أقلام وأراء

د. أماني القرم – عام على بايدن الكثير من الاقوال الجميلة

بقلم: د. أماني القرم 23-1-2022م

من الصعب على أي رئيس أمريكي يأتي بعد دونالد ترامب أن ينافسه في الحضور الطاغي الذي فرضه ‏على العالم كرهاً او حبًّا فهو /بلا منافس/ الأكثر جذباً وجدلاً وصخباً.. وبتركته الثقيلة المحمّلة بالفوضى ‏والفردية داخليًّا وخارجيًّا لا يمكن الحكم بموضوعية على نجاعة سياسة بايدن بعد عام واحد فقط، خاصة مع ‏تحديات استمرار جائحة كورونا والكوارث الطبيعية التي اجتاحت أمريكا العام الفائت من أعاصير وحرائق ‏غابات، والتي يبدو أنها اجتمعت فأثقلت كاهل الرئيس الثمانيني وعطّلت تحقيق أبرز وعوده الانتخابية، إنما ‏تجب المراجعة /التي لن يتسع لجلّها مقال صغير/ لكن كمحاولة لاستكشاف مؤشرات أين ستذهب الاعوام ‏القادمة . ‏
‏ منذ وصوله البيت الأبيض وضع بايدن التحديات الداخلية كأولوية استراتيجية (الجائحة ، الاقتصاد، ‏العنصرية، لململة الشمل الأمريكي وإصلاح الشرطة) فتعهّد بالقضاء على الفيروس اللعين وإصلاح ‏الاقتصاد، لكن ما أن وصل الى كرسي المكتب الدائري حتى أطلت المتحوّرات دلتا وأخواتها ووصلت ‏الاصابات الى مستويات قياسية، وقضت على آماله في القضاء على الجائحة، وبات التعايش مع الفيروس ‏سياسة وهدفاً. ورغم ذلك استطاع أن ينهي عامه الاول بتسجيل غير مسبوق تاريخيًّا لأدنى مستوى للبطالة ‏وتوفير 6 ملايين وظيفة. وفيما يتعلق بإصلاح الشرطة والعنصرية وحرية التصويت الذي يدّعي أنه يهدف ‏إلى تقليل تأثير المال في الانتخابات الامريكية وحماية الأقليات، فلم تنتج جهوده شيئا مع فشل تمرير ‏قانوني جورج فلويد للعدالة وإصلاح التصويت في الكونجرس في ظل مقاومة شرسة من الجمهوريين وبعض ‏من الديمقراطيين.‏
خارجيًّا، ومع رفعه شعار “عودة امريكا” للقيادة العالمية، بدا بايدن مصمّمًا على عكس مسارات سلفه المربكة، ‏فعادت أمريكا لاتفاقية باريس للمناخ، وللحوار العاقل والتعاون مع حلفائها في الأطلسي رغم أن بروز ‏المشكلة الروسية/ الاوكرانية أظهر تباينًا في الآراء بينهم. وبالنسبة للعملاق الصيني أحد أكبر الهواجس ‏الأمريكية الحالية، كان البعض يتوقع من الإدارة الجديدة الغاء العقوبات التي وضعها ترامب على الصين، ‏إنما ظهر العكس، فقد استمر بايدن في اتباع نفس سياسة سلفه السابقة فيما يعرف “بالمنافسة الاستراتيجية” ‏يرافقها قليل من اللّحلحة الدبلوماسية المنضبطة بغرض الحيلولة دون تحول المنافسة الى نزاع . العلامة ‏البارزة في عام بايدن كانت الفشل الذريع لشكل الانسحاب الفوضوي من افغانستان والذي كان أشبه بالهروب ‏الكبير مع صور أشخاص يتساقطون من الطائرات، وتسليم البلاد فريسة للطالبان في فضيحة مدوية تؤكد ‏على مدار التاريخ النهج الاستعماري لكل قوة مستعمرة وتبرز التناقض الصارخ بين شعارات حقوق الانسان ‏والديمقراطية ومصالح امريكا . ‏
أما الشرق الاوسط، فمنذ سنوات نشهد الاستراتيجيات الامريكية تحاول أن تنأى بنفسها عنه لتواجه تحديات ‏الشرق الأقصى والمحيط الهادي، لكن يبقى الشرق الاوسط المنطقة الوحيدة في العالم القادرة على احداث ‏مفاجآت دائمة وصادمة وجاذبة تفرض وجودها على أجندة أمريكا وغيرها… بايدن وضع ثلاثة أهداف ‏لعلاقته مع المنطقة :‏
عودة ايران الى الاتفاق النووي : يبدو أن الأمر ليس سهلا كما تصورته ادارة بايدن . فلم تهرول ايران ‏ساعية للعودة، وحتى اللحظة تقف المسألة بينهما ضمن عقدة من يبدأ اولاً: وقف العقوبات أم وقف البرنامج ‏النووي ورغم استمرار المفاوضات في فيّينا بوتيرة بطييييئة جدا ، إلا أن عودة فعالية الاتفاق النووي هو ‏مصلحة أمريكية / ايرانية من المرجح جدا إتمامها قبل انتهاء حكم الديمقراطيين. ‏
عودة العلاقات مع الفلسطينيين : أو بالأحرى العودة للسياسة القديمة التقليدية … شهد عام بايدن الاول ‏جملاً منمقة كثيرة وأفعال قليلة : لا حل إلا حل الدولتين عبر مفاوضات غير موجودة وغير ممكنة / عودة ‏للاعتماد على الشركاء الاقليميين لحل الازمات الطارئة / لا ضغط على اسرائيل/ لا عودة للقنصلية ‏الامريكية في القدس أو إعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن/ عودة للمساعدات الامريكية ‏وللاتصالات مع الفلسطينيين / لم يتم استثمار التطبيع على مسار حلحلة القضية الفلسطينية بل بالعكس ‏فإن نادي التطبيع استمر في جذب اعضاء جدد دون تقدم فلسطيني . المحصلة: جمود منضبط !!‏
احتواء الازمات العربية : يدل نهج إدارة بايدن على احتواء مشاكل الدول الفاشلة في العالم العربي بقصد ‏عدم تفاقمها لتصبح مصدر تهديد للمصالح الامريكية ، حيث تم تعيين مبعوثين لدول الأزمات بمجال حركة ‏سياسية محدودة مع محاولة لحث الشركاء الاوروبيين على الانخراط في إدارة الأزمات كما في ليبيا وسوريا. ‏بينما تم وقف الدعم الأمريكي للهجمات العسكرية في اليمن وهو الأمر الذي يأتي في اطار اعادة تموضع ‏علاقات أمريكا مع السعودية. لكن لا وجود لحلول جذرية أو مبادرات فاعلة أي إدارة للواقع وليس تغييره. . ‏عموما من المتوقع أن عام بايدن في السياسة الخارجية نحو الشرق الأوسط في المجمل سيطبع شكل اعوامه ‏الثلاثة الباقية : أقوال هادئة وخطابات انيقة والنتيجة لا تغيير فعلي. ‏‎

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى