حول لغة التنافس الانتخابي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

حول لغة التنافس الانتخابي

0 94

عبد المجيد سويلم – 5/4/2021

لغة التنافس الانتخابي، من حيث المدى الذي يسمح به القانون، ومن حيث مدى تقبل الحيز الاجتماعي من الزاوية القيمية لهذه اللغة، تختلف من مجتمع إلى آخر، وذلك كما هو معروف من زوايا كثيرة، لعل من أهمها مستوى رسو وترسخ التقاليد الديمقراطية، وخصوصاً في مجال تقبل الآخر كتعبير عن تقبل الاختلاف والتنوع.

وهذه المسألة بدورها تعتمد في الغالب على مدى نضج المخرجات التي تتراكم تاريخيا عن مستويات التنمية السياسية في المجتمعات.

فهناك الكثير من مظاهر اللغة التنافسية، وخطاب الاختلاف ما لا تتقبله ثقافة مجتمعية معينة في حين أن هذه اللغة وهذا الخطاب، بما في ذلك التوصيفات والنعوت النابية، والتي تصل أحياناً، وفي مجتمعات لا تنقصها لا الثقافة الديمقراطية، ولا التقاليد الديمقراطية إلى ما يخدش حتى الحياء العام.

ولكن ومع ذلك، فإن الاختلافات بين المجتمعات مهما بلغت لا يجوز أن تمنع ـ تحت ذريعة الاختلاف ـ درجة متوافقا عليها من المعيارية، إضافة إلى ما ورد ويرد في النصوص القانونية. لا يمكن أن تكون المدة الطويلة التي تفصل ما بين آخر انتخابات تشريعية جرت والتي تعود إلى العام 2006، والانتخابات التي ستجري، أو ربما ستجري في موعدها القادم في الشهر الخامس من هذا العام، والتي تم التوافق على إجرائها على المستوى الوطني الشامل… لا يمكن أن تكون هذه الفترة إلا كمؤشر سلبي كبير، أعاق ويعيق وسيظل عائقاً ـ طالما بقيت الفترة الفاصلة بمثل هذا الفارق الزمني ـ أمام الارتقاء بالتقاليد الديمقراطية، وبلغة التنافس والحوار، وبكامل منظومة قبول الآخر، وتقبل ثقافة الاختلاف، وآليات تنظيم هذا الاختلاف.

لكن الأمر الملموس هنا هو أن ثمة مؤشرات أولية سلبية، وثمة لغة مقيتة بدأت تطل برأسها في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تحتل حيزاً كبيراً من «الطاقة» الإعلامية المتوفرة حتى الآن، وقبل أن تبدأ الحملات الانتخابية قانونياً، وقبل أن نسمع بصورة موثقة أو نرى برامج القوائم الانتخابية، وقبل أن تتاح للمواطن فرصة الاختيار، وفرصة التفريق بين برنامج وآخر، وبين توجه وآخر حيال مختلف القضايا التي تمثل الدائرة الرئيسة لهموم المواطن واهتماماته.

بعض الزملاء والأصدقاء انتبهوا بصورة مبكرة وذكية لخطورة هذه المؤشرات، وللأخطار التي ينطوي عليها خطاب الكراهية مثل الزميل والصديق إبراهيم الحافي، كما تنبه آخرون إلى ما تمثله لغة إلقاء الأوصاف على عواهنها، وكيف أنها لا تليق بنا كحالة وطنية، وكشعب يعاني من سطوة الاحتلال وسياساته الهادفة لتصفية أهدافنا وحقوقنا الوطنية، مثل الزميلة والصديقة د. سهاد زهران وآخرين كثر ممن لفت انتباههم هذه الدرجة المنفلتة في الوصف والتوصيف، وفي إلقاء التهم والتعرض لخصوصيات اجتماعية أو ثقافية أو حتى مهنية ولمن تم وضعهم في دائرة الخصومة أو حتى «العداء».

هذا الانتباه واليقظة هما بالمقابل مؤشر إيجابي كبير على توفر درجة عالية من الحس بالمسؤولية، وعلى وجدان وطني يقظ في مرحلة فاصلة وتكاد بكل المقاييس تصنف بالمصيرية.

الخلافات والاختلافات مهما كانت كبيرة وواسعة، والصراع السياسي على البرامج والنهج، وتعدد الرؤى والمنظورات للسياسات والتوجهات، بما في ذلك الوطنية الشاملة التي تتعلق بالأبعاد الوطنية الكبيرة، وبالحقوق الوطنية والأهداف التحررية لشعبنا.. لا يمكن ولا يجوز أن تحجب المشترك الوطني لكل المكونات السياسية والاجتماعية، كما لا يمكنها أن تلغي بالكامل المصالح المشتركة حتى بالبعد التنموي والبعد الديمقراطي العام.

لهذا فإن هذه الاختلافات والخلافات هي إما مؤقتة، وإما أنها متحركة، ومتغيرة ومتبدلة، وإما أنها زائلة أيضاً. وهو ما يحتم على المكونات السياسية التي تتنافس على مقاعد المجلس التشريعي أن تتنبه إلى عبث تحويل التنافسية الانتخابية وكأنها «أم المعارك» الوطنية.

لا يليق بأي حركة تحرر وطني، وخصوصاً في مثل الصعوبات التي تعترض طريقنا والأخطار التي تتهددنا، والتحديات التي تواجهنا أن ننحدر بلغة التنافس فيما بيننا إلى مستويات مبتذلة، وتصل إلى حدود السوقية و»استبذاء» الألفاظ والمفردات والتعبيرات.

هذه الطرائق الغريبة والمستغربة في التعبير عن الخلاف والاختلاف كانت وما زالت سبباً رئيساً في الإحباطات الكبيرة التي وصل إليها الشارع الفلسطيني جراء أكثر من أربع عشرة سنة من مسلسلات التكفير والتخوين وتحويل كل اختلاف إلى مرتكز للاستعداء.

وليت أن هذه اللغة وما أنتجته من سلوكيات وتصرفات قد اقتصرت على عناصر اليأس والإحباط لدى قطاعات جماهيرية واسعة، فقد امتدّ الأمر إلى «الكفر» بالعمل السياسي، والأحزاب والتنظيمات أحياناً، وإلى الاستنكاف الكامل أو شبه الكامل عن المشاركة الشعبية الجادة والفاعلة في النشاط الجماهيري في مواجهة المستوطنين وسياسة الاستيطان والضم والمصادرة، بل وحتى الاستنكاف عن المشاركة حتى في المناسبات الوطنية التي ترمز إلى تضحيات شعبنا وعذاباته، ومناسبات المجازر التي ارتكبت بحق هذا الشعب.

لم تفهم معظم المكونات السياسية للأسف الشديد أو بعضها على الأقل أن لغة التخوين والتكفير والبحث عن «الفضائحيات» الاجتماعية والتعرض أحياناً إلى الأبعاد الشخصية بصورة فجة ومنفّرة واستفزازية طالما فعلت فعلها في إشاعة أجواء الإحباط والاستنكاف والعزوف، وأحياناً وصلت الأمور إلى حدود التعبير عن «قرف» الناس من هذه اللغة وهذه الأساليب وهذه السلوكيات.

في التنافس الانتخابي ثمة مناسبة مواتية مقابلة لكل الحالة السلبية، وثمة فرصة حقيقية لإعادة تصويب هذا المسار الخاطئ، وهذا النهج «القبلي» في النظرة للآخر وفي مقارعة المختلف.

وإذا كان القانون يردع البعض عن هذا النهج وهذه السلوكيات المدمرة، إلا أن الوعي بضرورة المسؤولية الوطنية، ومن قبل كافة مكونات الطيف السياسي الفلسطيني، بالضبط والالتزام بقواعد أخلاقيات التنافس هو الطريق الأكثر تأثيراً في تصحيح كل مسار خاطئ على هذا الصعيد.

نحن شعب أحوج ما نكون في مثل هذه الظروف لوعي ضرورة الحرص على الوطني المشترك، وعلى وحدة شعبنا في الدفاع عن حقوقه الوطنية والديمقراطية، والتي تخص كل فلسطيني، ليس فقط في المحتل من أرضنا وإنما في كل مكان يوجد فيه فلسطيني واحد.

هذا ليس استدرار عواطف، ولا مناشدات مشاعرية، على أهميتها وإنما هو قبل كل شيء تذكير بما يجمع شعبنا من قضايا ومن مصالح وطنية عليا، ومن حقوق مشتركة ومن أهداف واحدة، وهي كلها انعكاس حقيقي وملموس عن واجب الدفاع عنها وحمايتها وصونها، والتصدي لكل من يحاول المساس بها أو يلحق الضرر والأذى بها.

ليكن الخلاف والاختلاف في مفاصله السياسية والوطنية العامة والديمقراطية الخاصة موضوعات للتنافس إلى آخر حدود ممكنة، ولكن بضوابط أخلاقيات التنافس الشريف وبالأساليب الحضارية، وبلغة العقل والمنطق وبخلفية ما يجمعنا ويوحدنا ويساعدنا على استمرار معركة البقاء والصمود ومواجهة الأخطار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.