حملة الانتخابات الرئاسية للعام 2012 : نحو موازنة دفاع يمكن الدفاع عنها - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

حملة الانتخابات الرئاسية للعام 2012 : نحو موازنة دفاع يمكن الدفاع عنها

0 291

 فرانك ج. هوفمان(*) ـ Foreign Policy Research Institute ـ E- Notes ـ نيسان 2012

رغم أن الأمن القومي لم يكن عنصراً رئيساً في الحملة الانتخابية حتى الآن، فإنه سيصبح، من دون أدنى شك، عنصر مقارنة حاسماً بين المتنافسيْن ما إن تزداد سخونة الحملة هذا الصيف. فقد طرح الرئيس أوباما ومرشح الحزب الجمهوري المفترض ميت رومني بدائل صارخة بما يتعلق بالأولويات الإستراتيجية، مستويات الاستثمار الدفاعي، الانخراط الأميركي في الشؤون العالمية، ودورنا المستمر في أفغانستان.

يعمل الرئيس على التحول من استقرار الركود إلى جوانب أكثر استراتيجية تتعلق بالأمن الاقتصادي للبلد. إذ تدعو استراتيجيته الأمنية الوطنية إلى استراتيجية تجديد في البنى التحتية الأميركية والمؤسسة الاقتصادية. إذ صرَّح بأنه يعتقد بأن الوقت قد حان لإعادة التوازن لنفقات موازنتنا الإستراتيجية  والتحول من مغامرات خارجية مطولة وممتدة إلى ” بناء الأمة في الداخل”. هناك منطق واضح هنا بالتركيز على إعادة إحياء الاقتصاد الأكثر ديناميكية في العالم. هذا الأمر مركزي بالنسبة لموقعنا ونفوذنا العالمي. وكما شدد الباحث مايكل أوهانلون من معهد بروكينغز في شهادته،  “ليس هناك من قوة عظيمة ظلت كذلك في الوقت الذي تآكل فيه اقتصادها”.

لقد أعاد الرئيس وفريقه الدفاعي مراقبة تطبيق الإرشادات الاستراتيجية بالنسبة للقوات المسلحة. وكجزء من إعادة التوازن الاستراتيجي هذا، قام الرئيس بتطوير تخفيض للإنفاق الذي خطط البنتاغون له بـحدود 487 مليار دولار مع نهاية القرن. فضلاً عن ذلك، أوضحت الإدارة بأن الصراع في أفغانستان يعتبر استنزافاً باهظاً لمردود الخزينة المتدني. كما أن تأثير ذلك على جيشنا بما يتعلق بعمليات الانتشار المتكررة للقوات البرية والطائرات يعتبر موضع قلق. ولم يصمم الرئيس حتى الآن وسيلة مساهمة مساوية لنهضة استراتيجية من بقية البيروقراطية الحكومية الفيدرالية، رغم أن فضيحة ” مؤتمر التدريب” التابع ” لإدارة الخدمات العامة” الذي عقد في لاس فيغاس قد تسرع هذا الأمر.

فضلاً عن ذلك، لا يزال على الأمة مواجهة الواقع بأن شهيتها ” للاستحقاقات” والبرامج الحكومية تتخطى استعدادها للدفع لها. هذا كله يتفاقم بسبب الزيادة النهمة في كلفة الرعاية الصحية، التي عندما تُجمع مع التبدلات الديمغرافية لسكاننا، فإنها تعتبر، وببساطة، غير مستدامة. وقد أشار أحد رجال الاقتصاد إلى أن دافع الضرائب العادي يحصل على ” رعاية صحية” تفوق عدة مرات ما يستثمره فيها.

يتعارض برنامج السيد رومني بكل راحة مع برنامج الرئيس في مجالات عديدة. فبدلاً من الانسحاب من أفغانستان وادخار القوة الأميركية، يريد السيد رومني تأكيد النجاح وبأنه سيعتمد على مساهمات قادة الميدان. فبدلاً من تخفيض الإنفاق الدفاعي إلى حوالي نصف تريليون دولار، يريد المتحدي المفترض للإدارة الحالية زيادة الإنفاق الدفاعي، ربما إلى نسبة ثابتة تصل إلى 4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي ( GDP) والذي يرفع موازنة الدفاع إلى حوالي 600 مليار دولار في العام. أما في المصطلحات التقريبية، فهذا قد يكون زيادة تبلغ 500 مليار دولار على الأقل بحلول عام 2020.

صرَّح السيد رومني بأن سياسات الإدارة ستكون موجهة ” بقناعة ووجدان راسخين: بأن هذا القرن ينبغي أن يكون قرناً أميركياً”. ستستمر الولايات المتحدة بالتمسك بدورها القيادي وبتفوقها العسكري في العالم. ” في القرن الأميركي هذا، أميركا تملك أقوى اقتصاد وأقوى جيش”. هذه ليست رغبة وفعلاً انعكاسياً للبقاء على القمة، وإنما قناعة راسخة بأن هذه السياسة تولد عالماً أكثر استقراراً وأماناً لنا ولشركائنا. ” من دون قيادة أميركية، من دون وضوح الغاية والحل الأميركييْن، يصبح العالم مكاناً أكثر خطراً بكثير، وستكون الحرية والازدهار، بالتأكيد، من بين أولى ضحايا هذا الأمر”، بحسب ما صرّح السيد رومني في أشهر كلام له حول السياسة الخارجية.

لقد وعد السيد رومني بعدم تسليم دور أو مكانة الولايات المتحدة في العالم، كما وعد بقلب “الاقتطاعات الدفاعية الضخمة” للرئيس أوباما. فقد وجد أن ليس هناك من فعالية في عدم الجهوزية واستيعاب المخاطر. ” مرة بعد الأخرى، كنا نرى أن تلك المحاولات لموازنة الميزانية عن طريق إضعاف جيشنا لا تؤدي إلا إلى دفع ثمن أعلى فحسب، ليس فقط بالمال، وإنما بالدماء”.

كما أشار السيد رومني أيضاً إلى أنه سيستثمر بشكل أساسي في بناء السفن التي هي في انحدار لدعم مخزون السفن الحربية المتناقص لسلاح البحرية.  لقد كان أمراً مشجعاً أن نسمع مرشحاً يدرك أهمية القوة البحرية الحساسة لقوة أميركا. إذ يبدو المتحدي أكثر استعداداً للتصدي والتعامل مع العدد الكبير من البرامج والأمور الفيدرالية الجيدة التي يتوقعها دافعو الضرائب ومجموعات المصالح الخاصة من واشنطن. كما أنه مستعد لتحدي نظام ” الاستحقاقات” اللا استنسابي لدينا علناً. إن تأييد السيد رومني لاقتراح الموازنة الذي تقدم به بول رايان، الذي ركز على الإصلاح الضريبي وعلى اقتطاعات كبرى لبرامج حكومية، دليل إضافي على الخيارات المتمايزة المقدمة للناخبين هذه المرة. وقد استعاد اقتراح الموازنة لرايان حوالي نصف الاقتطاعات العسكرية التي خططت لها الإدارة الأميركية.

لمعالجة التمايز الموجود بين المرشحين ومواقفهم، سأقدم عدداً من الوقائع والقضايا في نقاش جدلي فيما تبقى من ورقة الـ E-Note هذه:

الفرضية: تملك أميركا زمام القيادة الهائلة في كل أشكال القوة الوطنية وبإمكانها تحمل التقليل من حذرها بغرض التركيز على تجديد ازدهارها الاقتصادي.

• لدينا أفضل قوة عسكرية في العالم، مع رأسمال بشري، مجالات وأنظمة استخبارات متطورة، القدرة على الفتك والامتداد، وكلها أمور موضع حسد من كل دولة.

• نحن ننفق أكثر من باقي العالم مجتمعاً تقريباً. عندما تحسبون شركاءنا في المعاهدات، وحلفاءنا الأكثر موثوقية، فإن الإنفاق يمثل أكثر من 75 بالمئة من كل الإنفاق العسكري في العالم.

• لدى جيش أميركا قدرة ضخمة لمقارعة أعداء محتملين. وكما أشار ” معهد أبحاث ستوكهولم للسلام الدولي “( SIPRI) ، ” لقد زادت الولايات المتحدة إنفاقها 81 بالمئة منذ العام 2001، وهي تشكل الآن 43 بالمئة من المجموع العالمي، ست مرات أكثر من الصين، المنافس الأقرب لها”.

• يذكر معهد SIPRI في تقرير له أن الإنفاق العسكري الأميركي يساوي ذلك الذي لـ 19 دولة في العالم مجتمعة.

• يمثل الإنفاق الحالي مستويات أعلى من ذاك الذي كان للحرب الباردة، حتى بعد احتساب ارتفاع مستوى التضخم ، برغم غياب تهديد وجودي كالإتحاد السوفياتي.

• لا نواجه حالياً احتمالاً قريباً مباشراً لتهديد وجودي أو مجموعة تهديدات تطرح وجوب الإنفاق بمستويات أعلى من تلك التي للحرب الباردة لضمان أمننا.

• تقاس خطط التخفيضات للإدارة بشكل مدروس على مدى فترة زمنية أطول من تلك التي لمعظم فترات ما بعد الصراعات، وهي أكثر تواضعاً من خطط سابقة. كانت معظم  التخفيضات بنسبة 30 بالمئة والخطط الحالية هي نصف تلك النسبة فحسب.

• لم تؤخذ التخفيضات الدفاعية من مستويات الموازنة الحالية وإنما من زيادات مخطط لها على أعلى مستوى في البنتاغون. ففي السنة المالية للعام 2017، ستكون موازنة وزارة الدفاع لا تزال مساوية لتلك التي كانت في منتصف العقد الأخير عندما كنا نملك أفضل وأرقى قوة في العالم.

• بحسب ” مكتب محاسبة الحكومة” ( GAO )، لقد عانت أنظمتنا الرئيسة من تجاوزات للكلفة بأكثر من 447 مليار دولار منذ البدء بها؛ أكثر من 3 سنوات من الرأسمال الاستثماري لأجل المحاربين المفقودين إما بسبب الكلفة المتواضعة وإما بسبب سوء إدارة برامج.

• لقد أنفقنا بالفعل أكثر من 2 تريليون دولار منذ 11/9 على حربيْن، مقسمين بالتساوي بين دعم الجيش ودعم الحملات الحربية في الخارج. لقد تم استدانة كل قرش، وينبغي دفع المبالغ المترتبة بفائدة متراكمة في مرحلة ما.

• سيعطينا تخفيض النفقات مجالاً لالتقاط الأنفاس لإعادة الاستثمار بأنفسنا. ” إن تخفيضاً في عمليات الانتشار الأميركية المقبلة يمكن أن يهدئ أعداء أميركا، يقضي على المناطق الساخنة المحتملة، ويشجع حلفاء الولايات المتحدة على المساهمة أكثر بالدفاع الجماعي.

الفرضية المناقضة. تواجه أميركا عاصفة شاملة من التحديات المتزايدة لمصالحها وقيمها، وينبغي الحفاظ على رجحان القوة في وجه هذه التهديدات.

• الصين قوة كبرى في آسيا في هذا الوقت، وهي منافس اقتصادي بارز وعامل مزعزع للاستقرار على نحو متزايد في جنوب بحر الصين. إن سلوك الصين الحازم، بدليل الحوادث مع السفن اليابانية، الفييتنامية والفليبينية، في المياه الإقليمية والدولية، هو مؤشر على قوة غير الوضع القائم، قوة تجد في التطبيق التام للتخويف بسلوك عسكري وسيلة ذات فائدة.

• زادت الصين من إنفاقها الدفاعي بحوالي 12 بالمئة في العام على مدى عقد من الزمن. “إن تراكم الأسلحة الجاري من قبل بكين هو تطور له مضامينه البعيدة المدى والخطيرة المحتملة”.

• إن نسبة إنفاقنا الدفاعي مع الصين هي أقل من 3:1 حقاً إذا ما احتسبتم تعادل القيمة الشرائية وتكاليف القوى العاملة المنخفضة. إن الالتزامات الأمنية للصين ليست عالمية كتلك التي لنا ولا يملك الصينيون البنية التحتية للعلم والتكنولوجيا ( S&T) أو متطلبات الحركية الاستراتيجية التي نملكها نحن.

• تستمر كل من إيران وكوريا الشمالية بتوظيف أساليب وطرق غير شرعية وغير تقليدية لتحدي المجتمع الدولي، ولمواصلة سعيهما للحصول على أسلحة نووية. فكلتا الدولتين ضعيفتان داخلياً، لكنهما تهددان شركاء أميركا في المعاهدات والمواثيق في مناطقهم كما تهددان بعض أفضل أصدقائنا.

• إن وجود العنف المستمر للإسلاميين المتطرفين سيظل يتطلب استثمارات أمنية في الاستخبارات، وقوات العمليات الخاصة، وجهود المساعدات الأمنية في العالم الثالث.

• إن المطالبات الملحة بالديمقراطية وحق تقرير المصير الموجودة في صلب الربيع العربي يمكن أن تنتج ارتدادات أتوقراطية عديدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك انتاج عدد اكبر من النموذج السوري، إضافة إلى عدد من ” الديمقراطيات” غير الليبرالية التي يمكن أن تولد تهديدات لأصدقاء لنا كإسرائيل.

• قد يثبت التقشف في مناطق كجنوب أوروبا أيضاً أنه يشكل عاملاً يهدد النظام. فالنقمة التي أحدثها عدم الوفاء بالوعود والأحلام المحطمة لم تكلف حتى الآن سوى موت عدد قليل من الناس، لكن احترسوا من أعمال الشغب الكبرى والعنف الأهلي في السنوات القليلة المقبلة وانهيار النظام الاجتماعي في مدن عديدة.

• بسبب عقد من الصراع المستمر بعيداً عن شواطئنا، فإن العسكر عموماً، والجيش والمارينز تحديداً، بحاجة لإعادة ضبط وإعادة تشكيل صفوفهما. فضلاً عن ذلك، فإن عناصر سلاحَي البحرية والجو قد بدؤوا يهرمون جداً وبحاجة للتحديث.

• تعكس كلفة منظومات أسلحتنا المتطورة  تكنولوجيتها المتطورة كما تعكس قدرتنا على تطبيق حلول مدمجة لتوليد حروب تقليدية قصيرة وحاسمة. هذا أمر مكلف، لكنه ليس مكلفاً بالضرورة مقارنة بالحروب الطويلة التي يسقط فيها عدد من الضحايا في صفوف الجيش والمدنيين.

نتيجة الجمع بين الطرح ونقيضه: ما هو المقدار الكافي؟

قبل سنوات عدة، حاولت الإجابة عن السؤال التالي ” ما هو المقدار الكافي؟” بما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، وقد اعتقدت بأن معدل الحرب الباردة، أي 464 مليار دولار ( بسعر الدولار الثابت للسنة المالية 2009) مبلغ مناسب ( أو حوالي 484 مليار دولار في السنة المالية 2012 اليوم). كان ذلك سيكون تخفيضاً أساسياً بالنسبة للدفاع. في كل الأحوال، لقد أثبتت الدراسات اللاحقة الصادرة عن ” لجنة المشاريع الدفاعية” بأن هذا المستوى ( من الانفاق) لم يحتسب بشكل كاف المكاسب الشخصية، خاصة الزيادة الكبيرة في كلفة الرعاية الصحية. ولاحتساب هذه المصاريف، فإنه ينبغي إضافة 30 مليار دولار أخرى على الأقل. حتى أن التمسك بموازنة البنتاغون السنوية ، 500 مليار دولار سنوياً، ستضغط الإنفاق بما يتعلق بالتحديات الموجودة في مجال الفضاء، والأمن الالكتروني، والدفاع الداخلي ( أمن الداخل)، والعمليات الخاصة.

بالتالي، لقد أعددت تعديلاً تقديرياً واحتسبت معدلات التضخم منذ وضعت حساباتي الأصلية. شيء ما يبدو أنه مضمون ويزيد عن 500 مليار دولار ( في السعر الثابت للدولار للسنة المالية 2012)، إلا إذا كان لديكم استراتيجية مختلفة بشكل كبير وكان لديكم نسبة أعلى من التساهل إزاء المخاطر.

إن تقييمي يجد أن الاقتطاعات الدفاعية التي صممها الرئيس مع فريقه الدفاعي هي اقتطاعات حكيمة وقابلة للتنفيذ. فأي شيء أعلى من التخفيضات المخطط لها التي تصل إلى حوالي نصف تريليون دولار يحدث حاجة لصياغة استراتيجية أقل انخراطاً تولد مخاطر أكثر وتشجع آخرين على ملء فراغ السلطة. وقد توصل باحثون ومراكز أبحاث أخرى في واشنطن إلى نفس الاستنتاج. إن اقتطاعات أخرى قد تكون منطقية بظل فرضيات معينة وإذا ما استمر حلفاؤنا بالوقوف معنا. لكن لا ينبغي اعتبار تلك الاقتطاعات خالية من المخاطر. لن أكون متفائلاً بشأن اقتطاعات دفاعية بقيمة تريليون دولار كما هو محدد في خطة الاحتجاز المفتعلة أو من قبل بعض الباحثين.

إن الإرشادات الدفاعية الجديدة تعترف بأننا كنا متواضعين كثيراً تاريخياً في تنبؤنا بالمستقبل. ووفقاً لذلك، يحاول المخططون في البنتاغون التحوط والتخفيف من المخاطر قدر الإمكان. أعتقد أنهم قاموا بعمل جيد في الموازنة ما بين الغايات والوسائل. لكن لا يمكنهم  حذف المخاطر ولن يكون البنتاغون الجديد الأقل حجماً قادراً على حشر إصبعه في كل خندق، حتى مع وجود مساهمات حلفائنا وأصدقائنا، أو التكنولوجيا المتطورة. ينبغي لنا ألا نخلق ” استراتيجيات للأبطال” أو إحداث وهم بأن جنود وبحارة ومارينز وطياري الغد يدفعون الثمن من حياتهم.

 إن خطط السيد رومني لزيادة الإنفاق الدفاعي تفعل الكثير لجهة تخفيض المخاطر الأمنية، والزيادة في بناء السفن لسلاح البحرية له معنى استراتيجي محدد. لكن هناك بعد اجتماعي للإستراتيجية، وإن إعطاء البنتاغون الامتيازات بالتمويل الإضافي في الوقت الذي يقوم فيه مواطنونا بكل التضحيات وفي الوقت الذي نستمر فيه بالتخبط بالدين يمكن أن يجعل العقد الاجتماعي أكثر سوءاً كما وأن الأمر غير مستدام على المستوى السياسي.

على المقلب الآخر، هناك آخرون مرتاحون لموقفنا الحالي، ويعتقدون بأن تخفيض النفقات مبرر. يعتقد البعض بأن تخفيض وجودنا المقبل ووضعنا العالمي أمر سيساعد بالفعل على استقرار المناطق الساخنة ومناطق الأزمات، ويدفع الحلفاء المترددين على الاستثمار أكثر في مؤسساتهم الدفاعية. العكس تماماً هو الأرجح، فالغاية من الوضعية العسكرية الأميركية ليس تهدئة المعتدين المحتملين أو إطالة أوقات الرد بالنسبة لصناع السياسة الأميركيين. بإمكاننا تخفيض القوات المنتشرة مستقبلاً في أوروبا، إلا أن انسحابات أخرى ستولد مناطق ساخنة وليس التقليل منها. فليست ” القوة الناعمة” والديبلوماسية الرخيصة ومساعدات الانتشار مقايضة جيدة. إذ لم يتم اختبار كفاءة وفعالية القوة الناعمة ضد الصين، كوريا الشمالية، وإيران بشكل صارم ودقيق.

إن الجدل والمناقشات الدائرة حول الاقتطاعات تتطلع إلى الوضع الحالي اليوم بدلاً من النظر إلى التحديات المستقبلية. ومن المرجح أن تجرّئ هذه التوصيات المتحدين وتزيد المخاطر. فهي تتجاهل مصالح والتزامات أميركا في الخارج، وتخفض قدرة الردع ضد المعتدين، ولا تفعل الكثير لطمأنة الشركاء والحلفاء. كما أن هذه التوصيات لا تحل ما يسميه الرئيس الحالي ” التناقض الأمني “، عالم ذي تهديدات أقل لكن مع انتشار أكبر للوسائل الفتاكة المتطورة عمودياً وأفقياً في أيدي دول صغيرة وفاعلين غير حكوميين.

هؤلاء المحللون محقون بشأن وضعنا الحالي والحاجة للاستثمار في الديبلوماسية والتطوير، لكنهم يحرفون الانتباه عن المشكلة المالية المحلية الحقيقية. إن الإنفاق على برامج الاستحقاق الرئيسة الثلاثة لدينا يستهلك أساساً أكثر من 2 تريليون دولار في العام 2012 أو 50 بالمئة من الموازنة الفيدرالية. هذه البرامج الإلزامية، كما سُنت، ستكلف أكثر من 3 تريليون دولار تماماً بحلول السنة المالية 2019 وتزيد من ديننا الوطني المعلن ليصل إلى 19.5 تريليون دولار، أكثر من 100 بالمئة من الناتج المحلي ( GDP) وسوف تصل فائدة الدين العام المزدهر، الإنفاق الإلزامي، إلى 578 مليار دولار في السنة المالية 2019، ما يساوي ربما الانفاق الدفاعي.

إن موازنة وزارة الدفاع ليست المشكلة المركزية لحالتنا الاقتصادية البائسة. كما أن تلك الميزانية ليست كبيرة كفاية لتوفير الحل لتسونامي الدين الفيدرالي الذي يبلغ ذروته بسرعة. إن مشاكلنا ناتجة عن التوجهات الماضية السيئة الانضباط في مجالي الديمغرافية والرعاية الصحية. لا يمكننا فعل الكثير حيال ذلك، إلا في الرعاية الصحية التي تستهلك سدس اقتصادنا تقريباً ونصف نفقاتنا الفدرالية. هذا يمثل خيارات. وكما أشرتُ في Orbis في العام 2009، ” ينبغي أن يكون تركيز الحكومة على تخفيض حالة الإعسار في برامجنا المعنونة بشكل سيئ بالـ ” الإلزامية” أو  “الاستحقاقية”، إذ لا تزال تشكل التهديد الأكبر لأمننا مستقبلاً.

لكن بالنسبة لمقترحاتنا السياسية، وبالنسبة لالتزامنا المستدام الطويل الأمد تجاه الشعب الأميركي، فإن وزارة الدفاع الأميركية ( DOD ( ستكون جزءاً من الحل. لكنه سيكون جزءاً صغيراً من مساومة كبيرة تتجاوز الحدود، والتي لم يضع بعد أيُّ من المنافسين أطاراً لها بعد. فالعبء الموجود على المرشحيْن الرئاسيين هو ضمان تقديم خيارات متينة وصلبة تحفظ مصالحنا الأمنية، تعيد بناء الأساس الاقتصادي الأميركي، وتحافظ على شبكة أمان مناسبة للناس الأقل حظاً، وضمان عدم تكبيل أجيال المستقبل بالقيود. لا يمكننا استعارة طريق خروجنا من الأزمة. كما يجب علينا ألا نمرر هذه المشكلة، وبلا خجل، لأطفالنا.

هناك بعض المخاطر التي علينا تقبلها، وهذا واضح، بما أنه لم يعد بإمكاننا بعد الآن تحمل استغلال مواردنا للخروج من كل مشكلة تصادفنا. وكما أشار وزير الدفاع الأسبق روبرت غيتس قبل ترك منصبه، ” لا يمكن للولايات المتحدة أن تتوقع التخلص من مخاطر الأمن القومي من خلال موازنات دفاعية أعلى، ما يعني القيام بكل شيء وشراء كل شيء. ينبغي لوزارة الدفاع أن تضع الأولويات وتدرس المقايضات التي لا مفر منها وثمن الفرص المتاحة”. يمكن قول الشيء نفسه بإلحاح أكبر حول بقية الحكومة، تحديداً الكلفة الطبية.

الاستنتاج

قال الأدميرال مايك مولن، في البحرية الأميركية، الذي تقاعد مؤخراً كقائد لهيئة الأركان المشتركة، بسخريته المشهورة بأن دَيننا هو التهديد الأكبر لأمننا الوطني. لقد كان محقاً في قوله تقريباً، لكن بإمكاننا معالجة ديوننا الحالية. إنه جبل الدين الجديد الوشيك الذي سوف ينتج أزمة. نحن لدينا خيارات حول ماهية الدور الذي نريد لعبه في الشؤون العالمية، والوسائل الضرورية لتحقيق ذلك الدور، والكيفية التي سندفع بها تكاليف تلك الوسائل من دون استدانة تريليونات الدولارات من المصرفيين الأجانب. ينبغي لنا ألا نستمر بإخفاء هذه الخيارات أو المقايضات في المناظرات المقبلة. وإذا ما حصل ذلك، فإن الذنب سيكون ذنبنا. باعتقادي أن التهديد الأكبر لأمننا القومي “ليس” الدين، وليس العملية السياسية المختلة، وإنما هو فشلنا بأن نكون صادقين مع أنفسنا.

إن الانتخابات المقبلة فرصة ممتازة لعرض التساؤلات الجدية والخطيرة المتعلقة بالبلد. فهل سيرتقي المتنافسان إلى مستوى التحدي أم أنهما سيلتصقان بنقاط الحوار التافهة؟

إن الخيار بسيط تماماً. الاقتصاد في الإنفاق والتراجع، أم الاستمرار بالقيادة وإعادة البناء من دون تدهور وضعنا الدفاعي؟

هل نريد حكومة مكلفة جداً تكون موجودة، وإلى حد كبير، لإعادة توزيع الدخل والمكاسب؟ هل نريد التحرك قدماً معاً واستعادة الحلم الأميركي بالأمن والازدهار لأجل الأجيال القادمة أم نريد التخبط في الدين؟ الخيار خيارنا وعلينا مطالبة الطامحين للرئاسة بوضع إطار للخيارات بحيث تضبط هذه الانتخابات تماماً الطريق الذي يريد كل قائد سلوكه بصفته الوصي.

(*) درس فرانك هوفمان تحت إشراف مؤسس ” معهد أبحاث السياسة الخارجية ( FPRI)”  روبرت شتراوس- هوب في جامعة بنسلفانيا، وتخرج من ” مدرسة Wharton” في العام 1978. هو ضابط متقاعد في البحرية عمل كموظف تنفيذي وسياسي رفيع معين في البنتاغون أثناء حكومة كل من كلينتون، بوش وأوباما. هو عضو في لجنة مستشاري ” معهد أبحاث السياسة الخارجية”. هذه الملاحظات تعبر عنه بالكامل“.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.