما ورد في نص إعلان الاستقلال الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في الجزائر بتاريخ 15/11/1988:

” قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف”، معتبرًا  أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947  الذي قسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية “ما زال يوفر شروطًا للشرعية الدولية تضمن حق الشعب الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني”.

وحل الدولتين أيضًا هو الحل الذي رحب به المجتمع الدولي وارتضاه، حتى الإسرائيليين الأكثر تطرفًا بما في ذلك بنيامين نتنياهو، وهو ما ظلت تؤكده أيضًا استطلاعات الرأي للفلسطينيين والإسرائيليين حتى إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رصاصة الرحمة على هذا الحل بالإعلان عن “صفقة القرن”، والإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، ثم بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهوعن نيته ضم ثلث مساحة الضفة الغربية.

ومن المفيد التذكير هنا بتحذيرات العديد من المراقبين والمحللين وخبراء السياسة الدولية – إلى جانب العديد من الخبراء الإستراتيجيين الإسرائيليين-  إلى خطورة فشل حل الدولتين بالنسبة لإسرائيل، ذلك أن هكذا فشل من شأنه أن يؤدي  تلقائيًا إلى البديل الأكثر ترجيحًا، وهو حل الدولة الواحدة الذي اعتبره أولئك المراقبون الخطر الأكبر على إسرائيل وانه سيلحق بها العديد من الأخطار ليس أقلها تحويلها إلى دولة أبارتهايد.

ومما فتح باب التفاؤل في البداية بإمكانية نجاح حل الدولتين أن عجلة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عقب حرب يونيو 1967 كانت تدور بوتيرة بطيئة، لكن ما يدعو إلى الاستغراب انها تسارعت بشكل غير عادي بعد بدء محادث السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ثم قفزت إلى معدلات كبيرة بعد اتفاقيتي أوسلو، فيما كان العكس هو المفترض، وهي ظاهرة غير مفهومة وتتطلب تفسيرًا من المفاوض الفلسطيني.

وهناك من المنظرين الإسرائيليين السياسيين من دعا إلى إمكانية التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال تحقيق حل الدولتين، وهو ما أوضحه عضو الكنيست السابق الناشط في قائمة السلام الإسرائيلية التقدمية يوري أفنيري الذي كانت تربطه بالرئيس الراحل ياسر عرفات علاقة صداقة، في كتابه الصادر في لندن عام  1986  (صديقي العدو) الذي دعا فيه إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967، والسعي إلى التعايش جنبًا إلى جنب مع دولة فلسطينية، وحذر فيه من عواقب انهيار عملية السلام، وكأنه كان يقرأ المستقبل. ويقوم كتاب أفنيري على فكرة أن لكلا الشعبين الفلسطيني واليهودي حق تاريخي في فلسطين، ويعتقد في شرح وجهة نظره تلك أن عظمة هذا البلد “الذي كان يسمى كنعان- إسرائيل – فلسطين، تكمن في السلسلة التي لا نهاية لها من الثقافات والشعوب والغزوات والأجناس الثقافية.. وانه حيثما ذهبت ستجد بصمات للكنعانيين والإسرائيليين واليهود والمسيحيين والمسلمين والمماليك والعثمانيين، وغيرهم. ومحاولة محو أي أثر من ذلك الخليط، تبدو كما لو كانت محاولة لنزع بعض الأحجار من موزايك جميل، أو كحت لون من لوحة لمايكل أنجلو”. ويستطرد أفنيري بأنه “عندما فتح المسلمون فلسطين، كان يوجد بعض اليهود، إضافة إلى اليهود الذين كانوا قد تنصروا، وقد دخل غالبية هؤلاء في الإسلام واللغة العربية”.

ويذكر الصحفي الإسرائيلي في “هآرتس” جدعون ليفي في مقال له بعنوان “دولة واحدة وشعبين” أن نبرة التفاؤل بإمكانية حل الدولتين  سرعان ما تغيرت، “فمع مرور السنين، لم يسع رئيس وزراء إسرائيلي واحد بشكل جاد لتحقيق هذا الحل إما لتخوفه أو لتردده، أو لنيته لكسب الوقت لتعزيز الاحتلال وتحويله إلى وضع مستدام”. ويعتبر ليفي الآن من أكثر المفكرين والساسة الإسرائيليين الذين ينادون بحل الدولة الواحدة.

والواقع أن التطرف الإسرائيلي الذي أصبح السمة البارزة في الواجهة السياسية والاجتماعية والدينية في إسرائيل ساهم بشكل كبير في فشل حل الدولتين الذي كان الحل الوحيد الذي بإمكانه تحقيق السلام في الشرق الأوسط وإنقاذ إسرائيل من انفجار القنبلة الديمغرافية.

ورغم أن المجتمع  الدولي ظل ينظر بشكل دائم إلى المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية المحتلة على أنها العائق الأكبر أمام عملية السلام وتحقيق حل الدولتين، إلا أن إسرائيل نجحت في إقناع العالم بأن الفلسطينيين – وليس المستوطنات- هم العائق الأكبر أمام تحقيق السلام، وإلى الحد الذي ظلت تنفي فيه دومًا وجود طرف ثان في تلك العملية. والواقع أن اليمين الإسرائيلي المتطرف والمستوطنين  لعبوا الدور الأكبر في إفشال حل الدولتين. ولا شك أن عوامل أخرى لعبت دورها في إفشاله، يأتي على رأسها – إلى جانب ضعف وتراجع معسكر السلام الإسرائيلي، لا سيما بعد اغتيال رابين- وصول المحافظون الجدد ثم جناح اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري ممثلاً بالرئيس دونالد ترامب  إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية. كما أدى تردي الأوضاع الفلسطينية على إثر خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان (1982- 1983)، ودعم القيادة الفلسطينية للغزو العراقي للكويت (1990)، وتصفية معظم القيادات التاريخية للثورة الفلسطينية من قبل الموساد و(أبو نضال)، والنزاع المسلح بين “فتح” أبو عمار و”فتح” أبو موسى وما عرف بحرب المخيمات في طرابلس، ولاحقًا بين “فتح” و”حماس”، وما ترتب على هذا النزاع من انقسام، وتفشي الفساد في أجهزة السلطة الفلسطينية وفي أجهزة “حماس” بحسب تقارير المنظمات الدولية المعنية، واستمرار المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل رغم فشلها في تحقيق أي نتائج ملموسة على الأرض تصب في مصلحة الفلسطينيين، واستمرار القيادة الفلسطينية في قبول الدور الأمريكي لردح من الزمن كراع أساس في عملية السلام رغم انحيازه السافر لإسرائيل طيلة الوقت، ورغم أن تلك المفاوضات استغلت بشكل أحادي في تحقيق المصالح الإسرائيلية خاصة على الصعيد الأمني وتوسيع رقعة الاستيطان، وتهويد القدس، كل ذلك أدى في نهاية المطاف ليس فقط في إيصال “حل الدولتين” إلى نهايته المحتومة، خاصة بعد إعلان الإدارة الأمريكية القدس عاصمة لإسرائيل، والإعلان عن “صفقة القرن”، ونية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو  ضم 30% من أراضي الضفة الغربية والأغوار لإسرائيل، وإنما أيضًا إلى إضاعة الوقت وتراجع القضية الفلسطينية.

وبالرغم من وضوح هذه الحقيقة، إلا أن الكثيرين ما زالوا يتحدثون عن إيمانهم بأن حل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي ينبغي تحقيقه عبر “حل الدولتين”، فيما أنهم يدركون في قرارة أنفسهم أن هذا الحل لم يعد ممكنًا عمليًا، ولم يعد بالإمكان قيام دولة فلسطينية (قابلة للحياة) في ظل السؤال الذي يفرضه الواقع الراهن: ماذا تبقى للفلسطينيين ليقيموا دولتهم على مساحة أقل من 11% من مساحة فلسطين التاريخية وعلى أرض مقطعة الأوصال ومع عدم وجود أي مؤشرات إيجابية وواقعية لإنهاء الانقسام؟

وقد جاء  إقرارإسرائيل قانون الدولة القومية الجديد، ووجود 800 ألف مستوطن و235 مستوطنة  في الضفة الغربية والقدس ليطرح السؤال كيف يمكن إقامة دولة فلسطينية (قابلة للحياة) في ظل هذه الأوضاع والعراقيل؟.. وهو ما دفع كاتب الافتتاحية في صحيفة “نيويورك تايمز” إلى القول بأن إسرائيل “اتخذت قرارها بالكامل: دولة واحدة (يهودية) تضم ملايين الفلسطينيين الذين يفتقرون إلى الحقوق الأساسية”.

والواقع أن الوضع الاستاتيكي الراهن للقضية الفلسطينية أوجد حالة تشبه إلى حد بعيد فترة السنوات الست أو السبع التي أعقبت النكبة، بل انه يمكن القول إن الوضع الراهن يبدو أكثر صعوبة، حيث يظهر الأمر وكأن كل ما أمكن بنائه خلال أكثر من نصف قرن في مسيرة العمل من أجل حل القضية الفلسطينية أصبح هباءً منثورًا. ولسنا هنا بصدد البحث في أسباب هذه المأساة التي تتحمل القيادة الفلسطينية  جزءًا من مسؤوليتها، بتبنيها  خيار المقاومة المسلحة الذي ما أن قارب على  تحقيق أهدافه تخلت عنه لتتبى خيار المفاوضات والسلام ، وهي اللغة التي لا تعترف بها إسرائيل أصلاً، وحتى هذا الخيار لم يؤد إلى أي نتائج إيجابية على صعيد تحقيق الحلم الفلسطيني بقيام الدولة الفلسطينية.

أسباب أخرى..

لم تُفلح عشرات  المبادرات ومئات جولات المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بدءًا من مؤتمر مدريد عام 1991 ومرورًا باتفاقيات أوسلو، وقمة كامب ديفيد عام 2000، وخطابات الضمانات الأمريكية في عهد الرئيس كلينتون، وقمة طابا، ومبادرة السلام العربية،  وجهود (الرباعية)، وخريطة الطريق، ومحادثات عباس وأولمرت،  وعملية أنابوليس، ونهاية بجهود كيري لتحقيق السلام- وهي تلك المسيرة التي استغرقت قرابة ربع قرن- لم تنجح  كافة تلك المبادرات في حلحلة الوضع السييء الذي ظل يعيشه الفلسطينيون لعقود، خاصة في قطاع غزة المحاصر، بل ظل هذا الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وهو ما أوجد الحاجة إلى تبني بديل مناسب أكثر واقعية في وضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني أولاً، لا سيما بعد أن اقتنعت القيادة الفلسطينية بلا جدوى الاستعانة بالولايات المتحدة كراع نزيه لعملية السلام بالرغم من أن كل المؤشرات ومنذ بداية المفاوضات،  كانت تؤكد على أن واشنطن لا يمكن أن تلعب دور الوسيط النزيه في أي عملية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبعد أن سقطت مقولة “المفاوضات خيارنا الوحيد”، و”99% من أوراق الحل في يد أمريكا”.

هناك بالطبع عدة أسباب أدت إلى فشل حل الدولتين – إضافة إلى  ما سبق- من أهمها  الخلاف وعدم الثقة بين الطرفين، وتركيز الإسرائيليين وحليفهم الأمريكي على أمن إسرائيل بشكل أساس، كما أدى استمرار إسرائيل في بناء وتوسيع المستوطنات إلى عرقلة التوصل إلى اتفاق وجعله أكثر صعوبة، إضافة إلى أنه أصبح من الصعب إيجاد أرض لإقامة دولة فلسطينية عليها كما سبق إيضاحه.

وفي الحقيقة فإن الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي مطالبين اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالتوصل إلى صيغة مناسبة وواقعية لإنهاء هذا النزاع المزمن بأسرع وقت ممكن والتفكير بشكل جاد ليس فقط في مستقبل الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإنما أيضًا في مستقبل المنطقة بأسرها التي أصبح من الواضح أنها لم ولن تنعم بالسلام والأمن والاستقرار طالما استمر هذا النزاع واستمر حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الأساسية.

وصحيح إن فشل حل الدولتين يقع عاتقه الأكبر على إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن السلطة الفلسطينية و”حماس” تتحملان جزءًا من المسؤولية، وهو ما يتمثل في أن انهيار عملية السلام لم يحدث فقط بسبب ازدياد حمى الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وبتصعيد إسرائيل لانتهاكاتها لحقوق الانسان الفلسطيني، وبالانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل الذي وصل إلى ذروته بالإعلان عن صفقة القرن والإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، وإنما جاء أيضًا لأسباب أخرى تتحمل السلطة و”حماس” جزءًا من المسؤولية عنها، من ذلك إقدام حماس على شن عمليات مسلحة ضد إسرائيل كلما اقترب موعد أي استحقاق يتعين على إسرائيل القيام به وفق اتفاقياتها مع الفلسطينيين، وهو ما كان يقدم الذريعة دائمًا لإسرائيل ليس فقط  للتنصل من هذه الالتزامات، وإنما أيضًا لشن العدوان على قطاع غزة إثر كل عملية تقوم بها “حماس” (أو الجهاد الإسلامي). كما أن ضعف السلطة وتمسكها بالمفاوضات رغم عبثيتها، وتخليها عن وعودها باستخدام الخيارات البديلة التي طالما لوحت بها ، كل ذلك أوصل حل الدولتين إلى طريق مسدود.

البحث عن البديل..

بداية ينبغي أولاً وقبل البحث في البدائل- الذي يعتبر حل الدولة الواحدة من أهمها- الاعتراف بموت مشروع حل الدولتين بعد أن أصبح حقيقة لا شك فيها، لا سيما بعد أن أعطيت لها  العديد من الفرص، كان آخرها محاولة الانقاذ التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري عام 2013ـ  واعترافه بفشل العملية بإخباره الكونجرس أن حل الدولتين “بقي أمامه عامًا أو عامين قبل أن يصبح غير قابل للتطبيق”، مشيرًا إلى دعوة  القرار 2334 ، الذي مرره مجلس الأمن الدولي بدون فيتو أمريكي أواخر عام 2016، إلى “إنقاذ حل الدولتين” من خلال المطالبة بالإنهاء الفوري لبناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس،  لكن إسرائيل – كما نعرف– واصلت بناء وتوسيع المستوطنات ضاربة بهذا القرارعرض الحائط، وهو ما أدى إلى فشل العملية برمتها، خاصة في ظل القيود الاقتصادية التي ظلت تضعها إسرائيل أمام الحكومات الفلسطينية المتعاقبة واستمرارها حصارها لقطاع غزة، وبناء جدار الفصل العنصري وسرقتها المياه الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع سرقة التاريخ والآثاروالتراث الفلسطيني. وكان المفترض أن ينصرف الجانب الفلسطيني منذ ذلك الحين إلى البحث عن البديل، لكن مع الأسف ذلك ما لم يحدث بشكل جدي حتى الآن.

وأعتقد أنه قبل القفز إلى البحث عن البدائل، ينبغي علينا  أولاً أن نبدأ بمحاسبة النفس وأن نعترف بأخطائنا ونقر بأسباب فشلنا، ومن ثم العمل مستقبلا على تجنب المزيد من الأخطاء. وقبل أن نتحدث عن بديل “الدولة الواحدة” – الذي يكثر الحديث عنه الآن، ويجد تأييدًا متزايدًا في صفوف الشباب الفلسطيني في الداخل والخارج  كمرحلة جديدة في مسيرتنا النضالية الجديدة – علينا أن نطرح هذه الأسئلة: هل نجحنا – نحن الفلسطينيين-  في حكم أنفسنا؟.. هل تجربة “حماس” في غزة (في الحكم)، وتجربة “فتح” في الضفة (السلطة) حققت الديمقراطية التي طالما تغنى بها شعبنا الفلسطيني شعرًا وشعارًا؟! هل البعد الأخلاقي في المسيرة النضالية لشعبنا الفلسطيني ودماء الشهداء حالت دون  صراع الكراسي وقتال الإخوة وتفشي ظاهرة العملاء والمتعاونين مع المحتل؟ أو هل حال هذا البعد  دون السقوط في مستنقع الفساد؟ وهل أصبح الانقسام الفلسطيني حالة مستدامة؟

ليس من الصعب معرفة أن الإجابة على هذه الأسئلة تدفعنا إلى التفكير الجاد بالبحث عن البديل المناسب  للخروج من مأزق الطريق المسدود الذي وصل إليه حل الدولتين. لكن السؤال والتحدي الأكبر الذي يواجهنا ونحن ننظر إلى إمكانية  تحقيق حل الدولة الواحدة: هل إسرائيل التي تهيمن عليها قوى اليمين الأكثر تطرفًا منذ الإعلان عن قيامها عام 1948 يمكن أن تقبل بحل الدولة الواحدة؟ هذا على افتراض أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني تقبل بهذا الحل الآن أو على المدى القريب، أو حتى المتوسط.

البعد التاريخي..

تتردد  نغمة  تصدر عن منظمة التحرير الفلسطينية  قد تبدو جديدة ، فمنذ أن أعلنت دعمها لإقامة دولة فلسطينية، إلى جانب إسرائيل عام 1988، تناقش منظمة التحرير الفلسطينية في الوقت الراهن  إمكانية البحث عن خيارات بديلة، من ضمنها حل الدولة الواحدة (ثنائية القومية). وقال عضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور مصطفى البرغوثي: «هذا الخيار مطروح بقوة الآن».

بيد أنه لابد في البداية من تعريف مفهوم الدولة ثنائية القومية، الذي يعني عند بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي أنه “مفهوم سياسي لقيام نظام حكومي يشترك فيه شعبان في النظرة إلى الدعائم الأساسية التي تكون الدولة”. من جهة أخرى لا يعني وجود شعبين في دولة واحدة أن تكون تلك الدولة دولة ثنائية القومية بالضرورة، “إذ يمكن أن تكون دولة ديمقراطية تتمتع الأقلية فيها بحقوقها السياسية في ظل حكم الأغلبية، كما يمكن أن تكون دولة عنصرية لا يتمتع الشعبان فيها بحقوق متساوية يعاني فيها أبناء أحد الشعبين التمييز والانعزال” كما هو الحاصل الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لذا فإن إسرائيل – بدون قصد – تطبق نموذج الدولة الواحدة ثنائية القومية (التي لا يتمتع فيها الشعبان بحقوق متساوية).

تاريخيًا، تعود فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية في فلسطين التاريخية إلى نهاية القرن التاسع عشر. ويعتبر اليهود – كما يذكر د. أسعد غانم – هم أول من أثار الفكرة من خلال بعض المفكرين أمثال إلياهو سابير ويتسحاق ابشتاين ويوسف لوريا ونسيم ملول والحاخام بنيامين، وحتى الزعيم الصهيوني أوسيشكين. وتبلورت الفكرة عبر ظهور ما عرف حينذاك بـ “عصبة السلام” التي أسسها أرثر روبين سنة 1925التي دعت بشكل صريح إلى إقامة دولة على أساس ثنائي القومية ومشترك. . وكان روبين أول من تكلم بصراحة عن “أرض إسرائيل دولة للقوميتين”.. وفي الأربعينيات والخمسينيات أثار “حزب العمال” فكرة دولة ثنائية القومية بصورة رئيسية ، حيث أيد الحزب في البداية إنشاء مجتمع ثنائي القومية ، ثم تكلم لاحقًا عن “دولة ثنائية القومية”. هذا على الصعيد اليهودي الصهيوني، أما على الصعيد العربي – الفلسطيني فإنه، وكما يؤكد د. أسعد غانم “يصعب – تاريخيًا- على المرء أن يجد أي تأييد للفكرة من الجانب الفلسطيني بشكل رسمي أو غير رسمي، وحديثًا فقط بدأ عدد من الفسطينيين في الشتات ومن مواطني إسرائيل إبداء الرأي في أن فكرة الدولة الثنائية القومية  قد توفر بديلاً من الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين”.

لكن عمليًا عرفت “الدولة الواحدة ثنائية القومية ” في فلسطين في القرن العشرين مرتين، مرة خلال فترة الانتداب البريطاني التي استمرت ثلاثين عامًا، ومرة بعد حرب 67 التي استمرت 52 عامًا، في المرة الأولى عرفت فلسطين الدولة الواحدة  ثنائية القومية التي يتحدث سكانها لغتين (العربية والعبرية)، حيث كانت اللغة العبرية حاضرة جنبًا إلى جنب مع اللغة العربية في العملة الفلسطينية وطوابع البريد وجوازات السفر ..الخ. وكان هناك العديد من مظاهر التقارب الاجتماعي والثقافي والتجاري بين الفلسطينيين واليهود، فكان المنتخب الفلسطيني لكرة القدم – على سبيل المثال- يضم لاعبين فلسطينيين ويهود، وضمت العديد من الأحزاب والجمعيات الفلسطينية أعضاءً من الفلسطينيين واليهود، وأبرز مثال الحزب الشيوعي الفلسطيني. وكان من أهم ملامح تلك الدولة أن المجتمع اليهودي كان يمثل أقلية بجانب المجتمع العربي الفلسطيني الذي كان يمثل الأغلبية.

ومن المفيد التذكير هنا بأن اللجنة التي تشكلت من قبل الأمم المتحدة في مايو 1947 لمناقشة المسألة الفلسطينية، اقترحت  صيغتين للحل، الأولى تقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين عربية ويهودية، والثانية تدعو إلى إقامة دولة فيدرالية واحدة.

وبعد حرب 67 رأينا فلسطين تصبح مرة أخرى دولة واحدة لكن تحت سلطة الاحتلال وبمسمى إسرائيلي، وليس كالحالة الأولى بمسمى فلسطيني، وكان المجتمعان الفلسطيني والإسرائيلي (اليهودي) هذه المرة متقاربان من حيث عدد السكان. وصحيح كان بوسع الفلسطينيين التنقل بين الضفة والقطاع وفلسطين 48، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ سرعان ما تبدل الحال، خاصة بعد اندلاع الانتفاضتين الفلسطينية الأولى عام 1987 والثانية عام 2000 وإعادة احتلال إسرائيل للضفة الغربية  والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005 من جانب أحادي، والذي يعتبر الإرهاصة الأولى في الانقسام الفلسطيني. وأصبح تنقل الفلسطيني بين قطاع غزة والضفة الغربية، والقدس بخاصة، وحتى داخل أراضي الضفة الغربية غير متاح في ظل الحواجز الأمنية  ونقاط التفتيش وجدار الفصل العنصري والمستوطنات التي شكلت جميعها عائقًا أمام تواصل مدن وقرى الضفة الغربية،  وأمام تنقل الفلسطينيين حتى داخل المدينة أو القرية التي يعيشون فيها.

نظريًا طرحت عدة مقترحات للدولة الواحدة ثنائية القومية من عدة جهات، بما في ذلك الجانب الفلسطيني- فتح والجبهة الشعبية بتفرعاتها- وحملت تلك المقترحات جميعها شكلاً واحدًا لهذه الدولة، وهو الشكل الديمقراطي، حيث تضمنت صيغة الطرح الذي قدمته فتح عام 1968 لهذه الدولة: “الدولة التي يعيش فيها العرب واليهود مواطنين متساوين”. لكن فتح تراجعت عن  الفكرة عام 1974 بقبول النقاط العشر الذي اعتمدته منظمة التحرير الفلسطينية واقامة الدولة على أي جزء محرر من فلسطين.

وفي عام 2000 اقترح الزعيم الليبي معمر القذافي من خلال كتابه الأبيض لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي إقامة دولة (إسراطين) بدمج الدولتين في دولة واحدة ديمقراطية “من أجل التعايش السلمي”. وقد حظى هذا الاقتراح بتأييد كبير في بعض الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية والعربية والعالمية.

 وحمل إعلان ميونيخ مقنرحًا آخر لحل الدولة الواحدة، لكن أي من تلك الصيغ لم يتخذ شكل المبادرة الرسمية، وإن جرى التطرق إليه في الكثير من المناسبات من قبل العديد من القادة السياسيين. ويمكن الإشارة بهذا الصدد إلى قول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فبراير 2017: «أنا أنظر إلى حل الدولتين وحل الدولة الواحدة، وأفضّل الحل الذي يؤيده الطرفان، حتى وإن كان هو حل الدولة الواحدة». وفي دراسة مهمة للمدير التنفيذي للحملة الأمريكية لحقوق الفلسطينيين «يوسف منير»، نشرتها مجلة «فورين أفيرز»، واستعرضتها صحيفة الغد الأردنية، إن «قول ترامب يشير إلى حدوث تحول صارخ وخطير في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، فمنذ التوقيع على اتفاقية أوسلو عام 93 التزم جميع رؤساء الولايات المتحدة بتنفيذ حل الدولتين ولم يسبق لأي رئيس أمريكي أن تطرق إلى حل الدولة الواحدة.

كما أشار أكثر من مسؤول سياسي فلسطيني إلى أن حل الدولة الواحدة هو الحل الأنسب للقضية الفلسطينية،  “لكن إسرائيل ترفضه”.

المخاوف الفلسطينية..

يرى الكثير من الفلسطينيين أن المهدد الأكبر لحل الدولة الواحدة هو محو الهوية الفلسطينية، إلى جانب ما يشكله القبول بهذا الخيار بالاعتراف بحقوق الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي في فلسطين التاريخية، من التفريط بالحق التاريخي للفلسطينيين باعتبارهم الشعب الأعرق الذي عاش على هذه الأرض قبل العبرانيين بأكثر من ألف عام وقبل مملكة داود وسليمان بألفي عام، وفق الوثائق والآثار والتوراة نفسها. لكن الحقيقة تدحض مخاوف محو الهوية الفلسطينية، فهذه الهوية تشكل (جين) وراثي في خريطة الدم الفلسطيني، يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل، وهو ما نراه مرأى العين في أطفال فلسطين الذين يولدون في المهاجر، فتراهم يحملون فلسطين أينما ذهبوا قدسًا وأقصى ومهدًا ولهجة ودبكة ونشيدًا وزعترًا وزيتًا وغنوة وكوفية ..الخ.

ويرى المفكر الفلسطيني الأستاذ بكر أبو بكر أن فكرة الدولة الواحدة “فكرة أصيلة بالبعد المستقبلي نعم، ففلسطين كلها لنا. لذا لا بد بعد انجاز الحل المرحلي بامتلاك الارض الجزئية (الدولة على جزء من المساحة) العمل على قاعدة ربط المساحتين بأي شكل مستقبلي. أما الدعوة الآن للدولة الواحدة فكأننا نعلن الاستسلام الكلي لمنطق القوي، ونعلن فقدان عشرات السنين وآلاف القرارت الداعمة ومئات الدول المؤيدة..! ونعلن بجدارة تخلينا عن رفض الاستيطان والأرض المسلوبة، آي أننا نعطي موافقتنا للإسرائيليين على وجود المستوطنات وشرعنتها منا نحن، ومسبقا، ونوافق على تهويد القدس وابتلاع الاماكن المقدسة والمساحات الحرجية بالضفة وبالاغوار. بمعنى ان الدولة الواحدة الآن دون امتلاك اي قطعة أرض، دخول في مياه موحلة فبما اننا فيها سنعترف بكل السكان لذا يصبح المستوطنون بالأراضي التي استولوا عليها بالقدس والضفة، شرعيين هم وسرقتهم لكل الأرض، وذلك قبل أن نفتتح الجلسة فنفتقد قوة الارتباط بالأرض، أي أرض نمتلكها لنمارس عليها السيادة، حتى لوكانت محدودة لتكون العامل الجغرافي الداعم لتفاوضنا القادم على رؤية الربط للمساحتين او الدولة الواحدة”.

هناك أيضًا احتمال أن يوضع الفلسطينيون (الجدد) في الدولة (الجديدة) في مرتبة دنيا، تأتي بعد الأشكيناز والسفارديم والفالاشاه وفلسطينيو 48. كما أن هنالك تساؤلات حول اسم الدولة الجديدة المقترحة: إسرائيل أم فلسطين؟ أم دولة إسرائيل وفلسطين؟ أم دولة فلسطين وإسرائيل؟ أم غير ذلك؟! لكن في كل الأحوال ينبغي أن يكون هناك ضمانات دولية تضمن حقوق الفلسطينيين ودستور جديد للدولة الجديدة يقوم على أسس العدل والمساواة.

المخاوف الإسرائيلية..

لطالما حذر خبراء ومحللين سياسيين دوليين متعاطفين مع الصهيونية من انهيار حل الدولتين لأنه سيؤدي تلقائيا إلى حل الدولة الواحدة التي ستتحول في المستقبل إلى دولة ذات أغلبية ديموغرافية فلسطينية بسبب زيادة معدل تكاثر الفلسطينيين . هناك مخاوف إسرائيلية أيضًا تتعلق بهوية إسرائيل كدولة يهودية وكيان ديمقراطي في آن- وهي الرؤية التي قامت على أساسها الدولة- فقانون قومية الدولة الذي أقر في يوليو 2018 يتناقض بشكل صارخ مع مقولة ديمقراطية الدولة، ويتعارض بشكل أساس مع مفهوم الدولة الواحدة.

وإسرائيل أصبحت تعي جيدًا أن العالم – بما في ذلك الولايات المتحدة- الذي رفض فكرة الضم الإسرائيلية الجديدة لا يمكن أن يوافق على ترانسفير جديد لإفراغ شمال إسرائيل (حيفا – الناصرة والجليل) من الوجود الفلسطيني.

ولعل المتطرفين اليهود  الذين يشكلون الأغلبية في المجتمع الإسرائيلي، هم الشريحة الأكثر رفضًا لحل الدولة الواحدة لأنهم يؤمنون بضرورة أن تكون إسرائيل دولة ذات نقاء عنصري وديني، رغم إدراكهم لاستحالة تحقيق هذه المعادلة في ظل الواقع على الأرض، فعرب 48 يمثلون الآن حوالى 25 % من سكان إسرائيل.  وتوجد أعداد كبيرة من اليهود السود (الفلاشا واليهود من أصول أفرو- أمريكية ممن اعتنقوا اليهودية في الولايات المتحدة وهاجروا إلى إسرائيل).

مؤشرات إيجابية لحل الدولة الواحدة..

وجد حل الدولة الواحدة دعمًا وتأييدًا من قبل  العديد من المفكرين والساسة العرب والإسرائيليين البارزين أمثال د. إدوارد سعيد، ومحمود درويش، ود. حيدر عبد الشافي، وسري نسيبة،  ومصطفى البرغوثي، وبرهان الدجاني، وأسعد غانم ، ورئيس الوزراء الأردني السابق عمر الرزاز، والمفكر اليهودي الأمريكي البروفسورناعوم تشومسكي، وبيتر بينارد وجدعون ليفي، وغيرهم.    

وهناك مجموعة تطلق على نفسها «الحركة الشعبية من أجل دولة ديمقراطية واحدة»، يقودها  راضي جراعي أحد قادة “فتح” السابقين، الذي قبع في سجون الاحتلال الإسرائيلي لمدة 12 عامًا، لإدانته بمساعدة إطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987. وتخطط هذه المجموعة للقيام بحملة إعلامية تهدف إلى شرح الفكرة للفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية التي تقوم على أساس العيش في دولة ديمقراطية يتمتع سكانها بحقوق متساوية”.

ويقول حماده جابر قائد مجموعة أخرى  يطلق عليها «مؤسسة الدولة الواحدة»: “هناك على الأقل 30% من الفلسطينيين يؤيدون فكرة الدولة الواحدة”، وتحظى الفكرة بدعم أقوى وسط الشبان، كما يقول منظم استطلاعات الرأي المعروف د. خليل الشقاقي، خصوصاً الطلاب والمهنيين الذين طالبوا بتغيير الاستراتيجية منذ بدء الربيع العربي.

وهناك ما يدعو إلى إمكانية نجاح فكرة “الدولة الواحدة” في المدى القريب من خلال الحقائق الآتية:

1- التقارب الكبير في المستوى الحضاري والتميز العلمي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

2- معرفة أعداد كبيرة من الفلسطينيين باللغة العبرية، ومعرفة أعداد كبيرة من الإسرائيليين باللغة العربية.

3- وجود تعايش تاريخي سلمي بين عرب فلسطين واليهود قبل ظهور الحركة الصهيونية  وصدور وعد بلفور.

4- تكهن العديد من الزعماء والمفكرين اليهود باقتراب انهيار الصهيونية ونهاية دولة إسرائيل نفسها، من أبرزهم أبراهام بورج رئيس الكنيست الأسبق

5- تزايد أعداد أصوات اليهود الأمريكيين التي تؤمن بأن الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل لا يصب في  مصلحة إسرائيل.

6- ظهور مؤشرات جديدة على توجه عالمي قوي للقضاء على كافة أشكال العنصرية.

7- ظهور مؤشرات على نهاية العصر الأمريكي وبداية ظهور نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب لا تتربع أمريكا على قمته. نظام يتضمن مؤسسات دولية جديدة خارج الهيمنة الأمريكية لا مجال فيها للمعايير المزدوجة أوللتسامح مع الدول أو الأطراف الدولية التي تمارس انتهاكات ضد حقوق الانسان وحق تقرير المصير للشعوب، وأيضًا يوضع فيه تعريف محدد وموحد لمفهوم الإرهاب، نظام توضع فيه عقوبات دولية موحدة لكافة الدول أو الجهات أو المنظمات أو الأفراد الذين يمارسون الإرهاب أو التفرقة العنصرية.

وما يدعو إلى التفاؤل بأن سياسة إسرائيل التعسفية ضد الفلسطينيين من حرمان  واستيطان وتهويد وأبارتهايد وترانسفير واستمرار للاحتلال والاعتقال والقتل ومصادرة وضم للأراضي وهدم للمنازل وقتل واغتيال وتشريد واعتقال وحروب وتجويع وحصار  ..الخ، أقول ما يدعو إلى التفاؤل رغم هذا التعسف والظلم هو أن المجتمع الدولي لم يعد يتقبل هذه السياسة باللامبالاة وعدم الاكتراث، وهو ما ظهر مؤخرًا وبشكل واضح في رفض كافة دول العالم- بما في ذلك الولايات المتحدة- لخطة الضم التي كانت تنوي حكومة نتنياهو تدشينها في الأول من شهر يوليو 2020، وبما أعتبر لأول مرة بأنه ممارسة حقيقية  لضغط دولي  وفعال على إسرائيل دفعها إلى مراجعة قرارها بضم الأجزاء من الضفة الغربية بواقع 30% من مساحتها. وصحيح أن إسرائيل تضم عمليًا هذه الأراضي، وصحيح أنها قد تكون أرجأت أو أجلت عملية الضم إلى أجل ملائم لها  تتوفر فيه الفرصة المواتية لإتمام عملية الضم، لكنها بدأت تعي لأول مرة أنه أصبح هناك خطوطًا حمراء لتجاوزاتها، وأن هناك رسالة جديدة من المجتمع الدولي موجهة إليها ولابد لها أن تقرأها بجدية، مفادها أن هناك إمكانية لأن تواجه بعقوبات دولية في حالة القيام بالمزيد من الخروقات للقانون والاتفاقيات والقرارات الدولية، وأنها ممكن أن تحاسب على هذه الجرائم والانتهاكات بأثر رجعي، وأن عليها أن تعي أن سياسة الضم انتهاك واضح وصارخ للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة، ولاتفاقية أوسلو – إن كان هناك من يعتقد بأن تلك الاتفاقية ما زالت حية- لأن الوضع النهائي لأراضي الضفة الغربية يجب أن يتحدد من خلال المفاوضات النهائية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى أن أراضي الضفة الغربية – بما في ذلك القدس الشرقية- تعتبر أراض محتلة بموجب القانون الدولي.

السؤال الذي ظل يطرح نفسه باستمرار، لم يعد لماذا ظل المجتمع الدولي يغض الطرف عن جرائم إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني من مجازر واعتداءات وانتهاكات صارخة لحقوق الانسان ويكتفي بمشاهدة الأفلام والصور التي توثق هذه المذابح والانتهاكات دون التدخل لوقفها أو حتى العمل على حماية هذا الشعب؟..  فنحن لا نملك أي آلية نحاسب بها المجتمع الدولي على صمته طيلة تلك الفترة الطويلة، لكن  بدا الأمر الآن وكأن ضمير العالم بدأ يستيقظ- – حتى وإن ظهر ذلك بتثاقل- فهاهو المجتمع الدولي الآن يعيد النظر في مواقفه إزاء تلك الانتهاكات والخروقات.. ليصبح السؤال: كيف ومتى سيتخذ العالم موقفًا حاسمًا وعمليًا  لوضع نهاية لتلك الانتهاكات ولمعاناة هذا الشعب التي ظلت تلازمه عبر أكثر من سبعين عامًا في الداخل المحتل وفي المنافي؟ أو ليس هذا هو الوقت المناسب  للتوصل إلى حل عادل وشامل  ودائم لهذا الشعب المسلوب الحرية والحقوق؟!

هناك إمكانية لنجاح التجربة..

تقدم تجربة دولة جنوب إفريقيا مثلاً حيًا لإمكانية التعايش الثنائي بين قوميتين – كانتا متخاصمتين-  في دولة واحدة، فرغم الميراث الاستعماري بين البيض والسود والذي استمر لعدة قرون إلا أن الشعبين رفضا فكرة استمرار النزاع بعد انتهاء نظام الأبارتهيد العنصري. وتتيح عدة عوامل على إمكانية نجاح نموذج جنوب إفريقيا في دولة فلسطينية – إسرائيلية موحدة، من ذلك ارتفاع مستوى التفوق العلمي والتقني للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، والوجود اليهودي في فترات متفاوتة من تاريخ فلسطين القديم والحديث والمعاصر، واختلاط الجنسين العربي الفلسطيني واليهودي من خلال الزواج، وإلى حد ظهور نظريات حديثة  يدعي أنصارها بأن المجموعات المعاصرة التي تعيش في إسرائيل والأردن ولبنان وأجزاء من سوريا يتشاركون جزءا كبيرا من أصولهم (في معظم الحالات أكثر من النصف) مع الأشخاص الذين عاشوا في بلاد الشام خلال العصر البرونزي منذ أكثر من 3000 عام. ووجدت هذه  الدراسة التي نشرت في دورية “سيل” أن الكنعانيين الذي ورد أسمهم كثيرا في المصادر القديمة، ومن بينها الكتاب المقدس، يتحدرون من خليط من سكان بلاد الشام السابقين والمهاجرين القادمين من منطقة القوقاز أو شمال غرب إيران.
وفي دعمه وتأييده  لفكرة حل الدولة الواحدة ثنائية القومية يقول بيتر بينارد الكاتب في صحيفتي “نيويورك تايمز” و”هآرتس” والأستاذ المشارك للصحافة والعلوم السياسية في جامعة نيويورك في افتتاحيته في صحيفة نيويورك تايمز في 7 /7/2020 انه حان الوقت للتخلي عن حل الدولتين التقليدي وتبني هدف المساواة في الحقوق لليهود والفلسطينيين.. حان الوقت لتخيل موطن يهودي وليس دولة يهودية”. قد لا تتحقق هذه الرؤية في وقت قريب، وصحيح أنها تحققت في دولة جنوب إفريقيا بعد حقبة طويلة من الأبارتهايد، وبينما الوضع أكثر تعقيدًا في فلسطين، إلا أن ذلك لا يعني انه غير قابل للتحقيق، فهذا العام فقط (عام 2020) شهد تطورًا دراماتيكيًا على صعيد توجه عالمي لافت ومؤثر ضد العنصرية عندما اندلعت ثورة شبه عالمية ضد العنصرية على إثر مقتل المواطن الأمريكي من أصول إفريقية جورج فلويد على يد شرطي أمريكي، وهي رسالة تعتبر إسرائيل الجهة المعنية أكثر من غيرها في تفهم معانيها، لاسيما بعد أن بدأ العالم في مقارنة أسلوب مقتل فلويد بالأسلوب الذي تتبعه الشرطة الإسرائيلية عند إلقائها القبض على الأطفال والشباب الفلسطينيين بتهمة مقاومة الاحتلال.

الصعوبات والتحديات..

بالرغم من أن تحقيق حل الدولة الواحدة ثنائية القومية يبدو ممكنًا نظريًا، إلا أن الأمر لا يبدو كذلك عمليًا،  فالسؤال الأول الذي يمكن أن يطرح قبل اتخاذ أي خطوة فيما لو حظى هذا المشروع في المدى القريب أو المتوسط بموافقة الغالبية من قبل طرفي النزاع: هل الجانب الإسرائيلي مستعد للتخلي عن الصهيونية وعن فكرة الدولة اليهودية القومية وخلع لباس العنصرية؟

فالمفترض في هذا المشروع – سواء من خلال صيغة دولة واحدة لقوميتين أو دولة واحدة ديمقراطية –  يقوم على أسس ومبادىء المساواة والعدل التي يكفلها نظام يضمن الحقوق والواجبات، وحرية الاعتقاد، والحق في العمل والترشح والانتخاب، واختيار مكان السكن، وحرية الرأي والسفر والتنقل والصحة والتعليم، وذلك في إطار دولة مدنية، ديمقراطية، علمانية، وحقوق “وطنية” للقوميتين الرئيستين، وحقوق دينية وثقافية لجميع الأقليات، ولغتين رسميتين، وعاصمة موحدة، وإدارات خاصة للأماكن المقدسة، يمارسها أتباع الديانات الثلاث من خلال ترتيبات تضمن حقوق ممارسة الشعائر والعبادات للجميع من دون استثناء. كما يفترض في هكذا نظام انه يكفل حق العودة لليهود والفلسطينيين إلى فلسطين التاريخية مع الإقرار بصعوبة تحقيق ذلك لأن إسرائيل ببساطة لا يمكن أن تسمح بعودة لاجىء 1948.

اليوم، وفي هذه الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والتي يمكن التعبير عنها بتفشي ظاهرة الانتحار في المجتمع الغزي، والهجرة الجماعية للكثير من الشباب الفلسطيني في القطاع ومخيمات اللجوء إلى أوروبا، خاصة دول اسكندنافيا، وبعد أن أصبح الوضع الراهن: لا سلام – لا مفاوضات – لا مقاومة – لا انتفاضة.. لا حل دولتين – لا نهاية للانقسام ..الخ، فيما لم يتحقق للاسرائيليين حالة الأمن والاستقرارالدائم من خلال التوصل إلى سلام حقيقي مع الفلسطينيين.. اليوم في هذه الظروف  الصعبة غير المسبوقة التي يواجهها الشعب الفلسطيني، أصيب الرأيان العامّان الإسرائيلي والفلسطيني  بخيبة أمل من حل الدولتين . ففي إسرائيل، أثبتت  استطلاعات الرأي العام أن التوصّل إلى حل للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني يحتل أولوية متدنية بالنسبة إلى أغلبية الإسرائيليين. أما في الأراضي الفلسطينية، فيشعر كثيرون بأن أوسلو والمشروع الوطني الفلسطيني مُنيا بالفشل، وبدأت بالتالي النقاشات حول البدائل.

مؤشرات استطلاعات الرأي..

– انخفضت نسبة تأييد الإسرائيليين لإقامة دولة فلسطينية خلال السنوات الأخيرة الماضية. ففي العام 2008، كانت النسبة 46 في المئة وارتفعت إلى 58 في المئة بعد خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في العام 2010 عن السياسة الخارجية في جامعة “بار إيلان”، حيث أعلن بصراحة عن تأييده حل الدولتين. لكن تأييد إقامة دولة فلسطينية تضاءل تدريجياً إلى أن بلغ 43 في المئة في العام 2017.

– انخفض تأييد الرأي العام الإسرائيلي لحل الدولتين من 69 في المئةعام 2012 إلى 55 في المئة عام 2017. وتؤيّد أغلبية الرأي العام العلماني (72 في المئة) و20 في المئة في الأوساط المتدينة.

– أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، في العام 2018، تأييد حوالي 40 في المئة من الفلسطينيين لحل الدولة الواحدة، في حين أيده 25 في المئة من الإسرائيليين.

– ارتفعت نسبة مؤيدي حل الدولة الواحدة ثنائية القومية لدى الرأي العام الفلسطيني وفق مركز القدس للإعلام والاتصال من 18,1% في فبراير 2017 إلى 30,3% في 20/10/ 2018.

– أوضح استطلاع للرأي أجراه مركز القدس للاعلام والاتصال في 10/9/2019  بالشراكة مع “فريدريش إيبرت شتيفتونغ” بأن النسبة الأكبر والبالغة 39.3% ترى بأن حل الدولتين هو الأفضل لحل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، علماً بأن نسبة تفضيل حل الدولتين في قطاع غزة أعلى منها في الضفة الغربية، فالنسبة 46.4% في قطاع غزة مقابل 34.5% في الضفة، في حين فضل 28.8% حل الدولة الواحدة ثنائية القومية على كل فلسطين، بواقع 26.2% في قطاع غزة مقابل 30.5% في الضفة الغربية. وفي ذات السياق، أوضح الاستطلاع بأن ارتفاع نسبة المؤيدين لحل الصارع الإسرائيلي الفلسطيني بحل الدولة الواحدة، وتراجع فكرة حل الدولتين في الضفة الغربية سببه “الكثاقة الاستيطانية في الضفة الغربية، بينما غزة لا يوجد بها مستوطنات، ولهذا فإن الغزيين ما زالوا يشعرون أن هناك إمكانية لدولتين ولا يلمسون مدى خطورة الوجود الاستيطاني على حل الدولتين”.

الاستنتاجات..

–  يجب الأخذ في الاعتبار أن فشل حل الدولتين الذي تعتبر كل من واشنطن وتل أبيب المسؤول الأكبر عنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى أحد أمرين: إما حل الدولة الواحدة أوعودة الفلسطينيين إلى الكفاح المسلح، وحيث يبدو الخيار الأول الأنسب بالنسبة لطرفي النزاع، لا سيما في ضوء الحقيقة بأن تلك المسيرة الطويلة من النزاع المسلح وغير المسلح – عدا أنها لم تحقق هدف أي منهما- أرهقتهم وأتعبتهم كثيرًا.

– أضاعت إسرائيل فرصة تاريخية قد لا تتوفر لها مرة أخرى، بإفشالها حل الدولتين، كما أن رفضها لحل الدولة الواحدة سيضعها في وضع لا تحسد عليه عندما تبدو أمام المجتمع الدولي، بعد تحويلها الاحتلال إلى أمر واقع ووضع مستدام بأنها دولة عنصرية. كما ينبغي على الجانب الفلسطيني العمل في غضون ذلك على إنهاء الانقسام لأنه لا يمكن التوصل إلى (الحل النهائي) دون إنهاء الانقسام الذي يعتبر أيضًا الوسيلة الوحيدة لإنهاء معاناة أهالي القطاع الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، وحتى لا يخرجوا عن إطار هذا الحل ويواجهون مصيرًا مجهولاً، مع التذكير بأن حماس تكتفي منذ الانفصال بالوضع القائم، حيث تقوم إستراتيجيتها على التصدي للعدوان الإسرائيلي الذي تشنه إسرائيل بين الحين والآخر، وذلك في غياب مشروع وطني يتبنى المقاومة المسلحة للتحريروالعودة.

– لا شك أن لا السلطة الفلسطينية ولا الحكومة الإسرائيلية الراهنة، أو أي حكومة قادمة على المدى القريب يمكن أن يقبلا بحل الدولة الواحدة والأسباب معروفة، ولا داع للخوض فيها، وربما أن يحدث ذلك مستقبلا إذا ما تغير الرأي العام الإسرائيلي، وتوقف الدعم والانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل (الذي أصبح الكثيرمن المحللين الإسرائيليين واللوبي الإسرائيلي نفسه، يرون انه لا يخدم المصلحة الإسرائيلية)، وبدأ المجتمع الدولي يمارس ضغوطًا وعقوبات على إسرائيل لعدم امتثالها للقانون الدولي ولتنكرها الدائم للقرارات والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.

– حل الدولة الواحدة متوقع له أن يصبح – في مدى بضع سنوات – خيارًا وحيدًا وبديلاً واحدًا. صحيح انه قد لا يعبر عن رغبة تؤيدها أغلبية فلسطينية  وإسرائيلية، لكنه سيساهم في تهيئة مناخ موات لتطبيقه  نتيجة  لمتغيرات دولية ونظام عالمي جديد هو الآن في طور التبلور، نظام أهم ملامحه زوال الهيمنة الأمريكية على العالم، وحدوث تغيير دراماتيكي في المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة  (لتصبح مؤسسة دولية أكثرعدلاً وتحررًا من نفوذ الدول الكبرى، وبالحد الأدنى من ازدواجية المعايير)،  وتجريم العنصرية والأنظمة الاستبدادية وانتهاك حقوق الإنسان  جنبًا إلى جنب مع اللاسامية والتشكيك بالهولوكوست.

– هناك العديد من المؤشرات التي تدل على أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يمكن أن يوافقا على هذا الحل إذا ما توفرت الأجواء الدعائية اللازمة التي تبرز مزاياه التي يمكن أن تحقق في سقفها النهائي أجواء أمنية أفضل للإسرائيليين ، وحياة معيشية أفضل ومساحة أكبر من الحريات للشعب الفلسطيني.  إضافة إلى أن هكذا حل من شأنه تعزيز مشروع سلام حقيقي بين الشعبين قائم على أساس العدل والمساواة والمصالح المشتركة، إلى جانب  إشاعة أجواء  الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.

– ينبغي القول أيضًا إن تجدد الحديث عن هذا الخيار أو البديل يأتي بعد أن تأكد للفلسطينيين (فتح وحماس) تعذر تحقيق مشروعهم الوطني الذي طرح أواسط ستينيات القرن الماضي (تحرير فلسطين من البحر إلى النهر)، وبعدما تأكد للإسرائيليين، استحالة تحقيق وضع أمني مستدام في ظل استمرار النزاع، وأيضًا بعد أن أدركت الأحزاب الإسرائيلية المختلفة استحالة إلغاء شعب بأكمله وطمس قضيته واقتلاعه من أرضه وجذوره، ونضاله وكفاحه المسلح عبر أكثر من سبعين عامًا، وإجباره على الاستسلام والخضوع للاحتلال، خاصة في وجود رأي عالمي ذو أغلبية كبيرة مؤيدة لحقوقه المشروعة بما في ذلك حقه في تقرير المصير.

–  رغم أن حل الدولة الواحدة لا يحوز في الوقت الراهن على الأغلبية من قبل الفلسطينيين والإسرائيليين في استطلاعات الرأي، إلا أن نسبة المؤيدين له في تزايد، وهو مؤشر هام ينبغي أخذه في الاعتبار، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي الفلسطينية والإسرائيلية التي تظهر أنه بالرغم من أن غالبية فلسطينية متعاظمة، ما زالت تؤمن بأن حل الدولتين هو الحل الأفضل، إلا أن نسبة المؤيدين لحل الدولة الواحدة في تزايد. وبالرغم من هذه النتائج، فإن الكثيرين يعتقدون أن تأيدد فكرة حل الدولة الواحدة  تكتسب المزيد من التأييد من الجانب الفلسطيني (الشبابي) بشكل خاص، فقد كان من المتوقع أن تؤدي “أوسلو” إلى مزيد من الحريات ورخاء العيش  لهم  – وليس المزيد من الفقر والبطالة والمعاناة-  لكنها، وبدلاً من ذلك، وكما يقول المحامي والروائي والناشط السياسي الفلسطيني رجا شحادة- “مكّنت إسرائيل على مر السنين من الاستمرار في استغلال الفلسطينيين اقتصاديًا والسيطرة على الكثير من مواردهم وممارسة السيطرة الكاملة على حدودهم”.

–  النموذج المطبق الآن في إسرائيل والأراضي الفلسطيينية المحتلة هونموذج الدولة الواحدة ثنائية القومية (العنصرية)، وهو ما ينبغي النضال من جانب الشعبين لتغييره إلى النموذج الذي يحقق العدل والمساواة والسلام لهذين الشعبين من خلال نموذج الدولة الواحدة ثنائية القومية التي يتحقق فيها قيم الحرية والعدل والمساواة.

– كما أن الانقسام الفلسطيني كان أحد أسباب فشل حل الدولتين لأنه أضعف الجانب الفلسطيني وأعطى المبرر لإسرائيل في إدعائها بعدم وجود (الطرف الثاني) للتفاوض معه، وأن الرئيس الفلسطيني محمود عباس  (أبو مازن) لا يمثل كل الفلسطينيين، فإنه من الواضح والمتوقع أيضًا  أن استمرار هذا الانقسام سيؤدي إلى فشل حل الدولة الواحدة ثنائية القومية التي يتحقق فيها العدل والمساواة للإسرائيليين والفلسطينيين، إذا ما طرح هذا الحل مستقبلأ وجرى التفاوض بشأنه.

– حل الدولة الواحدة (الديمقراطية) ثنائية القومية يعتبر الحل الحتمي الذي سيكون الحل الوحيد القابل للتطبيق في نهاية المطاف، لأنه يرتبط ارتباطا وثيقا بانهيار الصهيونية الذي بات وشيكًا، وتغير النظام العالمي ليصبح أكثر عدلاً وأقل عنصرية، مع الاحتمال الأكبر بانتهاء شهر العسل الأمريكي – الإسرائيلي الذي ظل يعتمد بشكل أساسي على اللوبي الإسرائيلي وتعاطف الشعب الأمريكي وهو ما أصبح مشكوكًا في استمراره في الحقبة المقبلة.  

التوصيات..

– دعم التعاون والتواصل مع الشخصيات والأحزاب الإسرائيلية المؤيدة لمشروع حل الدولة الواحدة، وإحياء حوار السلام بين القوى الفلسطينية والإسرائيلية المحبة للسلام، على نحو ما كان قائمًا في السبعينيات، ضمن التيار الذي تزعمه د. عصام السرطاوي، وشارك فيه العديد من السفراء الفلسطينيين في أوروبا (القلق- الهمشري- نعيم خضر- زعيتر ..الخ).

– التنسيق بين مؤيدي فكرة أو مشروع الدولة الواحدة من المفكرين والكتاب والباحثين الفلسطينيين والإسرائيليين، والعمل في اتجاه خلق رأي عام فلسطيني- إسرائيلي مساند، واستمالة الطبقة الوسطى الإسرائيلية لفكرة الدولة الواحدة.

–  إنهاء الانقسام الفلسطيني من خلال حراك فلسطيني ناشط ومستمر وعلى نطاق واسع تشارك فيه كافة أطياف الجماهير من أجل وضع نهاية لهذا الانقسام البغيض الذي يخدم المصلحة الإسرائيلية بشكل مباشر وصريح-  والذي يعتبر المسبب الأكبر في معاناة الشعب الفلسطيني، وفي وضع كافة العراقيل أمام حل الدولتين وإفشاله حاضرًا وحل الدولة الواحدة وإفشاله مستقبلاً-  وبنفس القدر والدور الذي تلعبه قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف.

– ينبغي إعطاء ضمانات دولية وقانونية كافية لدولة فلسطينية – إسرائيلية تقوم على أساس دولة واحدة ثنائية القومية تقام في أي مدى قريب أو متوسط أو بعيد تكفل الحرية والحقوق لكافة مواطنيها على أسس العدل والمساواة.

* كاتب فلسطيني-  الرياض .

ibrahimabbas1@hotmail.com   

أهم المصادر..

Peter Beinart, No Longer Believe in a Jewish State, NY times, (opinion), July 8, 2020.

One State, Two Nations, Gideon Levy, Palestine- Israel Journal, vol. 24, No. 1, 2019.

Yousef Munayyer, There will be a One-State Solution, But What Kind of State will be? November/ December, 2019.

–  Khalil Shikaki, Palestinians Divided, Foreign Affairs, January/February 2002.

Dan Lieberman, The One-State Deposition Before Imposition in Palestine, counter currents.org., July 27, 2020.

Gideon Levy: Does unconditional support for Israel endanger Israeli voices? The National Press Club, Jun 4, 2015.

– مركز القدس للإعلام والاتصال.

– دولتان أم دولة واحدة؟ نظرة ثنائية إلى المأزق الإسرائيلي.

Carengie-mec.org   27/2/2019 

– “نبض الرأي العام الفلسطيني-الإسرائيلي”، استطلاع مشترك، الأول من ديسمبر 2017.  http://www.pcpsr.org/ar/node/718

– هل للعرب واليهود أصول واحدة؟ رصد علاقة مباشرة بالعصور القديمة،الحرة / ترجمات – واشنطن، 28/05/2020.

– مجلة الدراسات الفلسطينية، (26)، ربيع 1996، الحل البديل، فلسطين الموحدة.

– مجلة الدراسات الفلسطينية، (37)،  شتاء 1999، الدولة ثنائية القومية في فلسطين: خيار سياسي أم تطور تراكمي؟

– مجلة الدراسات الفلسطينية (41)، شتاء 2000،  الحل الوحيد الممكن في فلسطين: دولة ثنائية القومية.

– الإمارات اليوم، حل الدولة الواحدة يحظى بزخم جديد، 17/1/2018.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.