جيمس زغبي يكتب - إسرائيل وتغيرات الرأي العام العربي - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

جيمس زغبي يكتب – إسرائيل وتغيرات الرأي العام العربي

0 70

جيمس زغبي *- 23/8/2020

استطلاعات الرأي مهمة، لأنه يجب علينا الاهتمام بما يفكر فيه الناس في القضايا الحيوية، إنها تفتح نافذة تمكننا من سماع أصوات الرأي العام، ومن اتخاذ قرارات سياسة حصيفة، وأحياناً تؤكد استطلاعات الرأي ما نعتقد أنه صحيح، ونشعر بالرضا لذلك، لكن في أحيان أخرى، تعارض النتائج توقعاتنا ونواجه معضلة، وحينها يمكننا إما فحص سبب خطأ افتراضاتنا، أو تجاهل النتائج التي تعارض توقعاتنا، ونطعن في الجهة القائمة بالاستطلاع.

صحيح أن إطلاق النار على الرسول قد يجعل المرء يشعر بالارتياح، لكن بتجاهلنا المعلومات التي لا تروقنا نغامر بزيادة المبلة طيناً، وما جعلني أكتب هذا المقال هو أنني قرأت انتقادات لاتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات، أثار كثير منها نقاط قلق مزعومة بشأن الحقوق الفلسطينية والحصانة الإسرائيلية، لكن الذي أقلقني هو قول هؤلاء المنتقدين إن هذا الاتفاق لا ينسجم مع «الغالبية الكاسحة من الرأي العام العربي»، بشأن كيفية الحصول على الحقوق الفلسطينية، وهذا للأسف غير صحيح، فميول الرأي العام على امتداد العالم العربي تعرضت لتغيرات كثيرة في السنوات القليلة الماضية، ويتعين استيعاب هذا الواقع السياسي الجديد، ففي العقدين الماضيين أجريت استطلاعات لرصد آراء العرب على امتداد المنطقة.

وكانت فلسطين واحدة من الموضوعات الثابتة دوماً في هذه الاستطلاعات، ففي عام 2002، على سبيل المثال، وجدنا أن هذه القضية احتلت، مع البطالة والرعاية الصحية، واحدة من نقاط الاهتمام السياسية الثلاثة العليا في معظم الدول العربية، خاصة في مصر والمملكة العربية السعودية، وظلت أولوية عليا حتى سنوات قليلة مضت، لكن في سبتمبر 2019، أجرينا في مؤسسة زعبي للخدمات البحثية واحداً من استطلاعاتنا الشاملة على امتداد العالم العربي، وكان كثير مما توصلنا إليه كنا نتوقعه، فيما يتعلق بسوريا والعراق وفشل «الربيع العربي» والقلق من سلوك إيران في المنطقة.

لكن هذه المرة هالني التغير الكبير في الميول تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لقد أصبح في الطبقة الدنيا من الأولويات في كل بلد، وأظهرت نتائجنا أن معظم العرب ما زالوا يحمّلون إسرائيل والولايات المتحدة، مسؤولية فشل حسم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وما زالوا يدعمون مبادرة السلام العربية. صحيح أن عدداً كبيراً في كل الدول أكدوا دعمهم لمبادرة السلام العربية، لكنهم قالوا أيضاً إن على الدول العربية بذل المزيد لدعم هذه المبادرة، والمثير للانتباه أن غالبيات كبيرة في مصر والأردن والإمارات، ذكرت أنه من المقبول لبعض الدول العربية أن تسعى في طريق العلاقات مع إسرائيل حتى من دون سلام.

وهناك خيبة أمل عميقة أيضاً من السلطة الفلسطينية، وشعور بأن علاقات طبيعية إسرائيلية مع الدول العربية، قد تكسب بعض أوراق الضغط على إسرائيل، مما قد يساعد في الحصول على حقوق الشعب الفلسطيني، وفي يونيو 2020، وفي غمرة تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بضم جانب كبير من الضفة الغربية، عدنا إلى الميدان لنستطلع الرأي العام العربي في قضية العلاقات الطبيعية مع إسرائيل قبل تحقيق السلام.

وكان السفير الإماراتي في الولايات المتحدة قد نشر مقالاً للرأي في صحيفة يومية إسرائيلية، حذر من أن إسرائيل لا يمكنها التطبيع وضم الأراضي في الوقت نفسه، وأصدر العاهل الأردني الملك عبد الله تحذيراً شديداً بشأن عواقب الضم، وهدد 19 وزيراً من الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات إذا مضى نتنياهو في خطط الضم، وأرسل «ديمقراطيون» بارزون في الكونجرس الأميركي، رسالة أعربوا فيها عن معارضتهم. وأجرينا استطلاع الرأي في خمس دول عربية، وهي مصر والأردن وفلسطين والسعودية والإمارات، هذا بالإضافة إلى إسرائيل.

ووجدنا أن أغلبيات كبيرة تعتقد أن حل الصراع مهم، ولديهم أمل في أن الحل قد يتم التوصل إليه في السنوات الخمس التالية، وهذان العاملان معاً أديا إلى قول أكثريات في الدول العربية الخمس، ما عدا فلسطين، إنهم يريدون استكشاف وسائل جديدة لإقناع الإسرائيليين بفوائد السلام مع الفلسطينيين، ولذا يفضلون بعضاً من العلاقات الطبيعية مع إسرائيل كوسيلة للخروج من المأزق، ومع أخذ هذا في الاعتبار، ذكرت أغلبيات في هذه الدول نفسها أنهم يدعمون المبادرة، التي تقدم بها السفير الإماراتي لمواجهة التهديد الإسرائيلي بالضم.

وعبرت أغلبيات حاسمة عن الرؤية القوية، التي مفادها أنه إذا شرعت إسرائيل في الضم، فأي خطوة تجاه علاقات معها يحب أن تنتهي، وكان الخاضعون للاستطلاع من الفلسطينيين أقل تأييداً لعلاقات طبيعية، فلم يؤيد الفكرة منهم إلا الثلث فقط، ورغم هذا، قال ستة تقريباً من كل عشرة فلسطينيين: إن علاقات طبيعية قد تكون مقبولة إذا أدت إلى تعزيز التجارة والاستثمار في الرعاية الصحية والتعليم، وساعدت في تعزيز المصالح المشتركة في المياه والأمن الغذائي، والنتيجة في إسرائيل كانت مدهشة، فقد شعر الإسرائيليون أيضاً أن حسم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مهم، لكنهم عبروا عن تشاؤمهم من احتمال تحقيقه في مستقبل قريب.

وانقسمت الآراء حول سؤال الضم، لكن المبادرة الإماراتية وتحذيرات العاهل الأردني الملك عبد الله، غيّرت رأي الذين كانوا يؤيدون فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية من التأييد إلى المعارضة، ولم يتبق إلا 16% يتمسكون بتأييد الضم، والواقع أنهم حين سئلوا بشأن ما قد يكون السبب المفحم لمعارضة الضم، احتل سبب القلق من إقصاء الدول العربية مكانة أعلى من خسارة الدعم من الأوروبيين أو حتى من الزعماء السياسيين الأميركيين، وباعتباري شخصاً قضي العقود الخمسة الماضية في الدفاع بقوة عن العدل من أجل الفلسطينيين، ولديّ اهتمام بالرأي العام العربي في العقدين الماضيين، اعترف أن هذه النتائج حيرتني، لكني كنت أعلم في الوقت نفسه، أنه يتعين أخذها في الاعتبار وفهمها، وأي تقييم للاتفاق الإسرائيلي الإماراتي، يتعين أن يأخذ في الاعتبار هذا السياق من تطور الرأي العربي.

ويجب الاعتراف بأن المبادرة الإماراتية، أثرت بالفعل على الرأي العام الإسرائيلي وعلى سياسة إسرائيل، والعرب ما زالوا يهتمون بمصير الفلسطينيين، لكن يجب الانتباه إلى خيبة أملهم في السلطة الفلسطينية، وقلقهم من أن الاستراتيجيات التي تم تجريبها حتى الآن فشلت، كما يجب الأخذ في الاعتبار رغبتهم في محاولة تجريب نهج جديد لتحقيق السلام. وهناك أسباب وجيهة عند مؤيدي الفلسطينيين، لأن يقلقوا من أن إسرائيل قد تقتنص هذا التحرك نحو علاقات طبيعية معها، ثم تواصل حكمها القمعي في الاستيلاء على الأراضي. ولن تنهي هذه المبادرة الإماراتية بحال من الأحوال، معارضتنا لسلوك إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني الأسير، وخاصة حين يكون هناك تغيرات كبيرة في الرأي العام الأميركي في صالح الحقوق الفلسطينية، ومن المحتمل للغاية، أن يكون للإمارات بعض أوراق الضغط التي تستطيع استخدامها، ليس فقط لوقف الضم، لكن أيضاً لتغيير سلوك إسرائيل، وتحقيق العدل للفلسطينيين هو ما أخبرنا الرأي العام العربي أنه يأمل في حدوثه.

*رئيس المعهد العربي الأميركي – واشنطن .

4

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.