أقلام وأراء

تحديات أوروبية يكشفها انتصار ماكرون

خيرالله خيرالله

خيرالله خيرالله 2022-05-01

يعطي قطع روسيا إمدادات الغاز عن بولندا وبلغاريا فكرة عن حجم التحديات التي تواجهها أوروبا، بكلّ دولها، في ضوء الاجتياح الروسي لأوكرانيا. من هذا المنطلق، يمكن تصوّر أهمّية انتصار إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة ولماذا أثار هذا الانتصار ارتياحاً أوروبياً.
أنقذ التجديد لماكرون أوروبا مع ما يعنيه ذلك من موقف موحّد تجاه المأساة الأوكرانيّة المستمرّة منذ ما يزيد على الشهرين. ما لا بدّ من التوقّف عنده، أنّ انتخابات فرنسا، في دورتها الثانية، كانت في الرابع والعشرين من نيسان الجاري، فيما الحرب المدمّرة التي شنّها فلاديمير بوتين، ولا يزال يشنّها، على أوكرانيا بدأت في الرابع والعشرين من شباط  الماضي. لا تزال هذه الحرب مستمرّة ويحتاج بوتين إلى تحقيق انتصار ما في أوكرانيا خلال أسبوعين كي يقنع المواطن الروسي العادي بأنّه لم يخسر الحرب، علماً أنّه كان يتوقّع الانتصار فيها في غضون أيّام.
ليس سرّاً أنّ بقاء ماكرون في قصر الإليزيه يشكّل تكريساً للحلف الألماني – الفرنسي الذي يشكّل محرّكاً، لا غنى عنه، للاتحاد الأوروبي. ليس سرّاً أيضاً أنّ هدف بوتين، برهانه على مارين لوبان، كان ضرب قلب أوروبا ومحرّكها، أي الحلف الألماني – الفرنسي الذي بات، مع بريطانيا، رأس الحربة في مواجهة السياسة الروسيّة في أوكرانيا.
ما بعد حصول ماكرون على ولاية ثانية ليس كما قبله. ستبقى أوروبا موحّدة، على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولن يتمكّن بوتين من إيجاد شرخ في داخلها كما كان يأمل في ذلك. استطاع الشعب الفرنسي إنقاذ فرنسا من الوقوع في يد اليمين المتطرّف الذي تمثّله لوبان، التي حصلت على قرض من بنك روسي في العام 2015 مع ما يكشفه ذلك من عمق للعلاقة القائمة بينها وبين بوتين. كان تركيز ماكرون على هذا القرض من بين العوامل التي ساعدت في تفوّقه على منافسته في المناظرة التلفزيونية التي تواجها فيها في العشرين من الشهر الجاري، وهي مناظرة لم يستطع فيها الرئيس الفرنسي توجيه ضربة قاضية إلى لوبان.
ارتاحت أوروبا، لكنّ فرنسا لن ترتاح. لدى فرنسا مشاكل كبيرة عبّر عنها إنزال ثلاثة ملايين ورقة بيضاء أو ملغاة في صناديق الاقتراع. هذا معناه أن عدداً كبيراً من الفرنسيين لم يصوت لماكرون بمقدار ما أنّه صوّت ضد لوبان. في النهاية، ذهبت نسبة تقترب من 42 في المئة من الناخبين إلى مرشحة اليمين المتطرّف التي لا ترفض إدانة الحرب الروسيّة على أوكرانيا فحسب، بل لا تخفي إعجابها ببشّار الأسد، وهو رئيس لنظام يشنّ حرباً على شعبه منذ ما يزيد على أحد عشر عاماً.
من هذا المنطلق، لن يتمكّن ماكرون من تجاهل تحوّل لوبان إلى زعيمة لمعارضة حقيقية في بلد لم يسبق لليمين المتطرّف أن حقّق فيه نسبة تقترب من 42 في المئة في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة. كان أقصى ما حققه والدها جان ماري لوبان عندما خاض الانتخابات الرئاسية نسبة 34 في المئة من الأصوات. يشير مثل هذا التطور إلى انقسامات حقيقية في المجتمع الفرنسي حيث هناك أيضاً فئات يساريّة وفوضويّة تحلّقت نحو المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون الذي حاز على نسبة أقلّ بقليل من 22 في المئة من أصوات الناخبين في الدورة الأولى للانتخابات.
كان فوز ماكرون إنقاذاً لأوروبا ووحدتها التي بات يهددها اليمين المتطرف واليسار في الوقت ذاته وغياب أي حدود للطموحات الروسيّة. هل في استطاعة الرئيس الفرنسي تحسين أدائه أثناء ولايته الجديدة التي مدتها خمس سنوات؟ الأهم من ذلك كلّه، هل يستطيع إدراك حدود ما تستطيع فرنسا عمله وما حجم وزنها في السياسات الدولية؟
لا شكّ أنّ ماكرون سيواجه صعوبات كبيرة من نوع جديد أيضاً بعدما حققت لوبان ما حققته. ووصل الأمر بزعيمة اليمين المتطرّف أن وصفت نتيجة الانتخابات الرئاسيّة بـ»الانتصار الرائع»!
لا وجود لشكّ في أن ماكرون يمتلك كفاءات استثنائيّة، أقلّه نظرياً، لكنّ هناك شكّاً في إمكان استفادته من التجارب التي مرّ بها في السنوات الخمس الماضية ليقتنع بأنّه في حاجة إلى تعلّم الكثير عن الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وعن العالم وإيران تحديداً. لا يستطيع اتباع سياسة مهادنة لـ»الجمهوريّة الإسلاميّة» في أي شكل من أجل إقناعها برفع يدها عن لبنان، أو عن سورية أو عن العراق. يفترض بالرئيس الفرنسي الاقتناع نهائياً بأن إيران لا تريد وجوداً لفرنسا لا في لبنان ولا في سورية ولا في العراق. أكثر من ذلك، ثمّة قناعة لا بدّ من توافرها لدى ماكرون بأنّ العلاقة الروسيّة – الإيرانيّة أعمق بكثير مما يتصوّر. لا يمكن الفصل بين روسيا وإيران، أي بين بوتين و»الحرس الثوري» الذي يحكم «الجمهوريّة الإسلاميّة».
يبقى أخيراً أنّ الولاية الثانية لماكرون ستكون، إلى حدّ كبير، محكومة بالعلاقة بين فرنسا وألمانيا التي تسير في نهج مختلف عن الذي سارت عليه في الماضي. يقوم هذا النهج على الطلاق الكامل مع الغاز الروسي والاعتماد عليه، ومع بوتين نفسه الذي زرع لوبان في فرنسا. إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل ما الذي تريده الإدارة الأميركيّة وما حقيقة سياستها الأوروبيّة في ضوء ما يدور في أوكرانيا؟
ستكشف الولاية الثانية لماكرون هل تعلّم الرجل شيئاً من ولايته الأولى، خصوصاً من الفشل الفرنسي بلبنان، وهو فشل مرتبط أساساً باستخفاف إيراني بالنفوذ الفرنسي في هذا البلد، كون هذا النفوذ صار جزءاً من الماضي لا أكثر.
يظلّ الأهمّ من ذلك كلّه أن أوروبا بقيت موحّدة، وأنه في أساس وحدة أوروبا موقف الحلف الألماني – الفرنسي الذي بات يعرف تماماً ماذا يعني الخطر الروسي على كلّ دولة من دول القارة العجوز.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى