أقلام وأراء

جمال زحالقة: شروط نتنياهو الخمسة تعرقل المرحلة الثانية في غزة

جمال زحالقة 29-1-2026: شروط نتنياهو الخمسة تعرقل المرحلة الثانية في غزة

احتفلت إسرائيل هذا الأسبوع باستعادة جثمان آخر المحتجزين في غزة، الجندي رون غويئيلي، وشدّدت وسائل الإعلام الإسرائيلية، أنّه منذ عام 2014، هذه اللحظة الأولى التي لم يعد فيها أسرى إسرائيليون في غزة. وسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو إلى التباهي بأنّه وعد باستعادة جميع المحتجزين الأحياء والأموات، وبأنّه وفّى وعده، على عكس ما كانت تتوقّعه النخب السياسية والأمنية، بما فيها قيادة الجيش الإسرائيلي. وعقد نتنياهو مؤتمرا صحافيا بالمناسبة، بدا كأنّه بداية الحملة الانتخابية لعام 2026.

وفي سبيل تعظيم الذات وتقزيم الآخرين، قام بإلغاء لقاء الإحاطة الدوري مع رئيس المعارضة، يئير لبيد، بالادعاء بأهمية المؤتمر الصحافي. ولعل من أهم الرسائل المبطّنة، التي برزت في المؤتمر الصحافي، هو الدعاية الانتخابية وتسويق نفسه كمنقذ لإسرائيل، وتبخيس المنافسين واتهامهم بالضعف وبعدم القدرة على تحمّل العبء. لقد كانت الانتخابات المقبلة حاضرة في كل تحركات نتنياهو، لكنّها مع مطلع عام الانتخابات الحالي، بدأت تلقي ظلّها الثقيل على كل كبيرة وصغيرة في التحرك السياسي والعسكري لإسرائيل – نتنياهو.

من خلال تصريحاته، عاد نتنياهو وأكّد، «الهدف هو «النصر المطلق»، الذي يعتمد «عودة جميع المختطفين ونزع سلاح حماس وتجريد غزة من السلاح، وبالأمس أنجزنا الأمر الأوّل». وواصل مناكفة القيادة الأمنية، خصوصا رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي، الذي نُسب إليه القول في بداية الحرب، إن إسرائيل لن تستعيد المحتجزين، وقال: «كنت أؤمن بهذا حتى عندما قال أحد كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية، في بداية الحرب، إن علينا ان نعتاد على حقيقة أننا لن نرى أي مختطف يعود إلى إسرائيل». وتكمن أهمية هذا الخطاب في أنه سيكون وقودا في المعركة الانتخابية الإسرائيلية المقبلة، التي من المتوقّع أن تكون حامية الوطيس. كما أن استعادة الجثمان الأخير لم تساهم في تبريد الاندفاع العدواني على غزّة، بل هي تموضعت في حديث نتنياهو منطلقا للاندفاع نحو تحقيق بقية أهداف «النصر المطلق».

وبعد أن أثنى على الرئيس ترامب (وذمّ إدارة بايدن، وهو ما يحبّه ترامب) وطاقمه على مساعدتهم في ملف استعادة المحتجزين، تابع نتنياهو، «كما اتفقت مع الرئيس ترامب، وسمعتم منه أيضا، فإن نزع سلاح حماس وتجريد غزة من السلاح، سيتم بالطريق السهل أو بالطريق الصعب وفي كل الأحوال سيتم!» ثم أطلق سلسلة من المواقف تضع علامات استفهام كبرى حول إمكانية تطبيق المرحلة الثانية من مشروع ترامب في غزة:

أولا، المرحلة المقبلة في غزة لن تكون إعادة الإعمار، بل نزع سلاح حماس ونزع السلاح في غزة؛ وبهذا يضع نتنياهو العربة أمام الحصان. والموقف الإسرائيلي لنزع السلاح هو نزع فوري وشامل، أي خلال أسابيع وبالحد الأقصى خلال أشهر قليلة، يجري خلالها تسليم جميع أنواع الأسلحة، بما فيها أسلحة الدفاع عن النفس الشخصية، وحتى قبل أن تستتب الأحوال الأمنية، وقبل أن تكون هناك شرطة منظمة تحمي المواطنين. ومن المعروف أن هذه شروط لا يمكن أن تقبل بها حركة حماس، ولو من باب أنّها تعرّض حياة أفرادها وعائلاتهم للخطر، من قبل العصابات المحلية المرتبطة بإسرائيل وتسمح لها بحمل الأسلحة. إسرائيل في الحقيقة تريد أكثر من ذلك، فهي ترفض أن يكون لحركة حماس أي وجود أمني، أو سياسي أو حتى مجتمعي، بل تصر على مشروع «اجتثاث التطرّف»، لمنع نشوء أي حركة ضد الاحتلال. ويبدو أن كلام نتنياهو موجّه إلى الولايات المتحدة أيضا، فهو يضع معادلة تسريع نزع السلاح، وإبطاء عملية الإعمار والانسحابات الإسرائيلية، في حين أن الولايات المتحدة تسعى إلى تعجيل إعادة الإعمار، وإقامة نظام الحكم في غزة وفق خطة ترامب، وإلى تحويل نزع السلاح إلى عملية تدريجية، تبدأ بتسليم السلاح الثقيل، وتقبل ربط مصير السلاح الخفيف بتطوّر الأمن والحكم في القطاع. ومن «الحلول الوسط» المطروحة، أن تعلن حماس استعدادها للتخلي عن سلاحها خلال 100 يوم، يبدأ في المقابل الإعمار في بعض المناطق الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي المباشر. وسارع الجيش الإسرائيلي للتسريب بأن أحدا لم يطلب منهم الاستعداد لتنفيذ هذا الحل، ما يدل على أنه «بالون اختبار» لا أكثر.

ثانيا، عدم السماح لتركيا وقطر بلعب أي دور في غزة، لقد غضبت إسرائيل من قيام ترامب بضم ممثلين عن تركيا وقطر إلى المجلس التنفيذي لغزّة، وادعت بأنهما تساندان حماس وأن دخولهما إلى غزة يشكّل خطرا على إسرائيل. وحذرت نخب أمنية إسرائيلية من سيناريو وجود تركي في سوريا من جهة، وفي غزة من جهة أخرى، ما يشكل برأي بعض المحللين الإسرائيليين، خطرا امنيا استراتيجيا، خاصة في حال وجود ميناء تركي على شاطئ غزة. كذلك تصنّف إسرائيل قطر في معسكر الأعداء، وتطالب بالاتكاء على دول معسكر الأصدقاء العربية في كل ما يخص غزة.

ثالثا، رفض مطلق لإقامة دولة فلسطينية، لقد ورد ذكر كلمتي «دولة فلسطينية» في خطة ترامب وقرار مجلس الأمن، لكنّه ورد بصورة ملتوية ومشروطة، بما يوحي أنه مجرد ضريبة كلامية لتسهيل تمرير الخطة بأقل معارضة ممكنة. إن رفض الدولة الفلسطينية ليس مجرد كلام، أو موقف معارض للمطلب الدولي، بل هو مشروع سياسي ـ استيطاني ـ أمني تقوم من خلاله إسرائيل بإحباط ومنع نشوء ما قد يؤدي لإقامة الدولة، إضافة إلى المبادرة لوضع عوائق جدّية لقطع الطريق على إقامتها. الحل المفضّل إسرائيليا هو التهجير الشامل، وإلى حين نشوء ظروف تسمح بتطبيقه، تسعى إسرائيل إلى خنق الفلسطينيين اقتصاديا ومعيشيا لدفعهم إلى الهجرة، وتقيم المزيد من المستوطنات في مناطق استراتيجية لتقطيع أوصال الضفة والتوالي الجغرافي بين أجزائنا المختلفة. كما أن إسرائيل تحرص على تطبيق هذا المبدأ في غزة، لجعلها مقطوعة عن الضفة سياسيا واقتصاديا، ولترسيخ الفصل بينهما.

رابعا، سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة على غزة، تصر إسرائيل على أن تكون لها، لوقت غير محدود، السلطة الأمنية العليا في غزة، وهي تعتبر ذلك شرطا لكل شيء ولأي شيء في غزة. وهي تسعي لإخضاع إعادة الإعمار وشكل الحكم والمعابر والحدود والبشر والحجر، لمبدأ السيطرة الأمنية الكاملة. ويشمل المفهوم الإسرائيلي لهذه السيطرة إبقاء مناطق من قطاع غزة تحت احتلال مباشر، بما في ذلك شريط على طول الحدود بعمق 800 إلى 1500، بما يساوي ما يقارب 16% من مساحة القطاع، والتحكّم بالمعابر ومواصلة الحصار البحري والسيطرة على الأجواء، والأهم من كل ذلك «الاحتفاظ بحق الاقتحام العسكري» بلا عوائق سياسية أو عسكرية.

خامسا، سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة من نهر الأردن إلى البحر، في حين تتشدد إسرائيل في تطبيق فك ارتباط بين غزة والضفة، نراها تصر على الوحدة بينهما من حيث السيطرة الأمنية. انقسام فلسطيني من جهة ووحدة إسرائيلية من جهة. وفق المنطق الإسرائيلي الأعوج، على الفلسطينيين أن يكونوا منقسمين فلسطينيا وموحدين تحت سلطة السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة من النهر إلى البحر. ويأتي هذا البند أيضا للتأكيد، ليس على وحدة الهدف فحسب، بل على وحدة الأسلوب، فما تقوم به إسرائيل في الضفة اليوم تريد أن يكون المبدأ الناظم لسلوكها الأمني في غزة أيضا، بغض النظر عن أي تسوية بشأنها.

هذه الشروط التعجيزية التي يطرحها نتنياهو، موجّهة إلى الأذن الأمريكية والدولية، وموجّهة أيضا إلى الأذن العربية والفلسطينية. لكنّها موجهة أساسا للجمهور الإسرائيلي، في أجواء انتخابية بدأت تسخن تدريجيا. استراتيجية نتنياهو لتسويق نفسه بأنه رجل الأمن القوي الذي يفرض شروطه على محيطه تكسبه شعبية كبيرة في أوساط اليمين، إلى درجة إضعاف حليفه سموتريتش، الذي لا يجتاز نسبة الحسم بسبب انتقال مصوتيه إلى نتنياهو، الذي لا يقل تطرّفا عنه. وعندما يربط نتنياهو مصير السياسي بتحقيق النصر المطلق، فهو لن يخاطر بانتخابات، من دون خلق ظروف تمكّنه من الادعاء بأنه حقق النصر المطلق، لذا فإن خطر تجديد الحرب المكثّفة لا زال قائما، وقد زاد بعد عودة جثمان المحتجز الإسرائيلي الأخير، على اعتبار أن انجاز جزء من المهمة يحفّز على إتمامها.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى