د. أحمد يوسف يكتب - لأخي خالد مشعل .. حماس وجدلية الإصلاح والتغيير!! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. أحمد يوسف يكتب – لأخي خالد مشعل .. حماس وجدلية الإصلاح والتغيير!!

0 129

د. أحمد يوسف – 24/12/2020

في الذكرى الثالثة والثلاثين لإنطلاقة حركة حماس، خرجت تصريحات كثيرة من شخصيات قيادية معروفة تمثل هذه الحركة، إلا أن ردود الفعل لدى الشارع الفلسطيني لم تكن بدرجة الاستحسان المعهودة، من حيث الإشادة والبهجة والتمجيد، وهذا يمكن تفهمه لأسباب تتعلق بوطئة الظروف المعيشية والصحية الصعبة التي يمر بها قطاع غزة، جراء الاحتلال والحصار والإنقسام ووباء الكورونا، حيث تعاظمت معاناة الناس أضعافاً مضاعفة، وتدنَّت مستويات العيش لما دون خط الفقر بنسبٍ عالية، وخاصة على حياة الكثيرين من سكان المخيمات، الذين لا تتوفر لهم مقومات العيش الكريم وحفظ ماء الوجه، لاعتمادهم على كسب قوتهم اليومي من خشاش الأرض، والممثل بعشرات الآلاف من البسطات والعربات التي يجوبون بها الشوارع والحارات، نظراً لعدم وجود وظائف ورواتب شهرية مخصصة لهم.

نعم؛ كانت ردود فعل الشارع عنيفة على بعض تلك التصريحات الحمساوية، ويمكن تصنيف الكثير منها من حيث الحدة لدرجة “الجهر بالسوء من القول”، وهي إنعكاس طبيعي لحالة الوجع والقرف من كلِّ ما يتلفظ به –بشكل عام- من هم في مشهد الحكم والسياسة.

وعليه؛ فأنا هنا لست بوارد التعليق أو التعقيب على تلك الردود؛ لأن هناك جهات إعلامية تابعة للحركة موكَّلة بهذا الأمر، وهي تمتلك من المنابر والمنصَّات الرسمية والحزبية ما يعفيني من ذلك، ولكنَّ الذي لفت نظري وما يهمني  هنا هو الذي جاء على لسان الأستاذ خالد مشعل (أبو الوليد)؛ القيادي المخضرم والأكثر فهماً ووعياً بمتطلبات المرحلة التي تمر بها الحالة الفلسطينية، وهو ما استدعاه -في الشهور الأخيرة- للظهور على أكثر من منصة حوارية، لمخاطبة “الكل الفلسطيني” حول ما يتوجب عمله لاستنقاذ المشروع الوطني وتصويب بوصلته، مع الإشارة –بكل صراحة وجسارة- لما يتحمله هذا الكلّ من الأخطاء، والتي لا يمكن بحالٍ تبرئة ساحة أيّ طرفٍ منه.

كان لقاء الأخ خالد مشعل مع مجموعة فلسطينية وعربية من المفكرين والإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني عبر (برنامج الزووم)، وبترتيب من صحيفة “الرسالة”، وتحت عنوان: “مباشر مع خالد مشعل.. تساؤلات الحاضر والمستقبل)، بتاريخ 15 ديسمبر .202. كان اللقاء يتسم بالصراحة و”في العمق”، حيث لم يُفوِّت المشاركون شَارِدَةً وَلاَ وَارِدَةً تعكس نبض الشارع وقلق أعلامه ومريديه إلا أتوا بها محاورين. فكان النقاش محاولة لوضع بعض النقاط على حروف كثيرة خرجت متمردة عن سياقها، وتحتاج إلى رجل متمرسٍ حكيم كالأخ خالد مشعل لتسكين العديد منها.
واقعنا مأزوم وأكثر من تساؤلات!!

أخي أبا الوليد.. إن ما جاء على لسانك في ذكرى انطلاقة حماس، وكان مهوى أفئدة الإعلاميين وتفاعل منصَّات التواصل الاجتماعي، هو قولك: “إن ما فعلته حماس من المشاركة بالانتخابات عام 2006، كان صواباً”… و”أن دخول الانتخابات، ليس إقراراً بـ(أوسلو)، وإنما لأن الخيار البديل بعد سنوات الانتفاضة، كان سيجلب نظاماً سياسياً، يحاصر المقاومة، وكنا سنكون مكشوفي الظهر”.

بادئَ ذي بدء؛ أنا أتفق معك في الجزء الأول مما ذكرت، ولكني أختلف معك في جزئه الثاني، وهذا هو حجر الزاوية وبيت القصيد.  

أخي أبا الوليد.. إن ماضي الحركة الإسلامية في فلسطين والممتد –عملياً- لأكثر من سبعين عاماً، والذي عشنا في محاضنه –معاً- قرابة نصف قرن من الحركية التنظيمية والتفاعل النضالي النشط، هو –بلا شك- صفحات مشرقة من العمل الدعوي والأنشطة التربوية والتحركات الإنسانية والحملات الإغاثية، التي لم تخطؤها عينُ أحد في وطننا المحتل، إضافة لما سجلته المقاومة في عملياتها ضد الاحتلال بكل ما يشفي صدور قوم مؤمنين من العرب والمسلمين.. ولكنَّ حاضر الحركة الإسلامية وممارساتها اليوم هي “مربط الفرس” ومناط التقييم، وموضع التساؤل والنقاش والجدل!!

أخي أبا الوليد.. ليس فيما قلت في ذكرى الانطلاقة ما نختلف عليه كثيراً، ولكنَّك تُخفي في صدرك ما يبديه واقعنا الأليم، وهو ما يمكننا نبشه والحوار حوله، بهدف التوضيح وتفعيل ثقافة المراجعة في الحركة، التي نعتز بالانتماء إليها والدفاع عن عرينها، وبغرض إصلاح ذات البين مع كل من اختلف معنا، وخسرنا -بسبب عثرات سياساتنا- مواقفه الداعمة لنا، بما في ذلك المضغة الغالية التي تمثلها “الحاضنة الشعبية” العريضة، التي كانت بحشودها وتحركاتها الواسعة مثابة آمنة لنا، حيث كانت تقف إلى جانبنا بقوة، وتذود عن حياضنا -كتنظيم وحركة مقاومة-  بالغالي من التضحيات.

إن ما ذكرته -أخي أبا الوليد- حول السياقات التي أخذتنا إلى مربع الانتخابات في يناير 2006، وولوج مسرح العمل السياسي الحكومي، بإمكاننا تفهمها واستيعاب ذرائعها، وأنا ربما كنت من أكثر الداعمين لهذا التوجه، بل كنت أنادي -كمن جاء من أقصى المدينة يسعى- مطالباً الحركة بأن تُعجِّل الانخراط في العملية السياسية مع قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، وأن تبادر بتأسيس حزب سياسي لها يمنحها حرية التحرك والمناورة، والتمكين لكوادرها من العمل داخل مرسسات السلطة وأروقتها من خلال ما أتاحه الرئيس ياسر عرفات (رحمه الله) لها من نوافذ وأبواب، واغتنام الفرصة بالمشاركة في أية انتخابات يتم إجراؤها، وفرض مكانة للحركة وإثباتٍ لحضورها بشكل مبكرٍ داخل الساحة السياسية، التي لم تستوِ على سوقها بعد.

ومع تأسيس “حزب الخلاص الوطني الإسلامي” عام 1996، استبشرنا خيراً.. ولكن سرعان ما تراجعت الحركة عن اندفاعتها الأولى، وقامت بتفكيك الحزب وحلّه سراً، ثم عملت على تهميش كل القيادات التي كانت لها طموحات في استمرار عمله، والدخول من خلاله على خط الحكم والسياسة.

أخي أبا الوليد.. هناك الكثير من الكلام الذي بمكننا قوله وتوجيه الانتقاد وجلد الذات من خلاله، من حيث عجزنا عن القيام -حتى الآن- بمراجعات جادة، واستمرار العمل بسياسة طي صفحات ما مضى، وعدم التوقف عند أخطاءٍ تجاوزناها، والبناء على توجهات اللحظة ومتطلبات الحراك القادم!!

إن أحد أخطائنا التي ما زلنا نراكمها –أخي أبا الوليد- هي “غيابُ الأخذِ بالدروس والعبر” من ناحية، وعدم الاستفادة من حواراتنا مع الآخرين، وترك الأمور لأفراد أو مجموعات صغيرة في الحركة أو “المكتب السياسي” للحكم على الأمور واتخاذ القرارات، بينما عقول الحركة الاستراتيجية وثروتها الفكرية المتميزة وأعيانها من النخب المخضرمة يجري تهميشها بشكل مستفزٍ أو تغييبها عن أية أدوار حقيقية لها!!

أحي أبا الوليد.. إن أكثر ما نعتز ونفاخر به هو فعلنا المقاوم للاحتلال، وكذلك نخوة شعوب أمتنا وتياراتها الإسلامية والعروبية التي وضعت قضية فلسطين على رأس أجندتها الوطنية، واعتبرتها قضيتها المركزية، ولكنَّ علينا أن نخشى اليوم أن ما كان يُعتبر “دُرَّة التاج والمجد التليد” من قدرات لنا بجدع أنف الاحتلال، ثم ما توفره لنا عروتنا الوثقى من الإسلاميين في بلادنا العربية وحول العام من نُصرة ودعم وتأييد، آخذة في التراجع واهتزاز المكانة، ولم تعد لشوكتها القدرة على التحرك وتحدي أشكال الهرولة والتطبيع مع إسرائيل؛ الدولة المارقة والعدو التاريخي للأمة، وقد شاهدنا هذه الحالة من الضعف والوهن، التي عليها مواقف الإسلاميين وأنصارهم من العروبيين، في دول كالمغرب والسودان مما لهم فيها مصحف وسيف!!

أخي أبا الوليد.. كما كان لك سهمُ خير في تجديد ميثاق 88، والخروج بورقة سياسية عام 2017، يمكن استثمارها -ولو بعد حين- في التخفيف عن كاهل شعبنا، فإن الضرورة تفرض علينا التوقف طويلاً بهدف التأمل والمراجعة؛ لأن حصحصة الحق تُظهر مؤشرات خطيرة لا تنفع معها سياسة “دعوها فإنها مأمورة”، والتي اعتمدها البعض واستراح مسترخياً على أريكته طويلاً!!

سؤالنا: ألم يأنِ لحماس.. نعم قد آن!!

لقد آن الأوان أن تراجع حركة حماس نظامها الداخلي وآلية اختيار قيادتها الشورية، وتلك التي تتحرك في مشهد الحكم والسياسة.

لقد آن الأوان لاعتماد المؤتمر التنظيمي بأشكاله المعاصرة، والتي تسمح بالتعرف على الأفكار، وتفتح المجال للمناظرات، والظهور بجدارة لأهل الكفاءات والقدرات والإنجاز من أخذ أماكنهم، وطرح برامجهم ورؤيتهم في الإصلاح والخلاص الوطني.  

لقد آن الأوان لعقد هدنة أو “استراحة محارب” لالتقاط الأنفاس وتفقد ما عطب من الهمم وكلَّ من النفوس، جراء حالة التداعي الأممي التي أفرغت قصعتنا، وأوهنت عظام كل من وقف معنا وطالب بحرقة لنصرتنا.

لقد آن الأوان لتبني خارطة للطريق يشاركنا في صياغة معالمها “الكل الفلسطيني” والوطنيون من أبناء أمتنا وأحرار العالم.

لقد آن الأوان لنهج مقاوم يردع الاحتلال، ويفضح ما يرتكبه من جرائم بحق الإنسانية، وقد أشرت في حواراتك إلى أسلوب المقاومة اللاعنفية كأرضية للتوافق الوطني الذي عليه الجميع اليوم.

لقد آن الأوان لتعزيز ارتباطنا بالقوي الأمين من دولنا العربية والإسلامية، وإشراك جالياتنا في الغرب عبر شبكة علاقاتها الواسعة مع التيارات والأحزاب السياسية لتمتين التواصل مع “حبل الناس” لصالح قضيتنا هناك.

لقد آن الأوان لإنشاء حزب سياسي بتحدث باسم الإسلاميين في فلسطين، ويمثل رأس جسر لهم، بعيداً عن اتهامات التطرف والإرهاب.

لقد آن الأوان أن نُعطى أولوية الإنفاق للمحتاجين، وأن نوجه دعم المؤسسات الخيرية في عالمنا العربي والإسلامي لوكالة الأونروا، باعتبارها “قوت المستضعفين” ورمق الفقراء والمساكين.

لقد آن الأوان أن نطور إعلامنا الحزبي إلى إعلام وطني، وأن نجتهد في تحديث السردية الفلسطينية بما يتناسب مع التطور الذي تشهده وسائل الاتصال الجماهيري وآليات الدبلوماسية الرقمية.

لقد آن الأوان للإنسحاب من إدارة البلديات والنقابات وكل المؤسسات التي أخضعتها حركة حماس لسيطرتها، وترك التنافس الحر الديمقراطي مفتوحاً أبوابه للجميع.

أخي أبا الوليد.. أعرف أن هذا حِملاً ثقيلاً لا يتحمله كاهلك وحدك، وأنك بحاجة لاستعادة موقع الصدارة لتحقيق القدرة على اتخاذ القرار. لذلك، فإن هذه النصيحة هي لك بالدرجة الأولى أو لمن ستأتي به الانتخابات خلال الشهور الستة القادمة، وإن كانت قناعتنا بأن أهليتك للقيادة وقدرتك على توجيه دفة القرار هي نقطة الارتكاز لكل ما نرجو تحقيقه من أمنيات.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.