ترجمات أجنبية

جيوبوليتيكال فيوتشرز – لماذا ترتفع شعبية بوتين بين العرب؟

جيوبوليتيكال فيوتشرز ١١-٤-٢٠٢٢م – بقلم هلال خاشان،

الكثير من العرب لديهم أسباب قوية تجعلهم يكرهون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فالطائفة السنُّية تشعر بإحباطٍ وخيبة أمل من الدور الجوهري الذي أدَّته روسيا في الحرب السورية؛ إذ منعت روسيا انهيار نظام بشار الأسد، وقتلت بطريقة عشوائية عددًا هائلًا من المدنيين، فضلًا عن تدمير المدارس والمستشفيات، بل إن المليشيات الشيعية، التي قاتلت ضد المعارضة المسلحة المناهضة لحكومة الأسد بالتحالف مع الروس، تعلم أن علاقات بوتين الوثيقة مع إسرائيل مكَّنت القوات الجوية الإسرائيلية من قصف مواقع المليشيات الإيرانية والشيعية في سوريا دون رادع.
ومع ذلك، من الغريب أن يحظى بوتين بشعبية بين كثيرٍ من العرب من مختلف الانتماءات السياسية، بما فيها الداعمون للأنظمة الجمهورية وزعماء الأنظمة الملكية على حدٍّ سواء.
البحث عن بطل
العرب يبحثون باستمرار عن أبطالٍ جُدد، أملًا في العثور على مُنقذ آخر مثل صلاح الدين، القائد المسلم الذي هزم الصليبيين في معركة حطين واستعاد القدس في عام 1187 ميلادية. وفي خمسينيات القرن الماضي، ظنَّ العرب أنهم وجدوا بطلهم في الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي وعد بلمِّ شمل العرب وتوحيد صفوفهم وتدمير إسرائيل. إلا أن الهزيمة الثقيلة التي مُنيَ بها جيشه في نكسة عام 1967 بدَّدت ثقتهم في الجيوش العربية التقليدية، وحولتها، بدلًا من ذلك، إلى دعم حركات مثل المقاومة الفلسطينية التي تعهَّدت بمواصلة القتال ضد إسرائيل.

وفي عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان، وهجَّرت منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، وأجبرت رئيسها ياسر عرفات، على السعي لتحقيق السلام مع إسرائيل، وشوَّهت صورة عرفات بصفته زعيمًا للحركة الثورية.
وفي عام 1988، حقق العراق انتصارًا باهظ الثمن على إيران بعد حرب استمرت ثماني سنوات، وصُوِّرت نتيجة تلك الحرب على أنها انتصار على النزعة الفارسية التوسُّعية. وسعى صدام حسين وراء طموحاته الرامية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل والتي تضمنت برنامجًا نوويًّا غير مدني، وفي إشارة إلى تدمير إسرائيل لمفاعل «أوزيراك» النووي العراقي بالقرب من بغداد عام 1981، هدَّد صدام في عام 1990 بتدمير نصف إسرائيل إذا حاولت مرةً أخرى استهداف المنشآت النووية العراقية وتدميرها، لكنه بعد أقل من أربعة أشهر من ذلك الوقت، غزا صدام الكويت، وأعلن أنها المحافظة العراقية التاسعة عشرة، وحظيَ بتأييد حماسي من الشعوب العربية التي ظنَّت أنها بداية للوحدة العربية، إلا أن الهزيمة الساحقة التي ألحقها التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، بالجيش العراقي سُرعان ما غيَّرت نظرة العرب إلى الزعيم العراقي من بطل عربي طال انتظاره إلى طاغية مسلوب العقل.
وبعد أن تبين لهم أن إمكانية عثورهم على منقذ من بني جلدتهم مجرد أوهام، وفقًا للكاتب، حوَّلت الشعوب العربية وجهتها إلى القادة غير العرب. واستطاع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحديه للغرب وخِطابه المعادي لإسرائيل أن يُقدِّم نفسه على أنه نموذج يُحتذى به بين العرب، بيد أن توجهاته المتذبذبة وتحولاته السياسية المفاجئة دفعت كثيرًا من العرب لتغيير رأيهم فيه. وفي الوقت نفسه، تمكن بوتين من أن يُعطي العرب الانطباع الذي يوحي بأنه قد يكون بطلًا لهم، على الرغم من أنه لم يكن صديقًا لهم في يوم من الأيام.
وبالإضافة إلى امتلاك روسيا قدرة نووية هائلة، حرص بوتين على تطوير الجيش الروسي بعدما أصبح رئيسًا للبلاد في عام 2000، وحقَّق النصر في حربه التي شنَّها ضد جورجيا في عام 2008 وضم شبه جزيرة القرم إلى الأراضي الروسية في عام 2014، وتحدَّى الغرب وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وتعهد بالتصدي للجهود الرامية إلى أن تكون أوكرانيا منصة انطلاق الحروب ضد الاتحاد الروسي، وتمكن بوتين من زعزعة الهيمنة الأمريكية على صعيد السياسات الدولية وسعى إلى أن يحل محلها نظام متعدد الأقطاب.
أكثر الشخصيات تأثيرًا
الرئيس الروسي يُقدِّم نفسه على أنه رجل ذو طبيعة آسِرة، فهو خبير في الفنون القتالية، ويمتطي الخيول ويسبح في المياه الباردة ويصطاد الحيوانات البرية، وتُعد هذه السمات صفات رجولية قلَّما يجدها العرب في قادتهم.
وبصفة عامة، ينظر العرب إلى بوتين على أنه زعيم قوي لا ينبطح للضغوط ويسعى إلى استعادة مجد روسيا السابق. وبالفعل، برزت روسيا بصفتها قوة عالمية في عهد بوتين، الذي اختارته مجلة «فوربس» من بين أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم لمدة أربع سنوات متتالية في الفترة ما بين عامي 2013 و2016. ويحكم بوتين شعبه أيضًا بالأسلوب نفسه الذي تحكم به معظم النُّخب الحاكمة في المنطقة العربية، من خلال استخدام القوة الغاشمة لإجبار شعبه على الخضوع، وكلما أظهر بوتين قوته وعزمه في الحرب في أوكرانيا، زاد الإعجاب به، وعلى عكس حكام العرب غير الآمنين والمتوترين، يبدو بوتين هادئًا وواثقًا؛ مجسدًا العزم والثبات.
وفي سوريا، استعرض بوتين في كثيرٍ من الأحيان قوة روسيا العسكرية بصورة مُبالَغ فيه وبلا مبرر، فعلى سبيل المثال كان يُطلق صواريخ باليستية من السفن البحرية الموجودة في البحر الأسود وبحر قزوين ضد معارضة مسلحة تسليحًا ضعيفًا، وجرت العادة أن يشير الشيعة العرب إلى بوتين، الذي يظهر على الملصقات في كل بقعة أرض تسيطر عليها حكومة النظام السوري بجانب الأسد وزعيم حزب الله حسن نصر الله، على أنه الحاج أبو علي، أو رافع الظلم عن المضطهدين المظلومين، بسبب دوره في سحق الانتفاضة السنُّية في سوريا، وينظر العرب إلى بوتين على أنه زعيم أمة قوية مترامية الأطراف تصمد في وجه الولايات المتحدة، التي لا تريد مواجهته وجهًا لوجه لأن روسيا قوة نووية.

الإرث السوفيتي الباقي
العرب يتعاملون مع روسيا بوصفها الوريث للاتحاد السوفيتي السابق، وعندما يحكمون على أفعال بوتين في الوقت الراهن، فإنهم ما زالوا يعتمدون في حكمهم على سياسة الكرملين الخارجية إبَّان الحقبة الشيوعية ودعمه للقضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لقد أصبحت عقدة معاداة الغرب جزءًا لا يتجزأ من الوعي الجماعي لمعظم العرب، بحسب الكاتب، وبالنظر إلى التأييد الأمريكي المستمر والثابت لإسرائيل، يميل العرب أكثر للانحياز إلى أي دولة تُعارض السياسة الخارجية لواشنطن، بغض النظر عن تقديرهم الشخصي لهذه القضية.
قضايا الاستعمار والإمبريالية لا تزال تشغل بال الشعب العربي، الذي لم ينسَ دعم الاتحاد السوفيتي لحركات التحرر الوطني في دول العالم الثالث، ولا يزال العرب يحتفظون بهذه العقلية، وينظرون إلى بوتين بناءً على ذلك، حتى ولو كانوا مخطئين، إن العرب سيُعدُّون انتصار بوتين في أوكرانيا انتصارًا لهم حتى لو لم يجنوا من هذا الانتصار أي منفعة أو ثمرة، وفقًا للكاتب. وسيشعر العرب بالارتياح عندما يرون الرئيس اليهودي الأوكراني، زيلينسكي، المدعوم من الغرب، وهو صديق قوي لإسرائيل، ينهزم أمام روسيا، وفي هذه الحالة، تكون النفعية واستغلال الظروف هي التي تشكل المواقف العربية وليست المعتقدات القائمة على المبادئ.
كما تتقاسم الدول العربية مع روسيا روابط تاريخية، ولا ينكر بوتين أن الإسلام جزءًا أساسيًّا من التاريخ الروسي، وأكَّد مرارًا ضرورة تعزيز نوعية المدارس الإسلامية في روسيا، وكان الدين الإسلامي قد دخل إلى منطقة الفولغا الفيدرالية الروسية والقوقاز في القرن السابع الميلادي، أي قبل دخول المسيحية بقرنين. وأنشأت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية علاقات وثيقة مع بطريركية أنطاكية (كانت سابقًا جزءًا من سوريا).
ويُعد الإسلام ثاني أكبر ديانة في روسيا، إذ يُشكل 20 مليون مسلم نحو 14% من الشعب الروسي. ودمجت هذه الروابط التاريخية بصفة دائمة في المجتمع الروسي في عام 1788، عندما أسست الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية جمعية «أورينبورج» وشجَّعت تعليم اللغة العربية في بعض المدارس والكليات، وعلى الرغم من وجود تمييز ضد المسلمين في روسيا، فإنه يختلف عن الإسلاموفوبيا المنتشرة في الغرب، ويتخذ التمييز في روسيا شكلًا من أشكال تسلسل هرمي عِرقي يُفضل العِرق الروسي.
تقارب القادة العرب مع بوتين
من وجهة نظر الحكام العرب، يُعد التواصل مع روسيا أسهل بكثير من التواصل مع الغرب لأن موسكو لا تتدخل في شؤونهم الداخلية. وعندما اندلعت انتفاضات الربيع العربي في المنطقة، أدانتها روسيا ووصفتها بأنها مؤامرة أمريكية ضد الأنظمة القائمة، ومنح بوتين الطغاة العرب طوق النجاة من خلال سحق الثورة السورية، والتي كان من الممكن أن تغير الملامح السياسية للشرق الأوسط إذا انتصرت.
وفي عام 2018، عندما حضر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قمة مجموعة العشرين بعد وقت قصير من الاغتيال الوحشي للصحافي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، في مدينة إسطنبول، كان معظم المشاركين في القمة يتعاملون معه على أنه منبوذ. وتجاهله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسأله كلٌّ من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عن مقتل خاشقجي، أما بوتين فقد رحَّب به ترحيبًا حارًّا، وصافحه بقوة.
ويتواصل بوتين مع حكام العرب ويقيم معهم علاقات ودية. وعندما يستقبلهم في موسكو، يجلس إلى جوارهم، بدلًا من الجلوس على طاولة ضخمة كما يفعل عندما يلتقي بالقادة الغربيين، ويحرص بوتين على تعزيز العلاقات الروسية مع الدول العربية، خاصة أثناء حرب أوكرانيا، التي قد تجبر روسيا على العزلة الدولية لشهور، إن لم تكن لسنوات.
مورد أساسي للأسلحة
روسيا تُعدُّ أيضًا مصدرًا أساسيًّا لتسليح عدة دول عربية، ومنذ حصولها على الاستقلال في عام 1962، كانت الجزائر مستوردًا ثابتًا للأسلحة من روسيا، بما يزيد على 80% من مشترياتها العسكرية. كما عادت مصر، ثالث أكبر دولة متلقية للمعدات العسكرية الأمريكية، إلى سوق الأسلحة الروسية بعد الربيع العربي، وتستورد مصر حاليًا أكثر من 40% من احتياجاتها العسكرية من روسيا، بل حتى الإمارات العربية المتحدة، التي عادةً ما تعتمد على الأسلحة الغربية، تشتري حاليًا بعض المعدات العسكرية من روسيا، بما يُقدَّر بنحو 6% من وارداتها العسكرية. وبالإضافة إلى ذلك، عرض بوتين بيع نظام الصواريخ المضادة للطائرات «إس -400» إلى السعودية.
ومن ناحية أخرى، شعرت واشنطن بخيبة أمل بسبب عدم إدانة قادة العرب للحرب الروسية ضد أوكرانيا. وفي الأسبوع الماضي، زار وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، المنطقة لحشد الدعم العربي للمساعدة في إنهاء الحرب، ومع ذلك، لا تبدو الدول العربية في وضع يُمكِّنها من الضغط على بوتين للتخلي عن أهدافه الإستراتيجية في أوكرانيا، والأكثر من ذلك، يبدو أن العرب غير مستعدين لتغيير نهجهم المتَّبع تجاه روسيا، لأنهم يعتقدون أن البقاء على مقربة من بوتين سيُخفف من انتقاد الولايات المتحدة لسياساتهم المحلية، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وإرساء دعائم الديمقراطية.
ويختم الكاتب مقاله بالتنويه إلى أن القرب الجغرافي والتداخل الثقافي والديني وعدم وجود مصالح استعمارية لروسيا الإمبريالية في المنطقة العربية سهَّل من أمر تغلغل الاتحاد السوفيتي في المنطقة بمباركة عربية معادية للغرب، ويرغب بوتين في تعزيز صورة روسيا بوصفها ملاذًا من الهيمنة السياسية الغربية ودرعًا واقيًا إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب من المنطقة تمامًا. ومن غير المحتمل أن يكون لنتيجة الحرب في أوكرانيا أي تأثير سلبي في هذه العلاقات

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى