خلدون البرغوثي يكتب -عن غانتس اللاهث وراء سراب رئاسة الحكومة في صحراء نتنياهو! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

خلدون البرغوثي يكتب -عن غانتس اللاهث وراء سراب رئاسة الحكومة في صحراء نتنياهو!

0 64

خلدون البرغوثي *- 2/11/2020

قبل أقل من عام كان نجم زعيم حزب “أزرق أبيض” بيني غانتس صاعدا في الساحة السياسية الإسرائيلية، لكن فشل الانتخابات الإسرائيلية في توفير عدد مقاعد كاف في الكنيست يمكن بنيامين نتنياهو من تشكيل حكومة يمينية، أو يمكن غانتس من تشكيل حكومة وسط- يسار مدعومة من قبل القائمة المشتركة، وضع غانتس في ظل خلافات داخل حزب “أزرق أبيض” حول التحالف مع القائمة المشتركة وخاصة شريكه موشيه يعلون، وفي ظل رفض شريكه يائير لبيد الدخول في حكومة وحدة مع نتنياهو، وكل هذا دفعه إلى خطوة مفاجئة بفك شراكته مع لبيد ويعلون، وقبوله تشكيل حكومة طوارئ مع نتنياهو.

وجاءت موافقة غانتس دون شروط، بل أعلن استعداده للشراكة مع نتنياهو لتشكيل حكومة طوارئ دون شروط، ثم تفاوض معه لاحقا على تناوب رئاسة الحكومة وتوزيع الوزارات مناصفة بين كتلة أحزاب اليمين المشاركة في الائتلاف وبين “أزرق أبيض” وغيرها من بنود لم يلتزم نتنياهو بها.

فقد وجد غانتس المستجد في السياسة الإسرائيلية نفسه في مواجهة نتنياهو المعروف بقدراته على التلاعب بشركائه قبل خصومه، فقاد نتنياهو غانتس إلى سلسلة من التنازلات مستغلا طموحه بتولي رئاسة الحكومة بعد ثمانية عشر شهرا من لحظة تشكيل حكومة الطوارئ في نيسان الماضي. غانتس بلع الطعم هذا ولا يزال حلم رئاسة الحكومة يقوده لتقديم التنازل تلو الآخر لنتنياهو.

فخلال الشهور الستة الماضية سعى غانتس للحفاظ على بقاء الائتلاف الحكومي بين الليكود و”أزرق أبيض” قائما. ويواجه اتفاق التناوب بينهما الآن التماسا أمام محكمة العدل العليا الإسرائيلية بدعوى عدم قانونيته، ولم يبت في الالتماس حتى لحظة كتابة هذه السطور، لتشعب الجوانب القانونية المتعلقة بصلاحية المحكمة في البت في قانون دستوري، هو قانون أساس: الحكومة. ويتركز الجدل حاليا في صلاحية المحكمة في هذا الجانب، قبل البت في مضمون قانونية التناوب.

غانتس.. من زعيم منافس إلى وزير تابع!

أسس غانتس حزب “مناعة لإسرائيل” ليخوض الجولة الانتخابية الأولى في آذار 2019، ودخل في تحالف مع زعيم “يوجد مستقبل” يائير لبيد، وزعيم “تلم” موشيه يعلون، وانضم لهم رئيس الأركان السابق غابي أشكنازي، في تحالف تحت اسم “أزرق أبيض”. وتمكن هذا الحزب من الحصول على 35 مقعدا ليتساوى مع الليكود، لكن نتنياهو حصل على توصية 55 عضو كنيست بتكليفه بتشكيل الحكومة، مقابل 54 لغانتس، ومع فشل نتنياهو في تلك المهمة، أقدم على حل الكنيست قبيل انتهاء مهلة تكليفه بتشكيل الحكومة بساعتين ليحرم غانتس من هذه الفرصة.

في الجولة الثانية من الانتخابات في شهر أيلول 2019، تقدم “أزرق أبيض” بـ33 مقعدا، مقابل 32 لليكود، لكن تم تكليف نتنياهو بعد حصوله مرة ثانية على توصية 55 عضو كنيست، مقابل 54 لغانتس. ومع فشله مرة ثانية، تجنب نتنياهو تكرار سيناريو حل الكنيست كي لا يتهم بالتسبب بالذهاب لانتخابات ثالثة. لكنه كان يدرك صعوبة وربما استحالة تمكن غانتس من تشكيل حكومة في ظل الخلافات بين قادة “أزرق أبيض” بشأن الحصول على دعم القائمة المشتركة من ناحية، وفي ظل رفض أفيغدور ليبرمان الدخول في ائتلاف أي من المعسكرين، وإصراره على ضرورة تشكيل حكومة وحدة تجمع الليكود و”أزرق أبيض” وحزبه “إسرائيل بيتنا”، وكذلك لتماسك كتلة اليمين، وتمسكها بنتنياهو مرشحا لرئاسة الحكومة. كل هذا دفع غانتس لإعلان فشله في تشكيل الحكومة.

بعد انقضاء المهلة القانونية الممنوحة للكنيست لتشكيل حكومة تم حل الكنيست والذهاب لجولة انتخابية ثالثة في شهر أيار 2020، حسمها الليكود بـ36 مقعدا، مقابل 33 لـ”أزرق أبيض”، لكن لم يتمكن المعسكران من توفيرالأغلبية المطلوبة في الكنيست لتشكيل حكومة.

ومع تماسك كتلة اليمين إلى حد ما (رغم رفض حزب “يمينا” بزعامة نفتالي بينيت الشراكة مع نتنياهو)، ومع استمرار الخلافات داخل كتلة اليسار- وسط والقائمة المشتركة، ولرفض ليبرمان الانضمام لأي من الكتلتين، وفي ظل أزمة كورونا، وتبعاتها الاقتصادية، وفي ظل خلافات داخل كتلة “أزرق أبيض”، انهار غانتس تحت ضغوط دعوات نتنياهو له بالشراكة، فأعلن هو وأشكنازي عن فك تحالفهما مع لبيد ويعلون، وقبولهما تشكيل حكومة طوارئ مع الليكود وباقي أحزاب كتلة اليمين من دون “يمينا”.

استسلام تلته مفاوضات

سعى غانتس لتناوب منصب رئاسة الحكومة، لكنه لم يتمكن من فرض شروطه، ورفض نتنياهو أية عروض لا تمكنه من الحكم في فترة المناوبة الأولى. في النهاية استسلم غانتس مرة أخرى لنتنياهو ووافق على تولي رئاسة الحكومة في المناوبة الثانية بعد عام ونصف العام من تشكيل الحكومة (أي بعد عام من الآن). وبغض النظر عن حصول غانتس على عدد وزراء مساو لما حصلت عليه كتلة اليمين (18 وزيرا مقابل 18 وزيرا)، وتسميته “رئيس الحكومة البديل” إضافة إلى تعيينه وزيرا للدفاع، يرى معظم المراقبين في إسرائيل أن نتنياهو لن يسمح لغانتس بتولي رئاسة الحكومة، وقد يقدم على حل الائتلاف الحكومي، والذهاب لانتخابات جديدة، بعد مراكمة إنجازات تقنع الناخبين بأدائه في ظل الأزمة الصحية- الاقتصادية التي تواجهها إسرائيل بسبب فيروس كورونا.

بعد يوم واحد من الإعلان عن تشكيل حكومة “نتنياهو- غانتس” كتب ليئور كوندر في “هآرتس” أن “نتنياهو نجح في تشكيل حكومة، والآن سيكرس جهده لمنع غانتس من دخول بلفور”، في إشارة إلى المقر الحكومي المخصص لرئيس الحكومة وأسرته.

وفي صحيفة “كالكاليست” كتب تسفي زارحيا بعد شهر على إقامة الحكومة، أن نتنياهو يسعى من الآن للبحث عن طريقة لتفكيك الائتلاف الحكومي، لكن بشكل لا يظهره المتسبب بذلك أمام الجمهور.

وأظهرت سلسلة استطلاعات رأي إمكانية حصول كتلة اليمين – دون ليبرمان- على أكثر من 61 مقعدا ما يشكل فرصة ودافعا لنتنياهو للتخلص من الشراكة مع غانتس، لكن من الواضح أنه ينتظر إقدام غانتس على هذه الخطوة. ويسعى نتنياهو لدفع غانتس لذلك عبر مخالفة ما اتفقا عليه كأساس للائتلاف الحكومي.

الرئاسة بدل التناوب

بعد مرور ستة شهور على تشكيل الحكومة، وفي ظل النقاش الحالي في محكمة العدل العليا حول قانونية تناوب رئاسة الحكومة، ذكرت صحيفة “معاريف” الأسبوع الماضي أن قادة الليكود يتداولون مقترحا لتقديمه لغانتس يتنازل بموجبه عن دوره في تناوب رئاسة الحكومة، في مقابل دعم الليكود له للترشح لمنصب رئيس الدولة.

“معاريف” ذكرت أن مساعي نتنياهو للبقاء رئيسا للحكومة أوصلته إلى هذه الفكرة التي وصفتها بالإبداعية، لكن الصحيفة قالت إن غانتس لم يعلق على هذه الفكرة.

ويبدو أن هذا المقترح الذي لم يقدم رسميا لكنه متداول، هو محاولة لجس نبض غانتس تجاه الفكرة.

الموازنة العامة.. تنكر نتنياهو وتردد غانتس

يتزامن المقترح أعلاه أيضا مع تصعيد في الخطاب بين الليكود و”أزرق أبيض” في إثر الخلاف على موازنتي عامي 2020 و2021.

فمع اقتراب انتهاء مهلة المئة يوم التي توافق الليكود و”أزرق أبيض” عليها قبل أكثر من شهرين في الكنيست، لإقرار قانون الموازنة العامة، يصعّد غانتس في خطابه تجاه نتنياهو ويطالبه بالالتزام بالاتفاق بينهما بإقرار مشروع قانون الموازنة المزدوجة للعامين 2020 و2021.
وينص الاتفاق الائتلافي بين الليكود و”أزرق أبيض” على إقرار الموازنة المزدوجة، لكن نتنياهو يصر على إقرار موازنة للعام 2020 حاليا، وتأجيل إقرار موازنة العام 2021 حتى شهر شباط المقبل.

استمرار الخلاف بين نتنياهو وغانتس مع اقتراب المهلة السابقة (قبل أكثر من شهرين) والتي كانت تلزم الكنيست بحل نفسه إن لم يتم إقرار الموازنة بتاريخ 23 آب الماضي، دفع غانتس إلى قبول مقترح بتأجيل إقرار الموازنة مئة يوم، وهو ما جرى التصويت عليه في الكنيست وإقراره قبيل موعد حل الكنيست.

ومع مضيّ ثلثي هذه المدة وبقاء نحو شهر على الموعد النهائي لمهلة المئة يوم، يصر نتنياهو على موقفه السابق. صحيفة “غلوبس” الاقتصادية نقلت عنه قوله إن موازنة العام 2021 سيتم إقرارها فقط في شهر شباط المقبل، فيما نقلت صحيفة “ذي ماركر” الاقتصادية عن نتنياهو قوله “إن موازنة العام 2020 ستوضع أمام الحكومة قريبا جدا، ما يتيح الوقت الكافي لاحقا لمناقشة موازنة 2021”.

كذلك نقلت صحيفة “هآرتس” الأربعاء الماضي عن نتنياهو اتهامه لغانتس بأنه سيتسبب بذهاب إسرائيل إلى جولة انتخابات جديدة بسبب إصراره على موقفه بضرورة إقرار الموازنة المزدوجة للعامين الحالي والمقبل.

بالمقابل يواجه غانتس حاليا خطاب نتنياهو، كالعادة، بالقول إن موقف الأخير سيؤدي إلى حل الكنيست والذهاب لانتخابات جديدة. ونقل عنه موقع “واينت” التابع لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الأربعاء الماضي قوله إن نتنياهو سيرتكب جريمة بحق الدولة إن لم يقر الموازنة، وستكون الانتخابات الخيار الأفضل، وليس واضحا مدى جدية غانتس في موقفه في ظل التنازلات السابقة.

غانتس يحمي نتنياهو!

لم تقتصر تنازلات غانتس لنتنياهو على المستوى السياسي أو الاقتصادي، بل بات يوفر الحماية لنتنياهو من مشاريع القوانين التي تقدمها المعارضة والتي تسعى إلى منع أي شخص يواجه تهما جنائية من البقاء في منصب رئاسة الحكومة أو من التكليف بتشكيل حكومة. ويستهدف مشروع قانون قدمه للكنيست زعيم المعارضة يائير لبيد، نتنياهو تحديدا، الذي يواجه ثلاث تهم بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.

ورغم أن غانتس تعهد في الحملات الانتخابية بعدم الشراكة مع متهم، قاصدا نتنياهو، إلا أنه تخلى عن كل تعهداته هذه، وقدم لنتنياهو حبل النجاة بتفكيك شراكته مع لبيد ويعلون والدخول في حكومة نتنياهو.

ففي جلسة الكنيست في 12 آب الماضي للتصويت على مشروع القانون، تغيب معظم أعضاء الكنيست من حزب “أزرق أبيض” عن حضور الجلسة. ورغم أن مشروع القانون لم يكن سيحصل بأي حال من الأحوال على الأغلبية المطلوبة إلا أن موقف غانتس يشكل هروبا من تعهداته السابقة لناخبيه.

قانون الطوارئ والتظاهرات

كما شكلت إجراءات الطوارئ التي سعى نتنياهو إلى فرضها على المتظاهرين المناهضين له، نقطة خلاف بينه وبين غانتس. ففيما سعى نتنياهو بكافة السبل إلى فرض إجراءات وقيود تمنع التظاهرات بموجب قيود كورونا، كان غانتس وأعضاء الكنيست من حزبه يعتبرون حق التظاهر مقدسا في البداية، وعبروا عن رفضهم التام لمساعي نتنياهو هذه. لكن لاحقا تراجع غانتس عن موقفه هذا، وقاد اجتماعا لكتلة حزبه في الكنيست مطلع شهر تشرين الأول انتهت إلى دعم “أزرق أبيض” للقيود التي سعى نتنياهو إلى فرضها على المتظاهرين والتي تمنعهم من الابتعاد أكثر من كيلومتر واحد عن مساكنهم، وأن لا يزيد عدد المتظاهرين عن عشرين في كل نقطة تجمع. ويشير موقع “واللا” إلى أن اجتماع كتلة “أزرق أبيض” شهد نقاشا حاميا، بين المطالبين بأن يكون الحزب معارضا لمساعي نتنياهو لقمع المتظاهرين ضده، وبين من تبنوا وجهة نظر غانتس التي تقول إن “حق التظاهر وحق الحرية الدينية لا تحتل مكانة أعلى من الحق المقدس في الحياة”.

ويشير موقع “واللا” إلى أن غانتس تحدث لاحقا بشكل شخصي مع كافة أعضاء الكنيست من حزبه، فتمكن من إقناع معظمهم بالتصويت لصالح القيود على التظاهرات، فيما عارض عضوان فقط هذه القيود، وامتنعت عضو كنيست واحدة من “أزرق أبيض” عن التصويت.

في النهاية يلخص موقع “واللا” تنازلات غانتس بالقول: لقد تمكن نتنياهو من تحقيق مساعيه.

مقترح مغاير!

عوزي برعام الذي شغل منصب وزير السياحة فالداخلية في حكومة إسحاق رابين بين عامي 1992 – 1995، دعا في مقال نشره موقع jokopost.com غانتس لمواجهة نتنياهو والذهاب لانتخابات. ويرى برعام أن تنازلات غانتس المتتالية لم تبق له رصيدا سياسيا يخوض به أية انتخابات مقبلة، وتؤكد ذلك استطلاعات الرأي التي تمنح غانتس ما معدله تسعة مقاعد في الكنيست فقط. ويفترض برعام أن بإمكان غانتس استرجاع بعض رصيده عبر رفض التنازل لنتنياهو في موضوع الموازنة، لكن الكاتب يشير إلى أن غانتس متردد ولم يحسم رأيه، وقد يكون يستخدم قضية الموازنة مدخلا للتفاوض مع نتنياهو، وفي هذه الحالة “فإنه يهدد بمسدس فارغ.. وأمامه فرصه لحشو مسدسه والمطالبة بإقرار الموازنة بشكل فوري، والذهاب لانتخابات فورا في حالة رفض نتنياهو ذلك”.

ويشير برعام إلى أن غانتس بدأ يفهم خصومه وأصول اللعبة التي يمارسونها، واتهام غانتس لنتنياهو بأنه كذب عندما قال إنه لم يبحث قضية حصول الإمارات العربية المتحدة على طائرات F-35، مؤشر على ذلك، لكن هذا الفهم – من وجهة نظر برعام- لن يفيد غانتس، إن لم يذهب إلى انتخابات. فأمامه فرصتان، إما القاء القنبلة والذهاب إلى الانتخابات برأس مرفوعة، أو التنازل مرة أخرى عبر تأجيل إقرار الموازنة، ولاحقا الذهاب لانتخابات دون أي إنجاز سياسي.

“غانتس في نص البير”!

في ختام هذا المقال خطرت في بالي أغنية عبد الجليل وهبي التي أدتها صباح وتقول فيها “وصلتينا لنص البير وقطعتي الحبلة فينا”، فربما تصف كلمات هذه الأغنية بدقة مصير علاقة غانتس بنتنياهو، فـ”الحبل” بيد نتنياهو، وغانتس معلق بحلم تولي رئاسة الحكومة في “بير” الائتلاف الحكومي، ويبدو أنه سيفيق قريبا من حلمه مستلقيا على ظهره في قاع البئر. ذلك سيحدث عندما يقطع نتنياهو هذا الحبل في اللحظة الأنسب بالنسبة له؛ اللحظة التي سيضمن فيها أن أية انتخابات مقبلة ستضمن له رئاسة الحكومة في ائتلاف حكومي يميني يسيطر على الأغلبية المطلقة في الكنيست.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.