حازم صاغية يكتب - روحيّتان في ما خصّ التعاطي مع إسرائيل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

حازم صاغية يكتب – روحيّتان في ما خصّ التعاطي مع إسرائيل

0 89

حازم صاغية *- 26/5/2021

– «نحن الإسرائيليّين ما زلنا نرفض الإقرار بانتهاء زمنٍ كان في وسع قوّتنا أن تفرض فيه واقعاً يلائمنا، ولا يلائم سوانا، يلائم حاجاتنا ومصالحنا» (الروائيّ ديفيد غروسمان).

– «الحرب جيّدة لسادة الحرب فقط… لبنيامين نتانياهو، لكنّها سيّئة للشعبين. هناك مدنيّون في غزّة ومدنيّون في إسرائيل، وعلينا إبقاؤهم خارج دائرة الرعب» (أيمن عودة، رئيس «القائمة المشتركة»).

– «ليس من الصدف أن ينفجر العنف في الوقت الذي بدأنا نشعر بأّنه ربّما بات في وسع اليهود والعرب أن يتعاونوا في السياسة أيضاً. هناك من أراد تخريب هذه الرؤية. لقد شاؤوا المضيّ في زرع الرعب والإثارة والعنف، لكنّنا نُخبرهم هنا وفي هذا المساء أنْ كفى وأنْ لا. الآن أيضاً نستطيع، وينبغي علينا، إقامة حكومة مختلفة في إسرائيل لا تشجّع على الحقد، ولا تمارس الإثارة، ولا تفصل بين اليهود والعرب» (تامار زاندبرغ، نائبة عن «ميريتس» وقائدته السابقة).

– «كمواطنة فلسطينيّة في إسرائيل، أرفض العودة إلى روتين التمييز المُمأسس، إلى عنف الشرطة والاعتقالات السياسيّة، إلى المواطَنة المحدودة. أرفض العودة إلى روتين يجعلني أخاف، وأنا في القطار، من أن أجيب عن مكالمة أمّي الهاتفيّة باللغة العربيّة. العربيّة لغتي، وهي إحدى لغات هذا المكان، وأنا لا أنوي العودة إلى روتين يخاف الناس تبعاً له من أن يتحدّثوا بها» (سالي عابد، ناشطة في «نقف معاً»).

– «على مدى السنوات السبع الماضية (…) لم يفعل قادتنا شيئاً للسير بحلّ دبلوماسيّ إلى الأمام. سبع سنوات لم يُقدّم لنا فيها إلاّ اليأس، فيما كنّا نُباع خديعةَ الحياة العاديّة. لقد طالبونا بأن ندفن رؤوسنا في الرمل وأن نفكّر بأنّ الوضع الراهن جيّد وعاديّ. لكنْ ما من شيء عاديّ في ديكتاتوريّة عسكريّة، وفي حصار خانق، وفي تمييز عنصريّ يُمارَس في المناطق». (أرييل برنشتين، ناشط في «كسر الصمت»).

الفقرات أعلاه وردت في خطابات ألقيت إبّان تظاهرة شهدتها تلّ أبيب قبل أيّام. التظاهرة جمعت بين يهود وعرب يدينون سياسات الاحتلال والعنصريّة الإسرائيليّين، كما يدينون مبدأ حلّ النزاعات بالحروب.

التظاهرة ضمّت آلافاً، ونظّمتها جماعتا «نقف معاً» و«كسر الصمت»، وهي لم تكن التظاهرة الوحيدة، مع أنّها ربّما كانت الأكبر. الروحيّة التي عبّرت عنها تلك التظاهرة ومثيلاتها تقول كم أنّ إسرائيل قبيحة وظالمة ومطلوب تغييرها، وكم أنّ العنف لا يجدي نفعاً: لا يغيّر إسرائيل ولا يعطي الفلسطينيّين حقّهم.

هذا لا يعني أنّ الرأي العامّ الإسرائيليّ معافى. إنّه في حال سيّئة جدّاً، وقد باتت الأسباب الكثيرة وراء ذلك معروفة. لكنّه يعني أمرين:

أوّلاً، أنّ روحيّته هي وحدها ما يستطيع، مبدئيّاً على الأقلّ، أن يثمّر التحوّلات التي شهدها الرأي العامّ العالميّ لصالح الحقّ الفلسطينيّ، وأن يؤسّس لحلّ ممكن وعادل بالتالي. ما يحصل داخل الحزب الديمقراطيّ الأميركيّ مثلاً لا تتفاعل معه إلاّ روحيّة كهذه.

ثانياً، أنّ الضعف المؤكّد للرأي العامّ الإسرائيليّ وللحساسيّة التي عبّرت عنها تظاهرة تلّ أبيب ليس مكسباً تلقائيّاً للحقّ الفلسطينيّ. إنّه إعلان عن المعضلة التي تقف في طريق إحقاقه، والتي ينبغي أن ينصبّ عليها التفكير بدل توهّم الحلول السهلة.

ما يقوّي هذه القناعة طبيعة الروحيّة الأخرى التي تنتشر بيننا راهناً. إنّها لا تستطيع بالتعريف أن تكون البديل ولا تبذل أيّ جهد فعليّ كي تصير كذلك.

فلنراجع بسرعة بعض النتائج الأولى التي ترتّبت على إعلان أصحابها «الانتصار».

شكرٌ متكرّر لإيران وتحسّرٌ أبداه زياد النخّالة على أنّ «القائد الشهيد قاسم سليماني» لم يكن معنا ليشهد هذه اللحظة. عرض عسكريّ لـ «حماس» في غزّة المدمّرة. عرض شبه عسكريّ للحزب القوميّ السوريّ في بيروت، احتفالاً بـ«الانتصار».

هذه حساسيّةٌ ليس في برنامج أصحابها مخاطبة الرأي العامّ العالميّ والتفاعل مع تحوّلاته. الأكلاف البشريّة والدمار الاقتصاديّ ليست في حساباتهم. طربهم بالحديث عن إزالة إسرائيل هو مسألة صواريخ فحسب (على طريقة صدّام حسين ذات مرّة): لا تستوقفهم الفوارق العسكريّة (بما فيها السلاح النوويّ) ولا الفوارق الاقتصاديّة ولا الإجماعات الدوليّة. تحليلاتهم عن استعادة فلسطين 1948 تقفز فوق 73 سنة من الافتراق الاقتصاديّ والثقافيّ والسياسيّ…

الإرادة وحدها تقول للجبل تحرّكْ فيتحرّك.

هذا ما يكفي للإيحاء بأنّ «الإخوة والرفاق» ليسوا جدّيّين حتّى النهاية إلاّ في أمر واحد: أن ينتصروا بالعنف على مجتمعاتهم. قطف رأس «فتح» ومنظّمة التحرير في رأس جدول الأولويّات. رؤوسٌ أخرى تنتظر دورها تباعاً، وفقاً لما أنذرنا به الحزب القوميّ السوريّ قبل ثلاثة أيّام.

لكنّ هؤلاء يعرفون أمراً واحداً وحيداً: إنّ إسرائيل تتحكّم بمشاعرنا على نحو تُحسد عليه ولا نُحسَد عليه. وما دامت مشاعرنا تتحكّم، إلى حدّ بعيد، بأفكارنا، جاز القول إنّ لإسرائيل دالّةً كبيرة على تلك الأفكار. فبوحشيّة ضرباتها، وبقسوة حروبها، تنقلنا الدولة العبريّة من مزاج إلى مزاج ما بين لحظة وأخرى. «المنتصرون» يراهنون على هذا: فطالما هناك إسرائيل، حقّ لنا أن نتمايل ذات اليمين وذات اليسار، وأن نجعل السماء ميداناً لفِيَلة لا تتعب من الطيران.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.