أقلام وأراء

جميل مطر: مؤشرات للمستقبل غير مطمئنة إلا إذا

جميل مطر 25 أغسطس 2022 

أقرأ في بعض كتابات علماء السياسة وتصرفات كثير من السياسيين في دول الغرب، رسائل صامتة تعكس عدم رضا عن أحوال الغرب عامة، ودولهم بخاصة. وصارت حكمة متكررة القائلة إن دول مجموعة السبع كانت في عام 1991 تنتج ما نسبته 66% من مجمل الناتج العالمي والآن تنتج ما لا تزيد نسبته على 44%. ومجموعة السبع هي العنوان البديل لمجوعة الدول الغربية الكبرى، وهي التي تفضل تسميتها بالدول الديمقراطية تمييزاً لها عن الدول الكبرى التي تحكمها أنظمة حكم أوتوقراطية. وحقيقة الأمر هي أن هذه الدول تواجه ما هو أكثر من مجرد تراجع في نسبة ما تنتج إلى الناتج العالمي. هي تواجه المدلولات السياسية والمعنوية والأيديولوجية لتراجع هذه النسبة، وأثرها في خريطة توزيع النفوذ والهيمنة والانحياز. وجدير بنا أن نذكر أن بعض أسباب هذا التراجع يشترك فيه دول من خارج الغرب كالصين مثلاً.

فمن الصين تصلنا مؤشرات عن تراجع في نسب النمو السنوي، وما يمكن أن يعنيه هذا التراجع إذا لم يتدخل الحزب فوراً، ويعدّل في بعض سياساته الاقتصادية والاجتماعية. 
 ويحدث في أمريكا تطور لا يبتعد في آثاره المباشرة عن التطور في الصين رغم اختلاف الرؤى السياسية والأيديولوجية. إذ اكتشف الأمريكيون أن قطاع الشركات العملاقة، بخاصة المنتجة للسلاح والتكنولوجيا والنفط، حقق نسب أرباح وصفها محللون اقتصاديون بالخرافية، مؤكدين أنها من دون سابقة في التاريخ الاقتصادي الأمريكي. حدث هذا في ظل أزمة اقتصادية عالمية خانقة، وزيادة مفاجئة وهائلة في عدد الفقراء في كل الدول من دون استثناء، وتفاقم خطير في نقص المعروض من المواد الأساسية، مثل الحبوب والأسمدة والزيوت. 

 ولا يخفى علينا حال الانقسام، داخل الولايات المتحدة ذاتها. وهو حال سابق بالتأكيد على حرب أوكرانيا ولكنه تفاقم في ظل الحرب والتغيرات الداخلية، بخاصة في قطاع الشركات والمصالح والاحتكارات الضخمة. ويثير اهتمامنا بشكل خاص في التطورات الداخلية الأمريكية الانجرار المتسارع نحو وضع سياسي – اجتماعي تعود فيه قرارات المواطن الفرد لتقع تحت هيمنة مطلقة للسلطة التنفيذية. 

 ويهمنا قبل أي شيء آخر مسألة الانقسامات المتفاقمة في المجتمع الأمريكي، وما يمكن أن تتسبب به على صعيد مستويات الانحدار العام في الحال الأمريكية. لا أقصد بالتأكيد إثارة الخوف والرهبة، ولكني، مثل غيري من المراقبين لتطور أوضاع أمريكا، ألاحظ وجود الكثير من الرهبة والخوف في ثنايا النقاش العام، وآخرها التعرض الصريح لاحتمال نشوب حرب أهلية إذا استمر تدهور حال الانقسامات.

 لا أبالغ في القول إنني لا أطمئن على استدامة سلم يعتمد على توازن الضعف. أمريكا تتراجع. الصين تتباطأ. أوروبا جارٍ إنهاكها. صارت مرتعبة ومرتبكة. روسيا خافت على نفسها من خطر أشد لو استسلمت لزحف «الناتو» المتواصل لاحتلال مراكز أعصابها.

يقول شي، الرئيس الصيني، ما معناه أنه يتمنى لو أن الغرب نظر إلى الصين بعيون أوروبية وليس بعيون أمريكية. عندنا، هل يساعد مثل هذا التمنّي في استكمال استقلالنا. هل إذا نظر إلينا قادة أوروبا بعيون أوروبية وليس بعيون أمريكا، يساعدنا في تحرير مناجمنا وثرواتنا المدفونة في أراضينا من جور شركاتهم؟ قراءتي للشخصية الصينية والإفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية أقنعتني بأن الظلم الذي وقع على شعوب العالم الثالث ترك جروحاً غائرة. الصين والفلبين، وغيرهما في آسيا، لم تكف عن المطالبة بالاعتذار، وربما التعويض عن جرائم ارتكبت في حق شعوبها. الشعوب لا تنسى، وإن نسي أو تناسى أهل الحكم فيها. الجزائريون يطالبون، وعناصر القوى المتمردة أو الثائرة في كل إفريقيا تطالب. وفي أمريكا الجنوبية رفض متجدد للسطوة الأمريكية. والغضب على الأقطاب عارم وسائد في العالم الثالث، ولكن في اتجاهات وأهداف مشتتة. 

 لن يعيد التاريخ نفسه ولكن البشر لا ينسون. أظن أن أكثرهم عدداً عاد يرى الغرب بعيون إفريقية وآسيوية، وليس بعيون زرقاء وخضراء. هنا ربما يتجدد الأمل في مستقبل يختلف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى