"دراسة من اعداد صحيفة دير شبيغل": إسرائيل وإيران… الحرب القادمة؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

“دراسة من اعداد صحيفة دير شبيغل”: إسرائيل وإيران… الحرب القادمة؟

0 210


بلرين / دراسة من مجلة دير شبيغل الألمانية

قسم الترجمة& 17/3/2012

تبذل إسرائيل قصارى جهدها لوقف برنامج إيران الذري، من عمليات الاغتيال إلى ديدان الكمبيوتر. وقد تنفذ خلال الأشهر المقبلة غارة جوية على منشآت إيران النووية. لكن، بحسب «شبيغل»، فإن الهجوم الإسرائيلي قد يقوي النظام ويجعله أكثر تصميماً على تطوير القنبلة.

 اثنتا عشرة ساعة فترة طويلة ومؤلمة لممارسي رياضات التحمل، فيما يسعون إلى تأديب أجسامهم، حاملين أنفسهم على بلوغ الحدود القصوى في مباريات مثل رياضيي السباقات الثلاثية (الترياثلون) وسباقات الدراجات الجبلية. على نحو مماثل، تُعتبر اثنتا عشرة ساعة فترة طويلة ومؤلمة لسياسيين يتعرضون لضغوط جبارة بعدما وجه إليهم إنذار أخير، ويسعون إلى منع حرب ستؤدي حتماً إلى مقتل عدد كبير من الناس.

عام 1914، أعطى الرايخ الألماني الروس 12 ساعة لوقف حشد جنودهم. في عام 1956، منح الفرنسيون والبريطانيون الرئيس المصري آنذاك جمال عبدالناصر مهلة مماثلة لسحب قواته من قناة السويس التي أممها، والسماح لإسرائيل باستعمال هذا المعبر المائي مجدداً. في كلتا الحالتين، نشبت حرب. يعود ذلك إلى أن مَن هددوا باللجوء إلى القوة العسكرية أدركوا أن من شبه المستحيل تحقيق مطالبهم بهذه السرعة. بعبارة أخرى، رغبوا في تصعيد الوضع.

 يبدو أن مهلة مماثلة من 12 ساعة ستسبق أيضاً الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية. يذكر مصدر استخباراتي قي تل أبيب أن السياسيين الإسرائيليين أكدوا لمارتن ديمبسي، رئيس هئية الأركان المشتركة، أن القيادة الإسرائيلية تنوي إخطار البيت الأبيض قبل نصف يوم فقط، ما إن تقرر تنفيذ الضربة العسكرية. بكلمات أخرى، ستحرص إسرائيل على تحقيق هدفين: الأول أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لن يُفاجأ بالهجوم المحتمل، والثاني ألا يكون في موقف يتيح له التشكيك بجدية في قرار حليفته ويعرقله بواسطة جهوده الدبلوماسية.

لكن هل بهذه الطريقة يُعامل بلد حليفه الأهم؟ هل يُعقل أن يُمارس الضغوط بهذه الطريقة على القوى التي يعتمد هو بذاته على حسن نواياها؟

سيطر على الأوساط السياسية في واشنطن أخيراً الخلاف بشأن ما إذا كان من الممكن وقف طموحات إيران النووية المريبة من خلال المساعي الدبلوماسية والعقوبات، أو أن من الضروري اللجوء إلى ضربة عسكرية.

كثرة الاضطراب

التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي المتشدد بنيامين نتانياهو أخيراً باراك أوباما، الرجل الأقوى حول العالم والذي لم يتردد نتانياهو في إذلاله سابقاً بسبب عناده. لا شك في أن هذين الرئيسين غير المتساويين، اللذين يكرهان أحدهما الآخر، تحادثا عن الحرب والسلام وعن منطقة تعاني راهناً كثرة الاضطرابات.

من المؤكد أن هذا الاجتماع الذي وصف بالتاريخي حتى قبل انعقاده تمحور حول إيران. وقد تحوّل من دون شك إلى مباراة لشد الحبل بين إسرائيل والولايات المتحدة، فهما على خلاف كبير بشأن احتمال تطوير إيران أسلحة نووية.

لا يريد أوباما أن تطور إيران القنبلة، إلا أنه لا يرغب أيضاً في السير نحو الحرب. لكن نتانياهو مستعد لتخطي الحدود كافة بغية وضع حد لطهران. لذلك، لم يتردد في الطلب من الرئيس الأميركي اتخاذ موقف أكثر صرامة من إيران. فلم يعد إصرار أوباما على أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة كافياً في رأي تل أبيب. يريد نتانياهو من أوباما أن يكشف أوراقه كافة على الطاولة. يود منه أن يحدد بوضوح «الخط الأحمر» الذي يجب أن تتخطاه إيران كي تقبل الولايات المتحدة بالمشاركة في ضربة عسكرية ضدها أو تدعم على الأقل هجوماً تنفذه إسرائيل، أو أن الأخيرة ستُضطر إلى التصرف بمفردها في حال قررت ضرب منشآت إيران النووية.

في المقابلات التي سبقت اللقاء، أعلن أوباما أنه سيدعم إسرائيل ويطلب من الجيش الأميركي تدمير برنامج إيران النووي إذا دعت الحاجة. فقد حذر: «أنا جاد في كلامي».

لم تتوافر حتى اليوم أدلة دامغة على أن طهران تطور حقاً قنبلة نووية، فقد عجزت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (وكالة مراقب تُعنى بالمسائل النووية تابعة للأمم المتحدة ومقرها فيينا) عن تقديم براهين مماثلة. ثمة إشارات بنت على أساسها هذه الوكالة افتراضاتها، منها عدد كبير من عمليات المراقبة التي قام بها محققوها، فضلاً عن تقارير قدمتها إليها وكالات استخبارات مستقلة. فارتكزت الوكالة عليها لتستخلص أنها لا تستطيع استبعاد أن للبرنامج النووي الإيراني «بعداً عسكرياً».

الفخ ذاته

 هل تبرر هذه الإشارات شن حرب قد تقود منطقة كثيرة الاضطرابات إلى شفير الهاوية؟ بالنظر إلى ما حدث خلال حرب العراق، الحذر ضروري. فقد شنت هذه الحملة ضد الدكتاتور العراقي السابق صدام حسين استناداً إلى أدلة خاطئة. فلا وجود لأسلحة الدمار الشامل التي قيل إنه أنتجها وكدسها.

لكن يبدو اليوم أن الحرب بين إسرائيل وإيران بسبب برنامج هذه الأخيرة النووي مندلعة منذ زمن. إنها حرب غير ملعنة، حرب خفية يُعتقد أن تل أبيب أطلقتها قبل أربع سنوات. يظن كثر أن فرق القتل الإسرائيلية استهدفت العلماء النوويين الإيرانيين في طهران مستخدمة قنابل مغناطيسية. كذلك، هاجم عملاء إسرائيل قواعد حرس الثورة الإيراني ودمروها، واستُخدمت فيروسات الكمبيوتر لعرقلة التكنولوجيا النووية الإيرانية .

يسعى الإيرانيون اليوم إلى رد الصاع صاعين. قبل بضعة أسابيع، انفجرت سيارات مفخخة في الهند وجورجيا، مستهدفة دبلوماسيين إيرانيين. كذلك، أوقف إيرانيون في بانكوك وماليزيا بعدما انفجرت قنابل كانوا ينوون استخدامها في وقت مبكر، فيما كانوا لا يزالون يعملون عليها في مخبأهم.

تتسارع الأحداث التي ترسم هذا الصراع الإسرائيلي- الإيراني الغامض. انتخب برلمان جديد في إيران قبل أيام، ولا شك في أن تفوق داعمي زعيم الثورة آية الله علي خامنئي على أنصار الرئيس محمود أحمدي نجاد سيكون له تأثير على كيفية التعاطي مع هذه الحرب مستقبلاً.

وراء الأبواب الموصدة في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، ناقش المسؤولون تقرير مجلس الحكام الأخير، وقد حصلت «شبيغل» على نسخة منه. شدد رئيس الوكالة يوكيا أمانو فيه على «مخاوفه الجدية والمتنامية» بشأن طموحات إيران النووية، معبّراً عن تفاجئه من مدى توسيع طهران قدراتها على تخصيب اليورانيوم.

نتيجة لذلك، من المحتمل اليوم توجيه ضربة إلى منشآت إيران النووية، من بينها منشآت تخصيب اليورانيوم قرب مدينتي ناتانز وقم، مصنع التحويل قرب أصفهان، مفاعل الماء الثقيل الذي يُبنى راهناً في آراك، ومحطة الطاقة النووية في بوشهر. في محادثات خاصة مع سياسيين ومسؤولين عسكريين وخبراء رفيعي الشأن من وكالة الاستخبارات الإسرائيلية، الموساد، ستُنفذ هذه الضربة خلال السنة الحالية، ربما في فصل الصيف أو الخريف. لكن المسؤولين في واشنطن يتوقعونها في شهر مايو، افتراض تراه برلين أيضاً محتملاً.

 قعقعة السيوف

 يعتقد الصحافي الإسرائيلي رونان برغمان، الذي يتمتع بعلاقات واسعة مع كبار السياسيين الإسرائيليين، أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين قد توصلا إلى اتفاق بشأن ضرورة اتخاذ إجراء عسكري بحق إيران.

يبدو نتانياهو المتشدد مصمماً بعناد. فقليلة هي المسائل التي تؤثر فيه بقدر الخوف مما يدعون تكرار مذبحة أوشفيتز. فلم يصدق مطلقاً ادعاء أحمدي نجاد، الذي ينكر حدوث المذبحة النازية، أن أهداف برنامج إيران النووي مدنية بحت، ويشعر أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير قد أكّد وجهة نظره هذه. لا يعتبر رئيس الوزراء تهديدات أحمدي نجاد المتكررة لوجود إسرائيل مجرد خطاب تكتيكي، بل يظن أن الرئيس الإيراني جاد في كلامه، ويشبه الوضع القائم راهناً بسياسة الاسترضاء التي اتبعتها أوروبا في تعاملها مع أدولف هتلر، قائلاً: «نحن اليوم في عام 1938 وإيران تمثل ألمانيا». لكن نتانياهو يؤكد أن اليهود لن يقبلوا هذه المرة أن يكونوا كبش المحرقة الذي يُقاد إلى الذبح».

لا ينتمي وزير الدفاع إيهود باراك إلى صفوف مَن يعتقدون حقاً أن أحمدي نجاد قد يشن هجوماً انتحارياً على إسرائيل. إلا أنه يبدو، على غرار نتانياهو، ممن يؤيدون مهاجمة إيران. يرفض باراك فكرة تسلح إيران نووياً، ويظن أيضاً أن الجلوس مكتوفي الأيدي أشد خطورة من توجيه ضربة إلى هذا البلد، يوضح: «ما إن تمتلك إيران أسلحة نووية، حتى تشعر دول أخرى في المنطقة بضرورة أن تحذو حذوها». ويسأل: ماذا سيحدث إن حمت إيران بدرعها النووية «حزب الله» في لبنان؟ ماذا إن وضع إرهابيون أيديهم على القنابل؟ يتابع موضحاً: «من وجهة نظرنا، تقدّم دولة نووية نوعاً مختلفاً من الحماية لأتباعها (…) لذلك، من الضروري التعامل مع هذه المشكلة راهناً». فضلاً عن ذلك، يدعي باراك أن إيران قد تدخل «منطقة حصانة» خلال الأشهر التسعة المقبلة، ما يعني أن الهجوم الإسرائيلي سيفقد فاعليته في تلك المرحلة.

تقوم إسرائيل بالتدريبات العسكرية منذ بعض الوقت. في شهر نوفمبر، انطلق طيارو النخبة في السرب 117 في سلاح الجو الإسرائيلي في 16 طائرة حربية من قاعدة جوية في حيفا لتنفيذ بعض التدريبات فوق البحر الأبيض المتوسط. وقد شملت هذه التدريبات التزوّد بالوقود في الهواء، التحليق على علو منخفض، ومحاكاة عمليات إلقاء القنابل التي تُدعىbunker buster (مدمرة التحصينات). كذلك، أجرت القيادة العسكرية الإسرائيلية اختبارات على نسخة محسنة تكنولوجياً من الصاروخ البالستي «أريحا 3»، الذي يصل مداه إلى 6500 كيلومتر، فضلاً عن أنه قادر على حمل رأس نووي.

 محاطة بالأعداء

 تهدد إيران بالرد على أي اعتداء محتمل بكل ما توافر لها في ترسانتها النووية. فكثر أولاً الحديث عن هجوم محتمل على المفاعل النووي الإسرائيلي بالقرب من ديمونا في جنوب إسرائيل، وتطلق طهران تحذيرات مماثلة لأن ميزان القوى في المنطقة قد تبدّل في الأشهر الأخيرة، ولأن إيران باتت ترى نفسها فجأة محاطة بالأعداء.

قبل سنة، كانت إيران تُعتبر المستفيد الفعلي من تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فقد قضت القوات الأميركية على اثنين من أسوأ أعداء إيران، هما شبكة القاعدة الإرهابية في أفغانستان التي نعمت بحماية طالبان، والحاكم المستبد صدام حسين في العراق الذي احتقر الملالي.

لكن حركة طالبان في أفغانستان اليوم تنتظر انسحاب الولايات المتحدة، في حين اندلعت الثورات في العالم العربي وباتت تشكل خطراً مزدوجاً على النظام في طهران. أولاً، تذكّر هذه الثورات باستمرار المعارضة الإيرانية أن ثورتها عن انتخابات عام 2009 غير النزيهة أخفقت. ثانياً، أدت هذه الانتفاضات الشعبية إلى تبديل النظام في تونس ومصر وليبيا، فضلاً عن أن أهم حلفاء إيران، نظام الرئيس السوري بشار الأسد، يتعرض لاضطرابات مقلقة.

لا شك في أن خسارة سورية ستشكل كارثة ثلاثية الأوجه بالنسبة إلى إيران. لن تفقد طهران نظام الأسد بحد ذاته فحسب، بل أيضاً نفوذها على المجموعة الإسلامية المتشددة «حماس»، التي انسحبت قيادتها أخيراً من سورية. كذلك، ستُحرم من طريق إيصال الإمدادات إلى «حزب الله»، القوة السياسية الأوسع نفوذاً في لبنان. أما المستفيدون من هذه التبدلات فهم خصوم إيران في الجنوب: الدول العربية في الخليج العربي.

«قطع الرأس»

يمكن لنتانياهو وباراك الاعتماد على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لمنح الطائرات الحربية الإسرائيلية حق المرور في منطقتيهما الجويتين. تخشى الدول العربية في الخليج العربي أن يضاهي النفوذ الإيراني في المنطقة نفوذ إسرائيل نتيجة تطويرها أسلحة نووية. ويُعتقد أن محادثات سرية تُعقد في هذا الشأن. فقد أشارت برقية دبلوماسية سرّبتها «ويكيليكس» إلى أن الملك السعودي عبدالله أخبر السفير الأميركي في الرياض قبل أربع سنوات أن «الوقت قد حان لقطع رأس الأفعى» الإيرانية.

إذاً، هل تشير الأدلة كافة إلى حرب وشيكة؟ ألا تتوافر سبل أخرى لإقناع القادة الإيرانيين بالتراجع عن موقفهم، أم أن كل شكل من أشكال الضغط السياسي – الاقتصادي على طهران يؤدي إلى نتائج عكسية؟ أولاً، ينبغي للغرب أن يتعلّم التعايش مع احتمال تطوير إيران القنبلة، تماماً كما تعلم سابقاً التكيّف مع أسلحة الاتحاد السوفياتي النووية؟

ما من مشكلة أخرى، باستثناء ربما أزمة اليورو، ستؤثر في الساحة السياحية الدولية عام 2012 بقدر إيران وبرنامجها النووي العسكري المفترض. فستعتمد قرارات الحرب والسلم المستقبلية على خطوات طهران التالية، فضلاً عن طبيعة الاتفاق بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو والرئيس الأميركي أوباما.

ما عاد أوباما راهناً يتحكم كاملاً بطريقة تعاطي واشنطن مع إيران. حتى لو كان يُعارض شخصياً تنفيذ هجوم ضد إيران، فلا يستطيع تحمل كلفة أي رفض علني وما يترتب عليه من ضرر بالغ قد يلحق بالعلاقة مع إيران، لأن مرشحين رئاسيين جمهوريين عدة ينادون بموقف أكثر تشدداً حيال إيران.

مع تشديد العقوبات ضد طهران بدءاً من شهر يوليو، الحصار النفطي المفروض على إيران، وتهديد هذه الأخيرة بإقفال مضيق هرمز بالألغام، يبدو التصعيد محتماً. ناقش القادة الأوروبيون النتائج المحتملة لهذه الخطوة خلال قمة الاتحاد الأوروبي قبل أيام. حذر رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورؤساء الدول والحكومات الست والعشرين الآخرين «من مغبة التوتر الجغرافي-السياسي»، في حال أقدمت طهران على إقفال مضيق هرمز. فلا شك في أن هذه الخطوة ستؤدي، وفق دراغي، إلى ارتفاع أسعار النفط وتضخم أسعار الأسهم في أوروبا، ما ستكون له تداعيات لا يمكن توقعها على التنمية الاقتصادية في أوروبا. لذلك، بدأت ألمانيا وفرنسا وغيرهما من دول أوروبية بملء مخزونها الاستراتيجي من النفط.

 عالم الشر المهول

يرسم الغرب سيناريو قاتماً عن بلد مخيف فخور بتاريخه ومعتدّ بنفسه إلى حد العجرفة، بلد يتجاهل الأعراف الدولية ويقوم نفوذه على مزيج من الأسلحة العالية التكنولوجيا وألف وثلاثمئة سنة من أساطير الاستشهاد التي تشدد على المعاناة والعذاب، بلد تعمد، إذا استثنينا علاقاته بالعراق وسورية، الانعزال دولياً، بلد حضارته تنزف وقد أعلن قادته الحرب على الغرب الفاسد في حين اختاروا تمويل مجموعات متشددة مثل «حماس» و{حزب الله». لذلك، يرى صقور الغرب في إيران عالم الشر المهول. أو لعل الآخرين مصيبون في رأيهم، أولئك الذين يصفون إيران بلداً فيه عدد من مراكز القوة، بلداً قيادته متعقلة وذكية، لا متهورة وانفعالية.

تُعتبر إيران قوة إقليمية، فتفوق مساحتها مساحة ألمانية بأربعة أضعاف وتضم ما يزيد على 74 مليون نسمة. كذلك، تتمتع برابع أكبر احتياطي للنفط في العالم، بعد المملكة العربية السعودية وفنزويلا وكندا. تحتل أيضاً المرتبة الرابعة بين مصدري النفط في العالم. وتجني طهران عائدات سنوية تفوق الخمسين مليار دولار من بيع الموارد الطبيعية، علماً أن هذه الثروات لا توزع بالتساوي، فقد أوضحت تقديرات الأمم المتحدة أن نحو نصف الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر.

إيران بلد التناقضات بامتياز. كانت تنعم سابقاً بمؤسسات دولة ديمقراطية برلمانية، إلا أن المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، الذي خلف مؤسس هذا البلد روح الله الخميني، يتحكم في الهيئات المنتخبة كافة.

يلقى علي خامنئي من أتباعه الكثر في إيران كل ولاء وتبجيل. إلا أن ذلك لا يمنحه السلطة المطلقة في الشؤون السياسية اليومية. يضطر غالباً إلى الرجوع إلى المجالس التي تضم ملالي وممثلين عن الشعب وقادة عسكريين، ويواجه اليوم أيضاً تحدياً كبيراً في شخص الرئيس أحمدي نجاد، صاحب الشخصية القوية.

 عقدة نقص جماعية

 لم يتردد أحمدي نجاد، خصوصاً خلال ولايته الثانية التي قدمها له قائد الثورة عقب انتشار التظاهرات الرافضة لإعادة انتخابه عام 2009، في رفض مراراً أخذ اقتراحات خامنئي بعين الاعتبار عند ملء المناصب الحكومية الشاغرة.

بات الصراع على السلطة بين قائد الثورة والرئيس الإيراني علنياً راهناً، بيد أن نتيجته لا تزال مجهولة. تنتهي ولاية أحمدي نجاد الحالية رسمياً في أواخر صيف عام 2013. في هذه المرحلة، تبدو غالبية أعضاء مجلس الشورى المنتخب حديثاً ميالة إلى خامنئي، ويستطيع ممثل الشعب الإطاحة بالرئيس أو دعمه.

علاوة على ذلك، قد يسعى المجلس إلى التدخل في هذا الصراع؟ فضلاً عن الاعتداد المفرط بالنفس الذي يستند إلى تاريخ إيران الباكر حين كانت قوة عظمى، ترزح الروح الفارسية تحت عبء ما يمكن وصفه بعقد نقص جماعية تنبع من عجز هذه الأمة الفخورة عن استعادة أمجادها السابقة.

تتأجج هذه المشاعر أيضاً بسبب المذهب الشيعي الذي تدين به الشريحة الكبرى من الإيرانيين، والذي يشكل 15% من بين 1.4 مليار مسلم حول العالم. يعوّل الشيعة على الخلاص مع عودة الإمام الثاني عشر، إذ يؤمنون بأن الإمام المهدي سيقضي على الشر في العالم، ويعتقدون أن عودته باتت وشيكة، ويُعتبر الرئيس الإيراني أحد أشد المؤمنين بعقيدة المهدي. حتى إن مؤسسة الملالي تنتقد الكثير من داعميه، معتبرة إياهم أشخاصاً طائفيين.

تعطش للنفوذ العالمي

خلال السنوات الأولى عقب تولي الخميني السلطة عام 1979، بدا واضحاً أن من الخطر التقليل من أهمية تعطش الملالي للنفوذ العالمي. فقد استماتت إيران في التصدي للهجوم الوحيد الذي تعرضت له حدود هذه الدولة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ظن الحاكم العراقي صدام حسين أن بإمكانه بسهولة ضم جزء من أراضي إيران الغنية بالنفط، فهاجم هذه الدولة الثيوقراطية في شهر سبتمبر عام 1980. ومع أن الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، قدّم السلاح لهذا الدكتاتور العراقي في حربه ضد الملالي المكروهين، أخفق صدام في إخضاع إيران. وبعد ثماني سنوات من الحرب وخسارة مئات آلاف الأرواح، توصل الطرفان إلى وقف لإطلاق النار.

عززت خلال تلك الحرب منظمتان مكانتهما البارزة كركيزتي النظام الإيراني، منظمتان لا تزالان حتى اليوم مستعدتين للاستبسال في الدفاع عن إيران ضد أي هجوم: «ميليشيا الباسيج» أو قوات التعبئة الشعبية المؤلفة من متطوعين إيرانيين و{حرس الباسداران» أو حرس الثورة الإسلامية. أعربت هاتان المجموعتان عن مدى دعمهما للقيادة عام 2009 خلال ما دُعي الثورة الخضراء. فعندما نزل ملايين من الإيرانيين، بقيادة مهدي كروبي ومير حسين موسوي (الذي قاد البلاد كرئيس للوزراء خلال فترة الحرب مع العراق المليئة بالاضطرابات)، إلى الشارع للاحتجاج على إعادة انتخاب أحمدي نجاد المريبة، هاجمتهم قوات الباسيج والحرس الثورة بضراوة، ولم تتمكن حركة الإصلاح من التعافي من تأثيرات موجة القمع هذه حتى اليوم.

صحيح أن ميليشيا الباسيج تحوّلت منذ زمن إلى مجرد فرق من قطاع الطرق، إلا أن حرس الثورة حافظ على احترامه ومكانته. ومع أنه لا يشكل برجاله المئة والخمسة والعشرين ألفاً سوى ثلث القوات المسلحة الإيرانية، يُعتبر عمود القيادة الفقري في شتى المجالات. فقائده محمد علي جعفري (54 سنة) أحد أبرز الرجال في البلد وأوسعهم نفوذاً. ففضلاً عن حرس الثورة، يتولى قيادة 300 ألف جندي احتياطي وفرق الباسيج، التي يقدّر عديدها بما لا يقل عن 100 ألف رجل. وفي أوقات الأزمات، يمكن أن تحشد فرق الباسيج نحو مليون ناشط.

يعتقد البعض أن جعفري أكثر نفوذاً من الرئيس، فيحتاج خامنئي وأحمدي نجاد كليهما إلى الحرس. لذلك، لا يترددون في التقرب منه. لكن خامنئي يتمتع بالأفضلية لأنه مفوّض تعيين قائد الحرس، وقد اختار جعفري ليشغل هذا المنصب عام 2007. إلا أن نجاد (الذي خدم في فيلق القدس التابع لحرس الثورة، فرقة تشتهر بعملياتها في الخارج) يبذل أيضاً قصارى جهده ليضمن دعم قائد حرس الثورة له.

 قلب النظام النابض

يمثل جعفري مزيجاً نادراً من المثقفين والثوار ورجال الأعمال الذين اتحدوا في مواجهة الشاه. تظاهر جعفري حين كان طالباً شاباً في كلية الهندسة ضد الملكية السقيمة عام 1978، فألقي عليه القبض مرات عدة وعُذب على يد شرطة الشاه السرية «السافاك» (منظمة المخابرات والامن القومي). وبعد الإطاحة بالشاه، كان جعفري أحد الطلاب الذين اقتحموا السفارة الأميركية في طهران. وبسبب الجرأة التي أعرب عنها خلال حرب العراق وقدراته اللوجستية، ارتقى بسرعة سلم القيادة.

يُعتبر حرس الثورة الإسلامية أيضاً قلب النظام الاقتصادي النابض، الذي يتحكم فيه جعفري بإمبراطورية تجارية هائلة. واللافت أن هذا الحرس ناضل بشراسة، كما في حربه ضد القوات العراقية، للسيطرة على الاقتصاد الإيراني.

علاوة على ذلك، يُعتبر واحد من كل ثلاثة ممثلين في مجلس الشورى الإسلامي من داعمي هذا الحرس. فضلاً عن ذلك، كان رئيس المجلس الحالي، علي لاريجاني، الذي شغل سابقاً منصب كبير المفوضين الإيرانيين في الشأن النووي، مسؤولاً بارزاً في حرس الثورة، شأنه شأن خلفه ككبير للمفاوضين، سعيد جليلي. ومن المنطقي أن يتمتع كلا الرجلين بتاريخ عريق في حرس الثورة، لأن المشاريع النووية الإيرانية محط اهتمام بالغ بالنسبة إلى هذه المنظمة.

بنت شركات تابعة لحرس الثورة الأنفاق السرية، مثل أنفاق منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم قرب مدينة قم، أحد أبرز المراكز الشيعة العلمية الدينية. كذلك، يتولى علماء هذه المنظمة الإشراف على عمليات تخصيب اليورانيوم. عُهدت أيضاً إلى قوات النخبة في حرس الثورة مهمة حماية المنشآت النووية، ويحذر قادتها بصرامة الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من مغبة تنفيذ أي هجوم ضدها. فقد أعلن أخيراً أمير علي حاجي زاده، قائد القوات الجوية في حرس الثورة، متحدثاً عن خطر تنفيذ إسرائيل ضربة جوية: «إن نجحت طائراتهما الحربية في التملص من دفاعات إيران الجوية، فستدمر صواريخ أرض- أرض التي نملكها قواعدها قبل أن تحطّ». فضلاً عن ذلك، يُعتبر محسن فخري زاده، الرئيس المزعوم للبرنامج النووي السري، مسؤولاً بارزاً في حرس الثورة الإسلامية.

 لا أدلة

ليست الأهداف كافة التي حدد الاستراتيجيون الإسرائيليون إحداثياتها على راداراتهم أنظمة محصنة بعيدة مثل منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، إذ يقع مهد البرنامج النووي الإيراني وسط العاصمة طهران.

يقع مفاعل طهران للأبحاث في الجزء الشمالي من هذه المدينة التي تعد 13 مليون نسمة، حيث يتجلى بهاء جبال ألبرز ويبدو الهواء أنقى، مقارنة بالدخان الذي يملأ الوادي في الأسفل. تحيط بهذا المجمع النووي، الذي بنته الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، مبانٍ سكنية شاهقة، مراكز تجارية، مطاعم، ودور حضانة. وما من إشارة إلى أن هذا الموقع يضم مقر السلطة النووية الإيرانية. يرأس فريدون عباسي دافاني، مدير منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، هذا العالم الصغير المعزول بمسجده، مقاهيه، مبانيه الإدارية ومجمعاته المخصصة للأبحاث. وقد عُيّن هذا البروفسور في منصبه الحالي بعدما نجا من محاولة اغتيال.

تخضع هذه المنشأة، التي تنتج نظائر لمعالجة مرضى السرطان، لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إلا أن المجتمع الدولي يخشى واقع أن إيران تُخصب قضبان الوقود الضرورية لتشغيل المفاعل إلى نسبة 20%، مستوى يجعل إيران أقرب بأشواط إلى الحصول على يورانيوم يمكن استخدامه لأغراض عسكرية.

أصرّ العالِم الذي رافق صحافيي «شبيغل» العام الماضي في جولتهم في هذه المنشأة أن العمليات كافة التي تجري في مختبراتها هدفها سلمي. قال: «غاية عملي إنقاذ الأرواح، لا قتلها». ثم نظر إلى المسجد وأضاف: «ليحمنا الرب».

 حرب سرية بالوكالة

يبدو المجمع حيث يناقش المسؤولون في إسرائيل فرق الاغتيال والحرب عبر الإنترنت وأهداف الحروب التقليدية عادياً جداً. فتحتاج إلى الوقت لتُلاحظ كاميرات المراقبة الكثيرة وكوات الأسلحة الرشاشة. وهذا طبيعي نظراً إلى أن هذا المبنى الرمادي الباهت في شمال تل أبيب قرب طريق حيفة السريع يأوي أيضاً مقر الموساد، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. يُعرف هذا الجهاز أيضاً في إسرائيل باسم «عين داود». وقد خطف «مهندس المحرقة النازية» أدولف إيخمان من الأرجنتين، نفذ انتقاماً دموياً لمجزرة الألعاب الأولمبية الصيفية في ميونخ عام 1972، وقام بعمليات الاستطلاع للغارات الجوية الإسرائيلية على المنشآت النويية في العراق (1981) وسورية (2007).

يعتقد كثيرون اليوم أن إسرائيل تشن حرباً سرية على برنامج إيران النووي، حرباً تهدف للقضاء على نخبة العلماء في طهران. ويفترض غالبيتهم أن عمليات القتل تُدار من مقر الموساد.

قُتل أول خبير نووي إيراني في شهر يناير عام 2007. مات أردشير حسنبور نتيجة التسمم بالغاز بسبب تسرب ناجم على الأرجح عن عملية تخريب في منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان. وقُتل عالم الفيزياء مسعود علي محمدي بواسطة قنبلة يُتحكم فيها عن بعد قرب منزله في طهران في يناير عام 2010. وفي شهر نوفمبر من العام ذاته، ألصق دراج يضع خوذة قنبلة مغناطيسية بسيارة مجيد شهرياري، خبير في نقل النيوترونات، خلال توقفها في زحمة السير. فلقي هذا العالِم حتفه في الحال.

قُتل العالم النووي درويش رضا نجاد بطلق ناري في رأسه في شهر يوليو عام 2011. وبعد بضعة أشهر، لقي أحد النجوم الشبان في برنامج إيران النووي، مصطفى أحمدي روشان (31 سنة)، مدير منشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم، حتفه في عملية تفجير في طهران.

لم يعلن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي رسمياً مسؤوليته عن أي من عمليات القتل هذه. فلا يعلق الموساد عادة على اعتداءات مماثلة. ولكن في الأوساط غير الرسمية، لا يترك الخبراء مجالاً للشك في هوية من يقف وراء عمليات الاغتيال هذه.

 إخفاقات غير مبررة

لا يشكك أحد في إسرائيل في ضرورة تصفية العلماء الإيرانيين، وسيلة يثير حولها القانون الدولي علامات استفهام كثيرة. لكن تماشياً مع توصيات التلمود (إن كان أحد قادماً لقتلك، فانهض أولاً واقتله)، توافق الغالبية الساحقة عن نوع آخر من الحروب، الحرب الرقمية.

طوال سنوات، اشتكى العلماء النوويون الإيرانيون من إخفاقات غير مبررة في منشآتهم النووية. فقد تحطمت ثلاث طائرات تابعة لحرس الثورة نتيجة إعطال في نظام التحكم الإلكتروني. لكن حرباً غربية أكثر شمولية حلت بإيران في شهر يونيو عام 2009. استُخدم في هذه الحرب سلاحاً عجيباً يُدعى «ستاكسنت»، فشقت دودة الكمبيوتر هذه طريقها إلى كثير من أجهزة الطرد المركزي الثمانية آلاف في منشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم، ما أدى إلى تلف الأجهزة المصابة. احتاج العلماء الإيرانيون إلى أشهر للعثور على علاج لهذه الحرب الإلكترونية. في هذه الأثناء، يعمل الخبراء الإسرائيليون على تطوير دودة جديدة ينوون تهريبها إلى الأنظمة الإيرانية. صحيح أن الهجمات الإكترونية وسيلة فاعلة في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية، بيد أنها لا تحقق أي هدف غير تأخير تقدمها.

يصح ذلك في الوقت الراهن مع بدء الإيرانيين العمل في منشأة إنتاج ثانية لتخصيب اليورانيوم تحت الأرض في فوردو قرب مدينة قم، فضلاً عن منشأة أخرى قرب ناتانز. تدرك الوكالة الدولية للطاقة الذرية (والموساد بالتأكيد) أن المهندسين الإيرانيين قد أنتجوا مصادر للنيوترونات يمكن استعمالها لإحداث انفجار نووي، وأنهم أنهوا العمل على تطوير آلية تفجير نووية. وتعلم الوكالة من حيث المبدأ المكان الذي حقق فيها العلماء كل هذا التقدم. لكن الخبراء يظنون أيضاً أن العلماء الإيرانيين نسخوا الخطوات المهمة كافة في عملية إنتاج قنبلة ذرية في مواقع سرية.

يحق لإنسان واحد إصدار الأمر بجمع القنبلة، ألا وهو قائد الثورة بحد ذاته. لكن بالاستناد إلى المعلومات التي جمعتها وكالات الاستخبارات الغربية، لم يصدر خامنئي هذا الأمر بعد. يبدو أنه يريد الاحتفاظ بالخيارات كافة. قبل بضعة أيام، أصر مجدداً على أن أسلحة الدمار الشامل أمر «محرم». كذلك، أعلنت طهران مراراً أن الوثائق التي ارتكز عليها المفتشون النوويون في خلاصاتهم مزورة، وأن مَن زورها هم مَن يريدون تغيير النظام في إيران، خصوصاً إسرائيل وحلفاءها في واشنطن. كذلك، اتهم وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمانو بالسماح لآخرين بالتلاعب به.

 درع وقائية طبيعية

يوزع المستشارون الرئاسيون في طهران تقارير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية يُفترض أنها تؤكد أن إيران، بخلاف الادعاءات كافة، مستعدة للتعاون. فهل هذا العرض جديّ أم أن الإيرانيين يسعون إلى كسب مزيد من الوقت فحسب؟

يشبه برنامج إيران النووي أحجية، قطعها (تخصيب اليورانيوم، برنامج الإطلاق، وتكنولوجيا الصواريخ التي يمكنها نقل القنبلة إلى هدفها) معدّة ومنظمة وجاهزة للاستعمال في طهران وناتانز وفوردو.

لعل القطعة الأهم في هذه الأحجية راهناً منشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو. فقد وضع العلماء الإيرانيون هناك مئات من أجهزة الطرد المركزي موزعة على مجموعتين تخصب باستمرار سداسي الفلوريد لتبلغ في نهاية نسبة التخصيب 19.75%.

تعمل أجهزة الطرد المركزي المصنوعة من الفولاذ المقوى البراق كأدوات دوارة عملاقة لتجفيف الخضر (salad spinner). وباستثناء مفاعلات البلوتونيوم، تُعتبر أجهزة الطرد المركزي الوسيلة الوحيدة لتطوير القنبلة.

تعتمد هذه الطريقة على زيادة تركيز نظير اليورانيوم 235 إلى معدلات تصل إلى 90%. وهذه المعدلات ضرورية لإحداث التفاعل المتسلسل الفجائي الذي يؤدي إلى انفجار ذري. يحتوي جهاز الطرد المركزي حاضناً يعتمد على مبدأ الطرد المركزي في معالجة غاز سداسي فلوريد اليورانيوم، فيتجمع النظير الثقيل غير الصالح للاستعمال على الجداران، في حين يبقى النظير الصالح للاستعمال في الوسط. يُنقل الغاز من آلة إلى أخرى، فيزداد معدل تخصيبه، فيما يتعرض لعمليات طرد مركزي إضافية. تُعتبر نسبة 3.5% كافية لقضبان الوقود في محطات الطاقة النووية في حين أن نسبة 19.75% ضرورية لأغراض طبية. أما القنبلة، فحتاج إلى نسبة 90%.

تجري هذه العمليات كافة راهناً في فوردو تحت الأرض بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الدولية. لكن بما أن الخطوات الأخيرة لا تستغرق سوى فترة قصيرة مقارنة بالخطوات الأولى، من الممكن الانتقال من نسبة تخصيب 19.75% إلى نسبة الـ90% الخطرة خلال فترة وجيزة نسبياً.

وفق مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقرها فيينا، أنتجت إيران 5451 كيلوغراماً من اليورانيوم المنخفض التخصيب في السنوات الأخيرة. يُفترض أن توفر هذه الكمية المواد الخام الكافية لتصنيع أربع أو خمس قنابل نووية، نظرياً على الأقل. سبق وخُصّب جزء من غاز اليورانيوم (110 كيلوغرامات) بنسبة 19،75%.

دفعت هذه الأرقام بوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك إلى استعمال مصطلح «منطقة الحصانة» عند التحدث عن برنامج إيران النووي.

تبدأ حدود «حصانة» إيران في المرحلة التي تعجز فيها القنابل عن وقف عملية التخصيب في فوردو لأن أي درع وقائية طبيعية مصنوعة من الغرانيت الصلب تحمي أجهزة الطرد المركزي هناك. فضلاً عن ذلك، سيكون مخزون اليورانيوم المنخفض التخصيب كافياً للسماح للعلماء بمتابعة العمل تحت الأرض، حتى لو تعرّض البلد لهجوم خارجي. وفق الخبراء العسكريين، ثمة قنبلة تقليدية فقط تتمتع بالقوة اللازمة لاختراق درع الغرانيت.

القنبلة المعروفة باسم «مخترق الأجسام الضخمة» (MOP)، وهي عبارة عن قنبلة خارقة للتحصينات تزن 13600 كيلوغرام وقد طورها الجيش الأميركي خصيصاً لاستعمالها في إيران. لكن لم تعمد واشنطن إلى بيع هذا السلاح إلى إسرائيل. يُعتبر «مخترق الأجسام الضخمة» بمثابة ورقة ضغط قد يستعملها الأميركيون في المفاوضات مع نتنياهو. لكن يقول الإسرائيليون إنهم سيهاجمون قبل ستة أشهر من دون هذا السلاح.

يفترض الإسرائيليون أن العلماء الإيرانيين يحتاجون على الأقل إلى تسعة أشهر إضافية لتجميع قطع الأحجية النووية وتصنيع القنبلة، في حال صدر هذا الأمر عن خامنئي. لكن تبدي وكالات الاستخبارات الغربية (بما في ذلك وكالة الاستخبارات الألمانية) رأياً مغايراً عن الفرضية الإسرائيلية. بحسب رأيها، يحتاج الإيرانيون في أفضل الأحوال إلى مهلة تتراوح بين 18 و24 شهراً لتجميع تلك القطع إذا استُكمل المشروع من دون مشاكل. ثم سيحتاجون إلى سنة أخرى لتفعيل الرأس الحربي ودسّه في صاروخ بالستي متوسط المدى.

 «ضمانات موثوقة»

 يعتبر نتنياهو أن أوباما سياسي مسالم جبان وأنه سيتجنب توجيه أي اعتداء عسكري وسيسمح لإيران في نهاية المطاف بتصنيع قنبلة ذرية، تماماً كما فعلت باكستان وكوريا الشمالية. في المقابل، يعتبر أوباما أن نتنياهو شخص كاذب ومخادع يحاول ابتزازه من خلال التهديد بشن اعتداء قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر نوفمبر. في هذه السنة الانتخابية، لا يملك أوباما خيارات كثيرة عدا عن دعم إسرائيل أو عدم الوقوف في وجهها على الأقل.

بالنسبة إلى أوباما، لا بد من موازنة الأمور. من جهة، هو يريد ترهيب إيران عبر تهديدها بشن اعتداء عسكري. ومن جهة أخرى، يريد منع نتنياهو من التحرك بشكل أحادي الجانب.

لكن لتحقيق ذلك، يجب أن يمنح الإسرائيليين «ضمانات موثوقة» تؤكد على أنه سيمنع إيران شخصياً من تطوير سلاح نووي، طالما يبقى في موقع يخوّله فعل ذلك بحسب قول عاموس جادلين الذي كان رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حتى نهاية عام 2010. يعني ذلك أن أوباما يجب أن يحدد بكل وضوح المرحلة التي ستُقدم فيها الولايات المتحدة على مهاجمة إيران. هل سيفعل ذلك؟

حتى الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن لم يوافق على دعم سلف نتنياهو عندما هاجمت إسرائيل المفاعل السوري في عام 2007، بل إنه أوصى إسرائيل بالامتناع عن ذلك التحرك.

والنتيجة؟ دمرت إسرائيل المنشأة النووية السورية بعد بضعة أسابيع.

 خامنئي لا يريد صراعاً مسلحاً

 سيؤدي أي اعتداء إلى إسكات جميع الانتقادات. في حال اندلاع معركة ضد إسرائيل وحلفائها، سيتقارب مختلف فئات الشعب الإيراني. فلن تجرؤ «الحركة الخضراء» في هذه الحالة على الاعتراض، وستصبح الخلافات بين خامنئي وأحمدي نجاد في طيّ النسيان.

بعد إطلاق أول قنبلة إسرائيلية، سينهض القائد الثوري من أعماق الحياة السياسية اليومية التي جرّه إليها الرئيس وسيصبح فجأةً سيّد الحرب والسلم، ثم سيحصل خامنئي حتماً على حجة مناسبة ليأمر الخبراء بتصنيع قنبلة نووية.

لكن يظن كل من يعرف خامنئي وأقرب مستشاريه أن القائد الثوري لا يسعى إلى خوض صراع مسلّح على رغم خطابه العدائي. يكثر الحديث في طهران عن أنّ خامنئي يراهن على الفترة التي تلي انتهاء ولاية أحمدي نجاد الرئاسية، إذ من المنتظر حينها أن يقوم رئيس جديد يقبله خامنئي بتنظيف الفوضى التي خلّفها المتعصّبون.

يعتبر الخبراء أيضاً أن القرار بشن صراع نووي قد يصبح ممكناً في عهد أي رئيس مستقبلي يتمتع بثقة القائد الثوري. في حال أراد المجتمع الدولي الاعتراف بحق إيران بتخصيب اليورانيوم، قد تصبح القيادة في طهران مستعدة لقبول «تدابير بناء الثقة وتعزيز الشفافية». بعد ذلك، ستكون الخيارات كافة واردة (بطريقة سلمية طبعاً!).

لكن نظراً إلى تطور الوضع في الفترة الأخيرة، لا شيء يؤكد على أنّ إسرائيل ستعطي القيادة الإيرانية هذا الوقت كله. لهذا السبب، سيكون الاجتماع في واشنطن بالغ الأهمية. يتوقف كل شيء على قدرة أوباما ونتنياهو على بناء ثقة متبادلة بينهما.

 سيّد الحرب والسلم

 هل يمكن أن يتصرف نظام كالنظام الإيراني بشكل منطقي عند استعمال القنابل بقدر ما يظن بعض مؤيدي استعمال القوة في الغرب، وهل سيقاوم الشعب قيادته الخاصة؟

لا شك أن قوات الحرس الثوري، أهم ركيزة للنظام، ستدفع ثمناً باهظاً. تستهدف العقوبات الراهنة الحرس الثوري في المقام الأول. فقد مُنع قادته من السفر الدولي، ولا شك أن الحصار التجاري موجّه ضد شركاته تحديداً، كذلك أدى الحظر النفطي إلى تراجع عائداته من شركات النفط بنسبة كبيرة. في حال شن ضربة عسكرية، سيسقط العدد الأكبر من القتلى في صفوف الحرس الثوري لأنه يحمي المنشآت النووية التي ستستهدفها العمليات العسكرية.

لكن عند تكثيف عمليات التفتيش، يتبين أن ضباط الحرس الثوري يستفيدون من أي تصعيد للوضع. يؤدي أي تشديد إضافي للعقوبات إلى ازدهار السوق السوداء وتعزيز نشاطات التهريب، ما يقوي اقتصاد الظل علماً أن بعض قادة الحرس الثوري يسيطر على هذا الاقتصاد أكثر من التجارة القانونية.

حتى ارتفاع حصيلة الضحايا لن ينجح على الأرجح في إقناع الموالين للنظام بالاستسلام بل إن العكس صحيح. فهم سيعلنون أن جميع من قُتلوا في صفوفهم هم شهداء. هكذا سيتحسن موقعهم في الأوساط الشعبية مع كل شهيد تتباهى به هذه المنظمة.

كذلك، قد يستفيد الرئيس بدوره من أي اعتداء عسكري. فهو سيكون الخاسر حتماً في أي صراع داخلي بين مختلف مراكز القوة لأنه ادعى سابقاً أن الغرب سيقبل بأن تخصّب إيران اليورانيوم. لقد شكّلت كل جولة من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن لطمة موجعة في وجه الرئيس. سيكون أي اعتداء مرتقب بمثابة كارثة سياسية. لكن شكك خصوم أحمدي نجاد (بما في ذلك المتحدث باسم البرلمان لاريجاني والقائد الثوري خامنئي) بقدرة المجتمع الدولي على التمسك بمواقفه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.