د. أحمد يوسف يكتب - تشكيل الشخصية الفلسطينية: جدلية التنوع الثقافي والسياسي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

د. أحمد يوسف يكتب – تشكيل الشخصية الفلسطينية: جدلية التنوع الثقافي والسياسي

0 73

د. أحمد يوسف – 27/11/2020

  إنَّ من بديهيات القول إن كل إنسان تعمل على صقل شخصيته وتشكيلها عدة عوامل: ذاتية ومادية خارجية وأخرى إنسانية، وإن كانت العوامل الذاتية هي الأكثر تأثيراً في الشخصية،كما أنهامن أكثر العوامل استجابة لجهود الإنسان في تطويرذاته واستقامتها أو تراجعها وانحطاطها، ومن أبرزهاالعقيدة والدين والثقافة والعائلةوالأخلاق والسلوك العام؛ الموروث منه والمكتسب، إضافة للمهارات والخبرات والحالة الصحية والنفسية، والآمال والطموحات المستقبلية.. أما العوامل الإنسانية، مثل العلاقات مع الآخرين كالأهل والأقارب والأصدقاء والزملاء في العمل والجيران، وكذلك المنزلة الاجتماعية وظروف الغربة والترحال أو غير ذلك. كما أن حالات الاستقرار والنزوج وأجواء اللجوء والشتات بسبب الحروب والاحتلال والاضطرابات الاجتماعيةوالكوارث الاقتصادية.

لاشكَّ أن بعض أو كل هذه العوامل سيكون لهاأثرٌعلىصياغةالنفس والشخصية، وإن كان هذا يعتمد بدرجة كبيرة على حالة البناء الذاتي في انعكاساته الإيجابية أو السلبية على الإنسان.

إن إسقاط هذه العوامل الثلاثة على الشخصية الفلسطينية في سياقات التنوع الثقافي والسياسي الذي مرَّ به الشعب بعد نكبة العام 1948، وكذلك انتكاسة أو هزيمة 1967، حيث أصبح الوطن كله تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع التراجعالذي شهدته مكانة القضية الفلسطينية،نظراً لمواقفالغرب المتحيزة إلى جانب المحتل،من حيث التأييد والتبرير لعدوانه الدائم وجرائم الحرب والجرائم بحق الإنسانية التي يرتكبها، والتنكر للحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، والتعدي الصارخ على مقدساته وتراثه الديني والحضاري.

في الحقيقة.. هناكمشاهد تستوطن الذاكرة ولا تغيب!!فالمشهد المأساوي لصورة الفلسطيني اللاجئ(ابن المخيم) داخل جغرافيا الوطن المحاصر أو في الشتات، أوجدت تحولاً كبيراً في بناء وتشكيل الشخصية الفلسطينية، فمن مدارس وكالة الأونروا خرجت أبجديات الثقافة التي رسَّخت أهمية التعليم كطريق للخلاص من حالة الفقر والعوز، والحفاظ على الهوية، وأن العودة حق يأبى النسيان و”أننا لعائدون”، كما أن حالة الأميِّة غابت من المجتمع الفلسطيني..ومع استمرار العملية التعليمية للمرحلة الثانوية ودخول الآلاف من الطلاب  للمعاهد التربوية والجامعات، تأصلت حالة الوعي وارتقت مفاهيم الثورة والنضال لضرورة مقاومة الاحتلالوذلك منذ أواخر الخمسينيات، كما تعززت الأفكار المناوئة للحركة الصهيونية والإمبريالية الغربية، وتنامي الارتباط بالعمق العربي و”بلاد العرب أوطاني”، وتحركت المشاعر والأحاسيس القومية مع الخطاب الناصري لبناء “أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج” في فترة الستينيات، ثم ظهرت حركات دينية كالإخوان المسلمين تنادي باجتماع شمل الأمة الإسلامية،لاستعادة أمجاد الخلافة العثمانية، ووضعت قضية تحرير فلسطين في رأس أولوياتها. لقد وجدت هذه الخطابات والنداءات التي أطلقها عبد الناصر والإمام حسن البنا لها صدىً وأرضية خصبة بين الفلسطينيين في الوطن والشتات، وتفاعلت معها أقلام النخب والمثقفين وشكَّلت مدارس فكرية وحركات جماهيرية، وانبثقت عنها حركات تحرر وطني وجماعات إسلامية، ارتبطت بواجهات ثورية وفكرية ودينية في المنطقة وحول العالم، مما أفسح المجال للعقل الفلسطيني أن يُشكل ملامح شخصيته في إطارات أوسع من أزمته الوطنية، ويخلق لها فضاءات إنسانية أكسبتها الشرعية والمطالبة بنُصرتها لدى الكثير مندول وشعوب العالم في آسيا وأفريقيا وبين الجاليات المسلمة في أوروبا وأمريكا.

من الجدير ذكره، أن الجامعات المصرية التي فتحت أبوابها في نهاية الستينيات وطوال فترة السبعينيات أمام الفلسطينيين في قطاع غزة كان لها دورٌ كبيرٌ قي تشكيل العقل الفلسطيني وبناء مقومات شخصيته، حيث شكَّل هذا الانفتاح على الثقافة المصرية الثورية والفكر الإخواني حالة من الوعي التنويري لهؤلاء الطلاب، والذي أثمر في نمو حالة وطنية بمسحة دينية عزَّزت الانتماء للدين والهوية الوطنية.. وكذلك ومن باب الأمانة العلمية لا يمكننا إغفال الدور الذي اسهمت فيه بعض الجامعات العربية في دولٍ كالأردن وسوريا والسعودية والسودان، والتياستضافت المئات من الطلاب الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة للدراسة فيها،وكان لها أكثر من سهم في خلق حالة من التنوعالثقافي لدى النخبة الفلسطينية، والذي انعكس أثره على ما تمَّ انتاجه من أفكار نضالية وأدبيات وفنون، حيث ظهرت تنويعات فكرية ومعرفية في تلك الأوساط شاهدنا تبايناتها في موزييك القصص والروايات ودراما المسلسلات التي ركَّزت على تقديم المظلومية الفلسطينية بأسلوب يستنهض الهمم ويحرك مفاعيل الثورة، ويرسم ملامح الفلسطيني في جدلية الضحية والبطل، ولعل رواية “عائدٌ إلى حيفا” لغسان كنفاني، واحدة من أكثر الروايات شهرة بين الفلسطينيين، إضافة إلى روايات الأديبة سحر خليفة “الصبّار”، وإبراهيم نصرالله “زمن الخيول البيضاء”، وإميل حبيبي “المتشائل”، وإلياس خوري “باب الشمس”، ومريد البرغوثي “رأيتُ رام الله”، وسرديات المعاناة داخل السجون، مثل “ستائر العتمة”لوليد الهودلي و”حكاية صابر” لمحمود عيسى، وكذلك مسلسل “التغريبة الفلسطينية” لوليد سيف و”الفدائي”للدكتور محمود الزهار.

إن كل هذه الأدبيات، وغيرها مما اعتاد الفلسطينيون على قراءته في القصص والرويات الشهيرة من الأدب العالمي،قد أسهمت بشكل كبير ومؤثر في بعث وإحياء الحالة النضالية وحركية الوعي بتجربتهم وتجارب الشعوب الأخرى، التي نقلت هذه الأدبيات العالمية شيئاً عنها.

وكذلك أود الإشارة هنا إلىالأناشيد الوطنية.. من حيث دورها في تحريك هِمم الشباب وتعزيز قدرات الصمود لهم.. إنأناشيد الثورة الفلسطينيةوأغانيها التي ظهرت في السنوات التي تلت إنطلاقة الثورة، وعلى الأخص حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح في عام 1965، وشكَّلت لوناً جديداًمن الفن، الذي أصبح يعرف بالفن المقاوم، حيث ركزت تلك الأناشيد والأغاني في البداية على الطابع العسكري, قبل أن تشمل مختلف أوجه الحياة الإجتماعية والثقافية لفلسطينيي الشتات، وكان العنصر الطاغي عليها هو توثيق الواقع الفلسطيني في مخيمات اللجوء، إضافة إلى التحفيز على المشاركة في العمل العسكري الفدائي، والتغني بالصمود والمقاومة بكافة أشكالها، وكانت تلك الأناشيد تبث عبر إذاعة “صوت العاصفة” أو “صوت فلسطين” لاحقاً.ومن أبرز تلك الأناشيدالتي كانت لها بصماتها على شخصيات الفلسطينيين ونبض حراكهم النضالي “طل سلاحي” و”أنا إن سقطت فلست أول من يموت” و”أنا صامد” و”الشعب الفلسطيني ثورة”، و”بإيدي رشاشي”، و”مدي يا ثورتنا” و”عهد الله ما نرحل” و”يا فدائي خللي رصاصك صايب”…الخ

إضافة لما سبق، فإن فنان الكاريكتور الشهير ناجي العلي كانت له بصمة على توجيه العقل الفلسطيني وبناء شخصيته،وذلك بتعبيراته التي لامست وجدان أبناء المخيمات، وحفرت من خلال شخصية “حنظلة” أثراً في الذاكرة الفلسطينية لا يغيب، وكذلك كان للفنان المعاصر د. علاء اللقطة، الذيأخذمكانة الشهيد ناجي العلي بعد اغتياله، بصمةٌ معبرة لا تغرب تأثيراتها مع شمس المساء، حيث لاقت لوحاته الكثير من الحضور والصدى على وسائل الإعلام العربية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأصبحت لوحاته الفنية مادة ثقافية بنكهة سياسية وطنية يتغذى على معانيها وتعبيراتها الوجدان الفلسطيني، وتتشكل ثقافته المعرفية، ولا ننسى أيضاً فنانة الكاريكتير المبدعة أُمية جحا،والتي أعطت للهوية الوطنية والكوفية الفلسطينية رمزية يفخر بها كل فلسطيني ويعتز.

إنالسياسة لدينا هي عنوان الوطنية ومفتاح الحياة للهوية الفلسطينية،إذ من الصعب أن تجد فلسطينياً بدون انتماء أو هوىً سياسي؛ لأن السياسة هي البطاقة التي نؤكد من خلالها ولاءنا لفلسطين، وتعهدنا بالتزام تحريرها. نعم؛ هناك واجهات تنظيمية بأيدولوجيات فكرية ودينية مختلفة، ولكنَّ القاسم المشترك بينها أنها عناوين انتماء للهدف وهو التحرير والعودة.

في الحقيقة -أيها الإخوة والأخوات- إن الانطلاقة الأولى لحركة فتح كانت تمثل الزخم والوعي والقوة لحركية النضال الفلسطيني، ثم تعددت الواجهات الثورية، والتي مثَّل اليسار كالجبهتين الشعبية والديمقراطية أكثر من عنوانٍ لها، ثم لحق الإسلاميون بهم في السبعينيات، حيث دخلوا على خط التعبئة النضاليةوممارسة الفعل المقاوم مع تشكيل حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الثمانينيات، والتي برزت تجليات عملهما الوطني في انتفاضة الحجارة التي كانت انطلاقتها في ديسمبر 1987، حيث نشأ وترعرع على وَقدة شرارتها الجهادية جيلٌ قوي البأس جبار عنيد، والذي نجح في تأكيد حضوره في فعاليات انتفاضة الأقصى عام 2000، والتي أدمت جيش الاحتلال وأوجعته،مماعجَّل برحيله بعد العمليات الاستشهادية النوعية لقوى المقاومة الإسلامية.

في الواقع، أن تكون فلسطينياً يعني أن تكون سياسياً!! فالصغير والكبير تجمعهم أحاديث السياسة والوطن، وحتى مجالس العائلة والحارة لا تخلو من نقاشات السياسة ومتابعاتها، إذ من الصعب –حقيقة-أن تجد فلسطيناً غير مؤطر سياسياً، وإن كانت هناك –أحياناً- اعتبارات خاصة تفرض على البعض أن يُخفي انتماءه السياسي أوارتباطه بأحد التنظيمات العاملة في ساحة العملالسياسي أو الفعل المقاوم.

وفي سياق التدليل، سناخذ شخصيتيكدراسة حالة كوني فلسطينياً من جيل ما بعد النكبة، عاش مولده وطفولته في المخيم، وتلقى تعليمه في مراحله الأولى بمدارس غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، كما أنه رضع لبان وجع النكبة، وتشرَّب حكاية الإصرار على العودة في رويات الأب والجدة، ودروس التربية الوطنيةالتي تلقيناها في المرحلة الثانوية، حتى غدت “فكرة العودة” أحد مكونات تركيبته الجنينية (DNA)، لذا جدَّ واجتهد ليحظى بتعليم عالٍ يحقق له ما يصبو إليه من فرص تمنحه المكانة العلمية، التي يتطلع لها كل لاجئ فلسطيني، وهي المهمة التي عمل كلُّ أبٍّ على تحفيز ابنائه لنيلها.. سافرت للدراسة في تركيا عام 1970 بمهر اختي التي منحتني إياه بشهامة مع دعاء أن يوفقني الله في العودة بالشهادة التي ترفع من مكانتي، وتحقق أمنية أبي وتسجل كل الفخر للعائلة. كانت مصر محطتي الثانية لاستكمال دراستي العليا، حيث نلت درجة البكالوريس في الهندسة مع نهاية السبعينيات، وبعدها جاءت فرصة العمل في إحدى الدول الخليجية، حيث حصلت بعد عامين على منحة دراسية للسفر إلى أمريكا،حيث تحصلت هناك على أكثر من شهادة علمية عالية: شهادتان للماجستير في الهندسة والإعلام الدولي، ثم شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، مما أهلني للعمل كمدير لمؤسسة بحثية في واشنطن لأكثر من عشر سنوات، الأمر الذي أتاح لي التعرف على الكثير من أوجه السياسة ووجوه السياسيين والإعلاميين والنخب الفكرية والأدبية، والعمل مع البعض منهم، وفرض حضوري كفلسطيني بينهم.

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، كثرت المخاوف والتحديات التي حاصرتنا، ولكنها علمتني أننا دائماً بحاجة إلى من يقف إلى جانبنا وينتصر لقضيتنا، وأن قضيتنا تحتاج منا بذل الجهد والعمل على تظهيرها في الحواضر الغربية، فأشغلت مداد قلمي لتسطير الكثير من الكتب في مجالي الفكر والسياسة،والتي تناولت قضيتنا ومظلوية شعبنا.

بعد غربة طالت لأكثر من ثلاثين سنة كانت العودة للوطن، ولكن بعد رحلة للجزائر للتعرف على تجربتها النضالية، والتي أثرت وقائع ثورتها على جيلي كثيراً في الستينيات.. وبعد انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة في أغسطس 2005، أخذت قراري بالعودة نهائياً لأرض الوطن، وهذا ما حدث بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في يناير 2006، حيث عملت مستشاراً سياسياً لرئيس الوزراء ثم وكيلاً لوزارة الخارجية.. وبعد التقاعد، أنشأت معهد (بيت الحكمة) للأبحاث وحل النزاعات، …

ختاماً.. من رحم حالة اللجوء والفقر والحرمان، ارتقى بنا العِلم كفلسطينيين درجات – وأنا مجردُ واحد منهم – مما مكنَّا أن نصنع مجداً جعل الكثير من هؤلاء أيقونات أضاءت الكثير من حواضر الشرق والغرب بإنجازاتها،وخلَّدت أسماءها، مثل:د. إدورد سعيد وبرفيسور إسماعيل الفاروفي والشاعر محمود درويش، والتي شكَّلت أعمالهم -رغم المحنة والمعاناة- في ساحات المعرفة والأدب والتكنولوجيا الكثير عالمياً، وأكدت بأن خيوط وملامح الشخصية الفلسطينية قد أسهمت في صياغتها رحلة طويلة شاقة، ملخصها “لا شيء يجعلنا عظماء غير ألمٍ عظيم”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.