Take a fresh look at your lifestyle.

جواد بولس يكتب – مَن هزم مَن في أفغانستان ؟

0 109

 جواد بولس – 27/8/2021

تصدرت أخبار انهيار الحكومة في أفغانستان، وسيطرة حركة «طالبان» على العاصمة كابول، معظم نشرات الأخبار العالمية؛ وأدت مشاهد انسحاب بقايا القوات الأمريكية العسكرية ودخول قادة طالبانيين إلى قصر الرئاسة، وما رافقها من صور للفوضى التي عمّت مطار العاصمة وبعض شوارعها، إلى حدوث انقسامات عميقة في آراء المدوّنين العرب، ومعظم المعلقين والمحللين السياسيين، وإلى تضارب في تقييم حقيقة ما حدث؛ فبعضهم استحضر نظرية المؤامرة، وأكد وجود عملية تنسيق مسبق بين النظام الأمريكي وقادة حركة طالبان، في حين أكد غيرهم على أنه انتصار إسلامي خالص على قوات الغزو الأمريكية وعملائها في أفغانستان.

من السابق لأوانه أن يحكم مراقب بعيد مثلي على ما جرى في دهاليز المفاوضات، التي دارت خلال السنوات الأخيرة بين قادة في حركة «طالبان» ومسؤولين في النظام الأمريكي؛ ومن العسير أن نتنبأ حول ما ستفضي إليه الأحداث المتفاعلة على الساحة الأفغانية الداخلية؛ ومن المستحيل أن يُراهن اليوم على خيارات النظام المتشكّل ومكانه في التموقع النهائي على الخريطة الإقليمية المجاورة لحدود البلاد الكبيرة، وداخل النظام العالمي المتغيّر.

علينا أن ننتظر قبل إصدار الحكم، وأن نتذكّر أشكال اشتباك مصالح هذا النظام مع مصالح دول ساهمت في دعم حركة طالبان كباكستان، أو مصالح دول كإيران والصين وروسيا، تطمع أن تتبوأ مكانة متقدمة في صنع أحداث المستقبل. كل ذلك، طبعا، من دون أن ننسى ما صرّح به العديدون من ساسة الدول الكبيرة، الذين لم يخفوا قلق بلدانهم مما يجري، وفي طليعتهم تقف أمريكا المهزومة، التي أعلن قادتها أنها ستحتفظ بوحدة عسكرية خاصة دائمة مرابطة في إحدى قواعدها في الكويت، قوامها 2500 جندي، ستكون جاهزة للطيران إلى أفغانستان من أجل الدفاع عن مصالح امريكا إذا لزم الأمر. لم تغب أحداث الساحة الأفغانية في العقدين الأخيرين عن حوارات المثقفين العرب، وبقايا نخبهم اليسارية؛ فالصراع الذي تقوده في أفغانستان حركة إسلامية أصولية ضد جيوش الولايات المتحدة، سيدة العالم الرأسمالي، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراط عقد المنظومة الاشتراكية، أحرج لغة هؤلاء القادة الحزبيين والمثقفين، وكشف عن عجز مساطرهم السياسية والفكرية، التي عمدت بعميائية دوغماتية، أن تخُط حدود مواقفها ضد أمريكا، حتى اذا كان غريم أمريكا في أي صراع، مثلما هو الحال في المشهدية الأفغانية، حركة أصولية دينية أثبتت ممارساتها بشاعة ما ستقترفه بحق أبناء شعبها، وبحق جميع القيم الإنسانية التقدمية التي يؤمن بها هؤلاء المثقفون. ومن الصعب ومن الخطأ أن ننسى كيف تمنى، قبل عشرة أعوام، أكثر من مثقف عربي وقائد حزبي يساري، أن ينتصر طالبان على أمريكا؛ وكان صوت الكاتب الفلسطيني التقدمي المعروف رشاد أبو شاور، من أشهر وأوضح من كتبوا في هذا الاتجاه، علما بأنه أكّد، مثل غيره، على أنه لا يدعم حركة طالبان، لكنه ينتظر ذلك النصر من باب تأييده لحق كل شعب في الحرية والاستقلال والسيادة والمقاومة. لقد تحققت أمنيتهم، كما رأينا في الأسبوع الفائت؛ وها هي حركة طالبان بسطت سيطرتها على معظم أراضي الدولة الشاسعة، وسوف تتحكم، في ما يبدو، بمقاليد الإمارة الإسلامية الجديدة، وبرقاب شعبها الفقير.

هنالك فارق كبير بين تمني المثقف الثائر ضد عربدة أمريكا عندما تكون «يداه في الماء» وصباح الأفغانيين المعمّد بنار فتاوى حركة أصولية كطالبان، التي سيمعن قادتها بتطويع جميع معارضيهم، ومن سيعتبرونهم زناديق وكفرة؛ فالأمانة كانت تقتضي أن يضع كل سياسي، أو مثقف تمنى انتصار طالبان على أمريكا، نفسه مكان رفيقه الأفغاني، ليتحقق من صحة موقفه السياسي والأخلاقي على حد سواء.

لقد أحسست وغيري بعدم صحة موقف من استقدم نصر طالبان على أمريكا؛ وسأذكّر بما قلته في حينه وذلك للفائدة وللمناقشة، فعندما «يتمنى مثقف ليبرالي تقدمي علماني، أن ينتصر طالبان في أفغانستان على أمريكا الشر والطغيان، أقول هي أمنية العاجز الضعيف؛ وعندما يدعونا هذا المثقف لنصطف وراءه، ونزف أمنية على أمنية كي يحقق جيش طالبان نصره على قوات الغرب الغازية، أقول إنها دعوة لنختار بين ظلم ذلك الغازي، وظلمة حركة لا يجمعنا معها أي سلوك أو أي موقف، ولأنها لن تُبقي لأمثالنا أي هامش لنحيا بهدي عقولنا وبحريتنا ووفق قيمنا وأخلاقنا. فكل من ضدّهم، ونحن معهم، سيمسي حطبا لنار جهلهم، ولا جدال في ذلك.

أقول ما أقول وأعي أن شعباً يرزح تحت الاحتلال، أو يواجه غزواً، من حقه ومن واجبه أن يقاوم من يحتله؛ لكنني أكتب عن ذلك العجز الذي أدى بالعديد من مثقفي العرب وطلائع شعبنا أن يرفعوا الراية البيضاء، ويستسلموا لواقع يخيِّرهم بين ظلم أمريكا القبيحة وضرورة هزيمتها، وحركة رجعية ظلامية، كحركة طالبان، والدعاء لنصرتها؛ وكأننا نواجه قدرنا المحتوم، وكأنّ دور المثقفين، في عصر القحط الذي نعيشه، يقتصر على الاختيار بين ذينك الشرّين، ويعفيهم من واجب المبادرة والعمل من أجل تحقيق رسالتهم الإنسانية وبناء مجتمعات ديمقراطية وحرة.

دعوني، كي لا يساء فهمي، أن أؤكد على موقفي السياسي الواضح والرافض لغزو أمريكا لأفغانستان أو للعراق أو لغيرهما من دول العالم، فهذا يجب أن يبقى الموقف السياسي الواضح والصريح وغير القابل للمقايضة وللتبديل عند كل إنسان حر وعاقل؛لكن.. نحن لسنا بحاجة لبراهين لما ستؤدي إليه سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، ولا إلى كيف سيعيش الأفغانيون تحت حكمها؛ ولسنا بحاجة لإثباتات لما كانت ستفعله هذه الحركة حتى بحق من كتب في صالحها ودعمها، لكنه لا يؤيد عقيدتها ومذهبها. ولسنا بحاجة لقرائن لما سوف تفعله هذه الحركة مع كل «آخر غريب» أو فنان ومبدع؛ ويكفي أن نتذكر كيف حكموا، وكيف دكت مدافعهم تلك التماثيل الأثرية التي خلّفها شعب أفغانستان كشواهد على عراقة التاريخ وثقافاته الغابرة.

ولنتذكر أيضاً كيف ستعيش النساء في ظل عصيّهم وفرق مطوّعيهم؛ ولنتصور أي نظام قضائي سيسود، ومن سيحمي حرية الصحافة والنشر، وحرية الناس والمثقفين في إبداء الرأي والكتابة والتظاهر، وكيف ومن سيحاكم العاصين في ساحات البلاد ليكونوا عبرة لمن لم يعتبر. ألا يحق لنا اليوم أن نسأل بعد انتصار طالبان، إن كنا فعلا بحاجة لنتساءل قبل عشر سنوات: هل انتصار أفغانستان بقيادة حركة طالبان، هو خدمة للإنسانية؟ أو أن نتساءل بشكل آخر: هل هزيمة أمريكا، على يدي حركة طالبان تعتبر خدمة للإنسانية وانتصارا لها؟ ألم يكن هذان التساؤلان، كما طرحهما بعض مثقفي العرب، إقرارا بحالة عجز قاتلة، ومؤشرا على إفلاس فكري خطير كانت قد سبقته ظواهر التصحر الحزبي والنأي الشعبي عن طروحات اليساريين التقليدية، التي فشلت في استهواء قلوب شعوب بقيت متخلفة ومنهكة من استبداد دولة الخلافة العثمانية وما تلاها؟

ما حصل في أفغانستان له علاقة بفلسطين وبمستقبلها، ويوثر، بطبيعة الحال، في كل واحد منا، ويجب أن يؤرق كل مثقف يساري علماني تقدمي؛ فبين أن نقف ضد غزو أمريكا لأفغانستان ولأي بلد آخر، ونقف أيضاً ضد حكام الدول المستبدين بشعوبهم، وأن نصلّي لنصر حركة طالبان ولاعتلائها سدة الحكم، فرق كبير، ولنا في التاريخ عبرة ودروس. لقد كان خياري مع من كان ثائرا على تحرير الأفغانيين من سطوة الغزو الأجنبي، وفي الوقت نفسه مع من يحررهم من الظلمة التي ستخيم عليهم، ولن تترك لهم فسحة لأمل ولا لبقعة ضوء، به وبها، أريد، لمن يؤمن مثلي، أن يعيش حياته بعقله حراً كريماً.

فنعم: لا لاحتلال أمريكا لأفغانستان ولا لأي «ستان» ولا لهيمنة وحكم حركة متخلفة ظلامية، كحركة طالبان.لكن كيف سيتحقق ذلك، وعندنا، في الشرق، في كل جامعة «رفيق» يؤمن أن طالبان خيمتنا ويدعو لها بالنصر ، حتى لو دمّرت البلد.

قالوا: لقد تحررت افغانستان؛ فهل حقا هزمنا فيها أمريكا؟

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.