#أقلام وأراء

د. إبراهيم ابراش – لماذا حركة فتح دون غيرها؟

د. إبراهيم ابراش ٤-١-٢٠٢٢م

أن تكون ذكرى انطلاقة حركة فتح هي نفسها ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة فهذا يعني أن حركة فتح تمثل الثورة الفلسطينية أو أنها عمودها الفقري والعنوان الدال عليها، وبدونها ما كانت هذه الثورة التي استنهضت الحالة الوطنية في منتصف الستينيات وفرضت اسم فلسطين دوليا كقضية تحرر وطني وحافظت على الهوية والثقافة الوطنية.

بالرغم مما تعرضت له حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) من تحديات خارجية وداخلية: تآمر دول عليها، استهداف إسرائيل لقياداتها ،حالات انشقاق داخلية، تراجع شعبيتها بعد توقيع اتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل، تحميلها مسؤولية أخطاء السلطة، وما يُشاع عن فساد فيها، و حالة الترهل في العمل التنظيمي، بالرغم من كل ذلك ما زالت حركة فتح تتبوأ مكان الصدارة في النظام السياسي الفلسطيني كما تُشير استطلاعات الرأي، وما زال قطاع واسع من الشعب يراهن عليها دون غيرها للخروج من المأزق الذي تعيشه القضية الوطنية.

وفي المقابل فإن أحزاباً تزامَن ظهورها مع تأسيس حركة فتح وبعضها سابق في الوجود عليها وكان لها دور نضالي ولا شك، وأخرى ظهرت لاحقاً منافساً للحركة،  إلا أنها جميعاً لم تستطع أن تجاري حركة فتح في استقطاب الشعب أو تحقيق انجازات كبيرة على المستوى الوطني أو الدولي، بالرغم  من كل المساندة والدعم التي كانت تجدها من دول وحركات سياسية عربية وإسلامية كبيرة، وبالرغم من الشعارات الكبيرة التي ترفعها وتقديم نفسها ونهجها الثوري والجهادي المتمسك كما تقول بالثوابت الوطنية والقيم الدينية كبديل عما تسميه النهج (الاستسلامي) لحركة فتح .

 تفسير ذلك لا يعود بالضرورة لأن النهج السياسي لحركة فتح هو الأصوب وأن فتح حققت الأهداف التي انطلقت من أجلها، أو لأنها في موقع السلطة والسلطة تستقطب مؤيدين طمعاً في مغانمها أو خوفاً من سطوتها، فهذه الأسباب تعطي تفسيراً جزئياً وقد تكون محل جدل.

إن سر فتح ومصدر قوتها تاريخيا يكمن في وطنيتها،  بمعنى أنها فكرة وطنية خالصة انطلقت من وسط معاناة الشعب وربطت نفسها به: هوية وثقافة وتجربة نضالية، ولم تُرهن وجودها بأي طرف خارجي وحافظت على درجة من استقلالية القرار، والشعب الفلسطيني خَبَرَ وجرب واكتوى كثيراً من تداعيات التبعية للخارج باسم هذه الأيديولوجيا أو تلك .

استمرت حركة فتح وتراجعت أحزاب ربطت وجودها بهذا النظام العربي أو ذاك كمنظمة الصاعقة وجبهة التحرير العربية وغيرها، أو ربطت وجودها بأيديولوجيات ودول خارجية كأحزاب اليسار التي ربطت وجودها بالشيوعية العالمية وبالاتحاد السوفيتي، او التي كانت وما زالت تابعة للإسلام السياسي وللإخوان المسلمين كما هو الحال مع حركة حماس، أيضا ما آلت إليه حالات الانشقاق على حركة فتح التي لم تُعمر ولم تنفعها الدول والجماعات التي حرضتها واحتضنتها.

انطلاقاً من ذلك فإن الخطر الحقيقي على وجود دولة إسرائيل ليست الأيديولوجيات الدينية أو الأممية  أو دول الجوار أو إيران أو الجماعات الإسلامية المتطرفة أو المعتدلة، وليس مصدره حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة، بل الأيديولوجيا الوطنية وتجسيدها الواقعي المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني ودولة وهوية وطنية، وإسرائيل تعرف ذلك، فهي قادرة على التعامل مع كل الأيديولوجيات والتهديدات العسكرية اللفظية أو الفعلية التي مصدرها  محور وفصائل المقاومة وتحييدها بالقوة الرادعة أو بالمال والتدخلات الخارجية، ولكنها لا تستطيع ردع واحتواء الوطنية الفلسطينية، فهذه الأخيرة هي النقيض الموضوعي والفعلي للمشروع الصهيوني.

بل يمكن القول إن هدف الانقسام وحصار قطاع غزة وحملات العدوان عليه لم يكن بهدف القضاء على المقاومة المسلحة في غزة بل لتكريس وتعزيز حالة الانقسام  وتدمير المشروع الوطني وإضعاف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، فاستمرار الانقسام أكبر خطر يهدد المشروع الوطني والهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة.

ما سبق لا يعني تجاهل الأخطاء والتجاوزات وما يُشاع عن وجود فساد في السلطة التي أسستها فتح ولا يعني تجاهل حالة الترهل في تنظيم فتح ، كما أن حركة فتح ليست السلطة أو رئيس الحركة أو لجنتها المركزية فقط، نحن نتحدث عن حركة فتح كفكرة وطنية وتاريخ نضالي وامتداد شعبي وحضور دولي وكفاءات عديدة حتى وإن كانت خارج الأطر التنظيمية.

نمنح الأفضلية لحركة فتح في مجال المقارنة بغيرها من الأحزاب المتواجدة الآن على الساحة دون أن ننتقص من قيمة ودور هذه الأحزاب حتى وإن كان بعضها أساء للشعب الفلسطيني وشوه عدالة قضيته، أما الحكم على المستقبل وعلى قدرة فتح على تحقيق الأهداف الوطنية فيحتاج إلى كثير من الجهد من أبناء الحركة وإلا فإن هذه الأفضلية قد تتآكل مع مرور الزمن.

حركة فتح ستكون أمام مفترق طرق مصيري عند انعقاد المؤتمر الثامن المُقرر في مارس القادم- هذا إن تم عقده في موعده- فإما أن تستعيد الحركة حيويتها وروحها الوطنية الأولى وتجدد قانون المحبة بين أبنائها وتحرر نفسها من أوزار السلطة وتبعاتها الثقيلة، أو تفشل في ذلك ويُعيد المؤتمر انتاج نفس القيادات والسياسات وبالتالي تكريس أزمة الحركة وأزمة النظام السياسي، مما سيمنح شرعية لأي منافس جديد يسعى لقيادة الشعب وتمثيل الوطنية لأن الوطنية ليست حكراً على أحد حتى وإن كانت حركة فتح.

في ذكرى انطلاق الحركة في الفاتح من يناير وهي نفس ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة نتمنى القيام بمراجعة نقدية شاملة، لأن ما تم انجازه منذ تأسيسها لا يتناسب مع أهدافها المُسطَّرة في أدبياتها ولا يساوي حجم التضحيات من شهداء وأسرى وجرحي الذين ناضلوا تحت راية الحركة، كما أن طول عمر الحركة واستمرار وجودها على رأس النظام السياسي الرسمي لا يمنحها أفضلية أو شرعية مطلقة.

كتبنا قُبيل المؤتمر السابع بأن حركة فتح أمام مفترق طرق وللأسف لم تكن مخرجات المؤتمر السابع وحال فتح  بعده أفضل بكثير من حالها قبله، فهل سيختلف الأمر في المؤتمر الثامن؟ نأمل ذلك وغالبية الشعب تراهن على ذلك. 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى