جواد العناني يكتب - كورونا ... نعمة أم نقمة على العرب ؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

جواد العناني يكتب – كورونا … نعمة أم نقمة على العرب ؟

0 76

جواد العناني   30/4/2020

أورد تقرير المكتب العربي في صندوق الأمم المتحدة للإنماء، والصادر يوم 23 من شهر إبريل/ نيسان الحالي، أن خسارة الاقتصادات العربية من فيروس كوفيد – 19 حتى صدور التقرير بلغت 42 مليار دولار، وأن نسبة البطالة قد ارتفعت بمقدار 1.2% وحتى نهاية العام، أو ما يساوي 1.7 مليون شخص سوف يضافون إلى قائمة العاطلين عن العمل.

والواقع أن هذه الأرقام قد تكون السيناريو المتفائل، فالمتوقع أن يكون العمال الوافدون في دول الخليج هم أول ضحايا فيروس كورونا المستجد، بخسارتهم وظائفهم وعودتهم إلى ديارهم. كما أن كثيرين ممن يبقون في عملهم سوف تتعرض مستحقاتهم لتأجيل السداد، أو الحسم، ما يعني أن الحوالات إلى الدول العربية المصدّرة للعمالة سوف تتراجع.

في ضوء هذه الحقائق، هنالك دراسات على “ويكيبيديا” و”غوغل” تطلعك على الخسائر القطاعية في مجالات الطيران، والنقل والشحن البري والبحري، والسياحة، والصناعة، والتصدير، والخدمات مثل الحج والعمرة، والتسوق، والمهرجانات، والمباريات الرياضية وغيرها.

وكذا تراجُع الطلب على السلع الكمالية وغير الضرورية أو القابلة للتأجيل، وتراجع أسعار الأسهم في البورصات وغيرها، وتآكل أسعار النفط والمواد الخام والمعادن الرئيسية، وغيرها من تراجع قطاع الإنشاءات والبناء والتشييد، والنقل، والاستثمار، فالخسائر كبيرة.

وقد يكون الخاسر الأكبر هو الأعمال الصغيرة والمتوسطة، والدكاكين التجارية، والمطاعم التي تعتمد في سداد فواتيرها على مداخيلها اليومية. وإذا ما بدأت هذه في الإغلاق، فمن الصعب إعادة تشغيلها.

وَمِمَّا يزيد المشكلة تفاقماً العجز الكبير في موازنات هذه الشركات، والذي سيكون له أثر كبير، ليس على مداخيل العاملين والمستثمرين فيها فحسب، ولكن أيضا على القطاع المصرفي الذي يعطي قروضاً في مقابل كفالات وضمانات عقارية وشخصية من هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة، وسيجد هذا القطاع نفسه مضطراً إلى مصادرتها وبيعها، ما سيخلق موجةً من البيوعات الرخيصة للأرصدة الثابتة، سواء من عقارات أو أسهم وأوراق مالية، أو شهادات ديْن. وتسمى هذه الظاهرة باللغة الإنكليزية “deleveraging“، أو تحويل الموجودات إلى نقد مقابل خسائر كبيرة، أو التراجع الكبير في قيمة الثروة.

وهنالك أدلة رقمية في كل الدول العربية، (ربما باستثناء قطر كأغنى دولة نسبياً وذات وفرة)، بأن اقتصادات بعض الدول قد وصلت، بسبب الحروب طويلة الأجل، إلى مستوياتٍ ليس دونها قعر، مثل اليمن وليبيا، وإلى حد ما سورية ولبنان والصومال. وأعتقد أن الخسارة، حتى نهاية السنة في الوطن العربي، لن تقل عن 8% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لكل الأقطار العربية، بمقياس القوة الشرائية للدولار داخل الدول في نهاية 2019، حسب الإحصاءات المنشورة من صندوق النقد الدولي، 7.3 تريليونات دولار أو 5.3% من المجموع العالمي. وسوف تتراجع خسارة هذه الدول، حسب صندوق النقد ودراساته بين 2% إلى حد أقصاه 4.5%.

ولو افترضنا أن معدل التراجع كان في حدود 2% فقط، فإنه سوف يبلغ 150 مليار دولار حسب القوة الشرائية، أو ما يساوي تقريباً مائة مليار دولار بالأرقام الجارية. وهو رقم بعيد عن تقديرات صندوق الأمم المتحدة للإنماء.

والحال أن زيادة البطالة لن تكون أقل من 3%، أو ما يساوي 4.25 ملايين عامل سيفقدون وظائفهم في الوطن العربي. وهذه تعني ضغوطاً اجتماعية ونفسية، وتهديداً للاستقرار والأمن الاجتماعيين داخل الدول، وضغوطاً متجدّدة للمطالبة بالإصلاحات الجذرية، كما حصل إبّان الربيع العربي.

ولو أن العرب وحّدوا صفوفهم في مكافحة فيروس كورونا، وبذلوا جهوداً مشتركة أكثر لاحتوائه، فربما تعود هذه الأرقام إلى الانخفاض للأسباب الرئيسيّة التالية:

أولا: تقصير مدة فرض حظر التجول والتباعد الاجتماعي، ما يعني إمكانية عودة الدولاب الاقتصادي إلى الدوران.

ثانيا: أن خسائر كثيرة فقدت أو ستفقد حتى نهاية العام يمكن استردادها، أو أجزاء منها، فالهبوط في القيمة السوقية لوحدات الثروة، كالعقارات والأسهم والسندات والصكوك، يمكن استعادته إذا استردّت الأسواق نشاطها، وتحركت السيولة داخل الشرايين الاقتصادية.

ثالثا: وبمعنى آخر ستُصبِح هنالك إمكانية (Leveraging). أن الجرح الذي سيضرب الترتيبات السياسية والاجتماعية يمكن رأبه أو واحتواؤه. أما إذا طال أمده وتعفن وأصيب بالغرغرينا، فإن البتر قد يصبح النتيجة المنطقية.

رابعا: أن كورونا يوفر فرصة تاريخية للأنظمة العربية، لكي تحسن من إدارتها مواردها في الطبيعة والقوى البشرية ورأس المال المستثمر، وتحسين نظمها الإدارية، وإيجاد استثمارات منتجة.

والسبب الخامس يكمن في أن أزمة كورونا قد أوجدت مناخاً للتعاون والمصالحة العربية، ما كان ليتوفر بدونها. وبحجّة التصدي للفيروس اللعين، يمكن للأنظمة العربية أن تجري مصالحاتٍ، وتحقق تفاهمات، وتنهي حروباً لا طائل تحتها.

إن إعادة إحياء مؤسسات جامعة الدول العربية وتقويتها من الجميع، لكي تقوم بدورها في إحداث مزيد من التعاون البيني، ستجعلان العرب في صف واحد ضد التحدّيات الخارجية التي أكلت ثرواتنا وشوشت برامجنا.

أما بالنسبة لإسرائيل، فيجب ألا تعتبر حكومتها الحالية مصدر عون أو غوث أو وساطة بيننا وبين الآخرين. وإن أحسنَ ما يفعله العرب هو إسقاط الدور الوسيط لإسرائيل، ورفض إجراءاتها، حتى لا تطال لعنة ضياع فلسطين هذه الأمة.

إننا بحاجة ماسة لتحسين أدائنا السياسي والاقتصادي والإداري، وتغليب مصلحة الإنسان العربي على سواها، وردم الفجوة بين القادة والشعوب، حتى لا يضيع الكل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.