دول الخليج بين إيران والغرب - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

دول الخليج بين إيران والغرب

0 374

 
 

مركز الناطور للدراسات والابحاث

 

عوزي ربي ويوئيل جوجنسكي، محرران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فبراير 2012

مركز موشيه دايان لدراسة الشرق الأوسط وأفريقيا 

  معهد أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب

ISBN: 978 -965 -7425 -30 -5

  الفهرست

 

تمهيد

 

إيران ودول الخليج / مائير ليتبك

 

الولايات المتحدة والخليج / صموائيل روزنر

 

الولايات المتحدة والعراق / إفريم كام

 

برامج نووية في الخليج / يوئيل جوجنسكي

 

إسرائيل ودول الخليج / يعقوب هداس

 

النفط والسياسة بدول الخليج / باول ريبلين

 

الاحتجاج العربي والخليج / صموائيل يناي

 

إسرائيل والمبادرة العربية / عوديد عيران

 

 تمهيد

في بداية سنة 2012 تواجه دول الخليج العربي واقع متعدد التحديات يتطلب منهم تطوير فكر إستراتيجيّ متغاير وتسلّح بوسائل سياسية جديدة. فرياح “الربيع العربيّ” التى تهدد بالطرق على أبواب الملكيّات الغنيّة بالخليج العربيّ، والإنسحاب الأميركيّ من العراق في نهاية سنة 2011 والخوف المتزايد من أن تُجسد الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة حلمها للهيّمنة الإقليمية، كل ذلك أوجد كَوْكَبِة مخاطر وتحديّات ينبغي أن تنضم إليها دول الخليج العربي .

الهزّة التى ضربت العالم العربيّ كشفت، مِنْ ضمن أمور أخرى، عُمْق الخصومات الإيرانيّة/ السعوديّة. حيث وضعت العمليّة السعوديّ في البحرين ونهجها العنيد حول مسألة نظام بشار الأسد في سوري، السعوديين في مسار مواجهة أمام الجمهوريّة الإسلامية الإيرانيّة. فالسعوديّة، الدولة الرائدة في كتلة دول الخليج العربيّ، تجابهة سوياً مع “أشقائها” الصغار رياح آنيّة تخلق بانوراما جيوبوليتيكيّة جديدة في الخليج العربيّ.  أما العراق التى جلت عنه القوات الأميركيّة في بداية سنة 2011، جعل صانعيّ استراتيجية الدول العربيّة في الخليج ثمرة ناضجة في مفهوم السياسات الإيرانية الطموحة بالخليج. وككل شئ هالك ، انتهى التواجد الأميركيّ في الخليج بإقامة نظام شيعيّ في بغداد، ومن ناحية السعوديون، كذلك مثل سائر دول الخليج، بقيت هذه المنطقة مُقْتَحَمة لنفوذ إيرانيّ واسع. وتُبرّهِن صفقات السلاح الضخمة التى وقعتها دول الخليج العربي مع الأميركيين في نهاية سنة 2011، على الرغبة الأميركيّة في استرضاء عقول الدول التى يساورها القلق في الخليج من جانب، وتؤكد نيّة مُثبتة من جانب دول الخليج العربيّ بأن تكون متأهبة ليوم تلقي الأمر ضد برامج الصواريخ الإيرانيّة، من جانب ثان. أما إسرائيل، التى تتواجد في ذروة عملية كبح جماح برامج إيران النوويّة، فسوف تفضل العمل إذا وُجِدَ طريقاَ لإشراك الدول العربيّة في الخليج في هذا الجهد.

هذه الكَوْكَبة من المقالات قائمة على محاضرات المؤتمر الذي انعقد في سنة 2011 بمناسبة العام الـ 30 على إقامة “مجلس التعاون الخلجيّ”، وتضم هذه المجموعة ثمانية مقالات. في المقال الأمر يفحص مائير ليتفك منظومة العلاقات المُعقّدَة والحساسة بين إيران ودول الخليج العربيّ، بما في ذلك تلاقي السنة بالشيعة وتلاقي الفرس بالعرب. ويُرَكْز المقال الثاني الذي يعتبر ثمرة قلم صموائيل روزنر، على السياسات الأميركيّة في الخليج العربيّ ووضعها داخل السياق الشرق أوسطيّ.

أما مقال إفريم كام فيهتم بالانعكاسات الجيوبوليتيكيّة الواسعة للإنسحاب الأميركيّ من العراق والمخاوف التى  تصاحب هذا الإجراء من جانب السعوديّة و” أشقائها الصغار” في الخليج. ويستعرض مقال يوئيل جوجنسكي البرامج النوويّة المدنيّة في الخليج وانعكاساتها. وأكد جوجنسكي إنه إذا لم يكن في مقدور أي دولة في الخليج إمتلاك قدرة تقنيّة وثروة بشريّة لتشغيل برنامج نووي حديث، فإن التعاون الوطيد مع المجتمع الدوليّ في هذه الموضوعات قد يوفّر لإحدى دول الخليج قاعدة عمليّة مهنيّة وتكنولوجيّة تقودها في المستقبل لشراء قُدْرة نوويّة لأغْرَاض عَسْكريّة .

أما السفير يعقوب هداس فقد ناقش في مقالته ديناميكيّة العلاقات العلنيّة بين إسرائيل ودول الخليج العربيّ. فهذه العلاقات، حسب هداس، وُلدت في بداية التسعينيات على هامش مؤتمر مدريد والمحادثات متعددة الأطراف التى أتت على إثرها. وكذلك تم إستخدام اتفاقات أوسلو كباعث لتوسيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج العربيّ، وهذا الأمر بَرَزَ في النصف الثاني من التسعينيات عندما تم إفتتاح مُمثْلتيّن إسرائيليتيّن في الخليج، في سلطنة عمان وفي إمارة قطر.

 ويركز  باول ريبلين في مقالته على الاقتصادات المحليّة لدول الخليج العربيّ، وتعطي تحليل هيكليّ لهذه الاقتصادات المحليّة في هذه الدول مع التركيز على تقلبات سوق النفط وتأثيره عليهم. ويستعرض مقال صموائيل يناي تأثير الربيع العربي على دول الخليج العربيّ. وأكد يناي أن الربيع العربيّ تجاوز، في هذه الأثناء،  دول الخليج العربي (باستثناء البحرين) بسبب المزيّة الخاصة للمُجْتَمعات والدول بالخليج، التى تعتمد على هيّكل قبليّ وتُدار وفق تطبيقات مختلفة عن تلك المتبعة في سائر دول المنطقة.

هذه المجموعة من المقالات يختتمها مقال عوديد عيران الذي استعرض فيه مبادرة السلام العربية بجوانبها المختلفة ويُبْرِز الصعوبات المركزيّة لإخراجها إلى واقع عمليّ. ويركز عيران فى تحليله على لغة المبادرة، والإجراءات داخل المجتمع الإسرائيلي وعدم وجود جهد من جانب دول عربيّة لإدارة حملة تسويقيّة في إسرائيل من أجل تكثيف تأييد المبادرة.

إيران ودول الخلج

ـــــــــ

مائير ليتبك [*]

شَهِدَت العلاقات بيّن إيران ودول الخليج كثير من الصعود والهبوط منذ الثورة الإسلاميّة سنة 1979. وكانت أغلبية التغييرات بمبادرة إيرانيّة، ودول الخليج العربي كانت دائماً هى الطرف الذي يقوم بالرد بشكل عام. ورغم أننا مضطربون، وبقدركبير من الصدق، من إنهماك إيران بإسرائيل، يجب أن نذكر أن الخليج بالنسبة لإيران يعتبر ساحة إستراتيجيّة أهم بكثير من إسرائيل لأن الخليج هو مخرجها الوحيد لمسارات الإبحار الدوليّة . وأن معظم وارداتها تصل إليها عبر الخليج، وعبره تُصدر إيران معظم نفطها، الذي يعتبر أهم مصدر لدخلها. والنقطة الأخرى الهامة هى التواجد العسكري الكبير لجيش الولايات المتحدة الأميركيّة في الخليج – قواعد الأسطول وسلاح الجو الأميركيّ والتى في مقدورها أن تمثل تهديداً على إيران. إضافة إلى ذلك، هّيّمنِت إيران على البحرين في الماضي، يُظْهِر أنها ترى في الخليج ساحة أوليّة لتكثيف نفوذها وتأْثِيرها الإقليميّ .

منذ الثورة الإسلاميّة تَنْتَهِج إيران سياسات خارجيّة تتحرك بين منظومتيّ إعتبارات : الحتميّة الأيديولوجيّة لِنشْر الثورة، من جانب، والإعْتِبار الإستراتيجيّ الذي يخدم الدولة الإيرانيّة، من جانب ثان. فإذا كانت إيران قد أوْلت خلال السنوات الأولى بعد الثورة أفضليّة للإعتبار الأيديولوجيّ، فهى منذ الثمانينيات – نحو نهاية الحرب الإيرانيّة/العراقيّة، وخاصة إثر رحيل الخميني سنة 1989 – تولى أفضليّة واضحة لإعتبار الإستراتيجيّة الناجعة . بشكل عام يُمْكِن أن نحدد، أنه طالما أن الساحة الجيوجغرافيّة أو السياسيّة أقرب لإيران نفسها، هكذا يتغلّب الإعتبار الإستراتيجيّ السياسيّ على الإعتبار الأيديولوجيّ.

في هذا السياق يُمكن تحْدِيد الأولويّات الإيرانيّة في تَعْييّن سياسات خارجيَة بصورة عامة وتجاه دول الخليج بصورة خاصة وفق الترتيب التالي : قبل كل شئ هذا التعْييّن فى مصلحة النظام، وحماية النظام الإسلاميّ في إيران؛ بعد ذلك حماية الثورة الإيرانيّة؛ تلو ذلك لصالح الدولة الإيرانيّة؛ وإثر ذلك المصلحة الشيعيّة؛ وفى نهاية ترتيب الأولويات، المصلحة الإسلاميّة بصورة عامة. وتَبْرُز في منظومة الاعتبارات تجاه دول الخليج العربي ثلاثة مستويات تُغْذِي بعضها البعض وهى :

الأول، الخليج كساحة تنافسيّة بين إيران والولايات المتحدة، القوة العظمي، والعدو الأيديولوجيّ النهائي، حينما يمثل التواجد الأميركيّ تهديداً متواصلاً على إيران كمن توفّر مظلة دفاعيّة لدول الخليج، بل أيضا كمصدر تهديد كامن على إيران. فبعد غزو الولايات المتحدة للعراق سنة 2003 كان هناك من تحدثوا عن تطويق أميركيّ لإيران؛ لكن ربّما إذا أخذنا في الحسبان الخسائر الفادحة التى تكبدتها الولايات المتحدة بالعراق فى الأرواح والمعدات، فبقدر كبير لا يمكن اعتبار هذا الغزو خطر تطويق بل العكس؛ ومع إمتلاك إيران لكثير من مراكز الضغط على الولايات المتحدة، فليس معقولاً – على الأقل في المدى المنظور – أن تستخدم الولايات المتحدة قوة عسكريّة ضد إيران .

 

الثاني،بلدان الخليج ككتلة جماعيّة، أو ككتلة عربيّة سنيّة، تخشي من صعود إيران، القوة غير العربية الشيعيّة. هذه الكتلة العربيّة، التى بداخلها تجمعات شيعيّة مظلومة، واحتكاك عرقيّ/دينيّ ينبع من أن التيار الوهابيّ الإسلاميّ الذي يحكم في السعوديّة، هو الوحيد من بين التيارات الإسلاميّة الذي يقود الخط الأكثر حدة المعادي للشيعي. كما يوجد بين الوهابيين والشيعية رواسب عداء كبيرة تنبع من وقائع الماضي، مثل مذبحة كربلاء التى نفذها الوهابيون ضد الشيعة في سنة 1801، وأعمال القمع المتواصلة كذلك في هذه الأيام في السعوديّة ضد الشيعة.

 

الثالث، العلاقات الإيرانية مع كل دولة على حدة من دول الخليج العربيّ، والتى تتأثر كذلك من الظروف الخاصة في كل دولة. وأذكر هنا فقط ثلاث حالات مختلفة كنموذج لهذه العلاقات، والتى أيضا تؤثر على دول الخليج الأخرى.

النموذج الأول هو الصراع غير القابل للحل حول احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث على مداخل مضيق هرمز. بالتأكد أن من قام باحتلالها هو الشاه سنة 1971، لكن إيران الإسلاميّة تواصل نهجه وتزعم أن الجزر تعتبر أرضاً إيرانيّة. ومن جانبها، تهدد الإمارات العربية المتحدة، خاصة أبو ظبي، منذ ثلاثين سنة بالتوجه إلى الأمم المتحدة، لكن ليس في هذا التهديد جدوى للتأثير على إيران. ومؤخراً قدم مسؤول إيراني مقترحاً بتوطين 50 ألف إيرانيّ بهدف تجسيد التواجد الإيراني على الجزر. النموذج الثاني، منظومة العلاقات التقليديّة العكرة بين إيران والبحرين، والتى ترجع أيضاً إلى أن الأغلبية الشيعيّة في البحرين تحكمها أقليّة سنيّة، وكذلك لأن البحرين كانت تحت حكم إيران وفقط في سنة 1970، عندما انسحب البريطانيون من البحرين، وافقت إيران على التخلي عن مطلبها بإخضاع البحرين تحت إمرتها. يبدو أن هذا كان اتفاقاً رسمياً، ولم يكن عاطفيا- إعترافياً، حتى أن مصادر إيرانية تذكر بين الحين والأخر أن البحرين تتبع إيران؛ النموذج الثالث هو العكس تماماً، أي التقارب بين قطر وإيران حتى الهزّة الأخيرة التى ضربت العالم العربي. هذا التقارب حدث سواء من منطلق رغبة قطر في أن تُبْرِز مكانتها كلاعب إقليميّ، وسواء من منطلق رغبتها في الحصول على بوليصة تأمين قبالة إيران وسواء من أجل إغضاب حكام السعوديّة. وقد بَرَزَ هذا التقارب مثلاً في دعوة الرئيس الإيرانيّ أحمدي نجاد للمشاركة كَمُرَاقِب في المؤتمر الطارئ الذي انعقد بالدوحة في يناير سنة 2009، في أعقاب تنفيذ إسرائيل لعمليّة “الرصاص المصبوب” بقطاع غَزّة.

فور الثورة الإيرانيّة سنة 1979، ومثل أي نظام ثوريّ يتباهى بجلب الخلاص للعالم، تطلّعت إيران إلى تصدير ثورتها إلى جميع أنحاء العالم الإسلاميّ. ودعت بشكل متتالي ومنهجيّ شعوب الخليج إلى إسقاط الحكام الفاسدين والمواليين للغرب وإرساء جمهوريّات إسلاميّة على غِرَار إيران. جنباً إلى جنب وقفت إيران، على ما يبدو، وراء عمليات الإرهاب بدول الخليج، خاصة في الكويت، كى تُزَعْزِع نظام الحكام المحلييّن. بيد أن هذه السياسات فشلت مطلقاً. فهى لم تحظٍ بصدى إيجابيّ وسط الأغلبية السنيّة لكن بتأييد في أوساط الأقليّات الشيعيّة، خاصة في البحريّن والسعوديّة. ففي السعوديّة تغلّب النظام على التحدي الشيعيّ أيضا بواسطة دمج اسلوب العصا والجزرة. ومن نتائج النشاط الإيرانيّ أيضا، أن النظام الإيرانيّ والأنظمة العربيّة الأخرى على السواء حسّنوا كثيراً من منهجياتهم الداخليّة القمعيّة، وهذا تبيّن خلال الأشهر الأخير حينما أدارات إيران مصارعة أيديولوجيّة كلاميّة وجماهيريّة مع السعوديّة حول تاج قيادة العالم الإسلاميّ. فقد حاولت إيران إستغلال الحج كوسيلة للإعلان عن الرسالة الثوريّة. وأدت التحريضات الإيرانيّة في الحج إلى عدة تصادمات بين حجاج إيرانيين وقوات من الشرطة السعوديّة . ففي حالة واحد، على سبيل المثال، سنة 1987، قتلت الشرطة السعوديّة أكثر من 400 حاجاً إيرانياً، هذا ما أطلقت عليه إيران منذ ذلك الحين “مذبحة مكة”.

دفعت الإجراءات الإيرانية سالفة الذكر إضافة إلى الخوف من صدام حسين دول الخليج العربي إلى إنشاء “مجلس التعاون الخليجيّ سنة 1981 والذي يعرف باختصار “GCC”. والأمر الأكثر خطورة من جانب إيران، عندما اندلعت الحرب الإيرانيّة/العراقيةّ، هو تأييد أغلبيّة دول الخليج العربيّ العراق وإمدادها بمساعدة سياسيّة. ووصلت المواجهة بين إيران وعدد من دول الخليج العربيّ ذروتها في نهاية الحرب حينما هاجم  الجيش الإيراني حاويات عملت من دول الخليج العربيّ، رداً على قيام العراق بمهاجمة حاويات إيرانيّة.

إثر الحرب وبعد رحيل الخميني ليّن زعماء إيران مواقفهم وسلوكياتهم. وتخلوا عن الفصاحة لنشر وتصدير الثورة، حتى إذا كان يمكن الإفتراض أنهم لم يخلوا عن الفكرة من صميم قلوبهم. وعمل الرئيسان الإيرانيان على أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي على تحسين العلاقات مع دول الخليج العربيّ بما في ذلك مع البحريّن، وبرز هذا التغيير في سلسلة زيارات إعلاميّة قام بها زعماء إيران لدول الخليج، وفي تصريحات إيرانيّة تتطلّع لإرساء صداقات بين الأطراف. والأهم أن المشاعر الحقيقيّة لم تعكسها، على ما يبدو،  أقوال الساسة بل أقوال رجالات الدين. ففي الوقت الذى كان يقوم فيه الرئيس الإيراني على أكبر هاشمي رفسنجاني بزيارة للسعوديّة واصل رجالات دين سعوديين التَجْدِيف على الشيعيين والتوضيح بأن الإيرانيين هم فى الحقيقة كفّار، بينما استمرت وسائل الدعاية الإيرانيّة في شجب الوهابيين ووصفهم بأنهم يشوهون الإسلام. أي، أن هذه منظومة علاقات ثنائية التكافؤ للجانبين.

علامة أخرى في تطوّر علاقات إيران ودول الخليج، وهى لإقدام جيش الولايات المتحدة على غزو العراق سنة 2003، والذى بصورة تنافسيّة أدى إلى تعزيز مكانة إيران الإقليميّة. ورغم الإشكاليات في شخصيّة صدام حسين إلا أنه كان كابحاً إستراتيجياً قبالة إيران، والعراق تحت كنفه وازن بقدر كبير قوة إيران. ومع سقوط وتحويل العراق إلى دولة باستحواذ شيعيّ، أختفى وتلاشى عملياً العائق أمام إيران في هذه المنطقة بالخليج، ووجدت دول الخليج العربية نفسها منذ ذلك الحين تواجه بمفردها أمام إيران .

إن أبرز ما يميّز سياسات إيران فى العقد الأخير، وكذلك قبل ذلك بفترة وجيزة، هو التطلع للهيمنة على دول الخليج. أى، دفع دول الخليج العربيّ إلى الموافقة على قيادة إيران وإملاءاتها أيضا. كذلك في هذا المضمار ثمة استمراريّة كبيرة لمنهجيّة سياسات الشاه، وإذا كان الشاه قد عمل ذلك بتأييد الإدارة الأميركيّة، فإن زعماء إيران اليوم يعملون ذلك أيضا كمعارضة للولايات الولايات المتحدة . على أية حال، لقد لوحظ استمراريّة في تحقيق إيران هيّمنتها الإقليميّة. والتعبير الأبرز لذلك هو الدعوة التقيّة الإيرانية لدول الخليج لإقامة منظمة دفاع إقليميّة سوياً وإخراج كافة الدول الأجنبيّة. والمغزى واضح بالطبع: فعندما يخرج الأمريكيون، فإن إيران وقتئذ بقوتها العسكرية تُصبح هى الحامية لدول الخليج العربيّ وآنذاك يمكنها فرض رغبتها عليهم. إلا أنه ولأسباب معروفة رفضت دول الخليج العربي هذا المقترح السخيّ.

لقد كان أحد أسباب المخاوف من هذا السخاء الإيرانيّ هو التصريحات اللاذعة التى تفوهت بها شخصيات إيرانيّة فى السنوات الأخيرة، والتى كشفت النوايا والرغبات القلبيّة لدوائر مختلفة في إيران. فمثلاً، حسين شريعتمداري، محرر صحيفة “كيهان” التى تصدر من مكتب الزعيم الأعلى – وتعكس بقدر كبير رأي خامنئي – أوضح في يوليو سنة 2007، أن محافظة البحريّن ينبغي أن تعود إلى وطنها الأم، أي إلى إيران. وبعدذلك بعاميّن أعلن على أكبر ناطق نوري، رئيس البرلمان الإيراني آنذاك، أن البحريّن كانت المحافظة الـ 14 لإيران حتى عام 1970. أقصد، أنه عندما كانت البحريّن تحت الاحتلال االبريطانيّ هى في الحقيقة كانت تنتمي لإيران.

التقوّي الإيرانيّ شحذ العلاقات بينها وبين دول الخليج العربيّ في عدة مجالات متماسّة مع بعضها البعض. الأول، وجود مخاوف مما سمى “الهلال الشيعيّ” برئاسة إيران، والذي يمثل تهدداً للسمو السنيّ في الشرق الأوسط بأسره. هذا الخوف عُبّر عنه باهتمام في حرب الدعاية التى نشبت بين دوائر سنيّة وشيعيّة في الوقت الذى شن فيه رجالات دين سعوديون هجمات حادة على الشيعة. وأيضا في سنة 2006، أبان حرب لبنان الثانيّة، كان يوجد تخبط حقيقيّ لرجالات دين سعوديين بشأن ما إذا كانت الصلاة لإنتصار حزب الله على إسرائيل متاحة، أم أن هذا محظوراً، نظراً لأن الشيعة هم في الحقيقة كفار في الإسلام. كماكان هناك تخبط حقيقيّ حول مَنْ أسوأ مَمّنْ، هل اليهود أسوأ من الشيعة أم أن الشيعة أسوأ من اليهود. وبالمناسبة صفة التملّق أسوأ بكثير من اليهود وهي صفة يُكَنها الشيعة للسنة وأيضا يُكِنها السنة للشيعة. والتعبير الآخر، والذي قد يكون صاعقاً إذا أخذنا في الاعتبار التجاوز المريب للسعودية في مجال الديمقراطيّة، هو الانتقاد الذى وجهته وسائل الإعلام السعوديّة لإيران في أعقاب تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية في إيران في يونيو سنة 2009 .

الثاني، ثمة خوف حقيقيّ، لا نقصد خوف دول الخليج العربيّ من نوويّة إيران، والتى ستجعلها قوة هيّمنة في المنطقة. هذا القلق قاد إلى عدة ردود فعل تتناقض مع بعضها البعض في بعض الأحيان إذا قُورن المستوى العلنيّ بالمستاوى السريّ. هكذا مثلاً لم تخفٍ وسائل الإعلام في دول الخليج القلق العميق من نوويّة إيران. وأذكر نموذجيّن حتى أجسد إلى أى مدى تخشى دول الخليج من إيران. لقد أوضح رئيس تحرير صحيفة “السياسة” الكويتية اليوميّة في سنة 2010، أن جهود إيران للحصول على أسلحة نووية تهدد حقيقة وجود دول الخليج، وأن التطلعات الاستعماريّة تسيّطر وبوضوح على النهج السياسيّ الذي يسير عليه النظام الإيرانيّ. وفى نفس الوقت، زعم مدير عام قناة “العربية” السعوديّة في مقالته بصحيفة “الشرق الأوسط”، أن سلاحاً نووياً بحوزة إيران سيساعدها في السيّطرة على المنطقة، وأضاف في مقالته: ” نحن غير خائفين من قنبلة نوويّة إيرانيّة. حيث أن إيران لن تستخدمها ضدنا، إلا أنها سوف تستخدمها كأداة لتغيير قواعد اللعبة. نحن نخشى من السياسات الإيرانيّة، التى تستخدم كل الوسائل كى تفرض وجودها كقوة إقليميّة، والسلاح النوويّ سيكون وسيلة لذلك … فلو أن صدام حسين كان بحوزته قنبلة، ما كان أحداً ليتجرأ على المساس به. ونفس الأمر صحيح بالنسبة لإيران، فإذا إمتلكت إيران قنبلة نوويّة يمكنها العمل كما يحلو لها، ولن يتجرأ أى أحد على الوقوف ضدها. وإذا أقدمت ميليشيات إيرانيّة على إحتلال جنوب العراق، لن يتجرأ أحداً على الوقوف ضد إيران …. نحن خائفون من منطقيّة النظام الإيراني الحالي، الذي أسرف أموال بلده على حزب الله، وعلى حماس وعلى حركات متطرفة في البحريّن والعراق واليمن وعلى “الإخوان المسلمين” وهو يؤيد أى جناح متطرف في المنطقة. ولذا فإن طموح نظام الرئيس الإيرانيّ أحمدي نجاد للهيّمنة والسيّطرة واضح للعيان. ولذلك فإنه يحتاج إلى مظلة نوويّة، تحميه من القوى الكبرى أياً كانت”.

هذا القلق يَبْرُز أيضا في الوثائق التى سربها موقع “ويكليكس”، عندما أعرب ملك السعوديّة عن أمله البالغ في أن تُقْدِم إسرائيل على مهاجمة إيران، وإعترف ملك البحريّن صراحة أنه يقيم اتصالات سريّة مع إسرائيل. هذه الخوف قاد أيضا حكام السعوديّة إلى تنظيم تحالف دوليّ ضد إيران داخل الوكالة الدوليّة للطاقة الذرية، وكذلك شراء أسلحة بحجم كبير من الولايات المتحدة الأميركيّة. كما أيّدت السعوديّة العقوبات التى فرضها المجتمع الدوليّ على إيران، والأمر المثير للغاية، أنها أفشلت في الماضي مشروع القرار المصريّ، الذي أراد الربط بين النوويّ الإيرانيّ والنوويّ الإسرائيليّ. أي، أن حكام السعوديّة يساورهم القلق من النوويّ الإيرانيّ أكثر بكثير مما تقلقهم القدرة النوويّة الإسرائيليّة. هذا الخوف من إيران هو الذي يواصل دفع دول الخليج العربيّ إلى التمسك بالولايات المتحدة الأميركيّة رغم عدم رضاها عن موقفها من إسرائيل واستيائه من سلوكيّات الرئيس باراك أوباما في النصف الأولى من سنة 2011. من جانب آخر، صراحة، كل دول الخليج العربي تكرر معارضتها لعمليّة عسكريّة ضد إيران بحجة أنها ستكون الضحيّة عندما يتحارب الكبار فيما ينهم، وتعلن أنها لن تسمح للولايات المتحدة الأميركيّة باستخدام أرضها كقاعدة لمهاجمة إيران .

كلما يتقدم الإيرانيّون في الموضوع النوويّ، يمكن أن نرى ردتي فعل يختلفان اختلافاً جذرياً عن بعضهما البعض. من جانب، زعم سفير إمارة أبو ظبي، أنه إذا امتلك إيران سلاحاً نووياً، وقتئذ نحن ، الإمارات العربية المتحدة، لن يكون لنا خيار سوى قبول الهيّمنة الإيرانية. ونحن سنضطر إلى طلب رعاية إيران”. في مقابل ذلك أوضح الأمير السعوديّ تركي الفيّصل، الذي تولى سابقاً منصب مدير المخابرات السعوديّة وسفير السعوديّة لدى الولايات المتحدة  وبريطانيا، في منتدى بإمارة أبو ظبي، إنه إذا حصلت إيران على سلاح نوويّ، سيكون من الضروري على العرب إمتلاك سلاحاً مماثلاً. هذا التوضيح هام من ناحيتيّن: الأولى، تعتقد السعوديّة أن إسرائيل تمتلك سلاحاً نووياً، لكنْ لم يقل حكامها مطلقاً أمراً كهذا على السلاح النوويّ الإسرائيليّ؛ الثانيّة، أن حكام السعوديّة لم يصدر عنهم تصريح علنيّ، بصورة كهذه، بأن إمتلاك إيران للسلاح النووي سيُلزمهم أيضا بالحصول على سلاح نوويّ. هذا البيان يؤكد أيضا ما زُعم منذ فترة بأن حصول إيران على سلاح نوويّ سيقود إلى سباق تسلح نوويّ في الشرق الأوسط كله، الأمر الذي لن يعزّز بالضرورة الأمن القومي الإيراني .

العامل الثالث لصقل العلاقات بين دول الخليج العربيّ وإيران هى الأحداث التى شهدها العالم العربيّ فى الشهور الأخيرة بشكل عام وفي البحريّن بشكل خاص. فإيران تلعب في هذا الشأن لعبة مزْدوجة؛ من جانب تعرض إيران كل الأحداث في العالم العربيّ على أنها استوحت الهامها من الثورة الإيرانيّة، وأنها أحداث ستقود إلى شرق أوسط إسلاميّ، ومن جانب ثان، تزعم إيران أنها لا تتدخل في شؤون دول أخرى، بل تعرب عن تضامنها مع طموحات كل الشعوب. لكنْ أحداث البحريّن على وجه الخصوص أسفرت عن نتائج سلبيّة من ناحية إيران: الأولي، هذه الأحداث حفّزت دول الخليج العربيّ بما في ذلك قطر وعمان، اللتين عرضتا قبل ذلك موقف إيجابيّ تجاه إيران، إلى التوحد وتأييد السعوديّة ضد إيران. الثانيّة، أن المعارضة الإسلاميّة، مثلاً في السعوديّة، التي كانت توجه انتقاداً حاداً للنظام، تحرّكت لتأييد السعوديّة ضد الشيعة في البحريّن، وذلك لأن هذه المعارضة الإسلامية تعتبر سنيّة متعصبة وترى الأحداث في البحريّن مواجهة بين الشيعة والسنة. أي، أن إيران ولجهت على حين غرة جبهة عربيّة أكثر اتحاداً من السابق.

وقد أدى هذا الأمر إلى تفاقم العلاقات، على الصعيدين العلنيّ  والسياسيّ على السواء، بين إيران ودول الخليج العربيّ، هذا التفاقم برز في الاتهامات القاصمة المتبادلة، حيث وجه الملك السعودي عبد الله تحذيراً لإيران بألا تتجرأ على التدخل في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة؛ وأشار أمراء سعوديّون إلى أنه تبيّن باليقين أن عناصر “الرافضة” (وصف استهجاني حاد للشيعة) و”أصحاب العمامات”، أي رجالات الدين الإيرانيين، هم من يشعلون الفتنة، التى مغزاها إشعال حرب أهليّة وهى تعتبر أحد التعبيرات الأكثر سلبيّة في اللغة السياسيّة الإسلاميّة، وهم يريدون اقتياد المنطقة إلى فوضى، مثلما فعل حزب الله في لبنان، ومثلما تفعل إيران في العراق واليمن .

إضافة إلى ذلك، من المعقول الإفتراض أن إيران ضالعة أياً كان فيما يحدث في البحريّن،  حتى إن كان ينبغي الإشارة إلى أن للشيعة في البحريّن أسبابهم الكافيّة والعادلة للاحتجاج ضد حكم الأقليّة السنيّة، أيضا بدون تحفيز من إيران.   ومع ذلك، تنتهج إيران خطاً حذراً. فعلانيّة لا تعرب عن دعمها للاحتجاج الشيعيّ في البحريّن كإحتجاج شعيّ، بل أنها تؤيد – كدولة نصيرة ديموقراطية، نصيرة الحرية – انتفاضة أى جماعة مُقْمعة في الشرق الأوسط ضد النظام القامع. كما أنها تعرض الأحداث في البحريّن كنضال شعب إسلاميّ ضد تواجد أجنبيّ أو ضد أنظمة غير إسلاميّة. لكنْ يمكن أن نرى ردة الفعل الإيرانيّة فيها تقاسم للأدوار بين المستوى الرسميّ والمستويات غير الرسميّة . فقد تحدث وزير الخارجية الإيراني عن الحاجة إلى حل سلميّ؛ وحذر وزير الدفاع الإيراني حكام السعوديّة ونصحهم بعدم إرسال جيش للبحريّن؛ فى مقابل ذلك كان أعضاء البرلمان الإيراني أكثر حدة وحذروا السعوديّة من تسونامي سوف يغمرها. وفي مقابلهم، رجالات الدين الإيرانيّين الذين للوهلة الأولي ليسوا ضلعاً من السلطة إلا أنهم يمثلون الجانب الأيديولوجي في منظومة إيران، يشنون هجوماً شديداً على السعوديّة والسنة.

حتى المستوى غير الرسميّ هدد صراحة بإسقاط البلاط الملكى السعوديّ، إذا استمر في طريقه الشاذ. ومن الجدير كذلك الإشارة إلى أن الأحداث في البحريّن تُميّز ضعف إيران لأنها بشكل عمليّ لم تتمكن من العمل ضد الإئتلاف الموحد الذى قام ضدها. ومثال ذلك هو الإهانة التى تلقتها إيران لدى محاولتها تقليد تركيا بواسطة إرسال أسطول للبحريّن الذى تراجع فى خجل بعد أن اعترضته سفن أسلحة بحرية دول الخليج العربيّ.

لقد لعبت الأحداث في سوريا دوراً كبيراً فى تفاقم العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي، ففي الوقت الذى أدانت فيه السعوديّة سياسات القمع الوحشيّة التى يمارسها نظام بشار الأسد، ظلت إيران المؤيد المركزيّ والهام له. ويمكن الإفتراض أنه في هذه المرحلة يأمل السعوديّون في سقوط نظام الأسد على أن يقوم مكانه نظام سنيّ يبتعد عن التحالف مع إيران ويقترب من الدول العربية السنيّة.

صحيح أنه كان يمكن القول حتى منتصف سنة 2011، أن المواجهة الكلاميّة بين إيران ودول الخليج العربيّ تتواجد في وضعيّة ساكنة، ويصعب معرفة في أي اتجاه ستنفتح. لكن ما يمكن أن نقوله بتأكيديّة، أن الأزمة الحاليّة تعكس جيداً الدمج بين المصالح الاقتصاديّة والأمنيّة لكل طرف من الأطراف، مع عواطف وأحاسيس مصدرها الفوارق الدينيّة والطائفيّة. لذلك يمكن القول أيضا، أنه إذا كان الربيع العربيّ غير حصين في المنطقة، وقتئذ المزيّات الكثيرة للشرق الأوسط القديم  مَا بَرِحَت موجودة في المنطقة، وليس من المعقول أنها ستتلاشى سريعاً.

 

 

 

الولايات المتحدة الأميركيّة والخليج

ـــــــــــ

صموائيل روزنر[†]

خطاب “القاهرة الثاني” الذي ألقاه الرئيس الأميركيّ باراك أوباما أثار أصداء واسعة وحظى بصدارة العناوين في إسرائيل لاسيّما بسبب تطرقه إلى الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، لكنْ رئيس الولايات المتحدة حاول في الواقع أن يوضح فيه حدوث تغيّر سياسيّ، كما لو كان جديداً، للإدارة الأميركيّة، والتى بواسطتها يحاول مجابهة ما يحدث في الشهور الأخيرة بالعالم العربي، بما في ذلك في دول الخليج. والانطباع هو أن واشنطن في حيرة من أمرها، ويُتخيّل أن الحيرة التي تقبع فيها الإدارة الأميركيّة – ربّما بسببها، لكن أيضا بسبب أحداث خارجيّة فرضت عليها هذه الحيرة – لوحظت بقدر معيّن أيضا في خطابات الرئيس. فالخطاب كان مؤسساً جيداً، مثل أغلبية خطابات أوباما، لكن عندما نحاول أن نستقى منه الإدراك الأساسيّ للإدارة الحاليّة تجاه ما يحدث في العالم العربيّ، يصّعُب التوصل لاستنتاج واحد واضح.

لقد عرض خطاب أوباما مبدأين، بشكل طبيعيّ، يتماسان مع بعضهما البعض. فمن جانب، أعلن الرئيس أوباما، أنّهُ مَنْ ناحيته وَضَعَ دفع الحريّة الخاصة، والديموقراطيّة والفرص الاقتصاديّة الفرديّة الآن “في الأولويات العليا التى يَنْبغي أن تكون مترّجمة لأعمال ملموسة”. لكنْ من الجانب الثاني ظهر في نفس الخطاب أيضا الجملة التالية: “ليس كل دولة سترتضى بالصيغة المعيّنة للديموقراطيّة التى نعرضها، وسيكون هناك فترات فيها المصالح قصيرة المدي لا تتماشى مع رؤيتنا طويلة المدي للمنطقة”. أي، أن أوباما عرض ما كان يريد أن يكون: فهو كان يريد أن تكون الديموقراطيّة وحرية الفرّد في الأولويّة العليا أياً كانت. لكنه أبقى لنفسه ثغرة تمكنه من عدم العمل لدفع هذه الرؤيا في الحالات التى ستكون فيه المصالح قصيرة المدي لا تتماشى مع رؤيته طويلة المدي.

لا يوجد مجال فيه تتجسد معضلة الولايات المتحدة الأميركيّة بشكل ملموس جداً أكثر من دول الخليج العربيّ، والنموذج الأبرز في الوقت الأخير هو البحريّن. فهناك حدث تضارب بارز بين البيانيّن الذيّن ألقهما الرئيس أوباما. ففي خطابه كان أوباما حذراً بما يكفي تجاه السعوديّة بإعتبارها الدولة الأقوى في الخليج، وقد لاحظ كثيرون ذلك وعلقوا عليه. فالسعوديّة لم تَرِدْ في الخطاب رغم أن الجميع يعلم أن حرية الفرد، والديموقراطيّة، والفرص الاقتصادية لكل المواطنين، مازالت لم تُحصى ضمن أولويّاتها العليا. لكنْ الرئيس أورد البحريّن في خطابه، وتم ذلك بشكل حذر. من جانب، قال إنه يريد الحفاظ على استقرار النظام في البحريّن، لكنْ رغم ذلك قال عنها هذا: “أصْررْنا، على حد سواء في المحادثات العلانيّة والخاصة على أن الاعتقالات الجماعيّة واستخدام القوة البائسة لا تتماشى مع الحقوق العامة للمواطن في البحريّن”.

عملياً، دعا أوباما إلى إجراء حوار بين النظام في البحرين وعناصر المعارضة في الدولة وأكد أن حواراً كهذا لا يمكن إدارته وعناصر المعارضة رهن الاعتقال بسبب أن الحكومة في البحريّن – كما يعلم الجميع – حظرت بالمظاهرات، وفي مرحلة معيّنة طلبت مساعدة من السعوديين لقمع المظاهرات. ووبّخ أوباما الإدارة في البحريّن على قمعها المظاهرات، لكنه لم يوبّخ حكام السعوديّة على إرسال قوات عسكرية لمساعدة البحرينيّين، وفق مطلبهم، لقمع أعمال الشغب في بلدهم. وهذا نموذج الإهمال المتعلق بالمصالح أكثر منه بحريات الفرّد.

من ناحية علاقات الولايات المتحدة الأميركيّة مع دول الشرق الأوسط بأسره وخاصة مع دول الخليج، يُمْكِن أن نلاحظ أن الولايات المتحدة سارت خلال العقدين الأخيرين جنباً إلى جنب مع زُمْرة حلفاء سُميّت في مراحل مختلفة بأسماء متنوعة، وفي السنوات الأخيرة – لاسيما أبان إدارة بوش – سُميّت “إئتلاف المعتدلين”. وحاولت الولايات المتحدة طوال الوقت بلّورِت بيئة إئتلافات مخصصة لأهداف متنوعة. وقد لوحظ هذا الأمر في حرب الخليج الأولى، في بداية التسعينيات، مع إنضمام أغلبية الدول العربية إلى الولايات المتحدة الأميركيّة بعدما قررت كبح جماح العراق إثر غزوه للكويت. كذلك عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على العراق فى التسعينيات، ووأيضا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، عندما أعلنت عن محاربة الإرهاب، حاولت الولايات المتحدة جذب دول مختلفة، لكل دولة ثمة أهداف متنوعة، إلى هذا الإئتلاف، وكل دولة اختارت لنفسها من ضمن قائمة طويلة ما يمكن لها المشاركة فيه وما لا .

وبالطبع، كانت دول الخليج من ضمن الدول التى تعاونت مع الأميركان في موضوعات عدة نحو حرب الخليج الأولى. بيد أنه أيضا بعد ذلك، وفي إطار محاربة الإرهاب، أمدت دول الخليج العربي الولايات المتحدة بإحتماليّات كثيرة تشير إلى استعدادها وضع منشآتها ومجالها الجوي ونفطها تحت تصرف الولايات المتحدة. كل هذا، من ضمن أمور أخرى، كى تُدير الحرب في أفغانستان وتلو ذلك أيضا في العراق. وفي مرحلة معيّنة أطلق الرئيس بوش على “ائتلاف المعتدلين” مسمى “إئتلاف الراغبين” وهو الإئتلاف الذي عزّز علاقات الولايات المتحدة مع دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها دول الخليج العربي على مدار عقدين من الزمن. لكنْ إدارة أوباما أدركت من خلال الأحداث في الشرق الأوسط تقوّض “إئتلاف المعتدلين”.

ردة الفعل الأوليّة للإدارة الأميركيّة على أحداث ما أسمته بـ”الربيع العربي”، والتى بدأت في تونس وتمددت لمصر ولدول أخرى، كانت ترددية بما يكفي. والانتقاد الذي وُجه لهذا التردد الأميركيّ كان مبالغاً فيه، لأن الإدارة الأميركيّة كانت في حاجة لوقت ما لتعي ما يحدث. لكنْ إثر التردد الأوليّ بلّور الرئيس ورجاله استنتاجيّن مركزيين حول الشرق الأوسط. وحول ما يتعلق بهذين الإستنتاجين فأنا أعْتمد على أقوال مائير ليتنبك (فى مقاله السابق) عن الإدارة الإيرانية، بأن الاعتبار الأيديولوجيّ يمتزج لديه مع الاعتبار الإستراتيجيّ، أي أن هناك إستمراريّة تنافسيّة بين الإيديولوجيّة والإستراتيجيّة. وأنا أفترض أن هذا يحدث في أي دولة، وبالتأكيد في الولايات المتحدة الأميركيّة. فعندما توصّل الرئيس أوباما إلى الاستنتاجات التى ستُوضح أدناه بشأن ما يحدث في الشرق الأوسط، اختلطت لديه أيضا الإعتبارات الإستراتيجيّة مع الإعتبارات الأيديولوجيّة، وحتى مع الإعتبارات السياسيّة. الإستنتاج الأول الذي توصلت إليه الإدارة الأميركيّة هو أن الظاهرة التى تسمى بـ”الربيع العربي” هى ظاهرة حقيقيّة وليست أمر عرضيّ، ولا شيئ عابر ولا أمر تكوّن وفق تعليمات خارجيّة أو كمبادرة من جماعات صغيرة . حيث رصدت الولايات المتحدة الأميركيّة حركة جماعيّة، حقيقيّة، تؤثر على الشرق الأوسط – وهذا لا يُغيّر ضرورة أن ننقاش هنا ما إذا كان رصد الإدارة الأميركيّة صحيحاً. ومنذ ذلك توصلت الإدارة الأميركيّة إلى استنتاج بأن الظاهرة حقيقيّة، وأُضطرت أيضا إلى أن تؤكد أن هذه الظاهرة جديرة بالتأييد. في هذا التأكيد تدخلت الإعتبارات الإستراتيجيّة، الأيديولوجيّة والسياسيّة :

الإعتبار السياسيّ هو، أن مَرْأَى العيْن لدعم الحركات الشعبيّة التى تنادي بالديموقراطيّة، أمثل من شكل من يؤيد الأنظمة الإستبداديّة؛ والإعتبار الأيّديولوجيّ يتصل بشكل حقيقيّ وأصيل بالأخلاقيات الأميركيّة ويؤكد أن الولايات المتحدة بالفعل تؤمن بالديموقراطيّة ونجاعتها طويلة المدي للعالم؛ والإعتبار الإستراتيجيّ يتعلق أساساً بفرضيّة الإدارة الأميركيّة بأنه في نهاية المطاف فإن “الربيع العربيّ” يسلك طريق الانتصار. لقد كان يمكن رصد هذا الموقف عندما وقفت الإدارة الأميركيّة أمام اللحظة الحرجة في بداية 2011 – وهذا حدث خلال الأحداث بمصر، عندما كان فى حيرة من أمرها حول ما إذا كان ينبغي إستمراريّة تأييد الرئيس المصري مبارك أو التخلى عن تأييده وسحب البساط من تحت قدميه. والسبب الذي حسم فى نهاية الأمر عدم تأييد مبارك لم يكن التفكير في أن الديمقراطيّة الليبراليّة ستُرسى في مصر بسرعة، بل فرضيّة الإدارة الأميركيّة بأن مبارك بالفعل يوشك على خسارة المعركة، ولذلك فضلت الإدارة الأميركيّة الانضمام إلى الحركة التى توشك تحقيق الإنتصار في المعركة. ليس فقط بفضل الأيديولوجيّة، بل أيضا من أجل العلاقات المستقبليّة بين الولايات المتحدة ومصر. وهذا يعد إعتباراً أكثر تجانساً حدد الإستراتيجية الأميركيّة تجاه الشرق الأوسط برمته حيث فضلت الوقوف إلى الجانب المنتصر وليس في الجانب الخاسر نظراً لأن الإدارة الأميركيّة رأت أن الحركة الديموقراطيّة هى حركة حقيقية، وافترضت أنها سوف تنتصر في نهاية المطاف.

الاستنتاج الثاني الذى توصّلت إليه إدارة أوباما – بعيداً عن فرضيّة الأصْليّة – يتجسد في الاشتراط الذي عرضه أوباما في خطابه ، حيث قال لقد أدرك زعماء الإدارة الأميركيّة، أنه رغم تأييدهم المبدأئي (من ناحية الإعتبارات الثلاثة – السياسيّة، الإستراتيجية والأيديولوجيّة) للـ”الربيع العربيّ”، فإنه لأسباب معيّنة وفي حالات خاصة سيضطر هذا التأييد إلى أن يكون تأييداً معلقاً أو مشروطاً، يقصد الحالات التى فيها يمثل سقوط نظام في الشرق الأوسط خطراً على المصالح الحيويّة للولايات المتحدة الأميركيّة. فى هذه الحالة قد يكون التأييد معلقاً، أي في انتظار موعد أكثر يسراً؛ مشروطاً، أي تأييد عدد من المطالب التى يطالب بها المتظاهرون من السلطة أو التى ترفعها المعارضة ضد السلطة، وليس تأييداً كاملاً لكل المطالب.

بالطبع كانت البحرين الحالة الأبرز التى فيها وُضعت الولايات المتحدة في محك حول التساؤلات الثلاثة المركزيّة : هل الـ”ربيع العربي” يقود إلى ديموقراطيّة ؟ ففي مصر بالفعل حدثت ثورة، لكنْ ما اِنْفَكّت الديموقراطية بعيدة المنال. وفعلاً حدث تبديل للأنظمة؛ فهل التغيّير سيقود إلى تغيّير؟ وهل ستقط أنظمة أخرى؟ فحتى موعد المحاضرة، ورغم استمراريّة المظاهرات في سوريا، مازال النظام باقياً، وليس بالضرورة أنه سيتقوّض في نهاية المطاف؛ وفي البحريّن وُضع تساؤل ثالث في اختبار وهو : عندما يتبدل النظام ؛ إذا تبدل؛ هل النظام الذي سيخلفه سيكون نظاماً تكون الولايات المتحدة الأميركيّة مستعدة أو آهلة لقبوله؟ حيث يوجد في البحريّن بالفعل أغلبية شيعيّة، والنظام الذي قد يبرز في حال سقوط النظام الحالي، لس بالضرورة أن يكون نظاماً مريحاً للولايات المتحدة .

يتبيّن من دراسة المصالح البارزة الأميركيّة في الخليج العربي أنه هناك عدة أسباب تحرّك الولايات المتحدة الأميركيّة ، على الرغم من غريزتها الموالية للثورة، والحفاظ على الوضع القائم في الخليج. السبب الأول إقتصادي وفى مركزه النفط، أقصد احتياج الولايات المتحدة للنفط المتواجد في الخليج. ثمة سبب إقتصادي ثانويّ – قد يمثل عبئاً ثقيلاً في الكونجرس – وهو كوّن الولايات المتحدة الأميركيّة مزوّد السلاح الرئيسي لدول الخليج، ووقف صفقات الأسلحة هذه، يُصعّب اقتصادياً على الولايات المتحدة؛ السبب الثاني هو محاربة الولايات المتحدة للإسلام السنيّ المتعصب وللإرهاب الإسلاميّ، وهذا يلزمها بإلاستمراريّة والتعاون مع الأنظمة الخليجيّة، التى عاونتها مثلاً في الحرب على أفغانستان. فالإدارة الأميركيّة تخشى من أن عموم الأنظمة التى ستقام في الخليج العربي لن تهتم بمحاربة الإسلام الراديكاليّ السنيّ؛ السبب الثالث هو، أن هذه الأنظمة تقف كثقل مضاد لمحاولات إيران فرض الهيمنة الشيعيّة في المنطقة برئاستها. لذلك فإن الشأن الاقتصاديّ، والقلق من الإرهاب السنىّ والقلق من الهيّمنة الشيعيّة، قاد أو قد يقود الإدارة الأميركيّة إلى أن ترتضي بأن يكون الخليج الحالة الإستثنائية، والتى فيها لن تؤيّد الولايات المتحدة ثورات الربيع العربيّ.

ينبغي فى الشأن الاقتصاديّ أن نناقش أيضا المصلحة السياسيّة للرئيس أوباما، الذي يستعد لمعركة إنتخابيّة. فلا مُرْيّة في أن الصعود الدراماتيكيّ في أسعار النفط يمثل خطراً على أوباما، وربّما عليه إعادة التفكير إذا كان يعتزم فعل شئ يقود إلى رفع أسعار النفط، ويفضل له أن يعلق هذا الإجراء وتنفيذه فقط بعد أن يحقق الفوز، إذا كان يأمل، ويتم انتخابه لفترة ولاية ثانية .

بالفعل إيران هى عدو مشترك أو عامل تهديد مشترك لدول الخليج وللولايات المتحدة على حد سواء، وفي هذا الصدد تبدى الإدارة الأميركيّة اهتماماً كبيراً بتحقيق ردع مُزْدَوَج: من جانب، تريد الإدارة الأميركيّة ردع إيران عن محاولات الهيّمنة على المنطقة. ومن جانب ثان، تبدى اهتماماً في أن تُرْدِع دول الخليج عن التقارب كثيراً من إيران. وبما أنه توجد دلائل على شعور دول الخليج بضعف قوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإنه يستوجب عليها أن تقرر أيّ طرف ستختار، والولايات المتحدة تريد منعها من إستنتاج أن إيران هى الجانب التى ينبغي إختياره. وهذه هو بالضبط مغزى الردع المُزْدوج.

المشكلة الأساسية للولايات المتحدة الأميركيّة هى أن الإدارة الأميركيّة تفترض أن الوضع في الشرق الأوسط على المدى البعيد لا يُحتمل – مثلما اعتاد قادة الشرق الأوسط قول ذلك على الصعيد الإسرائيليّ/الفلسطينيّ. أي، أن الإدارة الأميركيّة تفترض أنه في المدى البعيد لا يمكن أن يظل الشرق الأوسط على الوضع الذي عليه الآن، كما تفترض أنه في مرحلة معيّنة سيأتى تحوّل. هذا التحوّل سيبدأ في دول معيّنة، ويتمدد لدول أخرى وبما في ذلك الدول الخليجيّة. وإحساس حدوث تحوّل كهذا يخلق بالطبع مشكلة، وفي حال حدوثع سينتج عنه: (1) تورّط الإدارة الأميركيّة من جديد فى مسألة النفط وفي مسألة العلاقات مع أنظمة جديدة، حيث لم يتضح بعد أية أنظمة هى. وبالفعل تحشى الإدارة الأميركيّة من ثورات تتميّز بالعداء لأمريكا، تخلق صعوبات أخرى مع دول الخليج العربيّ. (2) خوف الإدارة الأميركيّة الآخر هو من إحتماليّة ثورة أو فوضى في منطقة الخليج، ومن حقيقة أن تغوى الفوضى إيران وتحاول تكثيف تأثيرها ونفوذها. وقد رأينا المحاولات الإيرانيّة في أحداث البحريّن (واعترفت الولايات المتحدة بوجود محاولات إيران للتدخل فيما يحدث في البحريّن)،  وتخشى الولايات المتحدة بالذات من أن وضع عدم الاستقرار قد يمنح لإيران موطأ قدم في المنطقة .

يمكن أن نوجز نتيجة معضلات الولايات المتحدة في شعار، أن الإدارة الأميركيّة تريد “السير مع … وليس للنهاية”. أي، من جانب تريد الإدارة الأميركيّة أن تعلن: نحن مع “ربيع عربيّ”، ومع ديموقراطيّة، ومع إصلاحات، لكنها لا تريد السير حتى النهاية. لقد أشرت سابقاً إلى أن الإدارة الأميركيّة يمكنها الاختيار بين تأييد مُعلّق على تغييرات وبين تأييد مشروط بتغييرات. والاستراتيجية التى اختارتها في دول الخليج هى تأييد مشْروط بالتغيير. وهى غير مستعدة كى تقول إنها تعارض التغيير. هكذا يعرض كبار المسؤولين في الإدارة الأميركيّة والمتحدثين بأسمها في خطابات علنيّة وفي محادثات سريّة، على الأنظمة المختلفة – كل نظام وفق اهتمامه – نماذج متنوعة للديمقراطيّة التى ستُبْقِى وضع الأنظمة القائمة على حاله، لكنها ستسمح بشئ ما من الديموقراطيّة أقصر من مرْأى العين. أحد هذه المناذج يقود إلى إتجاه ملكيّة شرعيّة، أى إعطاء إمكانيّة للمواطنين لإنتخاب ممثليهم على الأقل، توفير إمكانيّة الحسم للمواطنين على الأقل في جزء من الأمور، وضغط معيّن لتحسين وضع حقوق الإنسان، أقصد محاولة لحمل هذه الأنظمة على إنتهاج أسلوب عمل معتدل.

لكن هذا الضغط في المرحلة الحينيّة (منتصف سنة 2011) لا يجدى نفعاً، بسبب أمرين متناقضين للوهلة الأولى  (1) من جانب، لا يعتقدون في دول الخليج العربيّ أن الولايات المتحدة الأميركيّة ستتخلى عن الأنظمة القائمة، لأنها مصلحتها. (2) من جانب ثان، لا يرضخ الحكام في الخليج العربيّ لضغط الولايات المتحدة الأميركيّة لأن قلقاً يساورهم من التخلى عنهم، حيث رأوا ما حدث لمبارك في مصر، ورصدوا سلوكيات أميركيّة لقبوها بـ”الجبانة”، ولذلك فهم أقل إنصاتاً لمطالب الإدارة الأميركيّة. للوهلة الأولى، يبدو أن الأمور متناقضة؛ أيضا عدم القلق من التخلى والقلق منه يقود حكام دول الخليج العربيّ إلى نفس الاستنتاج ألا وهو، أنهم لا شأن لهم في هذه المرحلة كي ينصتون للإدارة الأميركيّة. وقد أكدوا أن التحالف مع الولايات المتحدة، على الأقل وفق السياسات الأميركيّة الظاهرة الآن، هو تحالف وقت الهاوية، الأمر الذى بالطبع يقلل من اعتزامهم الإنصات للإدارة الأميركيّة، وأيضا يزيد من إتجاهم مطالبة الأميركيين بالمزيد، طالما أن الأمر ممكناً. كذلك، يرى حكام دول الخليج العربيّ أنفسهم أنه ينبغي عليهم فتح قنوات حوار بديلة، سواء كان الحديث يدور عن شراء أسلحة من أوروبا مثلاً، وليس فقط من الولايات المتحدة، وسواء كان المقصود تحسين العلاقات مع إيران في قنوات معيّنة، الأمر الذي يُصعّب بالطبع على إستراتيجيّة الولايات المتحدة في الخليج.

الولايات المتحدة والعراق

ـــــــــــ

إفريم كام[‡]

بدأت الحرب على العراق فى مارس سنة 2003 ولم تنته حتى الآن من عدة جوانب. ففى هذه الحرب تكبدت الولايات المتحدة خسائر في الأرواح تصل لحوال 4500 قتيلاً أميركياً، وأكثر من 300 قتيلاً من قوات الدول المساعدة للولايات المتحدة، لاسيما القوات البريطانيّة. وتكبدت قوات الأمن العراقيّة – القوات التى تشكلها الولايات المتحدة في العراق – خسائر في الأرواح بحوالي 10 آلاف قتيلاً. كما فقدت القوات التى تعرض عمل الولايات المتحدة، خاصة ميليشيات شيعيّة وسنيّة وقوات القاعدة، التى تعتبر عاملاً هاماً في العراق حوالي 55 ألف قتيلاً. والعدد الأكبر من كل ذلك، سقط وسط مواطني العراق غير المقاتلين، حيث قتل وفق أقل تقدير حوالي 100 ألف عراقي، وثمة من يقدرون عدد القتلى المدنيين في العراق بحوال 150 ألف وأيضا 200 ألف، وهناك من يقدر عددهم بحوالي 500 ألف قتيلاً مدنياً عراقياً. فكيف وصل عدد القتلى المدنيين العراقيين إلى هذا العدد الضخم؟ ذلك لأن العمليات التخريبيّة في العراق توقع ضحايا كثيرة، وفي كثير منها يزيد عدد القتلى عن 100 وأيضا 200 قتيلاً فى العملية الواحدة . سبب ذلك هو أن جزءاً من العمليات ينفذ أماكن متفرقة في آن واحد، وأخرى تُنفذ في الأماكن اليوميّة بما في ذلك في المساجد. فالعمليات لا يردعها شئ ما عن تفجير مسجد أو مدخل لمسجد، وهكذا تسفر العملية الواحدة عن مقتل 200 شخصاً.

نضيف إلى ذلك إثنين من المعطيات تفيدان أن نحو أربعة ملايين ونصف المليون نسمة أضطروا إلى ترك منازلهم –نصفهم ظل في العراق. وطُرد الباقون، وأُضطروا للمغادرة، وحدث لهم تطهير عرقيّ – يحدث فى العراق تطهيرات عرقيّة بين عرب وأكراد، وبين سنة وشيعة – وفر نصفهم تقريباً إلى دول أخرى، خاصة إلى سوريا والأردن. وقد كلفت هذه الحرب وتوابعها الولايات المتحدة حتى اليوم 900 مليار دولار.

فى الحرب نفسها، وخلال احتلال العراق في مارس – أبريل 2003 في إطار عملية خاطفة لقوات ليست بالكبيرة قُتل 138 جندياً أميركياً. هذا العدد الضئيل ينبع من أن الحرب على العراق لم تتم بواسطة قوات بريّة، بل بواسطة سلاح الجو وأسلحة موجهة بدقة. لكن بسرعة بالغة تبيّن أن هذا فقط ثمن أوليّ، والثمن الأساسيّ في الخسائر جاء بعد ذلك.كما تبيّن أن إسقاط هذا النظام أكثر من مرة يعتبر أمراًَ يسيراً، لكن بناء نظام جديد هذا هو الأمر الأكثر تعقيداً ومرتبط بثمن كبير جداً .

لقد كان أغلبية المصابين أساساً في السنوات الأربع الأولى، حتى سنة 2007، وخاصة في السنوات 2005-2006 قتل 3900 من إجمالي 4500 قتيلاً أميركياً حتى سنة 2007، أي حوالي 1000 قتيلاً سنوياً. والباقي وهم 600 قتيلاً لقوا مصرعهم في الأربع سنوات الأخيرة، أي بمتوسط 150 قتيلاً سنوياً. كذلك قتلى المواطنين العراقيين وصلت ذروتها في السنوات 2006 -2007 بمتوسط 3700 قتيلاً شهرياً فى المتوسط. وفي العام الأخير تراجع العدد إلى 200 قتيلاً في الشهر. وهذا يعتبر تراجعاً دراماتيكياً، لأن 200 قتيلاً شهرياً في العراق يعتبر خمسة بالمائة مقابل عدد القتلى في الأربع – خمس سنوات التى  سبقت ذلك. ويتبيّن أن هذا التراجع الدراماتيكي ليس عرضياً. بل نتيجة عمل القوات الأميركية بمساعدة قوات الأمن العراقيّة. وفي نهاية 2006، وتحت ضغط كثيف للانسحاب من العراق، بدأت إدارة بوش في التنظيم للاستعداد للانسحاب، لكن أيضا تنفيذ عملية ضد ما تسمى بعناصر المعارضة. لهذا صدقت إدارة بوش على تعزيز القوات الأميركية في العراق بحوالي 30000 جندياً أميركياً، وبهذا وصل تعداداهم إلى 160 ألف جندي في بداية سنة 2007. وبدأت هذه القوات في تنفيذ سلسلة عمليات، يمكن أن نسميها “عمليات الكبرياء” والتى أدت إلى تراجع شديد الانحدار في العمليات التخريبيّة وفى حجم أعمال العنف بالعراق .

الضغط على الإدارة الأميركيّة للانسحاب من العراق، في ظل إدارة بوش، لم يبدأ على الفور. ففي العام – العامين الأوليّن وافق الرأى العام الأميركيّ على منهج أنه ينبغي العمل في العراق بعد العملية الكبرى لمنظمة القاعدة في الولايات المتحدة – وكان غزو العراق جزءاً من ردة فعل الولايات المتحدة. ولكن سوياً مع ارتفاع الخسائر، في سنة 2005 وحتى 2006، زادت الضغوط داخل الولايات المتحدة على الإدارة الأميركية للانسحاب من العراق. وكان الضغط الشعبي كثيفاً – 60 بالمائة على الأقل من الشعب الأميركيّ يعتقدون أنه ينبغي على جيش الولايات المتحدة إخلاء العراق. والحجة كانت أن احتلال العراق كان خاطئاً، ولأن الأهداف لم تكن محددة، ولهذا لا يمكن تحقيقها، ولذلك يجب الخروج من العراق في أسرع وقت ممكن. وبالطبع كان واضحاً للإدارة الأميركيّة أنه ينبغي الخروج من العراق، لكن طلبت تأجيل توقيت الانسحاب حتى لا يتم خسارة الانجازات التى تحققت، ولمنع تكرار تقوية الإرهاب، وما هو أكثر أهميّة – أن الولايات المتحدة لن تنسحب من العراق في ظل تخيّل الهزيمة والإذلال، لكنها ستخرج منتصرة، كمبتكرة عمليات لا رجعة فيها، كى يتم الحفاظ على قدر الثقة إثر الخروج من العراق. وما ساعد على دفع هذا الهدف هى الانجازات العسكرية المذكورة، وتراجع حجم أعمال العنف، والبدء في تأسيس مؤسسات ديموقراطيّة بالعراق، والبدء في بناء قوات الأمن العراقيّة. كل هذه المكوّنات بمفردها – المؤسسات الديموقراطيّة، قوات الأمن العراقيّة، الإنجازات على أرض الواقع – مكُنت إدارة بوش وبعد ذلك إدارة أوباما من إعداد الخروج. وهكذا في سنة 2007 – 2008 حددت الولايات المتحدة الأميركيّة لنفسها من جديد أهدافها بالعراق وهى: إن الولايات المتحدة تريد عراقاً جديداً، ديموقراطياً، يتمتع بنظام معتدل لا يُستخدم قاعدةً للإرهاب، ويكون نظاماً مرتبطاً بالولايات المتحدة في المدى البعيد. وفي نوفمبر 2008 وقعت الولايات المتحدة والحكومة العراقية على وثائق سريّة لتحديد مستقبل العلاقات الإستراتيجيّة بين الدولتيّن، كما حددت الوثائق ترتيب خروج القوات الأميركيّة من العراق على مرحلتيّن. المرحلة الأولى، خروج القوات المقاتلة الأميركيّة من العراق حتى نهاية يونيو 2010؛ والمرحلة الثانية، خروج باقي القوات حتى نهاية 2011 .

المرحلة الأولى، الخروج حتى نهاية يونيو 2010، تم تنفيذها في موعدها المحدد. وخرجت أغلبية القوات الأميركيّة من العراق، وتراجع حجم القوة فى غضون فترة زمنيّة قصيرة من 160 ألف إلى 46 ألف، كذلك انسحب القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة، وعلى رئسها بريطانيا. وفي بداية سنة 2009 تحملت قوات الأمن العراقيّة على عاتقها مسؤوليات الأمن في الدولة. وتولت قوات الولايات المتحدة مسؤوليات تقديم المشورات، والمساعدة في العمليات، والتدريب والتسليح؛ ولم تكن مهامها قيادة الحرب. وجنباً إلى جنب أقام الأميركيّون قوات أمن عراقيّة بحجم كبير جداً. حيث وصل التعداد العام لعناصر قوات الأمن العراقيّة – الجيش والشرطة – “إلى 665 ألف فرد، وهو عدد ضخم بالنسبة لحجم القوات الشرق أوسطيّة. وتضم هذه القوات 13 فرقة مشاة وفرقة ميكانيكيّة واحدة. لكنْ ينبغى القول، أن هذا ليس جيشاً حقيقياً، بل شرطة قويّة تمتلك قدرة جيّدة في مجال الأمن الداخليّ. فهذا ليس جيشاً مؤهلاً للحرب ضد جيش أخر. فلا يضم مثلاً قوات مدرعات فعليّة – حيث يمتلك الجيش العراقي 140 دبابة، حصل عليها من الولايات المتحدة الأميركيّة، مقابل إمتلاكه ألفين دبابة في الماضي. ولذا هذه ليست قوة يمكنها القتال. كذلك، لا يمتلك العراق سلاح جو حقيقيّ. ومع ذلك، وعلى الرغم من المخاوف السابقة، نجحت قوات الأمن العراقيّة في الإستمرار وخفّض مستوى أعمال العنف حتى منتصف 2011. أي، أن أعمال العنف في العراق لم تعاود الظهور مع إنسحاب القوات القتاليّة الأميركيّة، إلا أنها واصلت التراجع حينما أدارت قوات الأمن العراقيّة القتال. فمثلاً، في سنة 2011 تلقت منظمة القاعدة ضربة قاسمة، عندما نجحت القوات العراقيّة بمساعدة أميركيّة فى القبض وقتل 34 من بين 42 قائداً كبيراً للمنظمة من بينهم قائدين رفيعين المستوى.

المعضلة العراقية تتمركز في أربعة مجالات أساسيّة. الأول، مجال الأمن، وتعتقد الولايات المتحدة الأميركيّة، أنه رغم الانجازات الهامة التى تحققت حتى الآن – بما في ذلك تلك التى تحققت بعد انسحاب القوات الأميركيّة – لم تُحقق ما يكفي، فعندما سينسحب الأميركيون من العراق مطلقاً، ستعود وبقوة أعمال العنف والفوضى، وقد يعود الإرهاب لشوارع العراق – الأمر الذي مَا بَرِحَ لمْ يخْتَفٍ. والخوف هو من عدم قدرة قوات الأمن الداخليّة في توفير أمن داخليّ للعراق على الأقل في غضون بضعة سنوات. وثمة من يعتقدون أنه ليس قبل سنة 2020. وهناك مشكلة أخرى وهى أن قوات الأمن العراقيّة تمتلك قدرة وقوة في موضوع الأمن الداخليّ، لكنها لا تمتلك قدرة على محاربة العدو الخارجيّ، مثل إيران. ولذلك ستضطر الولايات المتحدة الأميركيّة إلى بناء جيش عراقيّ جديد، والخوف هو من أن يمثل هذا الجيش مرة أخرى تهديداً على دول الخليج، وعلى إسرائيل وربّما أيضا على إيران، إذا غير النظام من منهجته.

المجال الثاني يتعلق بالمنظومة السياسية العراقيّة. فالعراق لن يكون في المستقبل المنظور عراق السابق، أي فى ظل صدام حسين والأنظمة التى سبقته – دولة موحّدة تحت سلطة قويّة. بالفعل ثمة موافقة بين مختلف الأطْياف، الواردة في الدستور الجديد، على أن العراق سيكون من الآن فصاعداً فدراليّة. والتساؤل هو، أيّ فدراليّة ستكون؟ هل ستكون فدراليّة قويّة بما يكفي، أم فدراليّة ضعيفة ورسميّة فقط ؟ مَا اِنْفَكّ لا توجد اجابة على هذا التساؤل. وأمر آخر وهو أن الشيعة اعتلوا السلطة، وهم العامل الرائد في العراق للمرة الأول في تاريخهم، وهذا وضع لارجعة فيه.

وبهذا تترابط المواجهات بين الأطياف بالعراق. ورغم أن زخم هذه المواجهات تراجع إثر تقليص أعمال العنف، ما بَرِحَ إشكاليّ للغاية. حيث بات الشيعة كما ذُكر سالفاً العامل الرائد في العراق، وأمسى يصْعُب على السنة الذين حكموا الدولة على مدار أجيال، قبول وضع يكونوا فيه عامل ثانويّ، ويبعدوا إلى الهوامش السياسيّة. ويوجد أيضا الأكراد، الذين نجحوا إثر حرب الخليج الأولى في إرساء حكم ذاتي برعاية الولايات المتحدة الأميركيّة والغرب  – للمرة الأولى فى تاريخهم –  في شمال العراق، وهم يرون أن الحكم الذاتي ليس نهاية المطاف، ويطمحون في الإنتقال من الحكم الذاتيّ إلى تأسيس دولة كرديّة مستقلة. ولذلك فإن المواجهات، والخلافات في الآراء، والانقسامات الداخليّة بين الطوائف الثلاث ما زالت في وضعها الرَّاهن، حتى إذا تراجع اتجاه استخدام أعمال العنف للتعبير عن ذلك. ثمة صعوبات خطيرة في العراق لتأسيس دولة برئاسة إئتلاف قويّ، حيث أن تشكيل الحكومة الحاليّة استمر أشهر بالفعل. في الواقع يصعب إقامة منظومة ديموقراطيّة، لكن توجد بداية ما. فخلال السنوات الأخيرة أقيمت عدة إنتخابات برعاية الولايات المتحدة الأميركيّة، وتوجه ملايين العراقيين للمرة الأولى في حياتهم إلى صناديق الاقتراع. فمن جانب هذا يعتبر عرساً ديموقراطياً، ومن جانب آخر الإنتخابات ما زالت غير ديموقراطيّة إلا بداية نحو ديموقراطيّة فقط. والتساؤل هو، هل عندما تخرج قوات الولايات المتحدة ستستمر هذه العمليّة الديموقراطيّة ؟.

ثمة مشكلات أخرى في هذا المجال وهى كيّفية تقسيم ثروة العراق، وكنوزه النفطيّه، بين مختلف الطوائف غير المتساوية في التقسيم المحلّيّ؛ كيف تُرسم الحدود بين العرب والأكراد؟ ماذا سيحدث في القطاع الكرديّ؟ ماذا سيحدث مع السنة الذين أبعدوا إلى الهوامش، والذين مازالوا يتذمّرون وأيضا يقاتلون ضد المساس بمكانتهم ؟

المجال الثالث هو النفوذ الإيراني في العراق. فإيران غيّرت من مكانتها في العراق، ونجحت في الثلاث سنوات الأخيرة، للمرة الأولى في تاريخها، من التغلغل العميق داخل المنظومة العراقيّة، وكوّنت علاقات وطيدة مع عناصر شيعيّة. كما أن إيران مرتبطة بكل الأحزاب والمنظمات والزعماء الشيعيين أينما كانوا – عدد منهم تربى في إيران، وآخرون نشأوا في إيران ودخلوا العراق مع الاحتلال الأميركيّ. وتتدخل إيران فى العراق من خلال ضخ أموال ضخمة، واستثمارات ماليّة وأيضا التعاون مع حكومة العراق، إضافة إلى ضخ أسلحة داخل العراق خاصة لميليشيات شيعيّة مسلحة، وزرع مئات ربّما ألوف من عناصر “الحرس الثوري” ومئات من رجالات الدين داخل العراق. كل ذلك كوّن إقليم هام لإيران في العراق، لم يكن متواجداً قبل ثلاث أو أربع سنوات، ومن المنتظر أن يبقى بها بهذا الحجم أو بأخر، ليس لفترة زمنية قصيرة، وهكذا تتواجد في العراق منافسة هام للولايات المتحدة الأميركيّة. والآن تعتبر إيران العنصر الثاني الخارجيّ في أهميّته بعد الولايات المتحدة الأميركيّة بالعراق، وربّما الأول، ومع خروج الأميركيّون قد تكون إيران العامل الأهم في العراق، الذي سيؤثر على كل خطوات في هذا البلد. والتساؤل الذي يطرح نفسه أمام الإدارة الأميركيّة هو كيفيّة مجابهة هذا التهديد الإيرانيّ، الذي لا ينتمى للمجال النوويّ، لكنه بالتأكيد يؤثر على الإنتشار في المنطقة .

المجال الرابع هو علاقات الولايات المتحدة الأميركيّة مع العراق. حيث وقعت الولايات المتحدة والعراق على اتفاق يحدد العلاقات الإستراتيجية بينهما. لكن يتبيّن أنه هذا لا يعدو سوى وثيقة، وأن المفتاح بيدي العراق. فهل العراق سيرضى بتنفيذ ما ورد في هذه الوثيقة؟ وثمة غضب اليوم في العراق من الولايات المتحدة الأميركيّة، والأغلبيّة العراقيّة لا تحبذ الاحتلال الأميركيّ وتتمنى إنتهائه. في مقابل ذلك، توجد مصلحة أميركيّة هامة في هذه المنطقة وتتحمل مسؤوليات كل ما يحدث في العراق، وبطبيعة الحال هى التى بدأت العمليّة التى غيّرت التاريخ في العراق. وهذا يعتبر انتقالاً غير يسيراً، ولن يحدث قبل أن تنسحب القوات الأميركيّة من العراق. ويجب على الولايات المتحدة الاستمرار في مساعدة العراق، وتجهيز وتدريب جيشه، ودعم العراقيين في مجابهة النفوذ الإيرانيّ . إلا أن هناك عدة مشكلات تواجه الولايات المتحدة في العراق: مشكلة الأمن الداخليّ، ومشكلة التغلغل الإيرانيّ، ومشكلة فقدان الثقة إذا انسحبت قواتها بمظّهر الفشل في المعركة حول العراق. وعلى خلفية هذه المشكلات، وخوفاً من تقويض انجازاتها بالعراق، طلبت الولايات المتحدة الأميركيّة تمديد تواجد قواتها بالعراق لفترة زمنيّة أخرى، وإبقاء قوات محدودة. ويبدو أن حكومة العراق اتجهت لقبول المطلب الأميركي، لكن تعرضها لضغوط كثيفة من جانب عناصر وميليشيات شيعيّة وإيران لعدم فعل ذلك. وفي ضوء هذا قررت الإدارة الأميركيّة إخراج كل قواتها من العراق حتى نهاية سنة 2011 .

سوياً مع ذلك، لم تغادر الولايات المتحدة المنطقة. حيث يستمر التواجد الأميركيّ الكثيف في الخليج العربيّ، في الدول التى قواتها مَا بَرِحت تتواجد فيها، كى تساعد الحكومة العراقية وقت الحاجة، وفي محاولة لكبح جماح نفوذ إيران وتقويّة أمن دول الخليج التى تخشي من التطوّرات التى ستحدث إثر انسحاب القوات الأميركيّة من العراق. كذلك، سيبقى ألفيّ مستشار مدني أميركيّ بالعراق لمساعدة المنظومة العراقيّة وحكومة العراق، وتقويّة قدراتها في مجاليّ لأمن والاقتصاد.

في الختام، أيّة انعكاسات على إسرائيل من هذا الوضع السابق؟ بعد أن بذلت إسرائيل جهوداً بالغة وميزانيّات طائلة كى تجابه تهديد محتمل من جانب العراق، مع أن العراق منذ ثماني سنوات ليس عاملاً عسكرياً يهدد إسرائيل. وكذلك حتى إذا أعادت الولايات المتحدة الأميركيّة بناء جيش العراق، فإن هذه العمليّة سوف تستغرق سنوات، وليس بالضرورة أن يكون العراق مرة أخرى غريم وعدو لإسرائيل، مثلما كان حتى سقوط صدام حسين. فى مقابل ذلك، طالما يخضع العراق لنفوذ إيران، وينظر إلى الولايات المتحدة على أنها خاسرة بداخله، سيكون لذلك أيضا انعكاسات سلبيّة على إسرائيل .

برامج نوويّة في الخليج

ــــــــ

يوئيل جوجنسكي[§]

في السنوات الأخيرة ثمة نوع من أنواع النهضة النوويّة في الخليج العربيّ. فقد أبْدت دول الخليج العربيّ الست اهتماماً بالغاً بتطوير برنامج نوويّ مستقل لإنتاج الكهرباء وتحليّة المياه. وسوف نستعرض هذه المحاضرة بإيجاز التطوّرات في هذا المجال ونعرض عدة اعتبارات لمتخذي القرارات في الدول سالفة الذكر مؤيدة ومعارضة للطاقة النوويّة على السواء .

بشكل تقليديّ، دول الخليج العربيّ الست – السعوديّة، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، عمان والكويت – تتبنى سياسات علنيّة تُطالب بالحفاظ على الشرق الأوسط بشكل عام، وعلى الخليج بشكل خاص، كمنطقة خاليّة من أسلحة الدمار الشامل. صحيح أنه حتى منتصف سنة 2011، لم تمتلك أيّة دولة عربيّة قدرة نوويّة – لا عسكريّة ولا مدنيّة. ولا يوجد في شبه الجزيرة العربيّة أي مفاعل للأغراض البحثيّة. وجميع دول الخليج وقّعت على معاهدة منع انتشار السلاح النووي – NPT. كما وقّعت الكويت والبحرين والإمارات العربية المحتدة على “البروتوكول الإضافيّ” لهذه المعاهدة، الذي يسمح برقابة وطيدة للغاية على منشآتهم النوويّة. لكن إِصْرَار إيران على الاستمرار في برنامجها النوويّ، حفّز دول الخليج العربيّ لدفع مشروعات مشتركة ومنفردة، هدفها تطوير بنيّة أساسيّة ومعرفة في المجال النوويّ.

في فُرَصِ منْفردة أعلنت دول الخليج أنها تؤيّد حق إيران في تطوير قدرة نوويّة للأغراض السلميّة، لكنها أعربت عن قلقها من عدم شفافيّة برنامجها النوويّ. هكذا مثلاً، في سنة 2007 دعا وزير الخارجيّة السعوديّ إيران إلى المشاركة في إقامة محطة قوى نوويّة، خارجيّة للمنطقة، توفّر الوقود النوويّ لمختلف المشروعات في دول الخليج العربيّ، وبرقابة دوليّة. وأعلنت إيران أنها تبارك المبادرة، لكنها لا تنوى التخلي عن تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وفشل مبادرة من هذا النوع، والإدراك أن المجتمع الدوليّ يَصْعُب عليه وقف إيران، دَفَعَ الدول للسعى نحو تطوير نوويّ مستقل.

هدف دول الخليج هو اثبات حقيقة على أرض الواقع حتى توضح أنها لا تمكث خلف السباق النوويّ. وفي سنة 2006 وقعت دول الخليج العربيّ الست على اتفاق لدفع بحث مشترك، واسع النطاق، لتطوير تكنولوجيا نوويّة مدنيّة؛ وفي سنة 2008 حظي برنامجهم النوويّ المشترك على تصديق الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة. ومنذ ذلك الحين عُقد كثير من المؤتمرات والندوات المشتركة حول الموضوع النوويّ بما في ذلك “القمة النوويّة” الأولى لمجلس التعاون الخليجيّ بدبيّ في مايو سنة 2009. وركزت هذه الاجتماعات والمؤتمرات على مجمل المجالات المتعلقة بالتطوير النوويّ: موضوعات فنيّة، موضوعات الأمان، موضوعات التشريع والتنظيم وتأهيل وإعداد قوة بشرية في هذا المجال. ورغم التعاون بين دول الخليج الست، فقد إتُخذت خطوات ملموسة لتطوير برامج نووية مستقلة. ووقعت كل دولة على اتفاقيات ثنائيّة وأنشأت شبكات وطنيّة تعمل في مجالات بحث وتخطيط السياسات النوويّة .

نبدأ بدولة الكويت لأنها كانت من أوائل الدول في الخليج العربيّ التى أعربت عن اهتمامها بتطوير برنامج نوويّ. بالفعل قررت الكويّت في منتصف السبعينيّات إقامة محطة قوى نوويّة تجريبيّة بالتعاون مع بريطانيا. بيد أن هذه الخطة تعرقلت بسبب الحادثة النووية في جزيرة ثرى مايل ببنسلفانيا سنة 1979، وفي أعقاب الحرب الإيرانيّة العراقيّة، تم حفظ الخطة تماماً بعد قفز أسعار النفط. وفي مارس سنة 2009 كررت الكويت اهتمامها بإقامة برنامج نوويّ مدنيّ. ووقعت على اتفاق للتعاون مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، وشكّلت لجنة الداقة الذريّة لتقوم بدارسة إقامة محطة قوى نوويّة، وكذلك دراسة موضوعات الأمن، الأمان، الرقابة، الاشراف والتشريع في المجال النوويّ. ومنذ ذلك الحين تم التوقيع على اتفاقات مع فرنسا، الولايات المتحدة، اليابان، روسيا، كوريا ومؤخراً وقعت الكويّت اتفاقاً مع مصر بشأن الحماية من الأشعة النووية. هذه الاتفاقيات ركزت في معظمها على التعاون في مجال التشريع، الرقابة، الأمان وتأهيل وإعداد قوة بشريّة في الشأن النوويّ. ووفق أقوال السلطات الكويّتيّة، فإن المحرك الرئيسي لتطوير برنامج نوويّ هو ضرورة مجابهة ارتفاع الطلب على الطاقة وتقليل التلوث الجويّ. ويُوتوقّع أن تبني الكويت أربع محطات قوة نووية حتى سنة 2022.

كذلك أعربت قطر عن اهتمامها بتطوير نوويّ مدنيّ. ورغم أنه يتواجد في قطر أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، إلا أن زيادة الطلب على الطاقة والرغبة في الحفاظ على أرباح تصدير الغاز حرّك برنامج قطر النوويّ. وفي سنة 2008 أكدت قطر أنها إستئجرت خبراء أجانب لدراسة مربحيّة إقامة مفاعل صغير لأغراض تأهيل وإعداد قوة بشريّة وطبيّة. ومنذ إذ وقعت قطر على مذكرات تفاهم للتعاون في المجال النوويّ مع روسيا ومع فرنسا. وبسبب تزايد الطلب على الطاقة، طلبت الدولة زيادة إنتاج الكهرباء المدعمة لإدراكها أن أي تقليص في الدعم قد يحدث غليان وسط المواطنين.

أما سلطنة عمان، السلطنة الصغير الهادئة على حافة الخليج، فقد أوضحت أنها سوف تستخدم الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء وتحليّة المياة، حتى إن لم تبدأ في الاستعدادت العمليّة لذلك. وفي سنة 2009، عندما انضمت سلطنة عمان كعضو في الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، أعلنت أنها تهتم بالحصول على قدرة نوويّة لمجابهة تحدي التطوير القائم في السلطنة. ولذا وقعت سلطنة عمان على اتفاقات للتعاون مع روسيا، وتجرى نقاشات حول هذا المضمار مع الهند. وتعتبر  سلطنة عمان من بين دول الخليج العربيّ الست التى تتردد في التقدم في هذا المجال، ويبدو أنها ستكون الأخيرة في بناء بني أساسيّة نوويّة.

أما مملكة البحرين الصغيرة فقد أوضحت، أنها تبدى اهتماماً كبيراً بإقامة محطة قوة نوويّة مستقلة، لكنها لم تتخذ خطوات ملموسة في هذا المجال. وفي عام 2007 رفضت البحرين عرض إيران للتعاون في المجال النوويّ بحجة أنها ستتعاون في هذا المجال فقط مع دول الخليج العربيّ. لكنْ بعد شهريّن وقعت البحريّن على مذكرة تفاهم في هذا المضمار مع الولايات المتحدة الاميركيّة. وصدقت وزارة الخارجية الأميركيّة على أن البحريّن ترغب بالفعل في إقامة محطة قوة نوويّة صغيرة، لكنها ستعتمد على أسواق دوليّة قائمة لتزويدها بالوقود النوويّ، وأنها لن تخصّب اليورانيوم على أرضها. وأوضح مسؤولو الإدارة في البحريّن أنهم يأملون في إتمام بناء محطة القوى النوويّة حتى عام 2017 – موعد أكثر طموحاً. ولا يتبيّن كيف ستؤثر  الأزمة السياسيّة في المملكة على استمراريّة المشروع النوويّ. على أية حال، يتبيّن أن إندثار القوة هو الذى جذب البحريّن تجاه شركات أجنبيّة للتعاون في هذا المجال.

في غُضُون ذلك نجحت الإمارات العربيّة المتحدة فقط في التغلب على العوائق السياسيّة، والاقتصاديّة والتنظيميّة التى كانت حجر عُثرة فى طريق برنامج نووي كامل. وحسب تقدير السلطات، احتياجات الكهرباء في الإمارات العربيّة المتحدة من المتوقّع أن يصل إلى 40 جيجاواط كهرباء سنة 2020، وأن قدرة انتاجها للكهرباء اليوم تصل إلى نصف هذا القدر. إضافة إلى أن الاعتماد الحصريّ على مصادر الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسيّة، غير ممكن وفق زعم كبار المسؤولين الإماراتيين، لأن هذه المصادر بمقدورها أن توفّر حتى 7 بالمائة من مستلزمات الطاقة التى تحتاجها الإمارات العربيّة فقط. وعلى خلفيّة هذه التوقعات، بدأ يتبلور اتفاق للتعاون في المجال النووي المدنيّ مع الولايات المتحدة الأميركيّة. وتم توقيع الاتفاق أبان إدارة الرئيس الأميركيّ السابق بوش، حيث تم الاتفاق على إعداد وتأهيل قوى بشرية إماراتيّة فى هذا المجال، وكذلك تقديم المساعدات القنيّة ونقل مكوّنات وعتاد نووي من الولايات المتحدة إلى أبو ظبي (الإمارة الرائدة في دولة الإمارات العربية المتحدة). أما أهم بند من بنود الاتفاق فهو البند الذي ينص على تعهد الإمارات العربيّة المتحدة بعدم تخصيب اليورانيوم على أراضيها بل تعتمد على استيراد الوقود النوويّ. وهذا الاتفاق أسهم فى تهدئة مخاوف الكونجرس والتصديق على الاتفاق في نهاية المطاف . وتعهدت الإمارات العربيّة المتحدة أن تعمل بشفافيّة وبالتعاون الكامل مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، وحتى الآن تلتزم بتعهدادتها. ومنذ توقع الاتفاق مع الولايات المتحدة الأميركيّة وقعت الإمارات العربيّة على اتفاقات للتعاون مع اليابان، بريطانيا، ومؤخراً مع أستراليا.

في ديسمبر 2009 وقع اختيار الإمارات العربيّة المتحدة على اتحاد حكوميّ من كوريا الجنوبيّة Korean Electric Company لبناء مفاعلات نوويّة، على أن يتم تشغيل أول مفاعل في سنة 2017. أي، أن أبو ظبي تعتزم في سنة 2017 ضم المفاعل لشبكة الكهرباء، وأن التاريخ النهائيّ لإستكمال المشروع كله، أي بناء أربع مفاعلات نوويّة، فقد تحدد في سنة 2020. صَحِيحٌ للْآن المشروع يسبق قليلاً الجدول الزمنيّ الأساسيّ.

بشكل عام، السياسات النوويّة لدولة الإمارات العربيّة موجهة للتعاون العريض مع المجتمع الدوليّ كى تحصل على إعتراف واسع ببرنامجها النوويّ. وبالطبع أثنى وفد الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة الذى زار الإمارات العربيّة على التعاون الذى حظيت به الوكالة في الدولة. لكنْ في توقيت غير ناجح، بعد ثلاثة أيام من كارثة مفاعل اليابان، أُجريت مراسم وضع حجر الأساس للمفاعلات النوويّة الأربعة في الإمارات العربيّة المتحدة. وسيتم إقامة المفاعلات على بعد خمسين كليو متراً من الحدود مع السعوديّة، على ساحل البحر، في منطقة “بركة”، وشهدت المراسم رئيس كوريا الجنوبيّة وقال أن الآمان سيكون على رأس جدول أولويات الشركات الكوريّة.

وأوضحت الإمارات العربيّة المتحدة أنها ستعمل بشفافيّة وبتعاون مع المجتمع الدوليّ حول كل ما يتعلق بالبرنامج النوويّ. هذا الأمر ظهر، من ضمن أمور أخرى، في التعهدادات التى قطعتها الإمارات على نفسها بعدم تخصيب اليورانيوم على أرضها. ورغم ذلك برزت في الكونجرس الأميركيّ مخاوف من ترويج السلاح النوويّ ومعلومات النوويّة، ودعا الأمارات العربيّة المتحدة إلى توطيد الرقابة على التصدير. وفي هذا السياق من الجدير أن نشير إلى أن إمارة دُبيّ ، الإمارة الثانيّة في حجمها، هى مَرْتَع يسير للمهربين ، حيث يعيش فيها كثير من الإيرانيين وتتواجد شركات فرعيّة إيرانيّة تُهرّب المواد المحظورة إلى إيران. هذا وأكثر، فإن إمارة دُبيّ أُستخدمت أيضا قاعدة عمل لشبكة تهريب “أبو القنبلة الباكستانيّة” عبد القادر خان.

ربّما تكون السعوديّة هى الحالة الأكثر اهتماماً في الموضوع المطروح للنقاش. ففي أبريل 2010 أصدر العاهل السعوديّ الملك عبد الله مرسوماً استرشادياً  عن إقامة “مدينة نوويّة” باستثمار تتجاوز مائة مليار دولار، تهدف إلى “فحص كافة جوانب  التطوير النوويّ” . ووقعت المملكة العربيّة السعوديّة على أول اتفاق دوليّ مع فرنسا، وأدارت بشأن الموضوع النوويّ اتصالات مع الولايات المتحدة الأميركيّة، روسيا، بريطانيا، الأرجنتين، الصين ومع كوريا. وعرضت كل هذه الدول على السعوديّة بناء مفاعلات نوويّة في السعوديّة. وما دفع السعوديّة، من ضمن أمور أخرى، لدراسة خيار تطوير برنامج نوويّ مدنيّ بمساعدة أجنبيّة هو تقدم البرنامج النووي الإيرانيّ والشكوكيّة حول ما يتعلق بسياسات الولايات المتحدة الأميركيّة في المنطقة أثار خوف الرياض من الإعتماد الحصريّ على ضمانات الحماية الأميركيّة، إذا كانت هذه الضمانات قد أُعطيت.

ما هى الضبط إمكانيّات السعوديّة لمجابهة واقع تمتلك فيه إيران قدرة نوويّة؟ رغم أن السلطات السعوديّة لم تؤكد ذلك مطلقاً، إلا أن الكثير يعتقدون أنها بالفعل كانت ضالعة فى الماضي في المجال النوويّ العسكريّ. وقد أُفيد أن السعوديّة تقف خلف تمويل البرنامج النووي الباكستانيّ. وزعمت الشخصيّة الثانيّة في الوفد السعوديّ للأمم المتحدة والتي فرّت إلى الولايات المتحدة أن المملكة العربيّة السعوديّة إقامة برنامج نوويّ عسكريّ في بداية السبعينيات، وأن السعوديّة ساعدت أيضا العراق فى برنامجه النوويّ. وفى بداية التسعينيّات حصلت السعوديّة على صواريخ أرض/أرض من نوع CSS2 من إنتاج صينيّ، في إطار صفقة أثارت شكوكيّة لأنها تمت بدون معرفة الولايات المتحدة الأميركيّة ولأن الصواريخ كانت مُخصصة بالفعل لحمل رؤوس نوويّة. وعندما كشفت الولايات المتحدة الأميركيّة الأمر الصفقة مارست ضغط على السعوديّة للتوقيع على معاهدة منع انتشار السلاح النووي – NPT . ومنذ ذلك الحين تدعوا السعوديّة إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النوويّ، لكنْ مَا بَرِح الخوف قائم من إحتماليّة أن تعمل السعوديّة سراً في  المستقبل  في المجال النوويّ.

قد تواجه السعوديّة صعوبة لفعل شئ ما إذا إمتلكت إيران قدرة نوويّة عسكريّة. وبالفعل في سنة 2003 أطلع رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي “أمان” زئيفي فركش، لجنة الخارجيّة والأمن البرلمانيّة الإسرائيليّة على أن السعوديّة تدرس الخيار النوويّ: “يجرى السعوديّون اتصالات في أفغانستان لشراء رؤوس نووية لصواريخهم الأرض/أرض. بعد أن قرروا العمل لتوازن الرعب قبالة التسليح الإيرانيّ، ويعتزمون نصب رؤوس حربيّة باكستانيّة على أرضهم”.  كذلك حذّر موشيه بوجى يعلون خلال تقلده منصب رئيس هيئة الأركان العامة الإٍرائيلي من هذا الإحتماليّة وقال: “في المجال غير التقليديّ يجب إِنْعَامُ النَّظَرِ فيما يحدث في المملكة العربيّة السعوديّة”. وبالطبع خلال السنوات ظهرت منشورات تحتوى على تلميحات بأن السعوديّة تعمل أو تعتزم العمل في تطوير قدرة نوويّة عسكريّة. وفي سنة 2003 كشفت صحيفة “الجاردين” البريطانيّة النقاب عن وثيقة سعوديّة رسميّة، تفيد أن السعوديّة تدرس التزوّد بسلاح نوويّ كوسيلة رادعة ضد التهديد الإيرانيّ، ومن منطلق خوفها من الاعتماد على مظلة حماية أميركيّة”، حسب زعم الصحيفة. كما أفادت الصحيفة أن الموضوع النوويّ طُرح في اجتماعات بين زعماء من السعوديّة وباكستان إثر الخوف المشترك من برنامج إيران النوويّ.

رغم التعاون السعوديّ مع المجتمع الدوليّ فى المجال النوويّ ثمة دلائل على تفكيرها ونواياها في هذا المضمار لبعضة أسباب: (1) بسبب الخوف المتزايد من إيران والشكوكيّة حول بسياسات الولايات المتحدة الأميركيّة؛ (2) بسبب تاريخ السعوديّة في المجال، والعلاقات الوِدّية مع باكستان؛ (3) بسبب أن السعودية تعمل تحت اتفاق مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة، والتى في الحقيقة أعفتها من الرقابة الوطيدة ومن الزيارات الفوريّة ؛ (4) بسبب رفض السعوديّة حتى الآن التخليّ عن حقها في تخصيب اليورانيوم على أرضها؛ (5) خروج تصريحات استثنائية من الرياض خلال العام أو العامين الماضيين حول الموضوع النوويّ، والتى تُبرّهن، ربّما، على تغيير السياسات في هذا المجال. فمثلاً، تصريح رئيس المخابرات السعوديّة السابق وسفير السعوديّة في الولايات المتحدة السابق تركي الفيّصل الذي قال إنه “ينبغي على دول الخليج العربي شراء قوة نوويّة – كثقل مضاد لإيران”. ولهذا لا يوجد ما يمنع أن تشترى السعوديّة سلاح نوويّ إذا فشلت جهود إقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النوويّ .

بالفعل إذا عبرت إيران الحافة النوويّة، قد تريد السعوديّة تطوير رد صادم رغم من الثمن الباهظ التذ قد تدفعه جراء هذا القرار، أولاً وقبل كل شئ، في العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركيّة. وثمة إحتماليّة في أن تضع باكستان سلاحاً نووياً في السعوديّة. وهذا السيناريو هو بالطبع تضاربيّ، لكن لا يمكن استبعاده حتى النهاية إذا دَنَتْ إيران من قدرة نوويّة عسكريّة. كذلك مؤخراً، وعلى خلفيّة الخوف من عدم الاستقرار ومن حدوث فوّرة في السعوديّة، وضعت باكستان قوات على أهبة الاستعداد لإرسالها إلى السعوديّة إذا تدهور الوضع الأمنيّ. والإحتماليّة الأخرى هى أن تضع الولايات المتحدة الأميركيّة قوات نوويّة في السعوديّة، مثلما يتواجد على أراضي حلفائها الأخرين. وإذا كان الأمر كذلك يجب الأخذ في الحسبان الحساسيّة السعوديّة من تواجد “قوات كافرة” على أراضيها، والتقلبات في العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركيّة .

للختام، أعلنت دول الخليج العربيّ أنها تنتوي تطوير استخدام الطاقة النوويّة المدنيّة، وباستثناء السعوديّة يبدو أن بقيّة الدول تعاملت بشفافيّة. صحيح أنه حتى منتصف سنة 2011، لم تمتلك أيّةُ دولة في الخليج العربيّ قدرة تقنيّة وثروة بشريّة لبناء وتشغيل برنامج نوويّ عصريّ.  إن التصريحات عن هذه النوايا جرت رغم الاحتياطات النفطيّة الكبيرة والغاز الطبيعيّ المتواجد بحوزة دول الخليج العربيّ. ولذلك فإن الإعلان عن نيّة تطوير برنامج نوويّ أثار حيْرة. ورغم أن سياسات دول الخليج العربيّ قائمة على التعاون والشفافيّة الكاملة مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة ونشاطاتها حتى الآن لم تحد عن ذلك، إلا أنها ربّما قد تتغيّر عندما تجتاز إيران الحافة النوويّة.

تطوير برنامج نووي لعدة دول معاً ولكل دولة على حدة هو طريق لعمل شئ ما تجاه إيران. لذلك ثمة أهميّة إدراكيّة رمزيّة أكثر منها أمنيّة. لكن التطوير النوويّ نبع أيضا من الاحتياجات الموضوعيّة للدول مثل الرغبة فى خفض الاعتماد على النفط، وتلبيّة المطالب المتزايدة على الطاقة، وحتى الحفاظ على البيئة. ومع ذلك التعاون الوطيد مع المجتمع الدوليّ قد تستخدمه دول منفردة للحصول على المعرفة التقنيّة والتكنولوجيّة في هذا المجال، حتى يكون ممكناً فى المستقبل التلويح بقدرة نوويّة عسكريّة.

 

 

 

إسرائيل ودول الخليج العربيّ

ــــــــــــــ

يعقوب هداس [**]– شهادات شخصيّة

لقد كُنْتُ رئيس الممثليّة الإسرائيلية في قطر في سنتي 2002 – 2003 . وفي تلك الأيام كانت الانتفاضة، وهى فترة ليست بالسهلة. وكُنّا في قطر بمثابة الحاضرون الغائبون، ورسميّاً طُردنا من هناك، لكن عملياً كُنّا هناك. وفي إحدى المرات خلال رحلتيّ من الدوحة إلى عمان تحدثت مع مواطن قطريّ، يجلس بجواري فى الرحلة، ومن بين أمور أخرى قال لي: ” ذات مرة كانت بلاد الشام مركزاً للعالم العربيّ – المركز الاقتصاديّ، والثقافيّ ، والسياسيّ. فما كُنّا نحن ؟ صعاليك، مُشرّدون،  تأرجحنا في دورة سنويّة للنهوض. لكنْ إرادة القدرة والإله منحتنا النفط واختراع السيّارة، ومنذ ذلك الحين أصبح الكل تاريح….. تارة بنظرون إلينا كأننا أبناء العمومة المتواضعين والأثرياء، وتريد منّا بلاد الشام شيكات مفتوحة … لقد انتهى هذا الأمر. وبدأنا في نقل المركز الإقتصاديّ العربيّ من بلاد الشّام إلى الخليج، والآن بدأنا أيضا في نقل المركز الثقافيّ العربيّ من بلاد الشّام إلى الخليج، ونحن في طريق الانتهاء – وقطر هى الأولى التى تقود التيار – وبهذا سننقل كذلك المركز السياسيّ من بلاد الشّام إلى الخليج”. وبالفعل نحو سنة 2011 أتصوّر أن هذ التنبؤ أو التقدير آخذ في التلّور.

العلاقات العلنيّة بين إسرائيل والخليج هى نِتَاج محادثات مدريد واتفاقات أوسلو. وفي منتصف التسعينيّات أقامت إسرائيل ممثلتيّن لها في الخليج – في قطر وعمان – وتعهدت الدولتيّن بإقامة ممثليات لهن في إسرائيل، وهى تعهدات لم تُنفذ . وفي سنة 2000 تركت ممثليّة إسرائيل عمان بعد قرار الجامعة العربيّة، إثر الانتفاضة، والذي وفقاً له إنه ينبغي على الدول التى ليس لها تعهدات مثل الاتفاقات والمعاهدات أن تقطع العلاقات مع إسرائيل. أما الممثليّة الإسرائيلية في قطر فقد ظلت عملياً وطُردت في يناير 2009، بسبب عملية “الرصاص المصبوب” – ولو أن الأسباب الحقيقيّة كانت مختلفة وعلى رأسها :

  • إهانة القطريين من عدم منحهم دوراً خاصاً في عمليّة “الرصاص المصبوب” (مثلما فعلت إسرائيل في حرب لبنان الثانيّة سنة 2006).
  • أراد القطريون أن يثبتون أنهم، بخلاف العالم العربيّ، لا يتحدثون فقط بل يفعلون أيضاً.

لقد كانت المصلحة الإسرائيليّة هي محاولة تطوير العلاقات مع دول الخليج. ونركز هنا على عمان، قطر، الإمارات العربيّة المتحدة والبحريّن. ففي البداية، رغبت إسرائيل في توسيع دائرة علاقاتها، لاسيما في الشرق الأوسط، وهى نفس رغبة هذه الدول التى أرادت زيادة نفوذها، حيث أن الشأن الفلسطينيّ لم يكن في مركز اهتمامها، لكن اهتمامها الرئيس كان في عقد صفقات والعيش في سلام، وهو الوضع الذى لم يعد الآن، من ضمن أمور أخرى، بسبب ظاهرة قناة “الجزيرة” التى تأتي بالأحداث وبالمشكلات لكل بيت.

المصلحة الثانيّة مصلحة اقتصاديّة. وفي هذا الشأن فإن الإحتماليّة أبعد ما تكون مجسدة لعدة أسباب بارزة من بينها الاستهزاء الإسرائيلي في التعبير: ” نحن نعلم كل شئ، مَنْ نحن ومَنْ هم”. والأمر البارز في هذا السياق موضوع صفقة الغاز مع قطر  فى التسعينيّات والتى لم تخرج إلى حيز التنفيذ. لقد أجرت إسرائيل مفاوضات رسميّة مع شركة “أنرون” صاحبة حق الامتياز على حقوق الغاز القطريّة. وكان البرنامج الموضوع هو قيام إسرائيل بشراء الغاز الطبيعيّ القطريّ.  ولو كان هناك شعوراً بأن السلام على الأبواب وأقيمت شبكة أنابيب جيّدة على طول الخليج، لكان هناك حاجة فقط لمد الأنابيب بضعة مئات من الكيلو مترات، ووقتئذ يتم ضخ الغاز من مدينة “رأس لفان” في قطر إلى إسرائيل، عبر السعوديّة والأردن. وبالفعل أجريت نقاشات لكن الصفقة لم تخرج إلى حيز التنفيذ. وفي نهاية التسعينيّات، عندما تم التوقيع على صفقة مع مصر، أوضح وزير البنى التحتية الإسرائيلي آنذاك، إيلي سويسا، أن إسرائيل لم تنوى مطلقاً شراء الغاز من قطر، لكنها ببساطة استخدمت قطر كسوط للتهديد به على مصر حتى توافق على توقيع الاتفاقيّة وعلى الأسعار التى تريدها إسرائيل.

الراسب المرير في هذا الشأن قائماً حتى اليوم. فحينما وصل ممثلي إسرائيل إلى قطر بعد نحو عقد من الزمن
– قبل اكتشافات الغاز قبالة سواحل إسرائيل – وأرادوا شراء الغاز القطريّ، رد القطريون عليهم بأنه
لا يمكن قبول دعوات جديدة والنقاش حول أي دعوات جديدة سيكون في غضون سنة ونصف السنة
لكن: ” don’t call us, we’ll call you” . وهذا الأمر يُجسّد إلى أي مدى تضرر الصيّت الإسرائيلي في المنطقة، وهذا بسبب ما يبدو كإستهزاء. ثمة عوامل أخرى تُحصى على الصادرات من إسرائيل واعتقدت أن الأسواق في قطر، الإمارات العربيّة المتحدة وعمان غير جذابة بما يكفي. ولذا يجب التذكير بأن قطر هى صاحبة أحل ناتج قوميّ خام في العالم، واستضافت دورة الألعاب الأسيويّة في ديسمبر 2006 – ثانى أكبر حدث في العالم بعد الأولمبياد من ناحية عدد المشاركين – وسوف تستضيف مونديال سنة 2022. هناك سبب آخر لصعوبة تأسيس علاقات اقتصاديّة وهو كوّن رجال الخليج وعلى رأسهم القطريون تجار صارمون، ولذا ينبغي الحصول على “ضوء أخضر” سياسيّ لتنفيذ صفقات اقتصاديّة وتجاريّة، سواء صراحة أو إشارة، وبدون هذا الضوء الأخضر لن تُبرم أيّة صفقة.

ثمة مصلحة إسرائيليّة تتمثل في دفع مسيرة السلام مع التأكيد على المسار الإقليميّ. فالمؤتمر الذى انعقد بعمان والذي شارك فيه إسرائيليون، عُقِدَ في مركز أبحاث التحلية، وهو نتيجة مَا بَرِحَت قائمة ووظيفيّة لمسار المحادثات متعددة الأطراف، التى نصت عليها مسيرة مدريد، وهو عبارة عن مجموعة العمل الوحيدة التى بقيت من بين خمس مجموعات عمل، والتى تعتبر جزءاً من مجموعة العمل في موضوع المياه. وفي إطار هذه المجموعة حصل فلسطينيين وأردنيين خلال السنوات الأخيرة على تدريبات إداريّة وتشغيليّة بمشروعات إسرائيليّة، وهذا يُعدّ عملاً حقيقيّاً لدفع السلام بكل المفاهيم. ثمة مصلحة سياسيّة أخرى لإسرائيل في دول الخلج وهى كون دول الخليج ثقل مضاد لتعاظم إيران.

من ناحية دول الخليج العربيّ فإن مصلحتهم الأولى مصلحة سياسيّة. ونرى أمام أعيننا دول الخليج تستفيق. حيث أن الدول التى نُركز عليها هنا دائماً بدأت وكأنها نوع من الدول التى ليس لها أية مقولة في الموضوعات الخارجية، وهى تتبع السعوديّة. لكن هذا الوضع تغيّر، وأنا أتذكر أقوال القطريّ التى قِلت أعلاه: ” نحن ننقل أيضا المركز السياسيّ للخليج العربيّ”، وبالفعل بدأ القطريون في هذا كمتراس قبالة السعوديّة قبل أي شئ ، لكن الظاهرة تستشري في دول أخرى. والدولة الثانيّة التى استفاقت هى عمان؛ إلا أن نشاطها تراجع بعد ذلك، وهنا أضحت دولة الإمارات العربية المتحدة نشطة وقويّة. لذلك كانت إسرائيل موضوع يمكن الارتباط به. فإذا أراضوا معارضة السعوديّة، مصر، القيادة التقليديّة للعالم العربيّ، فإن إسرائيل هى موضوع جيد. لذا يجدر إقامة محادثات مع ممثلين إسرائيليين. وهذه الأمور صحيحة لقطر، فهناك يقولون: “سنغرس لهم ليس أصبح بل أصبعين قذرين في العيون، حتى ينظروا إلينا باحترام”.

العامل الثاني للعلاقة مع إسرائيل هو الولايات المتحدة الأميركيّة. وبهذا كيف يمر التقارب من الولايات المتحدة عبر إسرائيل؟ الاعتقد السائد هو أن الحوار مع الولايات المتحدة يمر عبر اليهود وإسرائيل. والنموذج علي ذلك: إحدى الظواهر التى تميّز الخليج العربيّ الآن هى مقدار المال الضخم الذي تستثمره دول الخليج في الخارج أو الداخل، وليس في صناعات البتروكيماويات. مثل قريّة التعليم في العاصمة القطريّة الدوحة، كما أقامت الجامعات الرائدة في العالم كجورج تاون وكورنل فروع لها في الخليج. لقد بدأت هذه العلاقة في سنة 2000، عندما قررت السلطات القطريّة دفع القطاع الطبيّ، ولكون الأموال متوفرة اختارت أفضل ما يكون وطلبت من جامعة كورنل إقامة فرع لها، وكان رئيس مجلس الأمناء أو محافظ جامعة كورنل آنذاك هو هرولد تانر الذي كان رئيساً للجنة اليهوديّة الأميركيّة، ولذا توجه تانر إلى الإسرائيليين وسألهم، هل أساعد القطريين، والرد كان إيجابياً، وكان السلطات القطريّة على علم بذلك:. نموذج أخر وهو أن الإسرائيليين والمنظمات اليهوديّة فى أميركا لعبت دوراً كبيراً جداً بعلم السلطات في قطر والبحريّن لإقناع الولايات المتحدة الأميركيّة بالتوقيع على اتفاقات للتجارة الحرية مع مملكة البحريّن وسلطنة عمان. والتتويج في تقدير التأثير الإسرائيلي كان قبل عدة سنوات، عندما كانت السلطات فى الخليج اتصالات فيما يتعلق بإيران. فقد اعتقدوا أن الإدارة الأميركيّة لا تفهم كما ينبغي الإجراءات الإيرانيّة، ووقتئذ توجهت السلطات الخليجيّة إلى الممثليات الإسرائيليّة لنقل رسائل للولايات المتحدة الأميركيّة عبر إسرائيل.

بالفعل التقديرات التى نقلوها تبيّنت أنها دقيقة. وأنا لا أكشف أسراراً، ولكن تضمنت إحدى البرقيّات الأولى التى نشرها موقع “ويكليكس” أنني قصصت للأميركيين كيف ترى دول الخليج العربيّ الولايات المتحدة وإيران. وبإختصار، فى حديثنا عن علاقات إسرائيل/الخليج، لا نيّة بالتأكيد لإقامة علاقات ثنائية، مثل إسرائيل/عمان، إسرائيل/قطر، بل دائماً يوجد هنا مثلث – وعلى ايّة حال تتواجد الولايات المتحدة الأميركيّة على رأس قمّة المثلث، مثلاً، حينما توجه الإدارة الأميركيّة غضبها على السلطات القطريّة، تعتقد قطر أنها بمقدورها إرضاء الإدارة الأميركيّة بواسطة بادرة حسن نية تجاه إسرائيل. لكن شهدت الفترة الأخيرة نوعاً من “شهر العسل” بين الولايات المتحدة وقطر، في أعقاب الربيع العربيّ، والأيام وحدها هى التى ستقول إلى متى سيستمر هذا. إن العلاقة الثنائية لإسرائيل مع دول الخليج مرتبطة أولاً وأخيراً بالمصالح الاقتصادية والسياسية الثنائّة، فإذا برزت مشكلات، وإذا كانت حالة مسيرة السلام سيئة، وقتئذ يتبيّن أنه لا يمكن أن يكون لإسرائيل علاقات علنيّة مع دول الخليج، وبالذات مع الدول التى ليس بها ممثليات إسرائيليّة، وربّما يكون هذا الوضع استثنائي وقد يتغيّر .

الفوران السياسيّ في العالم العربيّ قاد إلى نهوض دول الخليج العربيّ موضوع البحث ، وأعطتهم جرأة للعمل والسير للأمام من الناحيّة السياسيّة. والآن ثمة جهد إسرائيليّ في هذه الدول، لاسيما وأن مصر منهمكة فى شؤونها. بداية أذكر أن دخول القوات الخليجيّة إلى مملكة البحريّن جاء بعد أن أدركت السعوديّة أن الخلاص لن يأتى من جانب الولايات المتحدة الأميركيّة، وقد روجوا منذ زمن بعيد إشاعات بأن الغزو الإيرانيّ على الأبواب. وبعد ذلك منحت قطر والإمارات العربيّة المتحدة إلى حلف شمال الأطلنطي وللولايات المتحدة شرعيّة لقبول قرارات مجلس الأمن الدوليّ 1970 -1973، والتى على أثرها بدأت قوات حلف شمال الأطلنطي في ضرب ليبيا. هذا وأكثر، قامت هذه القوات بإرسال قوات حتى وإن كان رمزيّة.

التدخلات القطريّة المتزايدة في الحقول الدبلوماسيّة الشرق أوسطيّة في السنوات الأخيرة أُديرت بقيادة حمد بن خليفة، حاكم قطر، وحمد بن جاسم، رئيس الحكومة ووزير الخارجيّة. وقد عرضت قطر، كرئيس مناوب لجامعة الدول العربيّة ورئيس لجنة المتابعة العربيّة، خدماتها في بؤر الإحتكاك والصراع بالشرق الأوسط، حتى أن نشاط الإمارات وصل إلى نسبة عكسيّة لمقدارها الإقليميّ . وخير دليل على ذلك تدخل قطر في استئناف المحادثات بين الإسرائيبليين والفلسطبنيين بواشنطن في يوليو 2010. وهذا يُظهر أن الخليج أصبح أحد المناطق النشطة على الساحة الدبلوماسيّة الشرق أوسطيّة، ومن الأمثل لإسرائيل أن تتصرف وفق هذه التطوّرات وإيجاد قنوات حواريّة مع هذا الامل المؤثر.

النفط والسياسة في الخليج

ــــــــــ

باول ريبلين[††]

أنتوي تقديم معلومات أساسيّة عن اقتصاد دول الخليج وأعرض بضعة مشكلات مركزيّة لمجلس التعاون الخليجيّ مدموجاً بوصف وجيز لوضع سوق النفط الحينيّ وتأثيره على مجلس التعاون الخليجيّ .

مجموع الناتج المحليّ الإجماليّ لمجلس التعاون الخليجيّ أكبر تقريباً بخمسة أضعاف من الناتج المحليّ الاجماليّ الإسرائيليّ وهو ثلاثة أرباع الناتج المحليّ الإجماليّ الأسبانيّ ، الذى أقل من ثلث الناتج المحلي الإجمالي السعوديّ. ويصل التعداد السكاني في دول الخليج العربيّ مجتمعة إلى 40 مليون نسمة، أكبر خمسة أضعاف من التعداد السكانيّ الإسرائيلي وأقل بقليل من التعداد السكاني الأسبانيّ. ووصلت المدخولات النفطيّة فى سنة 2010 أكثر من 300 مليار دولار؛ أقل بنحو 40 بالمائة من المدخولات النفطيّة سنة 2008. ويتوقع ارتفاعاً كبيراً سنة 2011، لكن ربّما ليس بمستوى الذروة في سنة 2008. وخلال السنوات الست من 2005 إلى 2010 وصل إجمالى المدخولات النفطيّة إلى ترليونيّ دولار، ومن أجل المقارنة، فإن الناتج المحليّ الإجماليّ للولايات المتحدة هو 15 ترليون دولار تقريباً.

يضم الشرق الأوسط 57 بالمائة من احتياطيات النفط في العالم، وتصل نسبة الإنتاج فيه إلى 30 بالمائة من إجمالي الانتاج العالميّ؛ وتمتلك دول مجلس التعاون الخليجيّ بمفردها نحو 37 بالمائة من احتياطيات النفط وضلعها في التصدير يصل إلى 21 بالمائة. ويعتبر النفط المستخرج من العراق وشرق السعوديّة الأرخص في العالم، لكونه ليس أكثر نقاءً ، وليس الأخف وكذلك ليس الأحلى.  كما أن الفجوة بين جزء المنطقة في الاحتياطيات النفطيّة وجزئها في التصدير هى فجوة مؤثرة وتعكس معيار خطر  ارتباط الأسواق العالميّة بنفط هذه المنطقة. أي، من المستحسن شراء النفط من الشرق الأوسط بسبب جودته وكونه رخيص نسبياً، لكن هذا ليس آمناً. والنتجية المرتفعة لمدخولات النفطيّة هى أن إجمالي حجم الصادرات يفوق الواردات، مما يعاظم فائض العملة الأجنبية المتركمة. وتمتلك دول الخليج العربيّ ممتلكات أجنبيّة كبيرة فى صناديق ماليّة حكوميّة وفى أماكن أخرى، لكنها كذلك التزمت بتعهدات كبيرة. وخلال السنوات 2008 – 2011 إرتفعت القيمة الصافيّة للمتلكات بنحو 34 بالمائة، وذلك وفق تقديرات منتصف عام 2011.

إن المشكلة المركزيّة القائمة في هذه المنطقة هى قوة العمل والثروة البشريّة. فقد تعوّد اقتصاديّون على ذكر دور التصدير. أي، أن التصدير في الاقتصاد قائم على بدائل الثروة والعمل. ومع أن هذه المنطقة تمتلك ثروة ضخمة، لكن لها مشكلة مع قوة العمل، ومع الثروة البشرية. حيث أن 14 بالمائة فقط من الحاصلين على بكالوريوس في السعوديّة سنة 2004 كانوا في مجالات العلوم أو الهندسة. ووصل عدد الذين تخرجوا من كلية الهندسة إلى 871 نسمة وفي المقابل تضم كليات هندسة التخنيون الإسرائيلية كثير من الطلاب. ويصل التعداد السكانيّ للسعوديّة 25 مليون نسمة، من بينهم 870 فقط خريجي كليات الهندسة سنوياً، أي، أن 1.4 بالمائة  من الخريجين هم مهندسين. وفي سلطنة عمان النسبة عالية قليلاً، وفي البحرين أعلى بكثير، لكن تعداد سكانهما أصغر بكثير. والأغلبيّة الحاسمة من الخريجين كانوا في مجالات الآداب والدين.

جدول 1 : التعليم العالي في البحرين، عمان، قطر والسعوديّة

 

قبل أقل من ثلاثين عاماً، ارتفعت أسعار النفط ارتفاعاً دراماتيكياً ودفعت الخليج العربيّ نحو مسار تنميّة إقتصاديّة مطّردة. لكن هذه التنميّة كانت تحتاج عدد كبير من العمالة اليوميّة، وأضطرت دول الخليج إلى استيرادهم – وهذا الأمر مازال حتى الآن. ففي فبراير سنة 2007 تم تدشين “جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا” في إطار مشروع زادت تكلفته عن 12 مليار دولار، ومموّل في معظمه من الأموال الخاصة للملك، وذوو أهميّة إحتماليّة كبيرة ، نظراً لأنه مخطط لمعالجة نقاط ضعف مؤثرة تتمثل في القدرات التكنولوجيّة العربيّة. بعد أن أقدم الملك عبد الله على كسر المُحرّم وإعترف بأن العرب “متأخرين بشكل حرج وراء أغلبيّة العالم الحديث بانجازات فكريّة، وأن بلاده مرتبطة أكثر من اللازم بالنفط ولا يكفي تكوين الثروة من خلال الإبداعيّة”. ولذا فإن الجامعة الجديدة ستكون إنطلاقة لكونها ستمكن الرجال والنساء من العمل معاً لأن شرطة الأمر بالمعروف لن تعمل داخل الحرم الجامعيّ، وهذه الجامعة ستقوم ببنائها شركة أرامكو السعوديّة، وليس وزارة التعليم. وهذا المشروع يمثل اعترافاً بالمشكلات التى تواجهها المملكة العربيّة السعوديّة والعالم العربي بشكل عام، والقيود التى تعمل في كنفها. صحيح أن الملك يمتلك الأموال لبناء الجامعة الجديدة، لكن حقيقة أنه ينبغي عليه الإلتفاف على وزارة التعليم تمثل مؤثر لقوة المحافظين وفي نهاية المطاف للتهديد الذى تمثله على مستقل الدولة.

الضعف في دول الخليج في هذا المجال عُبّر عنه في المعطيات التى تُظّهر أن 60 بالمائة تقريباً من السكان فى دول مجلس التعاون الخليجيّ أجنبيّة. وترتفع النسبة جداً في الدول الصغيرة. حيث أن المواطنين لا يرغبون العمل في حرف “متسخة” بما في ذلك في المصانع، وكذلك لا يمتلكون المؤهلات اللازمة لإدارتها. والجدول الثانيّ يُظّهر أن المشكلة أعمق مما يكون.

 

الجدول 2 : البطالة في الخليج   

 

للختام، اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجيّ مَزْرَعِة بطالة، أكثر بكثير من الدول المتقدمة، ومشكلة البطالة خطيرة لاسيما فى أوساط الشبيّبة. فخلال السنوات 2006 -2009 كان نحو 30 بالمائة من الشباب فى السعوديّة عاطلون عن العمل. نظراً لأن الدولة قررت – على الأقل في الماضي – عدم استثمار الأموال في الثروة البشريّة. هكذا خلقت فجوة بين الثروة الماديّة المتمثلة في الثروة الرأسماليّة والثروة البشريّة .

الاحتجاج العربيّ والخليج

ــــــــــــ

شاؤول يناي[‡‡]

لا نعّلم ما سيكون تأثير “الربيع العربيّ” الذي يحدث الآن على الجانب العربيّ في دول الخليج العربيّ، لكن يتبيّن أنه أحدث حماسة ضخمة فى وسط الأنظمة الاستبداديّة – الملكيّة لدول الخليج العربيّ، التى فحصت وبقلق كيف إنهارت أنظمة مثل تونس ومصر واليمن بالضغط الجماهيريّ. وفي مقابل لذلك لم تخفٍ أنظمة عدوانيّة مثل إيران وسوريا في البداية (حتى غمرهتها موجة الاحتجاج) سعادتها وأملها في أن تغمر كذلك موجة الاحتجاج دول الخليج العربيّ. علماً بأن العوامل التى أدت إلى اندلاع الربيع العربيّ في أماكن متفرقة، تماثل تقريباً للعوامل المتواجدة في الخليج العربيّ منها تعداد السكانيّ الذي يعانى من نسبة بطالة مرتفعة، والعولمة المضللة، والوصول إلى المعلومات بواسطة تكنولوجيات المعلومات وشبكات التواصل الإجتماعي، والفراغ الأيديولوجيّ (هويته ستوضح فيما بعد) والقبليات السياسيّة التى تُعد قاعدة النظام والتى لا تخاطب أفئدة الشباب. ولذلك هنا يُطرح تساؤل، هل الخليج في المستقبل القريب سيكون ساحة حقيقية للربيع العربيّ، وهل الأنظمة القبليّة ستصمد أمام الموجة الثوريّة للعالم العربيّ.

إن حركات الاحتجاج الإجتماعيّة ليست بغريبة عن المناخ السياسيّ الخليجيّ. فخلال القرن العشرين أقيمت محاولات لتغيير المنهجيّة السياسيّة/الاجتماعيّة، القائمة أساساً على عائلات حكم قبائيليّة مثل آل سعود، آل صباح، آل خليفة. فمثلاً حاولت، الحركة البرلمانيّة التى تأسست سنة 1938 في الكويّت، والبحريّن، ودبيّ، إحداث عمليات ديموقراطيّة بدلاً من الأنظمة الإستبداديّة؛ وحاولت الراديكاليّة الوطنيّة العربيّة تغيير الواقع في الخليج العربيّ بعد الحرب العالميّة الثانيّة؛ وحاول الاحتجاج الشيعيّ إثر الثورة الإسلاميّة في إيران سنة 1979 إحداث تغييرات، وربّما أيضا ثورات. إلا أن كل هذه الثورات فشلت وبقيت الأنظمة القبائليّة. لكن تُراث الاحتجاج ظل فى الوعي العام. وقد أولى البروفيسور يوسف كوستينر اهتماماً كبيراً في دراسته لسألة الصمود المذهل تقريباً لهذه الأنظمة. وأحد استنتاجاته المركزيّة هى، أن هيّكل وقيم المجتمع القبليّ هم “الجناة الأساسيّون” في إستمراريتهم على مدار القرن العشرين العاصف. والتساؤل الذي يطرح نفسه هو، هل هذه الصيغة الناجحة  ستصمد أيضاً أمام موجة الثورات الاجتماعيّة الحينيّة. وما هى مميّزات حركات الاحتجاج الأخيرة في الخليج العربيّ ؟.

المزيّة الأولى هى عدد سكان صغير يحتج ضد قيام أنظمة بالية، من وجهة نظره، بإقصائه عن السياسة؛ وهذه الحركات هى منظمات لا هرميّة بهيّكل تنظيميّ سطحيّ، من نوع سياسة لا سياسيّة، تستخدم الشبكات الاجتماعيّة بشكل واسع. المزيّة الثانيّة هى راديكاليّة مُقيّدة تُركز على تحقيق حريات من أجل مجتمع مدنيّ، دون تهديد جليّ على النظام السياسيّ القائم. المزيّة الثالثة هى الرغبة في تغيير طابع تقليديّ، يوفّر أولويّة اجتماعيّة وسياسيّة حاسمة للصفوات القبليّة، فى ظل إقصاء الطبقة المتوسطة المتعلمة، بما في ذلك النسوة .

تهديدات خارجية مثل النوويّ الإيرانيّ، وعمليّة تشييع العراق، وتقويض النظام القديم في العالم العربيّ، وضعف هائل لرعاية الولايات المتحدة الأميركيّة، كل ما سبق يُعْتبر مكوّنات لفرص جديدة لإصلاحات تطمح في أن تُغيّر من القاعدة الهيكل الاجتماعي التقليديّ القائم على الهويّة السياسيّة القبليّة. فيوسي كوستنير الذي انشغل كثيراً في هذا المضمار أظهر أن هذه الهويّات هى التى تُحدد تقسيم القوة السياسيّة/الاجتماعيّة التى منها يتقرر أيضاً الوصول إلى الموارد الاقتصاديّة. ومع ذلك فإن النظام السياسيّ القائم موجود فى خطر نتيجة الأسباب الذى وردت أعلاه.

حركات الاحتجاج الحاليّة ليست متراصة، لا فى تكوينها ولا في أهدافها. كذلك يستحيل داخل دولة معيّنة تمييز حركة احتجاج شعبيّة واحدة، حيث لا يوجد لها هيئة قياديّة متوافق عليها؛ ولا يوجد لها هيكل هرميّ ولا هدف معيّن تسعي للوصول إليه. لكن ربّما الهدف الوحيد المشترك لهذه الحركات هو الرغبة في تغيير منظومات الدولة القبليّة القائمة كى تعبر عن تعدديّة اجتماعيّة ونوعيّة وحزبيّة وسياسيّة قائمة فعلياً ولكنه لا يفصح عن مفاهمه بسبب الاستحواذ المطلق للهيّكل السياسيّ الاجتماعيّ القائم. وسوف نفحص عدد من مفاهم الاحتجاج في دولتيّن – السعوديّة والبحريّن – في محاولة للوقوف على حجمها وعلى مقدار التحدي القائم التى تضعه للأنظمة القائمة .

تبدو السعوديّة للوهلة الأولى أكثر دول الخليج العربيّ تضرراً من الربيع العربيّ، من ضمن أمور أخرى، بسبب الأزمة المستمرة حول مسألة وراثة السلطة. فقد قال عوزى رابي إن تطبيق مبادئ الخلافة ورد بالفعل محدداً في قانون تأسيس الدولة سنة 1992، لكن التوقيت والطريقة التى بها ينقل أبناء سعود السلطة للأحفاد، مَا إِنْفَكّت غير واضحة. ويتعقد وجود فجوات أيديولوجيّة واجتماعية واقتصاديّة ضخمة بعد الثراء الذى تركم في الدولة. هذه الفجوات تهدد استمراريّة منظومات التوازنات والتوافقات القائمة في المجتمع السعوديّ.

تتواجد عائلة آل سعود في بؤرة الاحتجاج الاجتماعيّ. فهذه عائلة حجمها (أكثر من 20 ألف شخص) يبرر إدراجها كقبيلة بحد ذاتها. فالقبيلة السعوديّة هى المالكة الأساسيّة لأكبر استخراج نفطيّ في العالم. ومعلوم أن الفساد والاستحواذ هما العناصر الأساسيّة للاحتجاج في الدولة. والدليل على ذلك كشفه موقع “ويكليكس” في برقية نوفمير 1996، التى جاءت تحت عنوان “الثراء الملكيّ السعوديّ، من أين يحققون هذا المال”، فقد وصف دبلوماسيون الأساليب التى حقق بها الأمراء ثرائهم، وقالوا إن وزارة الماليّة السعوديّة تضم قسم القرارات والتعديلات، وهو مخصص فقط لأبناء الأسرة المالكة، وأن المخصصات لأبناء هذه الأسرة تتحرك من 800 دولار شهرياً لأى طفل من العائلة وُلِدَ لأقارب من فرع بعيد وحتى 270 ألف دولار شهرياً لأبناء الأقارب من الفرع القريب، كما أن هناك مِنح للزواج ولبناء قصور وما شابهة ذلك. وهذه المخصصات تبدأ بالفعل فور ولادة أنسال جدد، الأمر الذي يشجع أبناء الأسرة على التكاثر بوتير سريعة. وقد كشف موقع “ويكليكس” النقاب عن أن أحد الأمراء الصغار اشتكى من أن أرباح مليون برميل نفط يومياً تذهب لأكبر خمسة أو ستة أمراء ، ولأن سعر برميل النفط 100 دولار في المتوسط، فإن الحديث يدور عن 100 مليون دولار يومياً على الأقل، حسب زعمه.

تحظر المملكة العربيّة السعوديّة قطعيّاً تشكيل الأحزاب السياسيّة، لكن تسمح بتشكل أجهزة تقليديّة يجتمعون فيها للنقاشات، مثل المجالس التى يقيم فيها عائلات صفوة متنوعة نقاشات سياسيّة واجتماعيّة. كذلك ثمة نوادي اجتماعيّة تجتمع فيها شخصيات لها خلفيات تعليميّة واجتماعيّة وقبائلية مماثلة لتبادل الآراء والأفكار. هذه النقاشات تتناول في بعض الأحيان التآمر، لكن طالما أنها تظل داخل الإطار المقبول ولا تحظى بظهور علنيّ، فإن الشرطة تتجاهلها. لكن الربيع العربي والحالة الصحية السيئة للملك عبد الله حرّك الشرطة السعوديّة في فبراير 2011 لنشر ثلاثة عشر مرسوم ملكيّ، وعدت فيه بتخصيص نحو 130 مليون دولار لصالح الإعمار الاجتماعيّ والاقتصاديّ، وتقليص البطالة، وحل المشكلات السكانيّة المتفاقمة …إلخ. ومع ذلك فإن هذه المراسيم الملكيّة تفتقر إلى مقولة سياسيّة ملموسة، وهدفها الأساسيّ إنتزاع جدول الأعمال اليوميّ الاقتصاديّ الاجتماعيّ من الحركات الشعبيّة التى ربّما ستلتف حوله عناصر المعارضة المختلفة.

في فبراير 2011 دعا أكثر من ألفيّن مفكر ورجالات دينيّة سنيّة وشيعيّة في بيان لهم إلى تحويل المملكة العربيّة السعوديّة إلى ملكيّة دستوريّة وفصل السلطات، وإدخال إصلاحات إداريّة، وابعاد منصب رئيس الحكومة عن البيت الملكيّ، وإدخال إصلاحيات قضائيّة، ومحاربة الفساد، والبطالة ومنح حريات شخصيّة لمواطنى الدولة. في مقابلهم طالب شيوخ وهابيّون، مقربون من النظام، العكس تماماً: توطيد النفوذ الإسلامي؛ ومنع تعليم الطلاب في الخارج لعودتهم بأفكار غربيّة؛ وإغلاق القنوات التليفزيونيّة مثل قناة MBC والعربية؛ ومنع تعليم النساء أيا كان حتى لا يستفق لديهن أفكار “غريبة”.

مطالب تغيير طابع الدولة قدمتها أيضا مجموعة أطلقت على نفسها “ائتلاف الشباب الحر”. ففى منشور عبر حسابها على الفيسبوك، في مارس 2011، طلبت هذه المجموعة، من بين أمور أخرى، انتخاب ملك أو حاكم؛ وقيام الشعب بإنتخاب أعضاء مجلس الشورى؛ واستقلال المنظومة القضائيّة؛ والإفراج عن السجناء السياسيين؛ ووضع حد أدنى للمرتب 10 آلاف ريال؛ ومحاربة البطالة والفساد وحماية النساء السعوديّات من أيّ إحتماليّة للتأثير السلبيّ عليّهن يكون مصدره ثقافة غربيّة تساهليّة .

تنظيم آخر، يُطلق عليه “ثورة حنين 11.3.2011 ، ويرأسه الشيخ السنيّ محمد الوهدانيّ، إمام مسجد في الرياض، يدعو إلى القيام بثورة شاملة. وقد أوضح في شريط نشره عبر موقع “يوتيوب”: “أن الجهاد هو أفضل الوسائل لإسقاط حكم مُضْطهِد. وأن الحوار يستحيل مع الحاكم ولذلك فإن الحل الوحيد هو الثورة. وقد أُعتقل الوهدانيّ في مظاهرة نُظمت أمام مسجده في الرابع من مارس سنة 2011 ومصيره غير معلوم. وكما هو مُتبع فى هذه الأيام فُتحت صفحة على موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” باسم: ” كلنا محمد الوهدانيّ” على غرار صفحة الفيسوك “كلنا خالد سعيد”، الشاب الذي قُتل في بداية أعمال الشغب بمصر وتداول الجميع اسمه. وقِيلَ في تعليمات للمتظاهرين لأى ميادين يصلون، وكيفيّة التظاهر، وأي أقنعة ضد الغاز يجب استخدامها، وكيفية مقاومة الشرطة ..إلخ. وأثمرت الدعوات لتنظيم يوم غضب شعبيّ بهدف إجبار النظام على تنفيذ إصلاحات شاملة، عن تنظيم مظاهرة وحيدة باسم محمد خالد، مدرس دين في مدرسة أساسيّة. وقال في لقاء مع عديد من وسائل الإعلام التى انتظرت المتظاهرين: “نحن نريد حرية وحريّات. وضعنا الاقتصادي صعب جداً”. كذلك وجه انتقاداً لاذعاً للنظام رغم تواجد كثيف لقوات الأمن. وفى نهاية اللقاء اعتلا سيارة من نوع فورد موستنج جديدة وفارهة وتوجه إلى منزله. وبعد ذلك بيوم ظهرت صفحة على الفيسبوك باسم: “أين خالد؟”. على ما يبدو اعتقلته الشرطة. ومنذ ذلك الحين يتواجد على شبكة الإنترنت 23 ألف طلباً للإفراج عنه .

في مقالة بصحيفة الجرديان البريطانيّة طُرح تساؤل: لماذا فشل يوم غضب الحادي عشر من مارس بالمملكة العربيّة السعوديّة؟ فى حين نجحت أيام الغضب المماثلة في تونس، مصر، ليبيا، اليمن، البحرين وسوريا فى إخراج الشعب للتظاهرات، فلماذا لم يحدث ذلك بالسعوديّة ؟ وكان رد الصحيفة هو إن النظام نفسه قام بحملة إعلاميّة ضخمة. وبعثت برسائل قصيرة إلى الجماعات الأساسيّة يدعوهم إلى عدم الخروج والمشاركة في التظاهرات لأن كل من سيخرج إلى التظاهر سيكون نصيبه خمس سنوات سجن ودفع غرامات تصل إلى آلاف الريالات؛ وأصدر رجالات الدين فتوى تحرّم التظاهرات وما شابهها. أي، أن النظام حشد مؤيده قبل تنظيم الاحتجاجات الشعبيّة وبالتوازى أوضح أن من يخرقون القانون تنتظرهم عقوبات كبيرة. ثمة سبب أخر إحتماليّ أدى إلى الفشل وهذا السبب كامن فى هويّة القائمين على محاولة إهاجة الشارع السعوديّ. حيث أن ناشري صفحات الفيسبوك ينتمون إلى قطاعات متناقضة؛ حركات جهاد راديكاليّ، ومفكرين، وشيعة، ونسوة. ومزيج كهذا يمثل صعوبة بالغة في إيجاد مقام مشترك ضروريّ للتعاون ضد النظام الملكيّ. فمثلاً، هناك تعارض مصالح جوهريّ بين المفكرين الذي طلبوا بإصلاحات ليبراليّة، وبين المتضامنين مع الإسلام السفليّ، وبين الإسلام السفليّ ومظعم مطالب حقوق النساء. وهذا الإنشقاق برز أيضا في استطلاع للرأى العام أُجرى على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك والذي طرح تساؤل مركزي واحد : ما علاقاتكم بفشل يوم الغضب الـ 11 من مارس، حيث أوضح 37 بالمائة أنه من الأفضل عدم حدوثه، بينما اعتبر 30 بالمائة العكس، لأنهم كان يأملون في أن تقود هذه التظاهرات إلى إصلاحات حقيقيّة؛ في حين أعرب 2 بالمائة فقط عن غيبة أملهم بسبب أنهم أملوا في إيجاد عمليات ثوريّة. وزعم 32 بالمائة أنهم مازالوا متفائلون وأن الشعب سيخرج في نهاية المطالف إلى الشوراع .

من بين الجماعات التى تدعوا إلى إصلاحات فى المملكة العربيّة السعوديّة، عبر شبكات التواصل الإجتماعيةّ، مجموعة لها طابع الجنوسة، أى تنظيم نسائي تطالبن بحقوق سياسيّة. فكما هو العرف في الاحتجاجات الحينيّة يتواجد للنساء حضوراً على الشبكات الاجتماعية. حيث أن القيود المفروضة على النساء السعوديات مثل ضرورة أن يرافقها أحد أفراد العائلة لدى خروجها من المنزل وحظر القيادة، تمثل صعوبة عليهن لإدارة نشاط سياسيّ ولذلك فإن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي يسهل تنظيمهن. من ضمن أمور أخرى، فإن المطالب التى تطالبن بهن هى حق التصويت. ففي أبريل 2011 حينما تم إفتتاح مراكز الاقتراع فى جدة، والدمام، والخبر وأماكن أخرى للسلطات المحليّة أرادت نشاطات الحركة النسائيّة تسجيل أسمائهن فى سجل الناخبين. إلا أن مديرى مراكز التسجيل رفضوا هذا بحجة أن عدم حظر تصويت النساء ربما يرجع إلى العفة، أي عدم الفصل بين الرجال والنساء في الانتخابات، لن يسمح بتسجيلهن للانتخابات. وزعمت الناشطات أن الانتخابات ستجرى في سبتمبر وحتى ذلك الحين بمقدور الدولة خلق ظروف تضمن صون عفتهن. وحتى هذه الزعم رٌفض ولم يسمح للنساء بالتصويت. وفى ضوء الرفض نُظمت مظاهرة نسويّة أمام مركز الانتخابات فى جدة. إلا أن الشرطة استعملت القوة في تفريقهن. ولذا أقدمت إحدى زعيمات الاحتجاج النسويّ، نعيمة سليمان، على فتح حساب لها على موقع “تويتر” للتواصل الاجتماعي وهناك كتبت: نحن سنفعل ما يجب، نحن سنذهب إلى الملك نفسه، لن نتوقف عن النضال من أجل حقوقنا حتى نحصل عليها، ونحن نطالب بثورة من أجل المجتمع بأسره”. فالنساء محظور عليهن القيادة، فهن تجلسن في السيّارة لكن لا تقدن لأن أي إمراة لو قادة السيادة تتعرض للسجن. وكرد فعل ظهر على شبكة الإنترنت صفحة فيسبوك انضم إليها عشرات آلاف من النساء السعوديّات وجاءت هذه الصفحة بعنوان ” حارسي يعلم أفضل منى”، أى المعارضة للحقوق والتغييرات التى تحمل الطابع الليبراليّ، بحجة أن الرجال يعلمون جيداً ما تحتاجه النساء.

لم تنجح محاولات تنظيم احتجاج شعبيّ أو احتجاج جنوسة فى  اكتساب زخم. فهل احتجاج قبليّ للأقلية الشيعيّة كان من شأنه أن يسرّع من موجة الاحتجاجات في المملكة العربيّة السعوديّة؟ للوهلة الأولى كل المكوّنات التى أوجدت الربيع العربيّ تتواجد في وسط هذه الأقليّة. فالشيعة يمثلون 10 بالمائة من مواطنى الدولة، أكثر من مليونيّ نسمة، يقطنون في المنطقة الشرقيّة، والتى تحتوي على أغلب النفط السعوديّ، لكن بالمقارنة مع الأغلبيّة السنيّة فإنهم مُغْمطون الحقّ. فرجل الدين الشيعيّ السعوديّ الذي يسمى نمر النمر والذى دعا في سنة 2009 لثورة تقود لفصل المنطقة الشرقيّة عن المملكة السعوديّة وإقامة جمهوريّة شرق عربيّة بسيّطرة شيعيّة إختفي تحت سابع أرض، وبعد أن عجزت الشرطة السعوديّة في العثور عليه ألقت القبض على والده، ونجله وشقيقة بهدف إرغامه على تسليم نفسه. وتم الإفراج عن الابن بعد مضى أربعة أشهر. وأصبح النمر فى أوساط المعارضة الشيعيّة السعوديّة رمزاً للتعصب لكن سوياً مع ذلك كثير من الشيعة يطالبون منذ سنوات عديدة بمساواة وضعهم بوضع السنة. ولذلك فإنهم يمثلون عاملاً ليس مستقراً فى النسيج السياسيّ السعوديّ بالمنطقة التى يُستخرج منها أغلبية نفط الدولة.

تاريخ الإحتجاج الشيعيّ مع مخاوف تأثير “الربيع العربيّ” أدى في مارس 2011 إلى نشر أكثر من 10 آلاف شرطيّ وعنصر أمن سعوديّ داخل وحول التجمعات الشيعيّة بهدف ردع متظاهرين إحتماليين . وعندما بدأت المظاهرات الشيعيّة شارك فيها بضعة مئات متظاهرين طالبوا خلالها بحقوق متساوية لحقوق السنة، ويرجع منع تمدد الاحتجاج الشيعيّ إلى التواجد المكثف لقوات الأمن، واعتقال ومنع نحو 200 ناشط قياديّ، وإغلاق 11 مسجداً شيعياً استخدمتها المعارضة لتنظيم صفوفها. كما اتخذ النظام وسيلة منع أخر وهى تقديم الملك السعوديّ وعداً شخصياً لضخ 11 مليار دولار لتخفيف عبء الضائقة الاقتصاديّة للشيعة.

الاحتجاج الشيعيّ لم يكن محفزاً للتظاهرات. وربّما العكس هو الصحيح؛ فالخوف من أن يحقق الشيعة مطالبهم حرّك كثير من السعوديين للخروج بتظاهرات جماهيريّة لتأييد النظام الملكيّ. وفشل جميع التنظيمات لإدخال المملكة العربيّة السعوديّة في الربيع العربيّ شجع وزير الداخليّة، الأمير نايف بن عبد العزيز، إلى تهنأة الشعب السعوديّ على تأييده للملك والملك لأن لديه شعب كهذا أثبت للعالم ولائه للنظام القائم.

إذا كان الأمر كذلك فإن “الربيع العربيّ” لم يصل بعد إلى المملكة العربيّة السعوديّة. لكنه وصل إلى مملكة البحريّن تحت حكم عائلة آل خليفة السنيّة. فقد تجمّعت الجماهير في الدولة (الشيعة يمثلون 70 بالمائة) في ميدان اللؤلؤة في العاصمة المنامة، وطالبوا في البداية بالديموقراطية، ولاحقاً وبعد استخدام الشرطة وسائل قمع حادة طالبوا بسقوط النظام. بالفعل اندلع الاحتجاج الشيعيّ في فبراير 2011 في ظل الربيع العربيّ، لكن عملياً الفوّرة الشيعيّة موجودة منذ عقود كثيرة ومن حين لآخر تندلع. وأسباب ذلك كامنة في ظروف معيشتهم المهينة في كفور مهملة فى مقابل الثراء الفاحش والحياة الفارهة للأسرة المالكة. وكي يبرهنوا مزاعمهم استخدم الشيعة “جوجل إرث” لعرض ظروف معيشتهم مقابل الأسرة الحاكمة أمام العالم. تصل مساحة البحرين إلى 760 كيلو متر مربع فقط. لكن في حين الكفور الشيعيّة مكتظة وتعاني من نقص البنى الأساسيّة وجزء ملحوظ من الشباب عاطلين عن العمل، فإن البيت الملكيّ الثرى يسيّطر على أغلبية الأراضى وبنى عليها عقارات فارهة. هذه الفجوات الضخمة، التى تتمثل في السيطرة التامة للأسرة الحاكمة على موارد الدولة واستحواذ الأقليّة السنيّة، أخرج عشرات آلاف متظاهرين للشوارع مطالبين بثورة على غرار ثورتي مصر وتونس. وتقريبا نجحت التظاهرات، حيث بدا أن أيام النظام معدودة. وعلى الرغم من سقوط عشرات القتلى، ومئات المصابين والاعتقالات إلا أن المتظاهرين ظلوا في الشوارع ولم يخشوا من نشوب مواجهات مع قوات الأمن، التى تضم جزءاً ملحوظ من غير البحرينيين بل مرتزقة النظام من دول مثل الأردن، اليمن وحتى باكستان.

وبغيّة منع سقوط النظام البحرينيّ وتمدد الاحتجاج لدول خليجيّة أخرى، طلب الملك البحرينيّ، حمد بن عيسى آل خليفة، تدخل القوة العسكريّة المشتركة لكل الدولة التى تنتمي لمجلس التعاون الخليجيّ. بالتأكيد هذه القوة مُخصصة لحماية أى دولة من دول الخليج من أي هجوم تشنه دولة أجنبية وليس لقمع انتفاضات محليّة، لكن النظام البحرينيّ زعم أن إيران هى التى تُشعل المنتظاهرين بهدف السيّطرة على الدولة. وفي الرابع عشر من مارس 2011 وصل إلى البحريّن ألفي جندي، خاصة من السعوديّة، وساعدوا فى تفريق المتظاهرين بالقوة. فى المقابل أُعلن أن حالة الطوارئ سارية في الدولة ابتداءً من الأول من يونيو 2011 وحتى عودة الهدوء إلى البحريّن.

للختام، لم ينمو الربيع العربيّ في الخليج العربيّ. وباستثناء الأسباب التى وردت سلفاً، من الأهميّة بمكان أن نذكر أن الدول العربيّة الخليجيّة تقوم على مكوّنات قبائليّة أكثر من الوطنيّة. والأنظمة، التى  لا تعترف بذلك علانيّة، تُشجع استمراريّة الولاء للقبليّة  أيضا على حساب الدولة، بشرط الاستمرار في تأييد الأسرة الحاكمة التى هى من جذور قبليّة. وبواسطة مكافأة قبائل موالية وإبعاد غير الموالية، تنصر الأنظمة أنفسها وتمنع تطوّر مجتمع مدنيّ يمكنه التوحد والمطالبة بإصلاحات جوهريّة وربّما أيضا قيادة ثورات. وقد أكد البروفيسور كوستينر في دراساته العديدة قدرة القبائل على إحتواء دول الخليج العربيّ وليس العكس. لكن عندما يتغيّر الهيّكل القبليّ ويصبح وطنيّ يمكن للربيع العربي أن ينمو في صحراوات شبه الجزيرة العربيّة.

 

 

مبادرة السلام السعودية

ـــــــــ

عوديد عيران[§§]

في سنة 2002 تبنت جامعة الدول العربيّة المبادرة السعوديّة التى في الأساس قائمة على لقاءِ منحه ملك الممّلكة العربيّة السعوديّة عبد الله، عندما كان ولياً للعهد، للصحفي توم فريدمان من صحيفة”نيويورك تايمز”. وقد تطوّرت المبادرة لأن فطرتها وبساطتها يَسّرت استيعابها إلا أنها أيضا أوجدت صعوبات لتحويلها إلى قاعدة للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين من جانب، وبين إسرائيل وجوارها من جانب ثان. إن معادلة المبادرة تتسم بالبساطة – ففي جانبها تنص المبادرة على أن تنسحب إسرائيل إلى حدود 1967 بشكل كامل، والتوصل إلى حل عادل ومتفق عليه لمشكلة اللاجئين وفق قرار الجمعة العامة للأمم المتحدة رقم 194، وتأسيس عاصمة فلسطينية فى القدس الشرقيّة. وفي الجانب الآخر تنص المبادرة على إنهاء الصاراع الإسرائيليّ/العربيّ وتطبيع العلاقات بين دول عربيّة وإسرائيل.

لقد جاء قرار جامعة الدول العربيّة في أعقاب الفشل الإسرائيليّ والفلسطينيّ للتوصل إلى اتفاق في إطار المفاوضات التى دارت بين الأعوام 1999 – 2001 . وقد تُبني القرار فى ذروة الانتفاضة الثانيّة التى اندلعت في نهاية سبتمبر 2000 وفور أخطر اعتداء ارهابي خلال الانتفاضة، الذي وقع فى فندق “باراك” في ناتنيا. كذلك توقيت تبني المبادرة استبعد من البداية إحتماليّة أن تكون الحكومة الإسرائيلية قادرة على مناقشتها في هذه الظروف.

الصعوبة الأساسيّة نبعت من لغة المبادرة، ومن الإجراءات فى المجتمع الإسرائيلي ومن عدم وجود جهد من جانب دول عربيّة لإدارة حملة تسويقيّة في إسرائيل من أجل تعزيز الآمال بأنها ستحظى على تأييد، ولو في السياق المبدأي والجماهيري الإسرائيلي فقط. وترتبط صعوبات المبادرة بكل خطأ من أخطائها المركزيّة. فمثلاً فكرة العودة الكاملة إلى خطوط 1967 عفا عليها الزمن وليس فقط بسبب السجال التاريخي على تفسير قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242. عملياً، منذ أن تبنت الولايات المتحدة “خطة روجرز” في ديسمبر سنة 1969 – يعرف المجتمع الدولي أن العودة إلى حدود 1967 ليست أكثر من شعار وكذلك تبنى الفلسطينيون منهج تبادل أراضي. وفى حال تم تجديد طرح المبادرة العربيّة من الجدير أن تضم بداخلها على مبدأ تبادل الأراضي، لأنه يتبيّن أيضا لدول عربيّة أن العودة الكاملة إلى حدود 1967 لا تُلزم إسرائيل بتوفير ممر بريّ أو جويّ في مجالها بين قطاع غزة والضفة الغربيّة .

تحديد المبادرة السعوديّة/العربيّة لأن تكون القدس الشرقيّة هي عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية هو بالفعل تحديداً عاماً لأنها لم تحدد بدقة شرق القدس، لكن قرْن العودة إلى حدود 1967 وتحديد العاصمة بالشرق القدس قلّص مجالات المرونة في المفاوضات. وعندما صدقت جامعة الدول العربيّة في 2002 على تبنى المبادرة السعوديّة كان هذا بعد مرور سنتين من نشر بنود خطة الرئيس الأميركيّ بيل كلينتون في ديسمبر 2000 والتى احتوت على حل أكثر تقدماً لقضية القدس، أخذ في الحسبان التغييرات التى حدثت بالقدس منذ سنة 1967. وفيما يتعلق بقضية اللاجئين أضافت المبادرة السعوديّة العربيّة بعداً معيناً للمرونة فى النهج العربيّ الشامل الذي يرسم طريق الوصول لحل عادل لكن متفق عليه وفق قرار الجمعة العامة للأمم المتحدة رقم 194.

منحت التفسيرات، نظراً لأن الحل يجب أن يكون متفق عليه، إسرائيل حق النقض وهذا يحّمل جديد للوهلة الأولى. فمن ناحية إرساء الحل على القرار رقم 194، حسب التفسيرات العربيّة، لا يمنح إسرائيل هذا الحق. وطُرحت أفكار جديد فى هذا الموضوع خلال السنوات الماضيّة منذ تبنى المبادرة ودمج هذه الأفكار في مبادرة جديدة سيسهل إجراء نقاش إيجابي حولها في إسرائيل. فمنذ سنوات يثير الجانب الثاني من المعادلة الذى ينص على إنهاء الصراع وتطبيع  العلاقات مع إسرائيل، تعجبات وتساؤلات في إسرائيل . فمرور ثلاثين سنة من “السلام البارد” بين إسرائيل ومصر، لم يتحقق خلالها إلا عدد صغير من اتفاقات لتطبيع العلاقات فى كل مجالات الحياة، أصابت الشعب الإسرائيلي بخيبة أمل ولامبالاة حول قضية التطبيع. وهو نفس الأمر على الصعيد الأردني. وتبدد سحر القيام بزيارة للمغرب، تونس، مصر والأردن، والسلام البارد بلا تطبيع وأيضا بلا تتبع لأي تعاون إقليميّ مس بقدرة عرض التطبيع كمقابل منساب للحصول على تنازلات إسرائيلية على أراضي.

يجب الإفتراض أن الشعب الإسرائيلي سيقوم الآن بدراسة أي مقترح بروح المبادرة السعوديّة العربيّة بصورة تشككيّة وأكثر واقعيّة. في حين أنه في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمكن الزعم أن التسوية التى في أساساها إنسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وإقامة دولة فلسطينية، ضروريّة لمنع التوصل لحل إقامة دولة ثنائية القوميّة، وهذا البعد لا يتواجد فى التسويّة مع سوريا ومعادلة حدود 1967 مقابل إنهاء الصراع والتطبيع ليست فعّاليّة مثلما كانت قبل تجارب السلام البارد بين إسرائيل ومصر والأردن.

المطلب الذي طرحته حكومة نتنياهو بضرورة إعتراف الفلسطينيين بدولة إسرائيل كدولة قوميّة يهوديّة، يمثل صعوبة في إسرائيل على قبول النموذج الحاليّ للمبادرة. إضافة إلى أن كثيرين في إسرائيل سينظرون إلى مرجعيّة إنهاء الصراع بهذه المبادرة كرد كاف على هذا المطلب بينما سيطلب آخرين مرجعيّة أكثر وضوحاً. ويصعب الإفتراض أن أي صيغة حديثة للمبادرة يمكنها بأي طريق تلبيّة  المطلب الإسرائيلي.

فيما وراء التوقيت البائس لتبنى المبادرة العربيّة لم تتواجد ،كما هو سالف الذكر، أيضا محاولة عربيّة جادة للتوجه مباشرة إلى الرأي العام الإسرائيليّ. وفقط بعد مرور أربع سنوات قام وزيرا خارجيّة مصر والأردن بزيارة لإسرائيل وهما دولتان تربطهما بإسرائيل علاقات دبلوماسية من منطلق اتفاقات السلام. أما وزراء خارجية دول الخليج العربيّ أو شمال أفريقيا فلم يبذلو أى جهد مباشر لإقناع الشعب الإسرائيلي الحساس، مثلما بدا أبان زيارة السادات للقدس سنة 1977 ببوادر حسن نيّة من هذا النوع . بالمصادفة أم لا، لم يحضر رئيسا الدولتين التى تربطهما بإسرائيل علاقات دبلوماسيّة، الرئيس مبارك والملك عبدالله، مؤتمر الجامعة العربية في بيروت الذي تبني مبادرة السلام السعوديّة.

يجب الإفتراض أن مشروعات القرار في المنتديات الدوليّة التى ستُركز على الموضوع الفلسطينيّ والصراع مع إسرائيل ستواصل تكرار ذكر المبادرة السعوديّة وقرار جامعة الدول العربيّة القائم عليها، لكن هذا التكرار سيكون له قيمة لدفع ضريبة كلاميّة وليس لتوقع أن تمثل المبادرة قاعدة للمفاوضات بين إسرائيل وجوارها. ويمكن أن نعيد الحياة لمبادرة جامعة الدول العربيّة لو عُدّل على الأقل جزء من عيوبها وخاصة لو بُذل جهد جاد للتوجه بصورة مباشرة إلى الرأي العام الإسرائيلي بواسطة أصحاب الفكرة، أي السعوديين. الذين ظلوا سلبيين بقدر بالغ ولم يحركوا ساكناً لدفع المبادرة، لا بطريق مباشر ولا بغير مباشر، ما قاد إلى تقدير بأنها لم تكن أكثر من محاولة سعوديّة لتحسين وضعها الدوليّ الذي كان متدنياً إثر العمليات التى نفذتها منظمة القاعدة في الولايات المتحدة الأميركيّة في سبتمبر 2001. وهذا المزْعم عززه رئيس الحكومة الأردني السابق الذي زعم أنه هو الذي بادر بهذه المبادرة أولاً وقبل أي شئ. وعلى الرغم من التجاهل النسبي للمبادرة من جانب الحكومة الإسرائيلية إلا أنها جديرة كي تكون مرجعيّة لكونها تعكس رغبة واستعداد لإنهاء الصراع الإسرائيليّ/العربيّ.

عندما لا يوجد جهد عريّ لتحديث المقترح ومحاولة تسويقه مباشرة داخل الشعب الإسرائيليّ، يجب الإفتراض أن المبادرة لن تصبح قاعدة أو نقطة مرجعيّة عندما يتم استئناف المفاوضات السياسيّة بين إسرائيل وجوارها .


[*]   باحث بمركز موشيه دايان ومحاضر بشعبة الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب ورئيس مركز الدراسات الإيرانية بالجامعة. أطروحته للدكتورة ركزت على تحليل اجتماعي/سياسيّ للعلماء، رجالات الدين الشيعيين. كما ألّف كتاباً بعنوان “من التعاطف إلى الإنكار: ردود عربية على الكارثة” مع الدكتور أستر فبمن الذي ناقش عرض الكارثة في العالم العربي.

[†] خبير في تاريخ وسياسات الولايات المتحدة الأميركيّة . كاتب بصحيفتي معاريف وجيرزوليم بوست وبمجلات أميركيّة رائدة. تولى منصب رئيس تحرير الأخبار ورئيس تحرير المقالات بصحيفة هاآرتس، ومراسل الصحيفة في الولايات المتحدة. زميل باحث في معهد تخطيط سياسات الشعب اليهوديّ .

[‡] نائب رئيس معهد أبحاث الأمن القوميّ، خدم فى قسم البحوث بشعبة الاستخبارات العسكريّة وكان من كبار المعلمين في كليّة الأمن القومي بالجيش الإسرائيلي. خبير فى مشكلات أمن الشرق الأوسط، وخاصة في موضوع التهديد الإيرانيّ، وفي المخابرات الإستراتيجيّة وفي موضوع الأمن القومي الإسرائيلي. ومن بين كتبه “من الارهاب وحتى النووي: تأثير التهديد الإيراني (2004)  .

[§]  باحث في معهد أبحاث الأمن القومي . وعمل قبل انضمامه للمعهد، منسق للموضوع النووي الإيراني بمجلس الأمن القوميّ، مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ، كما أنه خبير في موضوع أمن الخليج العربيّ.

[**] مساعد مدير عام وزارة الخارجيّة ورئيس شعبة الشرق الأوسط بالوزارة سابقاً، والآن سفير إسرائيل لدى الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلنطي .

[††] البروفيسور باول ريبلين باحث كبير في مركز دايان، خبير فى مجالات في اقتصاد الشرق أوسطيّة وتاريخه. وقام مؤخراً بتحليل العلاقة بين القوة الاقتصاديّة والطبقات الاجتماعية في إيران ما بعد انتخابات 2009. ومن بين كتبه الأخيره :

The Israeli Economy from the Foundation of the State through the 21st Century

(2010), Cambridge University Press. Arab Economies in the Twenty-First

Century (2009), Cambridge University Press.

[‡‡]  خبير في موضوع الصفوات والحركات البرلمانيّة بدول الخليج العربيّ . ودكتور بقسم الدراسات الإسلاميّة والشرق أوسطيّة بالجامعة العبريّة بالقدس وبجامعة حيفا. ويركز في عمله على فهم العمليات المختلفة التى قولبة ومازالت تقولب دول الخليج العربيّ .

[§§]  الدكتور عوديد عيران من كبار الباحثين في معهد الأمن القوميّ، تولى رئاسة المعهد من يوليو 2008 وحتى نوفمبر 2011. خدم طوال حياته بوزارة الخارجية والمنظومات الحكوميّة الإسرائيلية، وكان آخر منصب تقلده مدير عام وزارة مكتب إسرائيل للكونجرس اليهوديّ العالميّ. ويعمل أيضا كمسنشار للجنة اللفرعيّة المنبثقة عن لجنة الخارجية والأمن البرلمانيّة. وتولى  على مدار خمس سنوات (2002 – 2007 ) كسفير لإسرائيل في الاتحاد الأوروبي في بروكسل. وبين الأعهوام 1977-2000 تولى منصب سفير إسرائيل لدى الأردن وفى الأعوام 1999-2000 تولى رئاسة طاقم المفاوضات مع الفلسطينيين لتطبيق الاتفاقات المرحلية والتسوية الدائمة.

ترجمة: ثروت محمد حسن حسنين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.