شؤون فلسطينية

دراسة إسرائيل وحماس إطلاق النار ووقف إطلاق النار في شرق أوسط جديد

فهرس المحتويات

1-               الملخص التنفيذي والتوصيات
2- المشهد من زاوية “إسرائيل
3- الدور المصري الموازن  
4- نقطة تحول في الضفة 

  5- استنتاجات

بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة
العنوان “إسرائيل” وحماس: إطلاق النار ووقف إطلاق النار في شرق أوسط جديد
تقرير الشرق الأوسط رقم 133
المؤلفون خبراء استراتيجيون في “مجموعة الأزمات الدولية”
جهة الإصدار مجموعة الأزمات الدولية – International Crisis Group
تاريخ الإصدار 22 تشرين الثاني 2012
عدد الصفحات 17 صفحة
جهة إصدار الترجمة مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة 05 كانون الأول 2012

1-    الملخّص التنفيذيوالتوصيات
تحمل الحرب بين إسرائيل وحماس كل السمات المميزة لفيلم مأساوي شاهده الكثيرون مرات عديدة: طائرات تمطر غزّة بالقنابل، مخلفة موتاً ودماراً؛ صواريخ تُطلَق من القطاع عشوائياً ناشرة الرعب في طريقها؛ ودول عربية تعرب عن غضبها بسبب قوة إسرائيل الوحشية؛ وحكومات غربية تعرب عن تفهمها لممارسة إسرائيل حقها في الدفاع عن نفسها. ومن ناحية أخرى، الجهات الفاعلة ملتزمة بنص الفيلم: تتوسط مصر للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ويزعم الخصمان تحقيق النصر، ويتحمّل المدنيون الخسائر.
بيد أنه وإن كانت حرباً قديمة، فقد دارت رحاها في ميدان جديد. إنها المواجهة الإسرائيلية العربية الأولى منذ موجة الثورات العربية التي اندلعت في مطلع سنة 2011 وأوصلت الإسلاميين إلى السلطة. والنتيجة هي أن حماس باتت في وضع أفضل ومتهيئة للقتال واستعاضت عن شراكتها مع أحد خصوم الولايات المتحدة بأحد حلفائها. باتت مصر تحت حكم الإخوان المسلمين، المنظمة الأم لحماس، والتي بنت سمعتها من بعض النواحي بانتقاد من سبقوها في الحكم لمهادنتهم إسرائيل وترك الفلسطينيين يواجهون مصيرهم. في هذا الاختبار الحقيقي الأول للنظام الإقليمي الناشئ، سعى المتخاصمون لتحديد قواعد اللعبة وتوضيحها وصياغتها متى أمكن ذلك. والحصيلة النهائية هدنة تشبه إلى حد بعيد سابقاتها باستثناء أنها تحظى الآن بضمانة مصر جديدة وأن التوصل إليها تم في بيئة متحولة. وإذا كان المراد أن تدوم أكثر من سابقاتها، ينبغي التعامل مع متطلبات أساسية لكل من إسرائيل والفلسطينيين.
تنبّهت إسرائيل تماماً للمشهد المتحوّل وخافت منه، لكنها عزمت على إثبات أن هذه التحولات لن تغيّر شيئاً. لكن مع وقوع مصر في أيدي الإخوان المسلمين، أحست أن حماس باتت تعتقد أنها قوة لا تُقهر وأنها على يقين بأن إسرائيل خسرت حريتها في التصرف، ومقيدة في ما يمكنها فعله ضدّ غزّة خشية استفزاز مصر وتعريض علاقاتها الدبلوماسية معها للخطر. ومع أنه يمكن تعليل العملية العسكرية التي نفذتها إسرائيل بأنها ردّ على هجمات صاروخية، بيد أن تسلسل الأحداث، والاستهداف الدقيق (للقائد العسكري الرئيسي في حماس مثلاً) والردّ المفرط القوة يشير إلى ما هو أبعد من ذلك. في الواقع، أراد صنّاع السياسة الإسرائيليون توجيه رسالة وهي أنه إذا كانت حماس تظن أنها تتمتع بعباءة حصانة، وإذا كانت مصر تعتقد أن في إمكانها ردع إسرائيل، فالأحرى بهما أن يعيدا التفكير.
ولنعكس هذا المنطق ولننظر إلى المسألة من منظور حماس. لطالما كانت مصر الجدارَ الذي تدفع إسرائيلُ إليه الحركةَ الإسلامية الفلسطينية، من غير أن يكتم الرئيس مبارك وأعوانه رغبتهم في أن تُكال الضربات للحركة لإسقاط الحكم الإسلامي في غزّة. ترى حماس أن هذا الجدار أصبح عمقها الاستراتيجي منذ سقوطه. وبتمسك حماس بهذا الموقف، كانت تقيس الدعم الذي يمكنها توقعه من دول لديها الموارد والصلات الدولية التي افتقر إليها حلفاؤها السابقون، وتحثّهم على فعل المزيد، وتسعى للحصول على مكاسب سياسية من التركيبة الإقليمية الجديدة. أرادت أن تعرف إن كانت مقايضتها سوريا وإيران بمصر وقطر وتركيا تجارة رابحة. وحاولت إرسال رسالتها الخاصة بأن القواعد قد تغيّرت. العالم العربي مختلف ويتعين على إسرائيل أن تتعايش معه.
بالنسبة إلى قادة مصر، جاء الاختبار مبكراً جداً. فهم لا يزالون يتلمّسون طريقهم، ويوازنون بصعوبة بين المصالح المتضاربة. أولويتهم القصوى هي الاقتصاد، وهو ما يدفعهم إلى طمأنة الغرب وإنكار أي نية بقطع علاقات بلادهم بإسرائيل. لكن لديهم جماهير ناخبة أيضاً، فضلاً عن عقيدة قديمة وتاريخ بالتنديد بالحكام السابقين لبيعهم الفلسطينيين. والسلبية في التعامل مع معاناة غزّة ستُظهر عجزهم وتقوّض صدقيتهم.
كما أن الصراع الدائر في الجوار ساعد على تسليط الضوء على ميزان القوى في الداخل. ذلك أنه للمؤسسة الأمنية العسكرية، التي لا تزال صنيعة نظام مبارك، مصالحها عند التعامل مع غزّة، وهي تقليص حجم حماس، والمحافظة على علاقات فاعلة مع نظيرتها الإسرائيلية، وضمان عدم تحمّل مصر المسؤولية عن أراضٍ فلسطينية غارقة في الفوضى حين تصبح بلادهم منفذ الأراضي الفلسطينية الوحيد إلى العالم الخارجي. وربما يشغل بالَ قيادة الإخوان المسلمين المدنية اليوم همومٌ أخرى إذْ أنها ترى أن إقامة علاقة أوثق بغزّة التي يحكمها إسلاميون أهم من الحدود المادية. وإمكانية فتح المعبر الحدودي بين مصر وغزّة من عدمه، كما نصت اتفاقية وقف إطلاق النار، ستوضح حالة شدّ الحبال الداخلية هذه.
لا تزال المحصلة النهائية غير واضحة تماماً في هذه المرحلة، إذْ أثبتت إسرائيل أن الموجة الإسلامية لا تردعها وأنها تحتفظ بحرّية التصرف وبمساندة الغرب. ولنجاح منظومة القبة الحديدية أهمية بالغة بلا ريب في وضعية إسرائيل إزاء حزب الله، وإيران وهذا هو الأهم. لكنّ إسرائيل ترددت في الشروع في غزو برّي وأحست أنها مرغمة على التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار لا يراعي هواجسها المحورية بشكل واضح. من أسباب ذلك الإدراك المتزايد لإمكانية إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بالعلاقات مع مصر. كما انتفعت إسرائيل من مساندة الغرب القوية، وبخاصة الولايات المتحدة. لكنّ تخوف واشنطن من إطالة أمد الصراع، وتأثيره السلبي في الديناميات الإقليمية الأوسع، كان محسوساً. وفي النهاية، ضغطت الولايات المتحدة على رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو لكي يؤيد الاقتراح المصري، مع وعدها بمساندته إن استؤنف القتال.
ومن ناحية أخرى، تستطيع حماس زعم إحرازها نصراً مؤزراً، إذْ أظهرت أنها لا تُردَع وأنها استمتعت بزيارات غير مسبوقة لمسؤولين عرب إلى غزّة. كما نصت اتفاقية وقف إطلاق النار على زيادة سبل اتصال غزّة بالعالم الخارجي، وهو إنجاز كبير طالما سعت لتحقيقه. وأثبت الحركة الإسلامية أنها اللاعب المركزي على الساحة السياسية الفلسطينية، كما أن المتظاهرين في غزّة أعربوا عن حس صادق بالغبطة. ومع ذلك، لا يمكن القول إن الصورة إيجابية بالكامل. فمع أن نبرة العرب بدت أكثر تحدياً في خطبهم، لم يطرأ جديد على أفعالهم. ذلك أن حكام مصر ما زالوا حبيسي مآزقهم الخاصة ولم يقدموا شيئاً جديداً من حيث الجوهر: شجب عارم، واستدعاء سفيرهم لدى إسرائيل، والتوسط والتعاون مع واشنطن من وراء الكواليس للتوصل إلى حلّ.
يتعين أن يكون الهدف الفوري في الوقت الحالي ضمان توقف القتال بالفعل والامتثال للالتزامات الأخرى المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار. وهناك سبب وجيه للشك في ذلك بسبب التاريخ الطويل لهذه الاتفاقيات وغموض نص الاتفاق نفسه. لكنّ الديناميات الجديدة في الشرق الأوسط قد تجعل الاتفاق مختلفاً هذه المرة. فلدى القاهرة حافز لضمان نجاحه، ولديها الكثير مما يمكنها تقديمه لحماس، على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، وعلى الصعيد المادي مع حلفائها في أنقرة والدوحة؛ ومن غير الوارد أن تنفّر الحركةُ الإسلامية مصرَ في عهد مرسي على الطريقة التي لم تتردد في استخدامها لتنفير مبارك إلاّ نادراً. وللسبب عينه، قد تجد إسرائيل عزاء في حقيقة أن مصر أثبتت أنها براغماتية، حتى تحت حكم الإخوان المسلمين، ومتلهفة لتجنّب التصعيد. وإذا لم يكن لدى مصر رغبة في تغيير هذا الوضع، سيتعين عليها أيضاً الالتزام بتعهداتها. أخيراً، يرجّح أن تكسب الولايات المتحدة والرئيس أوباما صدقية ونفوذاً جديداً في إسرائيل بفضل الدعم القاطع لها. وهذان رصيدان يمكن استخدامهما في ضمان الامتثال لاتفاقية وقف إطلاق النار.
يبقى الكثير من الأسئلة التي لم تجد إجابات، فهل سيكون غموض نص الاتفاق أداة إفشاله كما حصل في الماضي؟ وهل ستراقب مصر بفاعلية تنفيذ الاتفاق، وهل ستفي بالتزاماتها، وتحديداً فتح معبر رفح المؤدي إلى غزّة؟ وهل سيتواجد مراقبون من طرف ثالث كأوروبا مثلاً؟ وكيف ستفي الولايات المتحدة بتعهدها الموازي الذي أعطته لإسرائيل بوقف تدفق الأسلحة إلى غزّة؟ وهل هناك حاجة إلى تعاون مصر في هذه المسألة؟ وهل سيكون تعاونها، إذا تحقق، وشيكاً؟ وهل ستسعى الفصائل المتحالفة مع إيران لإعادة إشعال صراع يخدم طهران ومصالح حليفتها سوريا؟ أضف إلى ذلك أنه ستدور معارك خفية أخرى، مع استمرار الصراع بين إسرائيل وحماس بطرق متنوعة، بما في ذلك الصراع بين إسرائيل ومصر على من سيدفع الثمن الأكبر لإعادة الوضع الاقتصادي إلى طبيعته في غزّة، وكذلك الصراع بين القيادتين المصريتين السياسية والأمنية على آفاق المضي في فتح معبر رفح.
هناك أمر واحد واضح، وهو أنه بصرف النظر عما سيحصل عدا ذلك، لا يبدو النظامُ الجديد برّاقاً للمعسكر غير الإسلامي في الحركة الوطنية الفلسطينية. ومع تركيز الانتباه على غزّة واضطلاع الإسلاميين بإدارة القتال والمفاوضات، وضعفت أهمية السلطة الفلسطينية وقدرتها، وتباهى المتظاهرون في الضفة برفع علم حماس لأول مرة منذ زمن بعيد، وأضحى الرئيس عباس وحركة فتح، وكذلك آفاق نجاح حلّ الدولتين، في الطرف الخاسر. ونتساءل هنا أيضاً، ما هو الشيء الآخر الجديد في ذلك؟
إن المضي في سلام حقيقي لن يكون سهلاً. لكن في الحدّ الأدنى وكخطوة أولى:
• ينبغي لمصر إعادة إطلاق مساعيها والضغط بقوة للتوصل إلى مصالحة بين فتح وحماس ليتسنى للسلطة الفلسطينية العودة إلى غزّة بشكل حقيقي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء انتخابات، واستئناف المفاوضات مع إسرائيل ولملمة شمل الحركة الوطنية؛
• وينبغي لمصر توظيف تعاونها الذي جددت التأكيد عليه مع الولايات المتحدة لإقناعها باعتماد موقف أكثر مرونة وبراغماتية من الوحدة الفلسطينية.
في النهاية، مع انقشاع الغبار وصمت المدافع، ستتضح أمور كثيرة أخرى بشأن الخريطة الإقليمية الجديدة، مثل كيفية عملها ومن يضع قواعدها، وآفاق مضي الأطراف المختلفة في مشاريعها، وإمكانية التغلب على العوائق التي برزت باستمرار في الماضي. هذه الحرب القصيرة لحظة تعليمية بحسب تعبير الرئيس أوباما. والمؤسف أنه كان لهذه المعرفة ثمن باهظ، وأنه طُلب إلى الأشخاص غير المعنيين، المدنيين في كلا الجانبين، سداد الثمن مرة أخرى.

2-   المشهد من زاويةإسرائيل
رأت حماس شرقَ أوسط مختلفاً، وكذلك فعلت إسرائيل. منذ سقوط مبارك وصعود الإسلاميين في شتى أرجاء المنطقة وإسرائيل قلقة من إحساس حماس بالجرأة واقتناعها بأن إسرائيل لن تجرؤ على التصادم معها وجهاً لوجه مخافة تقويض روابطها بمصر. ورأت إسرائيل علامات على تآكل قدرتها الردعية مع امتلاك حماس أسلّحة أكثر تعقيداً وتزايد النيران الصاروخية التي تُطلق من غزّة. ففي سنة 2010، وهي السنة التي تلت عملية الرصاص المصبوب، أطلق المسلّحون الفلسطينيون من غزّة نحو 360 مقذوفاً (صواريخ وقذائف مورتر) على إسرائيل. لكنّ عدد هذه المقذوفات ازداد باطراد منذ ذلك الحين. ففي سنة 2011، سقط أكثر من 675 مقذوفاً على إسرائيل، وارتفعت وتيرة إطلاق النار إلى حدّ تجاوز هذا العدد في سنة 2012 حتى قبل اغتيال الجعبري. وخلال الشهور العشرة الماضية، تضمنت المقذوفات التي تجاوزت الخمسمائة نسبة مئوية أعلى من الصواريخ التي يمكنها قطع مسافات أبعد، وبالتالي برز تهديد عسكري وسياسي أشد خطورة. وفي موازاة ذلك، اقتنت حماس (وكذلك حركة الجهاد الإسلامي) صواريخ غراد وصواريخ مضادّة للدبابات، وهرّبت وطوّرت لأول مرّة صواريخ بعيدة المدى (فجر-5 وأم-75)، وبالتالي باتت مساحات أوسع من إسرائيل ضمن مدى نيران الصواريخ.
زاد الوضع سوءاً في نهاية سنة 2012. كانت حركة حماس قد فعلت الكثير لمنع الجهاد الإسلامي وجماعات أخرى من شنّ هجمات، لكن بدا لإسرائيل الآن أن جهود الحركة قد انحسرت. وبحسب محلل أميركي، قلقت إسرائيل من كون الحركة الإسلامية تسعى “لتهيئة وضع عادي جديد تُضطرّ إسرائيل إلى التكيّف معه”. وفي مرحلة معينة، وجدت الحكومة الاسرائيلية أنه لم يعد في استطاعتها تحمّل هذا الوضع الراهن المستجدّ، وعزمت على عدم ترك حال انعدام اليقين في المنطقة تؤثر في وضعيتها الاستراتيجية وتقيّد قدرتها على التصرف، بما في ذلك القيام بعمل عسكري. لذلك قال وزير من الليكود:
كل شيء جديد بالطبع. القيادة في مصر لم يكتمل تكوينها بعد، وهي تفتقر إلى نمط تفكير أو سلوك واضح يمكّننا من جمع المعلومات عنها والتكهّن بردود فعلها. لكن يتعين علينا افتراض أن الفريق القيادي عقلاني وأن مصر ليست طليقة اليد بالكامل لتتصرف كما يحلو لها، فلا أحد منا كذلك. وبالتالي من المنطقي افتراض أن القاهرة لن ترغب في التصعيد أو لن تسعى له. وستتطلع كغيرها في المنطقة إلى تهدئة الأوضاع.
وبالتالي يكمن في جوهر عملية “عامود السحاب” جهد لإثبات أن الثقة بالنفس التي امتلكتها حماس حديثاً سابقة لأوانها ومبالغ فيها، وأنه برغم الصحوة الإسلامية، لن ينجم عن التحولات التي تطرأ على الشرق الأوسط الجديد تغيير كبير. بعبارة أخرى، هدفت العملية إلى إعادة التأكيد على قواعد اللعبة التي ستحكم الشرق الأوسط الناشئ. وقال بيني بيغن، وهو وزير رفيع من الليكود، إن ممارسة إسرائيل سياسة ضبط النفس في الشهور والسنين الأخيرة شجّع حماس على التوصل إلى استنتاج خاطئ:
كبحت حماس نفسها قبل [التغييرات التي حدثت في] مصر وقبل وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة. وفجأة تغير هذا الوضع. إذا كانت أخطأت في الحساب بافتراضها أن أيدينا مقيدة وأننا لن نجرؤ على ضرب عنق شخصية مركزية في المنظمة، فسوف نعيدها إلى الواقع. ولا يمكنني إخباركم عن المؤشرات التجريبية التي تثبت توصلهم إلى هذه النتيجة، لكن الهدف الإجمالي هو حمل الحركة على إدراك هذه الحقيقة.
يمكن القول بأنه كان لدنو الانتخابات الإسرائيلية في كانون الثاني 2013 دور في العملية. شكّل تزايد عدد الصواريخ تهديداً بإضعاف رسالة حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو والتي تقوم على منصة الاستقرار والأمن. لكن إذا كان للعوامل السياسية أهمية، يرجَّح أن تأثيرها في توقيت العملية أكبر من تأثيرها في العملية من حيث المبدأ. وبحسب تعبير بيغن، فإن العنف الناشئ عن غزّة “بلغ ببساطة مستوى شديداً للغاية من وجهة نظرنا”. وبالنظر إلى تصاعد الهجمات على إسرائيل، تساءل العديد من القادة السياسيين عن سبب التأخر الطويل لعملية “عامود السحاب” لا عن سبب شنّها في وقت مبكر جداً. وعلّق أوتنيل شنيلر، وهو عضو من كاديما في لجنة الدفاع والشؤون الخارجية في الكنيست، بالقول “إذا سألتَ لماذا يدافع شخص يتعرّض للهجوم عن نفسه، فأنت لا تستوعب الحقيقة جيداً. هذه إمارة على فقدان السائل صوابه. نحن ندافع عن أنفسنا لأننا لم نصبح مجانين”.
وكما هي الحال دائماً، حازت الخطوةُ دعماً سياسياً وشعبياً شاملاً (في أوساط يهود البلاد). واعتماداً على درس مستخلَص من سوء إدارة حرب لبنان في سنة 2006 وحروب غزّة بين سنتي 2008 و2009، حرصت الحكومة على تحديد هدف متواضع (نسبياً) تظنّ أن في استطاعتها بلوغة بسرعة، وهو تسديد ضربة قوية لحماس تكون كافية لثنيها مدة من الزمن عن اعتماد هذا النمط في السلوك مرة أخرى. وفي هذا السياق، جادل وزير في الليكود، في إشارة إلى حماس، بأنه إذا تم التسبب بألم بالغ، لن يكون أمام الحركة خيار سوى تعلّم الدرس. “إنهم ليسوا أشخاصاً أغبياء. إنهم في حاجة إلى الجلوس وتقييم الوضع لمعرفة إلى أين ستؤدي بهم تصرفاتهم، وما هو البديل الذي يمكن بواسطته ردع إسرائيل؟” قال شنيلر:
إذا كانت المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية تُثبت أنه لا يزال لدى حماس قدرات عسكرية كبيرة، أو أن فصائل مستقلة (منظمات أصغر حجماً) يمكنها العمل في غزّة، أو أنه لا وجود لحكومة مركزية يمكنها لجم الجماعات الصغيرة بفاعلية، يتعيّن إذاً ألاّ تتوقف إسرائيل”.
أيّدت الأحزاب الإسرائيلية، المنتمية إلى الائتلاف وكذلك أحزاب المعارضة، أهدافَ الحكومة. ومع ذلك، عابها النقّاد كونها متواضعة للغاية. وكإجراء بديل، دعت شخصيات من كاديما إلى استئصال خطر نيران الصواريخ الذي يهدد المدنيين عوضاً عن تقليصه، وإلى الإطاحة بحماس (وهو ما دعا إليه أيضاً عدد كبير من القادة اليمينيين).
عرف القادة الإسرائيليون من تجاربهم السابقة أن المخاطر ستتفاقم بمرور الوقت، وأنه يرجح ألاّ تحقق العملية غير مكاسب متضائلة وهامشية وحتى سلبية بعد مرحلة معيّنة. لذلك، قوّموا العملية للحدّ من الإصابات الفلسطينية التي كانت أدنى بكثير من إصاباتهم في بداية عملية الرصاص المصبوب حين قُتل أكثر من مئتي شخص في اليوم الأول فقط. كما ضمنوا مساندة قوية عموماً، ومن الولايات المتحدة وأوروبا خصوصاً، بما في ذلك مساندة قراراتهم العسكرية. لكنّ إسرائيل كانت قلقة من إمكانية ألاّ تستمرّ هذه المساندة إلى الأبد، إذْ حذّر مسؤولون غربيون من ارتداد الأحداث سلباً على إسرائيل إذا زادت الإصابات في صفوف المدنيين، لا سيما في توغّل برّي. كما قلق قادة إسرائيل من اضطرار القادة العرب إلى اتخاذ قرارات غير شعبية في نظر الغرب ولكنها لازمة في بلادهم. وأقرّ مسؤول بالخوف من تسيير مظاهرات ضخمة في العالم العربي إذا شنّت إسرائيل عملية برّية.
وحتى في الضفة الغربية، بدا الهدوء والاستقرار على وشك التحوّل إلى فوضى. وكما أشرنا سابقاً، وفّر التصعيد في غزّة الغطاءَ اللازم لحماس لتخرج من مخابئها هناك، إذْ شوهدت أعلامها الخضراء بأعداد كبيرة لأول مرة منذ خمس سنين، والظاهر أن المقاومة المسلّحة استحوذت على انتباه جديد من جانب بعض شبان الضفة الغربية، علماً بأن للاحتكاك بين الجنود الإسرائيليين والمتظاهرين أخطاره الخاصة. وقلّل المسؤولون الإسرائيليون في تقييماتهم من خطر دخول حزب الله المعمعة مهاجماً لأنهم رأوا أنه ليس لإيران مصلحة في إشعال مواجهة وبالتالي تحييد ما تعتبره أحد أسلحتها الردعية الرئيسية إزاء هجوم يستهدف منشآتها النووية. والظاهر أن الحال كانت كذلك، مع أنه كان لسوريا وحلفائها مصلحة في صرف الانتباه بعيداً عن الثورة السورية وإظهار عجز ونفاق الدول العربية الراغبة في تسليح السوريين لمقاتلة سوريين آخرين وليس تسليح الفلسطينيين لمحاربة إسرائيل. لقد هدأ القتال في الوقت الحالي، لكن يمكن القول إن حافز دمشق لإشعاله يبقى قوياً.
لذلك، لم تكد تمضي أيام قلائل على البدء بالعملية حتى تعالت أولى الأصوات مطالبة بإنهائها وإعلان نجاحها، مع أن القضايا الأساسية لم تُحَلّ وقتذاك. ودفاعاً عن وجهة النظر هذه، سارع البعض إلى زعم تحقيق إسرائيل النصر أصلاً. فقد قضت على القائد الفعلي للجناح العسكري لحماس، ودمّرت جزءاً كبيراً من الصواريخ البعيدة المدى في غزّة فضلاً عن منشآت تخزين الأسلحة ومنصات الإطلاق، وأثبتت فاعلية “القبّة الحديدية”، وجاء ذلك كله مقابل عدد متدنٍ من الإصابات.
على أن ذلك لم يكن قراراً تستطيع الحكومة الإسرائيلية بمفردها اتخاذه. إذْ أنه كان لحماس كما رأينا حساباتها الخاصة، وتصوّرها أن الوقت في صالحها جعلها غير راغبة في إنهاء المعركة بسرعة. لكنّ الحكومة الإسرائيلية المتفطنة لهذا الأمر قامت بإجراءات ملموسة لتعزيز صدقية عملية برّية، بما في ذلك استدعاء آلاف الجنود من قوات الاحتياط. أريد من تلك الخطوات في المقام الأول إطلاق تهديد تحبّذ إسرائيل عدم تنفيذه. لكن لو أن صاروخاً أصاب هدفاً فائق الحساسية في إسرائيل وأوقع عدداً كبيراً من الإصابات، لم يكن نتنياهو سيجد خياراً آخر سوى المضي في عملية برّية.
لم تكن قراءة إسرائيل الخريطةَ السياسية بعيدة عن الواقع. بإطلاق الهجوم، بعث صنّاع السياسة برسالة إلى حكام مصر وإلى حماس فحواها أن المشهد الإقليمي الجديد لا يردعهم، وبدوا أنهم يتّكلون على حاجة مصر إلى دعم مالي دولي (لا سيما من الولايات المتحدة) كقيد قوي. زد على ذلك أنهم اعتقدوا أن الهواجس بشأن غياب القانون في سيناء فضلاً عن الحدود المخترقة مع غزّة توفر حوافز تدفع المصريين إلى السعي لتهدئة الأوضاع. وكان في مقدور صنّاع السياسة الإسرائيليين، في الأيام الأولى على الأقل، استنتاج أن منطقهم كان سليماً. ربما كانت تصريحات الرئيس مرسي أقوى من تصريحات مبارك، وربما كان إيفاد رئيس الوزراء قنديل إلى غزّة عملاً غير مسبوق، فضلاً عن استدعاء السفير المصري، لكنّ اللغة، والزيارة واستدعاء السفير بدت خطوات أريد منها التعويض عن عدم القيام بعمل ملموس. وما تبقى، مثل الدعوة إلى انعقاد مجلس الأمن وانعقاد جامعة الدول العربية، والتشاور مع الرئيس أوباما، فإجراءات معتادة عكست استمرار الماضي أكثر مما عكست انفصالاً عنه.
قال وزير في الليكود “إن شعار برنامج المئة يوم الذي أطلقوه هو ’الإسلام هو الحلّ‘. لكن وكما رأى المصريون في هذه الحالة، الإسلام ليس الحل”. ووصف مسؤول آخر موقف الجهات الإقليمية الأخرى فقال “لا يمكنني أن أرى تركيا أو قطر أو تونس تتجاوز الزيارات التضامنية الخاطفة التي قام بها قادتها أو تقديم مؤن طبية وأموال لأغراض إنسانية. وسأفاجأ إذا خاطروا بإرسال أسطول شبيه بأسطول مافي مرمرة”.
الأمر المساوي في الأهمية هو إثبات إسرائيل قدرتها على تنفيذ عملية كبيرة واستمرار تمتعها بدعم غربي قوي. وشدد مسؤول إسرائيلي على أن ذلك كان أحد أهم الإنجازات التي ترتبت على العملية:
لم تكن عملية صغيرة، وقد تميّزت بالقوة والعدوانية والخطورة. لكننا حصلنا على دعم جماعي من الدول الأهم في نظرنا، سواء أكانت الولايات المتحدة أم دولاً أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وهذا إنجاز مهم للغاية يقوّي صدقية تهديداتنا الآن وفي المستقبل.
تجدر دراسة مدلولَين محتملَين آخرَين للحرب الحالية:
• الأول هو علاقتها بحرب محتملة مع إيران. ومع أنه ليس هناك رابط مباشر بين الحربين، لا سيما وقد تدهورت علاقات حماس بإيران الآن، يمكن القول إن نتنياهو فنّد مقولة أنه كثير الكلام قليل العمل، كما أن النجاح الجليّ للقبّة الحديدية يمكن أن يقلل الخطر الذي تمثّله الترسانة الصاروخية لدى حزب الله، والتي تُعتبر رادعاً استراتيجياً إيرانياً.
• المدلول الثاني هو الأهمية بعيدة المدى للحرب بالنسبة إلى استراتيجية إسرائيل في التعاطي مع المسألة الفلسطينية. وبصرف النظر إن كان ذلك هدفاً مدروساً وواضحاً، هناك مضامين عميقة بالنسبة إلى الحركة الوطنية الفلسطينية إذا أثمر الصراعُ حصيلةً تتوصل بموجبها القاهرة والقدس وحماس إلى تفاهم يعيد الوضع الاقتصادي في القطاع إلى طبيعته ويعزز روابطه بمصر مع توفير ضمانات أمنية لإسرائيل. فمن شأن ذلك ترسيخ الانقسام بين غزّة والضفة الغربية، ويقوّي ارتباط غزّة بمصر، ومن خلال التوصل إلى تفاهم فعلي غير مباشر وبعيد المدى بين حماس وإسرائيل، يطلق إشارة واضحة إلى إيثار إسرائيل التعامل مع طرف فاعل له شأن (حماس) على التعامل مع الرئيس عباس وفتح.
وقال مسؤول إسرائيلي:
إحدى نتائج الحرب، سواء أكانت مقصودة أم لا، هي أنه سيُنظر على نحو متزايد إلى غزّة على أنها الجانب الفلسطيني المركزي، وإلى حماس على أنها الجهة المركزية. أي أن عباس كان الضحية السياسية الوحيدة الأهم للعملية. إنه يواجه الآن اقتراحاً فاشلاً في جميع الحالات: التوجه إلى الأمم المتحدة باقتراح لرفع الصفة التمثيلية، فيما تنتقم إسرائيل بطرق تزيد الإضرار بالوضع الاقتصادي للسلطة الفلسطينية، وبالتالي تسرّع عملية إضعاف عباس وتقوية خصمه الإسلامي.
تعالت أصوات بعض الإسرائيليين منذ مدة طويلة مطالبة باعتماد هذه المقاربة، مجادلين بأن ما يمكن للحركة الإسلامية تقديمه يفوق كثيراً ما يمكن أن تقدمه نظيرتها غير الإسلامية، وأن اتفاقية وضع نهائي مع منظمة التحرير الفلسطينية أقل شأناً بكثير من التوصل إلى صيغة تعايش مع حماس. وفي هذا الصدد، حثّ غيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، إسرائيل على التعامل مع غزّة على أنها دولة (تهيمن عليها حماس)، وعلى رفع الحصار البحري في مقابل اتفاق بعيد المدى لوقف إطلاق النار.

3-   الدور المصري الموازن
فيما كانت إسرائيل وحماس تتبادلان إطلاق النار، بدت مصر هدفاً رئيسياً غير مباشر، بتحريض إسرائيل القيادةَ السياسية الجديدة في مصر على التمسك بالسياسات القديمة، وحثّ حماس على التخلّي عنها. وقد شكل ذلك تحدياً كبيراً للرئيس مرسي. سعى الرئيس منذ تولّيه السلطة للموازنة بين المصالح والجماهير المتنوعة، مرجئاً قرارات حرجة ومؤجلاً اتخاذ خيارات مثيرة للجدل. واندلاع القتال على خاصرته الشرقية شكل اختباراً لقدرته على القيام بذلك، وهو اختبار اجتازه وهو ملء الثقة بنفسه. وهو يواجه الآن تحدياً صعباً بالمثل وهو تنفيذ الاتفاق الذي توسّط فيه بمهارة.
لو عاينّا الحرب الأهلية السورية، نجد أن مصر أقحمت نفسها في مسعى دبلوماسي إقليمي وسعت للتوصل إلى حل محتمل، لكنها تراجعت ما إن واجهت الاختلافات الشديدة بين إيران والمملكة العربية السعودية. لكنها لم تتمتع بهذا الامتياز في حالة غزّة. توجب عليها التوسّط خشية تصاعد العنف إلى حدّ خروجه عن السيطرة، مع ما يكتنف ذلك من خطر اتساع رقعته. وتوجّب عليها القيام بذلك في وقت كانت قيادةٌ حديثة العهد تواجه ضغوطاً متضاربة، من الغرب ومن الدول المانحة الأخرى التي تريد ضمان الاستقرار والمحافظة على علاقات البلاد بإسرائيل وكبح حماس، ومن الرأي العام المحلي والعربي للعمل بما يوافق مبادئها الإيديولوجية والوقوف جنباً إلى جنب مع الفلسطينيين. والنجاح الذي حققه مرسي في النهوض لهذا التحدي زاد موقع مصر قوة في النظام الإقليمي الناشئ.
وأملاً بتجنب خيار واضح، سعى الرئيس مرسي للاحتفاظ بعدة خيارات. حاول تسليط الضوء على أوجه الاختلافات بينه وبين سلفه. ولم ينطق بكلمة “إسرائيل” علناً منذ توليه سدة الرئاسة إلى حين اندلاع العنف في غزّة. ونظّمت مصر استعراضاً للقوة في عملية عسكرية في آب 2011 وبعملية النسر التي أعقبتها في السنة التالية لمحاربة تسيّب القانون وأنشطة المسلّحين في سيناء. جرى تنسيق أغلب هذه الخطوات مع إسرائيل واشتملت على نشر أعداد كبيرة من الجنود والأسلحة الثقيلة، وإن دخلت بعض المدرعات سيناء في آب 2012 من دون تنسيق مسبق خلافاً لما نصّ عليه الملحق العسكري بمعاهدة السلام الموقعة في سنة 1979. لم تردّ إسرائيل برغم قلقها الشديد، وهي إمارة على رغبتها في المحافظة على الروابط المتبادلة وربما إمارة على تقديرها التحديات التي يواجهها مرسي. لكنّ الروابط الثنائية تدهورت في الوقت عينه، وحُصرت الاتصالات بالمؤسسة الأمنية. ومع أن التعاون قوي في بعض النواحي، كان التردد في التحاور على المستوى السياسي مدعاة إحباط إسرائيلي شديد، علماً بأن الجيش الإسرائيلي يشتكي من التراجع التدريجي في علاقاته بالجيش المصري.
مع اندلاع القتال الفعلي، زادت العلاقات فتوراً. شجب مرسي الهجمات الإسرائيلية بعبارات لاذعة، وسحب سفيره من أجل التشاور، وأوفد رئيس وزرائه إلى غزّة تعبيراً عن تضامنه معها واستقبل رئيس الوزراء التركي أردوغان، ورئيس المكتب السياسي في حماس خالد مشعل، وأمير قطر، ووزير الخارجية التونسي في استعراض قوي لحلف إسلامي إقليمي جديد. وبحسب محلل مصري:
تقول القاهرة إن حماس لن تكون معزولة فيما تنفّذ إسرائيل عمليتها. وزيارة رئيس الوزراء تشير إلى أن حماس تحظى بالدعم، فيما ستعاني العلاقات الثنائية المصرية الإسرائيلية لأن لهذا العدوان ثمناً. إن إسرائيل تتصرف كما أنه ليس لذلك أهمية، كما لو أنها تستطيع العمل من دون عقاب، وهذا يُغضب القاهرة. ستدرك إسرائيل أن خسارة مصر ثمن باهظ ستدفعه لمجرد العودة إلى الحالة التي كانت قبل الحرب.
لكنّ الأكثر إثارة للدهشة استمرار سياسة مصر، إذْ تكبّدت قيادتها من البداية مشقة طمأنة المحاورين الغربيين إلى عدم نيتها تعديل اتفاقيات كامب دافيد، ناهيك عن إلغائها. وكان الرئيس مرسي قد بعث قبل الأزمة الراهنة برسالة حارّة إلى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز (سعى مرسي للنأي بنفسه عنها بعد ذلك من دون نجاح). وقطعت القاهرة شوطاً أبعد في مكافحة التهريب عبر الأنفاق إلى غزّة مقارنة بالنظام السابق، ومنعت من وصول الوقود ومؤن أخرى إلى القطاع، جالبة لنفسها سخط الغزاويين وخيبة أمل حماس.
والأهم من ذلك أننا لو وضعنا تصاعد حدة الكلام جانباً، لم تفعل مصر في العلن الكثير عدا القيام بخطوات حذرة في أثناء الصراع. وأهم ما قامت به، مثل شجب الأعمال الإسرائيلية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وإجراء اتصالات مع الولايات المتحدة، كان من جملة الممارسات التي اعتاد عليها نظام مبارك وجلبت شجب الإخوان المسلمين الشديد. حتى إن أحد مستشاري مرسي أقرّ بذلك وقال:
لم نتخذ أي خطوات تهدد بشكل خطير موقفنا الدولي أو علاقاتنا الثنائية مع الولايات المتحدة. قمنا بخطوات دبلوماسية حتى النظام السابق اعتاد على القيام بها. الشيء المختلف الذي قمنا به في هذه المرة هو إيفاد رئيس الوزراء لإظهار أن هذه العملية تضعف سياسة إسرائيل في حصار غزّة وعزلها، وعرضنا شيئاً يتخطى الدعم الكلامي. لكنّ التغير في السياسة بالنسبة إلى الماضي ظاهري وليس جوهرياً. فلم يتغيّر على الأرض شيء، أو ليس هناك شيء يرجَّح أن يتغيّر. فنحن لا نسلّح حماس، ولن نرسل جيشنا لإنقاذها.
وبحسب تعبير عدد من القياديين، يعكس استمرار السياسة السابقة قيوداً اقتصادية وسياسية محلية. فمصر تعاني من عجز كبير في الموازنة (يقدّر بأن يتجاوز 170 مليار جنيه مصري، أو 28 مليار دولار) في هذه السنة المالية، وهو يزيد على 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. تأمل الحكومة بالتغلب على هذه المشكلات وعلى المشكلات الاقتصادية الأخرى من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، والقروض الميسَّرة (بما في ذلك قروض صندوق النقد الدولي) وصور أخرى من المساعدات الخارجية، بالإضافة إلى إصلاحات هيكلية غير شعبية مثل رفع دعم الوقود. كما أن القاهرة تعيش مرحلة انتقالية سياسية بطيئة الخطى ومشحونة بالنزاعات، وفراغاً تشريعياً وقضاءً مسيَّساً.
وحذّر المستشار الرئاسي نفسه من عدم قدرة الرئيس مرسي على تحمّل المخاطر في سياسته الخارجية في وقت يشهد فوضى سياسية واقتصادية:
يمكن تلخيص سياسة مصر ومصالحها في غزّة بكلمة واحدة: نريد التهدئة بأي طريقة. إذا كانت حماس أو الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي طرف آخر يقدر على توفيرها فسوف نقبل بذلك. فلا توجد سياسة مصرية خاصة تجاه غزّة، مثل هذا الأمر عقدنا العزم على فعله. نحن في حاجة إلى التركيز على ترتيب بيتنا الداخلي وحلّ المشكلات الأمنية في سيناء، ولا نريد أزمة كبيرة على حدودنا.
لم ينج هذا الموقف من انتقادات لاذعة، بما في ذلك الانتقادات الصادرة من داخل الإخوان المسلمين، والتي ربما كانت الأهم. لطالما أبدت الحركة تعاطفاً قوياً مع الفلسطينيين وانتقدت النظم السابقة على انقيادها المفرط للمطالب الأميركية والإسرائيلية. وأبدى عدد من الأعضاء بعض الانزعاج من موقف الحركة في أثناء الحرب، وعلينا أن نترقب لمعرفة إن كان اتفاق وقف إطلاق النار الذي أثنت عليه حماس سيغيّر موقفهم. ومما زادهم نقمة، انتقادات الجماعات الدينية الأكثر محافظة والتي سرّها انتهاز الفرصة لشجب “نفاق” الإخوان. ففي مسعى من جانب حزب النور السلفي للالتفاف على منافسيه الإسلاميين، صرّح بأنه سيمدّ “الإخوة في غزّة وفلسطين بالرجال والمال إلى أن تستعاد حقوق الفلسطينيين بالكامل”. وأقرّ مستشار مرسي بأن:
السلفيين وضعوا الإخوانَ المسلمين في موقف صعب للغاية. فقد اعتاد الإخوان على مخاطبة جمهورهم في الحاجة إلى تحرير القدس والدفاع عن القضية الفلسطينية وما سوى ذلك. أما وقد أصبحوا في الحكم، لم يعد في وسعهم الحديث أو التصرف بناء على ذلك. وبذلك تقدم السلفيون وملؤوا الفراغ ببيع العامة هذه المواقف المتعلقة بفلسطين. يتحدث [حزب] النور [السلفي] عن إرسال المال والسلاح إلى غزّة ذاتها. والأمر كما أن الإخوان المسلمين كانوا أكبر موزّع للكوكاكولا في مصر لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة عاجزين عن بيعها. حسن، لا يزال السلفيون يبيعون هذه المواقف والناس يريدون ذلك.
ورداً على ذلك، قال مسؤول شاب في الإخوان المسلمين:
في موضوع غزّة، الضغوط تتراكم بدءاً بالقاعدة التي تطالب بردّ فعل أقوى. وعلى النقيض من ذلك، أضحت أهداف قادتنا متواضعة للغاية، لأن السلطة هجّنتهم. وها هم الكوادر قد امتنعت من تنظيم احتجاجات لنصرة فلسطين كي لا تزيد الضغوط التي يتعرض لها الرئيس. وبالنظر إلى مقدار ميوعة الموقف السياسي في مصر، لا يريدون تكرار احتجاجات سنة 2003 التي جاءت رداً على الغزو الأميركي للعراق. يمكن أن ينجم عن تجمّع 50000 شخص وتوجهم نحو القصر الرئاسي عواقب غير متوقعة وخطرة على البلاد كونها غير مستقرة الآن. الرئاسة جزء من الدولة، لكنّ آلية الدولة نفسها ليست في حوزة الإخوان المسلمين، لذلك اقتصر رد فعل الرئيس بشأن غزّة على الإجراءات الدبلوماسية المعهودة.
الإسلاميون ليسوا الوحيدين الذي يضغطون على الحكومة وينتهزون فرصة ذهبية لشجب نفاقها وعجزها. وعلى سبيل المثال، سار مئات الناشطين الشباب غير الإسلاميين في وسط القاهرة بعد اندلاع القتال لإدانة الهجوم الإسرائيلي، والدعوة أيضاً إلى رد مصري أقوى. ثم تجمعوا مرة أخرى في ميدان التحرير في 16 تشرين الثاني. وبالمثل، هاجم التيارُ الشعبي اليساري برئاسة المرشح السابق للرئاسة حمدين صبّاحي الرئيسَ مرسي لعدم قيامه بما يجب لنصرة غزّة. وفي مواجهة هذه الضغوط، أصدر الإخوان المسلمون بياناً في 14 تشرين الثاني حثّ الرئيس بطريقة افتقرت إلى الحنكة بعض الشيء على قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل ودعا إلى الاحتجاج في جامع الأزهر بعد خطبة الجمعة.
وجد الرئيس مرسي نفسه عالقاً وسط ميول متناقضة أخرى. فإلى جانب اتهامه بعدم بذل ما يكفي لنصرة غزّة، زعم البعض أنه فعل الكثير، مظهراً اهتماماً بالفلسطينيين أقوى من اهتمامه بالمصريين. من ذلك أن بعض المنتمين إلى المعارضة غير الإسلامية انتقده قبل التصعيد الحالي بتحويل موارد الوقود الشحيحة إلى غزّة على حساب مصر، والتفكير في إقامة منطقة تجارة حرّة على حدود غزّة يُفترض أنها ستنفع رفاقه التجار في الإخوان المسلمين، والتغاضي عن تسلل المسلّحين الناشطين في غزّة إلى مصر لبناء قواعد لمهاجمة إسرائيل، و”جرّ مصر” في سياق العملية “إلى قتال لا يعنيها”.
اشتدت الانتقادات بأن الرئيس مرسي يهمل جبهته الداخلية مع اندلاع الحرب. ومما قوّى تلك الانتقادات وقوع حادث سير مزدوج في 17 تشرين الثاني أوقع 65 قتيلاً على الأقل، منهم 50 طفلاً، مسلّطاً الضوء على الحالة المتردّية للبنية التحتية في البلاد. واستغلّ السياسيون والناشطون غير الإسلاميين المأساة في اتهام مرسي والإخوان المسلمين بتخصيص غزّة بامتيازات على حساب مصر.
كما عكست لعبة شدّ الحبال بشأن السياسة الخاصة بغزّة التنافس بين القيادة السياسية الإسلامية الجديدة والمؤسسة الأمنية المترسخة في البلاد والتي اعتادت على التعامل مع إسرائيل وغزّة وحماس بحسب وجهات نظرها ومصالحها.
ترى المؤسسة العسكرية أن الأولوية يجب أن تكون لمقاومة أي مسعى إسرائيلي للتنصل من المسؤولية عن غزّة ونقلها إلى مصر. وهي تخشى إمكانية امتداد عدم الاستقرار والفوضى في الأراضي الفلسطينية إلى مصر، لا سيما بعد الحوادث الخطرة التي وقعت في سيناء. وهي ترى منذ زمن بعيد أن حماس مشكلة، وأن غزّة صداع، وأن الحركة الحرّة بين غزّة وسيناء ستشيع الفلتان وتهريب الأسلحة والمسلّحين في الاتجاهين. وفي هذا السياق، ينطوي أي قرار بفتح شامل لمعبر رفح أمام حركة الأفراد والبضائع على خطر “السماح لإسرائيل برمي غزّة في أحضان مصر” وهذا بمثابة تهديد استراتيجي.
ويتفق مسؤول مصري مع المؤسسة الأمنية في هذه الشكوك ويقول:
يُستبعد فتح معبر رفح أمام البضائع في وقت قريب. إن الإجماع في المؤسسة الأمنية وفي الدوائر الدبلوماسية هو أن إسرائيل تواقة إلى تحميل مصر المسؤولية عن قطاعٍ أبعد ما يكون عن سلطة القاهرة المركزية، ومحشو بالعناصر المسلّحة، ويعاني من أزمة إنسانية مستمرّة. وإذا فتحت مصر معبر رفح أمام حركة البضائع، يرجَّح أن تغلق إسرائيل معبر كرم أبو سالم بشكل نهائي حين اندلاع الأزمة التالية ما يحوّل غزّة من الناحية الفعلية إلى عبء على كاهل مصر.
يتبنّى الإخوان المسلمين وجهة نظر مختلفة في نواحٍ مهمة. إن الانقسام بين غزّة ومصر يجعل الحركة الإسلامية أقل اتصالاً بالواقع مع أن روابطها السياسية بفرعها في غزّة عظيمة الأهمية. أضف إلى ذلك أن الحركة تنظر إلى المعادلة الأمنية من منظور مختلف للغاية. وعلى سبيل المثال، قال مسؤول في الحركة:
أقنعت المؤسسةُ الأمنية نفسها في زمن مبارك بأن حماس هي المشكلة. لكنّ حماس أضحت منذ سنة 2008 الطرف الوحيد الذي يجابه الجماعات السلفية المسلّحة في غزّة. وسبب تزايد تلك الجماعات في سيناء الفراغ الأمني هناك. لكننا أبرمنا الآن اتفاقيات مشتركة مع حماس لضبط الحدود بفاعلية أكبر وإغلاق الأنفاق، مقابل فتح معبر رفح”.
يمضى بعض المنتمين إلى حاشية الرئيس إلى حدّ اعتبار حماس خط الدفاع الأول عن مصر في وجه التهديد الرئيسي لجبهتها الشمالية الشرقية. وسيتعاظم نفوذ الرئيس في القطاع الأمني بمرور الوقت. وبعد إقالة كبار القادة العسكريين عقب مقتل ستة عشر جندياً مصرياً بالقرب من حدود غزّة في آب 2012، التزم الحذر في خطواته، حيث ظهر في كافة مناسبات الجيش والشرطة الرسمية تقريباً وبنى بالتدريج علاقات شخصية بالجهاز الأمني. وقال عضو في الإخوان المسلمين، “في مصر، الولاءات داخل المؤسسة العسكرية تتحول ببطء لكن بشكل أكيد. فالرئيس مرسي لم يدخل تغييرات ثورية، ولم يضغط لإصلاحات هيكلية أو إعادة توزيع للمناصب، لكنّ التغييرات التي أدخلها في الطبقة العليا حقيقية. والمعيَّنون يدينون بولائهم لمن عيّنهم”.
خلال المرحلة التي سبقت حرب غزّة، كانت وجهات نظر المؤسسة الأمنية حيال مسألة غزّة هي المهيمنة بوجه عام. وذُكر أن مسؤوليها أقنعوا الرئيس بالعدول عن فكرة فتح معبر في رفح للبضائع التجارية أو إقامة منطقة تجارة حرّة هناك. ويرجّح أن تكون الهجمات المتواصلة على مواقع الشرطة والجيش في سيناء قد قوّت مقاربته الحذرة.
وعلى العموم، لم يجلب انتخاب مرسي تغيّراً جوهرياً في سياسة البلاد تجاه رفح، مع أنه أدى إلى تخفيف بعض الإجراءات المتبعة عند المعبر، وقد تحدث مستشار رئاسي بعبارات ذات دلالة عن تقارب بحكم الأمر الواقع وقال “لدى إسرائيل والولايات المتحدة ومصر مصلحة مشتركة في إحلال الاستقرار والأمن في سيناء”.
من شبه المؤكد أن غزواً برّياً كان سيزيد هذا النقاش حدة بإضراره بالتعاون الأمني الإسرائيلي المصري. وهذا أحد الأسباب التي جعلت جميع صنّاع السياسة المصريين، لأي معسكر انتموا، حريصين على إنهاء الصراع بسرعة، خشية اتخاذ خطوات ربما كانت الحكومة ستُرغم على اتخاذها لو ازداد الوضع سوءاً، من غير الظهور في مظهر من يضغط على حماس. وكما قال عضو في الإخوان المسلمين، “يتحلّى مرسي بالبراغماتية، على الرغم من غرائزه المناوئة بقوة لجميع الإسرائيليين. إنه يتعلم كيف يتخذ قرارات محسوبة كرئيس”.
انتهت عملية “عامود السحاب” الآن، وأثبت الرئيس مرسي قدرته على العمل بفاعلية مع واشنطن، مستحقاً ثناء أوباما، ومتوسطاً في التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، ومثبتاً نفعه “لإسرائيل”، محققاً ذلك كله من دون تنفير حماس. لكنّ الصورة على المدى البعيد على صعيد الديناميات الأمنية السياسية تبقى غير نهائية. والظاهر أن وقف إطلاق النار ينصّ، بعبارات عامة، على فتح أوسع لمعبر رفح مما يرغب فيه العديد في القطاع الأمني، لكنّ التنفيذ هو الذي سيحسم الجدال في نهاية المطاف.

4-   نقطة تحول في الضفة الغربية؟
من شبه المؤكد أن تكون القيادة الفلسطينية في رام الله الخاسرَ الرئيسي من القتال الدائر بين حماس وإسرائيل. ومع فقدان الثقة بالعملية السلمية، ومبرر وجودها، في الضفة الغربية إلى حدّ بعيد، يصارع الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فيّاض وحركة فتح عموماً لاستعادة موقعهم السياسي. ففي أعقاب المظاهرات الضخمة التي بدأت بدافع اليأس الاقتصادي في أيلول وانتهت باستهداف فياض وعباس، سدّدت عملية “عامود السحاب” للقيادة ضربة أخرى، فغيابها عن ساحة القتال وبُعدها عن مركز الثقل السياسي، آلت إلى متفرّج فيما يتبلور النظام الإقليمي الجديد. ويمكن القول إن الشيء الوحيد المشترك بين إسرائيل وحماس هو رغبتهما في تهميش رام الله. والرئيس عباس الذي واجه النكسة تلو الأخرى على مدى نصف العقد الماضي، يواجه الآن أكبر تحدياته إلى الآن: كيف يستعيد أهميته من جديد.
ربما كان أكثر بواعث القلق من وجهة نظره أن القتال في غزّة نقل إلى الضفة الغربية روحاً شبه ثورية ظلّت غائبة منذ الانتفاضة الثانية. فالمحطات الإذاعية ومتاجر بيع الأقراص الموسيقية تصدح بالأغاني الوطنية والجهادية، وأعضاء الفصائل السياسية الذين يذكرون عهداً ماضياً في تاريخ الحركة الوطنية يتهامسون بشعارات منظمة التحرير الفلسطينية وفتح التي تمجّد الصراع المسلّح، وغرف الدردشة على الإنترنت في الضفة الغربية، والتعليقات على الفايس بوك، والأحاديث على تويتر تمتدح فكرة تلقين إسرائيل درساً.
وفي هذا السياق، علّق ناشط شاب بالقول “دعوا الإسرائيليين يعيشون في خوف مثلنا. إننا نعيش على تلك الحال كل يوم”. وقارنت خبيرة فلسطينية المزاج الحالي بالمزاج السائد في حرب الخليج سنة 1990-1991 حين انهمرت الصواريخ العراقية على إسرائيل وقالت “الناس أشدّ إثارة اليوم لأن الصواريخ قادمة من غزّة ومن المقاومة الفلسطينية وليس من دول أخرى في المنطقة”. وقارنت أيضاً المناخ الحالي بالمناخ السائد في أيار 2000 حين انسحبت إسرائيل من لبنان بشكل منفرد تحت ضغط حزب الله. كانت تلك لحظة بدا فيها أن الصراع المسلّح قد انتصر أيضاً، بينما فشلت اتفاقيات أوسلو. وبعد أربعة شهور، اندلعت الانتفاضة الثانية.
أثارت هذه الروح العسكرية انتقاداً لاذعاً لقيادة اعتمدت استراتيجية التعاون مع إسرائيل لإنهاء الاحتلال، وأخمدت الصراع المسلّح ولم تكتف بإدارة ظهرها له فقط. وقال طالب جامعي في الضفة الغربية:
التعامل مع إسرائيل باللين لم يثمر شيئاً. فأي شيء حصلنا عليه بعد عشرين سنة من المفاوضات؟ المزيد من المستوطنات وقضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وجدار في الضفة الغربية، وقدس معزولة وانقسام بين الفصيلين الرئيسيَّين. وفي هذه الأثناء، أرغمت الصواريخُ إسرائيل على استجداء هدنة في أيام معدودات وحسب.
يرى عدد لا يستهان به من أبناء الضفة الغربية أن صواريخ حماس لم تكن من دون جدوى، بعكس ما دأب عباس على قوله، والموقف القوي لحركة حماس، بسبب معاناة أهل غزّة وبدء الحركة الإسلامية بإطلاق الصواريخ، أعاد الحركة إلى الحياة السياسية بالضفة الغربية من جديد. ففي 19 تشرين الثاني، سمحت السلطة الفلسطينية للحركة بتنظيم مظاهرات عقب صلاة الجمعة. التحق بأعضاء حماس الخمسمائة خمسمائة شخص آخرون، جلّهم عناصر أمنية في زيّ عادي راقبت بحذر المظاهرة في الميدان المركزي برام الله حيث رفعت حماس أعلامها الخضراء في الضفة الغربية في واحدة من لحظات نادرة منذ سنة 2007. وللسبب عينه، اندلعت اشتباكات عنيفة بين الشبان الفلسطينيين والجنود الإسرائيليين في الأسبوع الماضي. إن الناس غير مستعدين نفسياً لتسيير مظاهرات في وسط المدينة حيث يكونون تحت سيطرة القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وبعيداً عن نقاط التفتيش التي تعجّ بالجنود الإسرائيليين. وتنظيم مظاهرات من جانب فصائل فلسطينية أخرى، مقيَّدة بعلاقتها بالسلطة الفلسطينية والحاجة إلى إبقاء المتظاهرين ضمن الأطر القانونية، كان بمثابة مناسبات عابرة. وعوضاً عن ذلك، أغلب المتظاهرين شبان توافدوا بمحض إرادتهم. وقال صحافي فلسطيني إن المظاهرات التي أجازتها السلطة الفلسطينية شارك فيها أشخاص على نحو متفرّق “لأن الناس لا يؤمنون بردّ سلمي على ما يحصل. إنهم يريدون أن تكون أصواتهم أقوى، وأن يرموا الحجارة على الجنود الإسرائيليين ليذيقونهم طعم دوائهم”. نتيجة لذلك، خرجت أغلب المظاهرات عن أطرها المسموح بها داخل المدن وتوجهت نحو نقاط التفتيش والمستوطنات الإسرائيلية للاشتباك مع الجنود.
شكل ذلك مأزقاً للسلطة الفلسطينية، فإما أن توقف الزاحفين وتؤّلب السكان عليها، أو تدع المظاهرات وشأنها وتجازف بوقوع إصابات في صفوف الفلسطينيين تؤدي إلى تصعيد في الضفة الغربية. لذلك، سعت القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية لحظة بدء عملية عمود السحاب، لحصر المتظاهرين في المدن بالقوة، وبوحشية أحياناً، للمحافظة على الهدوء، لكن مع مرور الأيام، مالت إلى التراخي لتفادي التصادم مع شعبها في لحظة توتر شديد. اعتبر البعض ما قاله عباس قبل أيام وحسب من انطلاق الحملة الإسرائيلية في غزّة بأنه سيمنع من اندلاع انتفاضة ثالثة بمثابة تحدّ. وعلّق عنصر أمني بالقول بأنه بما أن “الدماء تغلي”، يفضّل إظهار أقصى درجات ضبط النفس، مخافة الظهور في مظهر “المتعاونين”، بملاحقة أشقائنا الفلسطينيين في الضفة الغربية فيما تقوم إسرائيل بالشيء نفسه في غزّة. ويرجح أن يؤدي انتهاء الحملة الإسرائيلية في غزّة إلى تبريد الأجواء في الضفة الغربية، مع أن الحصيلة يمكن أن تكون أي شيء سوى تعزيز موقف القيادة هناك. وفيما تتعامل السلطة الفلسطينية مع التحديثات التي برزت مؤخراً على الأرض، يواجه عباس عقدة جديدة في ضغطه لإصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يمنح فلسطين شفة عضو مراقب وهي أنه لا أحد يكترث لذلك. وعن ذلك قال كادر في فتح “بددت الحرب كل اهتمام بخطوة الأمم المتحدة. أصبحت بلا معنى، فلا هي تتمتع بثقل على الأرض، ولا الناس لديهم حماسة لقرار فارغ مقارنة بقوة صاروخ فجر-5 الذي أرغم إسرائيل والولايات المتحدة على استجداء هدنة”. ورداً على ذلك، سعى المسؤولون الفلسطينيون لاستعادة الاهتمام العالمي، أو الفلسطيني على الأقل، باتهام إسرائيل، بشكل غير مُقنع، بمحاولة إفشال مسعى الأمم المتحدة لمهاجمة حماس. وعلى حدّ تعبير عباس، “إن ما يحصل في غزّة يهدف إلى إعاقة طلبنا الحصول على صفة مراقب في الأمم المتحدة، لكننا سنصوّت على القرار في 29 تشرين الثاني” وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية. إن بُعد عباس عن الواقع، فضلاً عن غياب الحماسة الشعبية لجهوده المزمعة في الأمم المتحدة حمل البعض على إظهار ازدرائهم. ووعوده المتكررة التي قطعها أمام الصحافة قبل التوجه إلى الأمم المتحدة في تشرين الثاني، لا سيما في التاسع والعشرين منه الذي يصادف الذكرى الخامسة والستين لقرار الجمعة العامة للأمم المتحدة الرقم 181 والذي نصّ على تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية، قادته إلى فشل تام. فإذا تراجع عنها، يُشَهَّر به داخل الأراضي الفلسطينية. وقال مسؤول فلسطيني رفيع متعاطفاً “لا خيار أمامه. فإذا لم يتوجّه الآن [إلى الأمم المتحدة]، وإذا بدا أنه يخضع للضغوط الأميركية والإسرائيلية فيما يقاوم الغزاويون الغارات الجوية الإسرائيلية، يكون أمره قد انتهى”. وقال محلل فلسطيني “سيكون ذلك انتحاراً سياسياً. سبق له أن انتحر سياسياً من قبل، لكني أعتقد أنه قد يقتل نفسه حقيقة هذه المرة”.
تعيش الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية حالة من الارتباك. إنها تفتقر إلى الاستراتيجية، والاتجاه، والموارد، والزخم، وهذا الأخير يصعب تأمينه لأنها تبحر في عكس الرياح الإقليمية. وربما يكون التوصل إلى مصالحة مع حماس، ذلك الهدف عسير الإدراك الذي يدعو الطرفان إليه من غير أن يسعى أي منهما بصدق لتحقيقه، الطريقة الوحيدة لتنقذ نفسها. ربما يمكن السعي لذلك بطرقة أكثر جدية بعد أن ينقشع الغبار بدفع من حلفاء حماس الجدد مصر وتركيا وقطر. كما أن توحيد الحركة الوطنية خير أمل لإعادة إطلاق عملية سياسية ذات صدقية مع إسرائيل.
بخلاف ذلك، لا سيما وأنه يُنظر إلى شروط اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى عملية “عامود السحاب” على أنها مواتية لحماس، يظهر أن مسعى الأمم المتحدة فارغ وكذلك مزاعم قيادة رام الله رسم مسار الحركة الوطنية. لقد أظهر القتال في غزّة مدى تجاوز المنطقة الرئيسَ الفلسطيني والحركة التي يرأسها.
5- استنتاجات
لم يشكل إعلان الاتفاق على وقف إطلاق النار في 21 تشرين الثاني مفاجأة كبيرة. فقد أشارت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون نتنياهو ومرسي واجتماعاتها الطويلة معهما إلى دور ومصلحة أميركية أقوى في إنهاء الصراع وإلى قرب التوصل إلى نتيجة. إن انفجار الحافلة الذي وقع بتل أبيب في اليوم نفسه بعد وقت قصير من طعن عنصر من شرطة الحدود الإسرائيلية في القدس أثار الخوف لدى البعض من إمكانية انهيار المساعي السلمية. لكن ذلك لم يحصل، وفي وسع واشنطن ادعاء بعض الفضل في إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن إطالة أمد الحرب، والشروع في حملة برّية وهو الأسوأ، سيكون مجازفة كثيرة المخاطر. كما يمكنها الشعور بالارتياح لتعاونها الفاعل مع مصر، وتجديد القاهرة التأكيد على دورها كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين وإثبات أن استثمار الإدارة الأميركية في بناء علاقة مع مرسي آتى ثماره.
بدا أن الاتفاق، أو بعض بنوده التي أُدرجت في النصّ المنشور، في صالح حماس. وبرغم غموض النص وعدم دقة الكثير من بنوده، هناك ما يبرر زعم حماس تحقيقها أهدافها الرئيسية وهي فتح معابر غزّة، ووقف الهجمات على غزّة برّاً وجوّاً وبحراً، ووضع حد للتوغلات فضلاً عن الاغتيالات. والمعنى الضمني لذلك إنهاء “الحزام الأمني” الذي أقامته إسرائيل على جانب غزّة من الحدود بعمق عدة مئات من الأمتار. وقد سارع مسؤولو حماس وسكان غزّة إلى الترحيب بالاتفاقية كونها نصراً مؤزراً.
وفي الجانب الإسرائيلي، يجدد نص الاتفاق الإشارة إلى المقدمة الأساسية لوقف إطلاق النار نفسه، والتي تنصّ على التزام حماس بوقف إطلاق الصواريخ وشنّ الهجمات على امتداد السياج الحدودي. و لم يُذكر شيء عن تهريب الأسلحة برغم التوقعات بحدوث العكس. وقد أوضحت واشنطن أن ذلك مشمول في اتفاقيات أميركية إسرائيلية منفصلة، وربما يكون موضوع تفاهمات سرّية مع مصر كما يمكن إثارته في أثناء مرحلة التنفيذ. وبحسب تقارير صحافية، أبلغ الرئيسُ أوباما نتنياهو أنه سيدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها إذا انتُهك وقف إطلاق النار، وأن المساعدة العسكرية الأميركية لإسرائيل ستزداد، بما في ذلك تقديم أموال إضافية لبرنامج القبّة الحديدية والمنظومات الأخرى المضادّة للصواريخ، وأن الولايات المتحدة ستساعد على منع تهريب الأسلحة إلى غزّة. بالتشديد على هذه الالتزامات، قلل وزير الدفاع إيهود باراك من شأن الاتفاق بوصفه جائزة ترضية للطرف المهزوم، وقال إن الحملة نفعت إسرائيل كثيراً لأنها أعادت لها قوتها الردعية التي لا يمكن صياغتها في نص مكتوب.
ومع ذلك، فإن غموض الاتفاق وخلوّه من التفاصيل غذّى التعليقات الناقدة في أوساط المحللين والسياسيين الإسرائيليين. وعلى سبيل المثال، قال شاوول موفاز، رئيس كاديما وزعيم المعارضة، “لم تتحقق أهداف العملية. والمسألة مسالة وقت قبل اندلاع الجولة التالية… لم يكن يجدر وقف العملية عند هذه النقطة. فقد ازدادت حماس قوة بينما لم تسترجع إسرائيل قوتها الردعية. لقد كان لحماس اليد الطولى”.
سيكون تنفيذ الاتفاق التحديَ الرئيسي في الأيام والأسابيع القادمة. فكون هذا الاتفاق مكتوباً، بعكس الاتفاقيات السابقة، يمثل تقدماً حقيقياً. لكنه يتضمن نقاطاً غامضة وهو ما سيبرر تفسيراته المتباعدة. تريد إسرائيل التأكد من أن الحركة الإسلامية لن تستغلّ فترة التهدئة في تجديد ترسانتها ولن تتغاضى عن استئناف الفصائل الفلسطينية الأخرى شنّ الهجمات ظناً منها أن إسرائيل لن تردّ بهجمات عقابية واسعة على كل انتهاك للهدنة. بعبارة أخرى، تتوقع إسرائيلُ وقفَ حماس جميع الهجمات، ومنع الجماعات الأخرى من القيام بأعمال عدائية وحرمان الحركة من القدرة على إعادة التسلّح. وهي ترى أن أيادي الفصائل في غزّة كانت طليقة في تخزين الأسلحة على امتداد سنين عديدة، بالنظر إلى الفوضى القائمة في سيناء وازدهار تجارة الأنفاق وتهريب الأسلحة من ليبيا والدعم الإيراني للفصائل. لكنّ المنع من إعادة التزود بالأسلحة سيكون عملية عسيرة على الأرجح. وحتى عندما كانت إسرائيل تسيطر بالكامل على غزّة أو عندما كان رئيس مصر شديد العداء لحماس، كانت النتائج في هذا الصدد أبعد ما يكون عن المثالية.
ومن ناحية أخرى، تريد حماس، عدا وقف الهجمات العقابية، ووقف الاغتيالات المقصودة وهو الأهم، أن تعود الحياة في القطاع إلى طبيعتها حقاً. وإذا كان يُتوقع منها خصوصاً تحقيق مطلب إسرائيل بأن تتصرف من منطلق كونها صاحبة السيادة على غزّة وضمان إنهاء الهجمات التي تُشَنّ انطلاقاً من أراضيها، ترى حماس أنه لا بد من حصولها على بعض منافع السيادة وليس تحمل مسؤولياتها فقط. تُعزى صدقية الحركة وزعمها امتلاك الشرعية إلى سجلها المقاوم إلى حد بعيد. وهذا كل ما تستطيع تقديمه، حتى وإن لم يكن بانتظام أو معدل كافٍ وفق ما يشتهيه بعض الراديكاليين. وإذا حازت حماس مصدراً بديلاً للشرعية وللإنجاز المحلي، سيتقوّى نفوذها في الداخل، وتصبح في موقع أفضل لبناء إجماع فاعل يعارض القيام بأعمال عنف تستهدف إسرائيل. وإذا لم يتحقق ذلك، ستفضّل حماس تحميل إسرائيل مهمة مكافحة الهجمات الصاروخية التي يشنّها مسلّحون غير تابعين لحماس والذين استطاعوا في السابق جرّ حماس إلى المعمعة بسهولة كبيرة.
لن يكون أي من هذه البدائل سهلاً. وستراود إسرائيل فكرة استخدام عدّتها الأمنية الكاملة السابقة، بما في ذلك الاغتيالات المقصودة. ويرجح أن يكون لديها تساؤلات بشأن استعداد مصر لضبط تهريب الأسلحة ووقفه وإمكانية التعويل على حماس إذا امتلكت، أو سمحت لجهات أخرى بامتلاك، منظومات الأسلحة الأشد خطورة. لكنّ حماس الحريصة على عدم وصفها بفتح الجديدة تمقت فكرة شلّ حركة المنظمات المسلّحة الأخرى، وهي لا ترى منطقاً في تقييد قدرتها على تكديس الأسلحة فيما تقوي إسرائيل منظومات أسلحتها. والمساعي السابقة لتوسيع نطاق وقف إطلاق النار بما يتجاوز اتفاقيات التهدئة مقابل التهدئة (المؤقتة) تعثّرت حين واجهت العقبات نفسها. لكنّ أحد التساؤلات المثيرة يتعلق بمعرفة إن كانت الأطراف الأخرى، لا سيما مصر، متقبلة لفكرة تدخل خارجي، إقليمي أو دولي، للمساعدة على مراقبة التنفيذ وتسجيل الشكاوى وما إلى ذلك.
الشيء الجديد الرئيسي في هذا الاتفاق يكمن في صورة مصر الجديدة. إن قربها من حماس يمنحها ثقة الحركة الكبيرة مقارنة بنظام مبارك الذي طالما ساورت الحركة الظنون في سعيه للقضاء عليها. لذلك، يمكن القول إن حماس أقرب إلى الاستجابة لمناشدات القاهرة وضغوطها. إن تجديد التأكيد على الشراكة الأميركية المصرية في هذه العملية، التي هي إحدى النتائج المهمة الأخرى لهذه الأزمة، سيكون جوهرياً في هذا السياق. ففي وسع مرسي الضغط على حماس بفاعلية أكبر، وبالمقابل، يمكن أن يفعل أوباما الأمر نفسه مع القدس، وهو الذي تعزز موقفه ونفوذه كثيراً في إسرائيل لدعمه غير المشروط لها.
لكن إذا كانت مصر ترغب في أداء دورها بفاعلية، عليها أن تفي بالتزاماتها بفتح المعابر لإعادة الوضع الاجتماعي والاقتصادي إلى طبيعته في غزّة. وبالمثل، عليها أن تجد طريقة للعمل مع الولايات المتحدة التي تعهدت لنتنياهو، كما رأينا، بالسعي لوقف تهريب الأسلحة إلى غزّة.
أخيراً، يتعين على المرء معالجة قضيتين مترابطتين: مصر السلطة الفلسطينية والحركة الوطنية غير الإسلامية من ناحية، ومستقبل عملية السلام من ناحية أخرى. ينبغي إيجاد طريقة ما لاستعادة أهمية وفاعلية الذين همّشهم الصراع الحالي، والذين ستتبدد الآمال بالتوصل إلى حل الدولتين من دونهم.

بأخذ هذه العوامل فيالاعتبار، يجدر تدبّر العديد من الأفكار:
• تفاوضُ المصريين مع إسرائيل على زيادة محتملة للجنود ومستوى تسليحهم المسموح به في شرقيّ سيناء من خلال آلية الأنشطة المتفَق عليها في معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية لسنة 1979. وإذا تبين عدم جدوى ذلك، يمكن لمصر وإسرائيل دراسة إمكانية إعادة النظر في الملحق العسكري بالمعاهدة. وفي مقابل ذلك، ينبغي أن تجني شبه جزيرة سيناء منافع على شاكلة رزمة تنموية شاملة للمساعدة على تثبيت الأوضاع فيها.
• إقامة آلية مراقبة لضمان الامتثال للتعهدات المتنوعة. من سبل ذلك، إرسال مصر وقطر وتركيا مراقبين إلى غزّة. ولمّا كان دعم هذه الدول لحماس في غاية الأهمية، يمكن القول إن حماس ستعاني من صعوبة وتكلفة زائدة من التملّص من التزاماتها. وبالمثل، اقترح البعض قيام الاتحاد الأوروبي بتشكيل قوة مراقبة بحرية لتفتيش الشحنات المتجهة إلى ميناء يعاد فتحه في غزّة أو نشر قوة تابع له على الحدود بين غزّة ومصر للمساعدة على الحدّ من تهريب الأسلحة.
• تفكير هاتين الدولتين العربيتين وتركيا في خطوات أخرى لتسهيل عودة الوضع الاقتصادي إلى طبيعته في غزّة وتعميق اندماج حماس السياسي في المنطقة بناء على مفهوم فحواه أن ذلك سيزيد الخسائر التي يتكبدها سكان غزّة والحركة الإسلامية إذا انهار وقف إطلاق النار. يمكن أن يشمل ذلك وعداً بإعادة بناء البنية التحتية الحكومية المدمرة في غزّة، وبناء ميناء، ورفع مستوى تمثيل حماس في العواصم المتنوعة. ومن بين المنافع الأخرى، ربما تجلب هذه الخطوات الاستثمارات وتتيح مباشرة مشاريع تموّلها قطر بقيمة 450 مليون دولار.
• تجديد جهود الوساطة الثلاثية ذاتها للتوصل إلى اتفاقية مصالحة بين فتح وحماس وتنفيذها، ما يؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات جديدة. سيكون من نتائج ذلك السماح للسلطة الفلسطينية بالتواجد عند المعابر ما يعني تحقيق مطلب جوهري لرام الله منصوص عليه كذلك في التفاهمات الإسرائيلية الأميركية. وبمشاركة حلفاء حماس في هذا المسعى، يمكنهم جذب الحركة الإسلامية نحو برنامج يغلب عليه الطابع السياسي ويغري الغرب بالتعامل معها بموجب ذلك. وبوجه عام، المصالحة الفلسطينية ولملمة شمل الحركة الوطنية شرطان مسبقان، كما جادلت “مجموعة الأزمات” في بحوث أخرى، لاستئناف عملية سلمية ذات صدقية. ويتعين إعادة هيكلة هذه العملية بشكل جذري، باستمالة جماهير جديدة، واقتراح حلول جديدة، وتدخل مجموعة جديدة من الوسطاء، للأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي لا تقل جذرية والتي طالت الإسرائيليين والفلسطينيين والمنطقة ككل.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى