ديمقراطية الأميركيين في بغداد أكبر تهديد لاستقرار الشرق الأوسط! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ديمقراطية الأميركيين في بغداد أكبر تهديد لاستقرار الشرق الأوسط!

0 157

James Traub – Foreign Policy

ترجمة الجريدة & 2/5/2012

 يرى البعض أن المالكي قد يكون رجلاً شيعياً متزمتاً يَعتبر السنّة أعداء له، لكن يسهل أن نشكك في دوافعه وأن نستنتج أنه يضر بالمصالح العراقية. ويُجمع الخبراء في الشأن العراقي على أنه رجل قومي عراقي تضعف مكانته عند خضوعه للأوامر الإيرانية.

يتمتع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بقدرة لافتة على خلق الأعداء. في هذا السياق، قال جوست هيلترمان من مجموعة معالجة الأزمات الدولية إن “العلاقات الشخصية بين الجميع والمالكي مريعة”. اتضح هذا الواقع في شهر مارس، عندما عُقد الاجتماع السنوي لجامعة الدول العربية في بغداد. صحيح أن ذلك الحدث كان يهدف إلى التأكيد على عودة العراق إلى مصاف الدول المرموقة والمحترمة بعد عقود من الاستبداد وإراقة الدماء، لكن رفَض قادة عشر دول من أصل 22 دولة الحضور (جميع دول الخليج تقريباً) بسبب عدائية المالكي الواضحة تجاه السنّة محلياً وخارجياً، فتحولت القمة إلى حدث باهت وعابر. يبدو أن إيران الشيعية هي الدولة الصديقة الوحيدة التي احتفظ بها العراق في المنطقة، ومن الواضح أنها تنوي تقليص رتبة هذا البلد المجاور لها وجعله مجرد دولة خانعة.

صحيح أن العراق لم يعد يطرح تهديداً على الدول المجاورة له كما كان الوضع في عهد صدام حسين. ومن وجهة النظر هذه، يمكن اعتبار أن الغزو الأميركي جعل الشرق الأوسط مكاناً أكثر أماناً، ولو على حساب حياة عدد هائل من العراقيين والأميركيين. لكن الآمال التي تحدث عنها المسؤولون في إدارة بوش تبدو سخيفة الآن، إذ توقعوا أن يتحول العراق بعد عهد صدام حسين (بقيادة شخصية علمانية مثل زعيم المعارضة المنفي أحمد جلبي) إلى قوة مستقرة وموالية للولايات المتحدة في المنطقة، لكن المالكي لم يُظهر من جهته أي نية لتعزيز صداقته مع الولايات المتحدة، حتى أنه نسي هذا البلد من أساسه بعد مغادرة القوات الأميركية.

أصبح العراق اليوم أداة في يد إيران، ففي اجتماع جامعة الدول العربية، أعاق الدبلوماسيون العراقيون جميع الجهود الرامية إلى اتخاذ قرار صارم أو حتى استعمال لهجة صارمة ضد سورية، ما أدى إلى تنفيذ الأجندة الإيرانية على حساب خطط المملكة العربية السعودية وقطر اللتين تدافعان عن خيار تسليح الثوار الذين يسعون إلى إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وفور انتهاء الاجتماع، توجه المالكي إلى طهران للتشاور مع الرئيس محمود أحمدي نجاد. يُجمع الخبراء في الشأن العراقي على أن المالكي هو رجل قومي عراقي تضعف مكانته عند خضوعه للأوامر الإيرانية. لكن هذا ما يفعله اليوم… فما سبب ذلك؟

يمكن تفسير السياسة الخارجية التي يتبعها المالكي من خلال الفرضية التي طرحها جون ألترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، والذي يعتبر أن المالكي يخلق أعداء له لأنه يخدم المصالح الوطنية العراقية “ولا يخشى التعبير عن كرهه لبعض الأشخاص في هذه المنطقة، حيث يقدر الناس اللياقة واللطف في التعامل”. يظن ألترمان أن المالكي يتبع مساراً حذراً في التعاطي مع الخصوم والأصدقاء المزيفين. ووفق محلل آخر يعرفه شخصياً ويعرف أعوانه، تبرز نظرية بديلة مفادها أن المالكي مصاب بالرهاب وهو مقتنع بأن خصومه، محلياً وخارجياً، يريدون النيل منه. لكن وفق وجهة نظر أخرى، قد يكون المالكي رجلاً شيعياً متزمتاً يعتبر السنّة أعداء له (وقد يكون مقتنعاً بنظريات المؤامرة).

لكن يسهل أن نشكك في دوافع المالكي، وأن نستنتج أنه يضر بالمصالح العراقية، فما من زعيم عراقي منطقي يمكن أن يتعارك مع تركيا كما فعل هو. في شهر يناير، عندما أعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أن المالكي يجب ألا يشن حرباً ضد المعارضة السنّية المحلية، اتهم المالكي تركيا “بالتدخل غير المبرر في شؤون العراق الداخلية”، مضيفاً أن أردوغان يسعى إلى إعادة فرض الهيمنة العثمانية على المنطقة. أدى هذا الوضع إلى انطلاق جولة جديدة من تراشق الإهانات واستدعاء السفراء من الجانبين.

يحتاج العراق إلى تركيا أكثر مما يحتاج إلى إيران. تسجل تركيا ضعف الناتج المحلي الإجمالي الإيراني وبدأت الفجوة تتسع بين البلدين سريعاً، إذ تتابع تركيا توسعها بينما يتقلص نفوذ إيران بسبب العقوبات الغربية. سعت تركيا إلى لعب دور الوساطة بين الفصائل العراقية المختلفة، لكن يصر المالكي على اعتبار أن تركيا المجاورة هي قوة سنّية تريد فرض سيطرة سنية أو عثمانية على العراق. ربما لم يساهم الدبلوماسيون الأتراك في تحسين الوضع خلال انتخابات عام 2010 عندما دعموا خصم المالكي المتمثّل في حزب “العراقية” وشجعوا قطر على تمويل تلك الجماعة، ذلك لأنهم اعتبروا أن هذا الحزب هو خيار بديل غير طائفي عن ائتلاف “دولة القانون” الشيعي الذي يرأسه المالكي، لكن تكمن المشكلة الحقيقية في عدم استعداد المالكي لعقد تسوية مع خصومه المحليين.

يبدو أن الاضطرابات المحلية الحاصلة في العراق بسبب إصرار الشيعة والسنّة والأكراد على عدم الاعتراف بشرعية طموحات الفريق الآخر بدأت تمتد إلى حدود البلد وتعزز التوتر الطائفي الذي يجتاح المنطقة أصلاً. على سبيل المثال، سعت قوى الأمن التابعة للمالكي في شهر فبراير إلى اعتقال نائب الرئيس طارق الهاشمي، وهو عضو بارز في حزب “العراقية”، بسبب تهم مفبركة على الأرجح (مع أن كل شيء وارد في العراق) مفادها أنه استعمل قواته الأمنية كفرقة موت سنّية. هرب الهاشمي إلى كردستان، ما أدى إلى نشوء مواجهة بين السلطات في بغداد وأربيل، ثم انتقل إلى تركيا حيث تلقى ترحيباً علنياً من أردوغان، ما جدد جولة تبادل الاتهامات بين القادة العراقيين والأتراك، ثم ظهر الهاشمي أخيراً في قطر، ما أدى طبعاً إلى استياء متبادل بين البلدين.

على صعيد آخر، أدى انهيار المحادثات بين العراق وحكومة إقليم كردستان، اللذين يتنازعان على عائدات النفط والحدود، إلى زيادة التوتر في المنطقة. بعد أن تواصل أردوغان مع حكومة إقليم كردستان في عام 2007، أصبحت المنطقة الكردية أكثر اندماجاً في الاقتصاد التركي. كان يمكن أن تكون هذه العلاقات نموذجاً يُقتدى به في العلاقات التركية العراقية ولكنها زادت الوضع سوءاً. يشعر الأكراد بالاستياء بسبب غياب أي تقدم في المحادثات (مع أنهم مسؤولون جزئياً عن هذا التأخير)، وقد هددوا ببيع النفط إلى تركيا من دون موافقة بغداد وببناء خط أنابيب بين المنطقتين. لقد أصبحت تركيا رهينة للصراع القائم بين العراق وحكومة إقليم كردستان.

أخيراً، أدى إقدام المالكي على تهميش خصومه السنّة والشيعة المعتدلين من أمثال إياد علاوي، رئيس الوزراء السابق ومؤسس حزب “العراقية”، إلى تعزيز تحالفه مع إيران التي تستطيع التأثير على الجماعات الشيعية في العراق حصراً. كانت إيران هي التي اخترقت الأزمة بعد انتخابات عام 2010 من خلال الإصرار على أن يوافق أتباع مقتدى الصدر على تولي المالكي رئاسة الحكومة. يدرك المالكي أنه يدين بمنصبه لإيران. لهذا السبب، يهرع المالكي إلى طهران لطلب المساعدة عندما يواجه أي مشكلة. لذا يعتبره خصوم إيران في الخليج دمية في يد إيران مع أن هذا الأمر قد لا يكون صحيحاً بالضرورة.

لكن على نطاق أوسع، يبرز وضع أكثر خطورة. أدت الاضطرابات السائدة داخل البلدان العربية خلال الأشهر الستة عشر الأخيرة إلى عودة الاختلافات الطائفية إلى الواجهة، كما حصل عند تنفيذ الغزو الأميركي للعراق، ما أدى إلى زيادة تفكك العلاقات الإقليمية. وبسبب التظاهرات التي أطلقتها الغالبية الشيعية في البحرين والرد العنيف الذي أظهره قادة البلد السنّة، أرسلت المملكة العربية السعودية قوات عسكرية إلى البحرين لتجنب نشوء ما تعتبره انتفاضة مستوحاة من إيران. كذلك، اضطرت تركيا والدول الخليجية إلى مواجهة إيران ثم العراق بعد اندلاع الحرب الأهلية الناشئة في سورية، حيث انتفضت الغالبية السنّية ضد الحاكم المنتمي إلى الطائفة العلوية الشيعية، وإذا طالت مدة الصراع فسيتعمق هذا الشرخ بين المعسكرين.

يبدو أن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على المدى الطويل تتطابق مع مصالح الشعوب العربية: استبدال الأنظمة الاستبدادية بأنظمة ديمقراطية واستبدال الخطاب الطائفي بخطاب غير طائفي (أو أقل طائفية). كانت إدارة جورج بوش الابن تظن أن العراق سيكون محور التحول الإقليمي. لكن تحول العراق في عهد المالكي إلى دولة مفككة لها خصائص ديمقراطية ظاهرياً، ولكنها تصدّر النزعة الطائفية بكل وضوح. وهذه التجربة تقدم درساً آخر إلى صانعي السياسة الأميركية إذا أرادوا معرفة العواقب غير المقصودة التي تنجم عن محاولات تغيير الأنظمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.