خالد عطية: حين تصبح الشرعية بلا حامل، قراءة حوارية في مسودة د. غانية ملحيس: «السياسة والمساءلة والحامل السياسي في زمن الإبادة»

خالد عطية 26-12-2025: حين تصبح الشرعية بلا حامل، قراءة حوارية في مسودة د. غانية ملحيس: «السياسة والمساءلة والحامل السياسي في زمن الإبادة»
لا يأتي هذا النص بوصفه تعليقًا معزولًا على مسودة د. غانية ملحيس، ولا باعتباره ردًا أو تصويبًا من خارجها، بل امتدادًا لحوار فكري بدأ قبلها وتشكّل عبر سلسلة مقالات اشتبكت مع المأزق الفلسطيني من زوايا متقاطعة: مأزق السلطة بوصفها بنية وظيفية لا مشروعًا سياسيًا، ومأزق الانقسام باعتباره غشاءً بنيويًا يعيد إنتاج الاستقرار السلبي، ومأزق الشرعية الرمزية التي تصاعدت بعد الطوفان من دون أن تجد حاملًا سياسيًا قادرًا على تحويلها إلى مسار.
في مقالات مثل «السلطة الفلسطينية بين مأزق البنية ووهم الإصلاح»، و«فلسطين بين الانقسام الوظيفي وصعود الشرعية الرمزية بعد الطوفان»، و«فلسطين بعد الطوفان: سؤال التأسيس»، ثم في نصوص «من نزع السياسة الوظيفية إلى بناء الحامل: أسئلة الانتقال الفلسطيني» و«الاعتراف الدولي والتمثيل الفلسطيني: من المكسب السياسي إلى حدود الفعل والتحييد الوظيفي»، جرى تفكيك النموذج السياسي القائم لا بوصفه أزمة أداء أو قيادة، بل بوصفه هندسة كاملة لإدارة الصراع، تضبط الممكن السياسي، وتُحيّد التمثيل، وتُعيد إنتاج السلطة والانقسام والاعتراف الدولي كوظائف لا كأدوات تحرر.
ضمن هذا المسار، لم يكن السؤال المطروح: ما الخطأ؟ بل: لماذا يستمر النموذج رغم فشله؟ ولماذا تتحول كل محاولة إصلاح إلى إعادة تدوير للبنية نفسها؟ وكيف يمكن التفكير في الانتقال دون الوقوع في وهم الإصلاح أو فوضى القطيعة؟ ثم جاءت لحظة الإبادة لتدفع هذه الأسئلة إلى ذروتها، كاشفة مفارقة قاسية: شرعية رمزية فلسطينية غير مسبوقة، داخليًا وعالميًا، تقابلها هشاشة سياسية عميقة وغياب إطار قادر على الحمل.
في هذا السياق، جاءت مسودة د. غانية ملحيس «السياسة والمساءلة والحامل السياسي في زمن الإبادة» بوصفها محاولة جادة للانتقال من توصيف الأزمة إلى تسمية شرط الخروج منها: الحامل السياسي، ومعه إعادة تعريف المساءلة، والشرعية، ووظيفة السياسة في لحظة يُهدَّد فيها الوجود ذاته. هذه المسودة لا تُقرأ هنا من موقع الخصومة ولا من موقع التطابق، بل من داخل الأفق نفسه الذي اشتغلت عليه المقالات السابقة: أفق تحرري يرفض الامتثال، ويحذّر في الوقت نفسه من تحويل السياسة إلى يقين مغلق أو إلى إدارة خسارة.
أهمية المسودة أنها ترفض اختزال الأزمة في ضعف التشخيص أو سوء النوايا، وتضع الإصبع على ما هو أعمق: العجز عن تحويل التشخيص إلى تأسيس. السياسة، كما تقول، مهددة بأن تُستنزف بين إدارة خسارة، وأخلاقوية معزولة، وبراغماتية إدارية، ما لم يتوفّر حامل سياسي قادر على تحويل الشرعية الرمزية والتضحيات الواقعية إلى مسار وطني قابل للتراكم. هذا تشخيص بالغ الدقة، لأنه ينقل النقاش من سؤال “ماذا نفعل؟” إلى سؤال “ما الذي يجعل الفعل ممكنًا أصلًا؟”.
لكن قوة المسودة، هنا، هي أيضًا موضع اختبارها الأول. فالحامل السياسي لا يولد من توصيف سليم وحده، ولا من معايير نظرية مهما كانت متماسكة. الحوامل السياسية، كما تُظهر التجربة الفلسطينية وغيرها، لا تُعلن في لحظة، ولا تُصاغ في وثيقة، بل تتشكّل عبر صراع تراكمي تُعاد فيه توزيع الشرعية والوظيفة والقدرة. حين يبقى الحامل في مستوى المفهوم فقط، يظل خطر أن يتحول إلى لغة جامعة بلا فاعلية قائمًا: نتفق عليه جميعًا، ثم لا نعرف من يخوض الصراع الذي يُنتجه.
وهنا يبرز سؤال لا تقل المسودة عنه أهمية، لكنه يحتاج تشديدًا أكبر: من يخوض معركة تفكيك احتكار التمثيل؟ وبأي أدوات؟ وعلى أي إيقاع؟ لأن نزع السياسة عن السلطة، مثلًا، ليس قرارًا إداريًا ولا توافقًا نخبويًا، بل مسار صراعي طويل، تُقاومه شبكات مصالح داخلية وخارجية، ويُخاض في ظل خوف اجتماعي حقيقي من الفراغ والفوضى وانهيار شروط الحياة اليومية. هذه الأسئلة لا تنتظر إجابات مكتملة، ولا تفترض خارطة طريق جاهزة، بل تفتح مسارات اختبار تتشكّل وهي تُخاض، وتُعاد صياغتها بقدر ما تتقدّم. إذا لم يُدرج هذا البعد الصراعي بوضوح، قد يبدو الحامل وكأنه ينتظر اكتماله النظري، بينما الواقع يفرض تشكّله تحت الضغط .
تُقدّم المسودة مفهوم “المساءلة التحصينية” بوصفه أحد أهم أدوات حماية السياسة في زمن الإبادة. وهي محقّة في التحذير من مساءلات تُنزع من سياقها وتُستخدم لتجريم المقاومة أو تحميلها مسؤولية العنف الاستعماري. كما أنها محقّة في القول إن السؤال لا يُقاس بسلامة النوايا بل بالأثر السياسي. غير أن هذا المفهوم، على ضرورته، يحتاج ضبطًا إضافيًا حتى لا يُساء استخدامه عمليًا. شرط الزمن، مثلًا، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تعليقًا مفتوحًا للأسئلة، بل بوصفه تنظيمًا لها: متى تُطرح علنًا، ومتى تُدار داخل الأطر التنظيمية، وكيف نمنع تحويل التحصين إلى صمت، أو تحويل الصمت إلى يقين يمنع المراجعة. المساءلة التي تحمي المقاومة لا تُلغي السؤال، بل تحميه من أن يتحول إلى أداة ضدها.
الاختبار الثالث الذي تطرحه المسودة، ربما دون أن تسميه صراحة، هو علاقتها بما أصبح قيدًا بنيويًا على أي حامل سياسي فلسطيني: الاعتراف الدولي بوظيفته الراهنة. المسودة تعيد تعريف الشرعية في زمن الإبادة بوصفها قدرة على الحمل لا احتكارًا للتمثيل، وهذا طرح بالغ الأهمية. لكن أي حامل سياسي سيولد سيجد نفسه فورًا أمام منظومة دولية تكافئ الإدارة وتُعاقب التحرر، وتعيد إنتاج “الممثل المقبول” عبر التمويل والمنابر واللغة. إذا لم يُواجه هذا القيد بوضوح، قد نجد أنفسنا أمام حامل جديد يُعاد إدخاله سريعًا في وظيفة الوسيط، لا لأنه فاسد أو ضعيف، بل لأن بنية الاعتراف نفسها تضغط في هذا الاتجاه. المطلوب هنا ليس قطيعة مع العالم، ولا إنكار ما راكمه الفلسطينيون من حضور قانوني وسياسي، بل إعادة تعريف الاعتراف كساحة صراع، لا كصكّ شرعية نهائي يُقيّد السياسة بدل أن يخدمها.
أما اللامركزية التي تطرحها المسودة بوصفها شرط بقاء، فهي من أكثر أطروحاتها اتساقًا مع الواقع الفلسطيني المتشظي جغرافيًا واجتماعيًا. لكن اللامركزية، كي لا تتحول إلى سيولة أو تنافس على الشرعية، تحتاج حدًا أدنى من التنسيق والبوصلة المشتركة. ليس المطلوب مركزًا يحتكر القرار، ولا وحدة تنظيمية صلبة، بل اتفاقًا على ما لا يُساوم عليه: طبيعة الصراع، موقع العدو، ووظيفة السياسة. من دون هذا الحد الأدنى، قد تتحول اللامركزية من رافعة إلى تشظٍ، ومن تعدد أدوار إلى تعدد مشاريع داخل شعب واحد.
يبقى المجتمع هو الاختبار الأصعب لأي حامل سياسي. المسودة تقول إن الحامل يحمي المجتمع من الاستنزاف، وهذا صحيح، لكنه يحتاج ترجمة عملية. المجتمع الفلسطيني اليوم ليس فقط حاضنة للمقاومة، بل مجتمع منهك وخائف: من فقدان الدخل، من انهيار الخدمات، من الفراغ السياسي، ومن أن يدفع ثمن صراعات لا يملك أدوات التأثير فيها. هذا الخوف ليس وعيًا زائفًا ولا عائقًا أخلاقيًا، بل معطى سياسي يجب إدراجه في تصور الانتقال نفسه. حماية المجتمع لا تعني إبقاءه داخل منطق الضبط، بل بناء أشكال تنظيم وتمثيل تُشعره بأنه شريك في القرار، لا مجرد متلقٍّ له، وأن الأمان لا يعني استمرار الوضع القائم، بل القدرة الجماعية على الصمود والتنظيم خارجه.
في النهاية، قوة مسودة د. غانية ملحيس أنها لا تدّعي امتلاك إجابات نهائية، ولا تقدّم نموذجًا جاهزًا، بل تحاول منع انهيار السياسة نفسها في زمن الإبادة. وهذا بالضبط ما يجعل الاشتباك معها ضروريًا. فالسؤال اليوم ليس من يملك الحقيقة الكاملة، بل كيف نبقي السياسة حيّة: لا إدارة خسارة، ولا يقينًا مكتفيًا بذاته، ولا امتثالًا باسم الواقعية. إذا نجح هذا النقاش في تحويل الشرعية الرمزية إلى سؤال سياسي مفتوح حول الحامل، والانتقال، والمساءلة، والوظيفة، نكون قد خطونا خطوة نادرة في لحظة تاريخية خطرة: خطوة تحمي المعنى من الاستهلاك، وتمنع الذروة من أن تتحول إلى نهاية بلا أثر.



