أقلام وأراء

حسن عصفور: جدول الأعمال الوطني الفلسطيني تشويش التمثيل والهدف

حسن عصفور: جدول الأعمال الوطني الفلسطيني تشويش التمثيل والهدف 2022-10-24

منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ولاحقا قيادتها لمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، لم تكن “الأهداف الوطنية” محددة بوضوح، وسيطر “التعميم” سنوات طويلة، بما فيها فترة تبني “البرنامج المرحلي – النقاط العشر” عام 1974، والذي أشار لأول مرة عن قيام سلطة فلسطينية فوق أرض الضفة والقدس وقطاع غزة (استخدم تعبير السلطة قبل عقد اتفاق مع دولة الكيان)، دون التخلي عن الهدف الأعم، تحرير فلسطين من النهر الى البحر، الى أن يتم تحديد واضح بإقامة دولة فلسطينية في الأرض المحتلة 1967.

خلال تلك السنوات، وما قبل إعلان الاستقلال في الجزائر 1988، كان النقاش الوطني حيويا نحو محاولة توضيح رؤية هذا وذاك من أطراف الحركة الوطنية، ولم يخل أبدا من اتهامات خرجت أحيانا عن سياق الاختلاف، وصلت الى حد التخوين في لحظات معينة، ولم تكن الأطراف الإقليمية خارج ذلك “النقاش الوطني”.

منذ عام 1993، وبعد اتفاق “إعلان المبادئ” (اتفاق أوسلو)، دخل النقاش الوطني مرحلة جديدة، بقيام أول سلطة فلسطينية فوق أرض فلسطين، ما أدى الى بروز شكل كياني تمثيلي ما، داخل الممثل العام (م ت ف)، لكنه حمل آليات جديدة مع تشكيل مؤسسات السلطة، حكومة ومجلس تشريعي، له صفة الشرعية التمثيلية مرتبطا بالضفة والقدس وقطاع غزة.

قيام السلطة الفلسطينية أدى لبروز “التمثيل الانتقالي”، ما فتح تشويشا حول الدور والعلاقة مع منظمة التحرير بمؤسساتها كافة، حكومة وتنفيذية، تشريعي ومجلس وطني ومركزي، رغم أن بيان تأسيس السلطة كان شديد الوضوح، أن المنظمة هي صاحبة الكلمة الأعلى في القرار الوطني.

ومنذ عام 1994، كان المؤسس الخالد ياسر عرفات يصر ان تكون اجتماعات “التنفيذية والحكومة” بشكل مشترك، تأكيدا على أن “الممثل الخاص – السلطة” لن يكون على حساب “الممثل العام – المنظمة”، وتلك مسألة دقيقة وحساسة، خاصة في ظل ما بات للحكومة من سيطرة موضوعية على مجمل الحياة داخل “بقايا الوطن”.

بعد اغتيال الخالد المؤسس، دخل التشويش الوطني مرحلة جديدة، ليس بين الأهداف فحسب، خاصة بعد فوز حماس في انتخابات يناير 2006، بفعل فاعل محلي ودولي وإقليمي، فلأول مرة يصبح “التشويش” على “التمثيل الوطني” وطابعه، بحيث ذهب الفائزون استخدام “السلطة” في مواجهة المنظمة في ظل عدم مشاركتهم بها، لاعتبارات ارتبطت بدور ومهمة تشكيل “البديل الموازي”، وبدلا من التصدي المبكر لمحاولة وضع “السلطة اليد العليا” على حساب المنظمة، زاد انهاكها عبر عملية تغييب الدور والفعل.

وبعد نجاح دولة الكيان وأمريكا، في خلق “الانقسام العامودي” في السلطة القائمة وتشكيل سلطتين واحدة خاصة في قطاع غزة سيطرت عليها حماس بالقوة الانقلابية، واستمرت سلطة فصائل من المنظمة بقيادة فتح في الضفة، ما زاد التشويش الوطني تمثيلا وأهدافا، ولم يعد هناك مركزية محددة في ذلك، حيث لجأت حماس الى خلق شعارات “وهمية” لتبرير انفصالها الوطني، فيما ارتعشت السلطة في الضفة وفقدت قدرتها على التحديد، خاصة مع اضعاف دور منظمة التحرير بدلا من الرد على “الانفصالية الأولى” بتعزيز دورها ومكانتها.

عام 2012، انتزعت فلسطين قرارا تاريخيا من الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما وافقت بغالبية واسعة، أصبح تمثل فلسطين دولة عضو مراقب، بدلا من التمثيل الذي كان منذ عام 1974 مرتبطا بمنظمة التحرير كعضو مراقب، ما شكل قفزة سياسية لتعزيز “الوطنية الفلسطينية” نحو الخلاص من الاحتلال.

ولكن، ما حدث أن قرار الأمم المتحدة 19/ 67 لعام 2012، وبدلا من استخدامه الإيجابي لتعزيز “الكيانية الوطنية الفلسطينية”، أضيف عنصر جديد من عناصر التشويش الذاتي، بين 3 مسميات تمثيلية، منظمة، دولة في درج الرئيس عباس، وسلطتان متحاربتان كل بحساب سياسي خاص، حول ما يسمح لهما من قبل قوات الاحتلال، كلاهما لا يرغب فك الارتباط به.

قيادة منظمة التحرير تستخدم المسألة التمثيلية حماية لها، بدلا من استخدامها لحماية القضية الوطنية، بالتخلص من “الانتقالية السياسية” سلطة مؤقتة فقدت دورها ومهمتها الى ترسيخ مكانة “الدولة” لتصبح عنوان التمثيل الكياني الفلسطيني، حكما وحكومة وبرلمان، ومعه “الأهداف الوطنية المحددة”، لقطع الطريق على “فوضى التمثيل والأهداف” السائدة راهنا.

إشكالية الوضع التمثيلي بين العناوين الثلاثة (منظمة، دولة وسلطة منقسمة) سيفتح باب الاجتهاد للبحث عن “آليات جديدة”، بعناوين جديدة وبأهداف تعمق درجة التشويش الوطني، بدلا من التصويب الوطني، بعيدا عن “نوايا القائمين” على تلك الحملات المنتشرة.

دون تحديد طبيعة “التمثيل الوطني” وحصره بين منظمة بمؤسساتها وبرنامجها ودورها، ودولة بحكومة وبرلمان ورئيس، ورسم العلاقة بينهما ضمن نظام خاص، الخطر يتهدد مكونات “التمثيل الوطني” ضمن “شعارات مختلفة”، و”ذرائع متعددة”.

الحركة السياسية لا تقبل “الفراغ”…وبالقطع لا تنتظر “البلداء”!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى