ترجمات أجنبية

ثلاث نسخ من ترامب

جيفري د. ساكس* – نيويورك – 25/3/2017

لم يحدث في التاريخ الحديث من قَبل قَط أن اجتذب تغيير القيادة في أي دولة مثل هذا القدر من الاهتمام والتأمل الذي اجتذبه صعود دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. وحتى يتسنى لنا فهم دلائل هذا التغيير وما يُنذِر به، ينبغي لنا أن نتوصل أولاً إلى حل خيوط ثلاثة أسرار غامضة، لأننا أمام ثلاث نسخ من ترامب.

تتجسد النسخة الأولى من ترامب في صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. ويشكل حماس ترامب للرئيس بوتن الجزء الأكثر تماسكاً وثباتاً في خطابه. وعلى الرغم من وجود نظرة عالمية تعتبر الولايات المتحدة ضحية لقوى أجنبية -الصين، والمكسيك، وإيران، والاتحاد الأوروبي- فإن حماس ترامب لبوتن يتجلى ويبدو واضحاً وضوح الشمس.

اعتمادا على منظور الرائي، فإن ترامب إما أن يكون معجباً ساذجاً بالرجال الأقوياء من أمثال بوتن، أو أداة تستخدمها الاستخبارات الروسية منذ أمد بعيد. ويكاد يكون من المؤكد أن الأمر لا يخلو من خلفية درامية، خلفية ربما تدمر إدارة ترامب إذا تأكدت بعض الشائعات القبيحة. فنحن نعلم الآن أن بعض التواريخ والتفاصيل الرئيسية في “الملف” سيئ السمعة حول العلاقات بين ترامب وبوتن، والذي قام بتجميعه ضابط سابق في المخابرات البريطانية، هي أمور جرى التحقق منها بالفعل.

تشير مجموعة متنامية من الأدلة الظرفية إلى أن ترامب كان مدعوما بأموال روسية لعقود من الزمن. وربما أنقذت القِلة الروسية الحاكمة ترامب من الإفلاس، وتشير تقارير إلى أن أحد المنتمين إلى هذه القِلة سافر إلى عدد من محطات حملة ترامب،

ربما كوسيط بينه وبين الكرملين. والواقع أن العديد من كبار أعضاء فريق ترامب -بما في ذلك أول مدير لحملته بول مانافورت؛ ومستشار الأمن القومي المخلوع مؤخراً مايكل فلين؛ ورئيس إكسون موبيل التنفيذي السابق ووزير الخارجية الآن ركس تيلرسون؛ وقُطب صناديق التحوط ووزير التجارة ويلبر روس- يديرون تعاملات تجارية كبيرة مع روسيا أو القِلة الروسية الحاكمة.

وتتمثل النسخة الثانية من ترامب في رجل الأعمال الجشع. وفي الحقيقة، يبدو ترامب عازماً على تحويل الرئاسة إلى مصدر آخر للثروة الشخصية. وفي نظر أغلبية من الناس، تبدو الرئاسة مكافأة في حد ذاتها، من دون تحصيل أي فائدة أخرى (على الأقل ليس أثناء الخدمة في المنصب). ولكن ترامب لا يرى هذا الرأي. فخلافاً لكل القواعد السابقة، وفي انتهاك صارخ للمعايير التي وضعها مكتب الأخلاقيات الحكومية، يحتفظ ترامب بإمبراطورية أعماله، في حين يناور أفراد أسرته لتحقيق مكاسب مالية باسمه في استثمارات جديدة في مختلف أنحاء العالم.

أما ترامب الثالث فهو شعبوي غوغائي. والواقع أن ترامب معين لا ينضب من الأكاذيب، وهو يتجاهل التصحيحات الحتمية التي تقوم بها وسائل الإعلام عن طريق اتهامها بأنها “أخبار ملفقة”. ولأول مرة في تاريخ أميركا الحديث، يسعى الرئيس بكل عدوانية إلى شيطنة الصحافة وتشويه صورتها. وفي الفترة الأخيرة، منع البيت الأبيض ممثلي “نيويورك تايمز”، و”السي إن إن”، و”بوليتيكو”، وصحيفة “لوس أنجيلوس تايمز” من حضور مؤتمر صحفي للسكرتير.

تشير بعض التفسيرات إلى أن غوغائية ترامب تخدم كبير الاستراتيجيين ستيفن بانون، الذي يدافع عن رؤية مظلمة لحرب قادمة بين الحضارات. ومن خلال تأجيج الخوف ورفع مستوياته إلى أقصى حد ممكن، يسعى ترامب إلى خلق نسخة عنيفة

من قومية “أميركا أولاً”. وقد شَرَح هيرمان جورينج بكلمات تقشعر لها الأبدان هذه الصيغة من زنزانته في سجن نورمبرج بعد الحرب العالمية الثانية: “من السهل دائماً إقناع الناس بذرائع القادة. فما عليك إلا أن تخبرهم بأنهم تحت الهجوم، ثم تشجب المسالمين باعتبار أنهم يفتقرون إلى الوطنية ويعرضون البلاد للخطر. وهو النهج الذي يعمل على نفس النحو في أي بلد”.

تشير نظرية أخرى إلى أن النسخ الثلاث من ترامب -صديق بوتن، ورجل الأعمال الذي يسعى إلى تعظيم ثروته، والغوغائي- ليست سوى نسخة واحدة في حقيقة الأمر: فترامب رجل أعمال يتلقى الدعم منذ فترة طويلة من الروس، الذين استخدموه لسنوات كواجهة لأموال مغسولة. وربما يكون بوسعنا أن نقول إنهم فازوا بالجائزة الكبرى، بالمراهنة بمبلغ زهيد -على التلاعب بنتائج الانتخابات التي لم يتوقعوا على الأرجح أن يفوز بها أبداً- والذي عاد عليهم بمكافأة ضخمة. ووفقاً لهذا التفسير، فإن الهجمات التي يشنها ترامب ضد الصحافة، ووكالات الاستخبارات، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، تهدف على وجه التحديد إلى تشويه سمعة هذه المنظمات مقدماً قبل أن تكشف المزيد من الأسرار المتصلة بالمعاملات التي جرت بينه وروسيا.

ويتذكر أولئك الذين عايشوا قضية ووترغيت كيف كان من الصعب محاسبة الرئيس ريتشارد نيكسون عن مشاركته فيها. ولولا الكشف عن أشرطة سرية تابعة للبيت الأبيض، كان نيكسون ليفلت بكل تأكيد من الاتهام والعزل، وكان ليكمل مدة ولايته. وينطبق نفس الشيء على فلين، الذي كذب مراراً وتكراراً على عامة الناس ونائب الرئيس مايكل بنس، بشأن اتصالاته مع السفير الروسي قبل توليه منصبه. ولكن، مثله مثل نيكسون، لم يسقط فلين إلا لأن أكاذيبه كانت مسجلة، وفي هذه الحالة على يد وكالات الاستخبارات الأميركية.

بعد الكشف عن أكاذيب فلين، جاءت ردة فعل ترامب متساوقة مع شخصيته، فقد هاجم التسريب ولكنه لم يهاجم الأكاذيب. والدرس الرئيسي المستفاد من واشنطن، بل ومن سياسات الرجل القوي عموماً في واقع الأمر، هو أن الكذب يشكل الملاذ الأول وليس الأخير.

إذا كان الكونغرس الأميركي يضم العدد الكافي من الأعضاء المخلصين، فإن الأغلبية، التي تعلم أن الجمهوريين لن يمارسوا دور الشرطي على جمهوريين مثلهم، كانت لتطالب بإجراء تحقيق مستقل في العلاقات بين ترامب وروسيا. والحق أن السيناتور الجمهوري راند بول كان واضحا بشأن هذه النقطة، حين أعلن أنه “من غير المنطقي” أن يجري الجمهوريون تحقيقاً يتناول تصرفات جمهوريين آخرين. ويبدو ترامب عازماً على زيادة الضغوط على مكتب التحقيقات الفيدرالي، ووكالات الاستخبارات، والمحاكم ووسائل الإعلام، من أجل حملها على التراجع.

في حقيقة الأمر، عادة ما يضمن زعماء الدهماء البقاء بفِعل الدعم الشعبي، والذي يحاولون الحفاظ عليه من خلال الحديث عن الجشع، والقومية، والوطنية، والعنصرية، والخوف. وهم يمطرون أنصارهم بمكافآت نقدية قصيرة الأجل، في هيئة تخفيضات ضريبية وتحويلات دخل ممولة عن طريق زيادة الدين العام وترك الفاتورة للأجيال المقبلة. والواقع أن ترامب كان ناجحاً حتى الآن في إسعاد أثرياء أميركا، من خلال الوعود بإجراء تخفيضات ضريبية لا يمكن تحمل تكاليفها في حقيقة الأمر، في حين عمل على إبهار أتباعه من أبناء الطبقة العاملة من ذوي البشرة البيضاء بإصدار أوامر تنفيذية تقضي بترحيل المهاجرين غير القانونيين ومنع دخول القادمين من الدول ذات الأغلبية السكانية من المسلمين.

ولم يجعل أي من هذا ترامب زعيماً يتمتع بشعبية كبيرة. بل إن شعبيته أصبحت عند أدنى مستوى، تاريخياً، بالنسبة لرئيس جديد (نحو 40 %)، في حين لم يحظ بموافقة نحو 55 % من المستجيبين لاستطلاعات الرأي. وسوف تعمل التحديات القضائية لأوامره التنفيذية، ومشاحناته مع وسائل الإعلام، والتوترات الناجمة عن عجز الموازنة متزايد الارتفاع، وكشف النقاب عن أسرار جديدة حول العلاقة بين ترامب وروسيا، على إبقاء النار مستعرة تحت المرجل -وقد يتبخر أي دعم شعبي لترامب نتيجة لكل هذا.

في هذه الحالة، من المرجح أن ينقلب قادة الحزب الجمهوري على ترامب. ولكن لا ينبغي لأحد أن يستهين أبداً باستعداد الغوغاء وزعماء الدهماء لاستخدام الخوف والعنف -بل وحتى الحرب نفسها- للحفاظ على السطلة. وإذا كان بوتن داعماً له وشريكاً له حقاً، فسوف تكون إغراءات ترامب للقيام بذلك قوية جداً.

* أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ السياسات الصحية والإدارة في جامعة كولومبيا، مدير مركز جامعة كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة حلول التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ومن بين مؤلفاته كتب “نهاية الفقر” و”الثروة المشتركة”، و”عصر التنمية المستدامة”، ومؤخراً، “بناء الاقتصاد الأميركي الجديد”.

*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى