أقلام وأراء

ثروت الخرباوي: قراءة في مسار الإخوان نحو العنف

ثروت الخرباوي 2-1-2026: قراءة في مسار الإخوان نحو العنف

هل العنف عند جماعة الإخوان مجرد انحراف عابر فرضته لحظة سياسية مضطربة، أم أنه خيار أصيل كامن فى بنية الفكرة منذ نشأتها؟ وهل ما نراه اليوم من تحريض وتصعيد ومحاولات استهداف لمؤسسات الدولة داخل مصر وخارجها هو رد فعل يائس على الفشل، أم تجلٍّ متأخر لعقيدة ترى الصدام مع الدولة قدراً لا مفر منه؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفاً فكرياً، بل باتت ضرورة لفهم سلوك جماعة لم تعد تمارس السياسة بقدر ما تمارس التحريض والعنف.

الإجابة الجادة عن هذه الأسئلة تقتضى الخروج من دائرة التفسيرات السهلة التى تحصر العنف فى كونه أخطاء أفراد أو ردود فعل، والذهاب مباشرة إلى البنية الفكرية التى أنتجت هذا السلوك ورعته. فعند الإخوان لا يُنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً فى الوطن، بل باعتباره موضع اختبار دائم: إما منخرطاً فى مشروع الجماعة، وإما خصماً للدين ذاته. وبالمثل، لا تُفهم الدولة لديهم كإطار جامع ينظم الاختلاف، بل كعقبة ينبغى إسقاطها إن لم تخضع لما يسمّى «مشروع الجماعة». ومن هنا يصبح الصدام ليس احتمالاً، بل يكون مساراً متوقعاً، ومبرراً دينياً.

فى هذا السياق، يمكن فهم أن العنف لم يكن يوماً غريباً عن تجربة الإخوان، بل جرى تأجيله أو إنكاره تبعاً لموازين القوة. وعندما فشلت الجماعة فى فرض نفسها عبر السياسة، وعجزت عن إقناع المجتمع بمشروعها، عادت إلى مخزونها الفكرى، الذى يبرر المواجهة، ويحوّل التحريض إلى واجب، ويجعل الصدام قدراً محتوماً. ومن هنا يمكن قراءة تحولات الجماعة الراهنة باعتبارها عودة إلى الأصل، حيث يصبح العنف أداة مشروعة لتحقيق الغاية.

ومن هذا المدخل الفكرى تحديداً، تكتسب الوقائع الأخيرة دلالتها الحقيقية، وعلى رأسها ما جرى فى تركيا من ضبط عناصر إخوانية متورطة فى التحريض والتخطيط لاستهداف بعثة دبلوماسية مصرية. فهذه الواقعة تكشف أن الجماعة لم تعد ترى حدوداً فاصلة بين العمل السياسى والعمل العدائى، ولا بين المعارضة والإرهاب. فالعنف هنا لم يعد استثناء يُدان، بل خيار يُدار، والتحريض لم يعد زلة خطاب، بل استراتيجية شاملة تعبّر عن قناعة راسخة بحتمية الصدام مع الدولة والمجتمع معاً.

والدلالة الأهم فى هذه الواقعة لا تكمن فى نية الاستهداف وحدها، بل فى المكان الذى حدثت فيه. فتركيا كانت، لسنوات طويلة، ملاذاً آمناً للإخوان، ومساحة حركة شبه مفتوحة، ومنبراً إعلامياً وسياسياً لهم. وحين تُقدم السلطات التركية على ضبط عناصر إخوانية بتهم تتعلق بالإرهاب والتحريض على استهداف بعثة دبلوماسية، فإن ذلك يعنى أن الجماعة تجاوزت حتى الخطوط التى كانت الدول الحاضنة نفسها تتسامح معها. هنا لا نتحدث عن اختلاف سياسى أو معارضة فى المنفى، بل عن سلوك يهدد الأمن العام، ويضع الدولة المضيفة فى مواجهة التزامات قانونية ودولية لا يمكن تجاهلها.

هذه الواقعة تفتح الباب لتحليل أعمق لطبيعة التحول داخل الجماعة. فبعد سقوط مشروعها فى الحكم، وانكشاف عجزها عن تقديم نموذج سياسى أو اقتصادى أو أخلاقى قابل للحياة، دخلت فى مرحلة إنكار طويلة. هذا الإنكار لم يُنتج مراجعات فكرية حقيقية، بل دفع فى اتجاه خطاب أكثر تطرفاً، قائم على فكرة المظلومية المطلقة، وتجريم الدولة والمجتمع معاً، وتبرير العنف باعتباره دفاعاً أو ردّ فعل. ومع مرور الوقت، لم يعد التحريض مجرد انفعال عاطفى فى خطاب بعض الأفراد، بل تحول إلى سياسة معتمدة، ووسيلة للحفاظ على تماسك التنظيم ومنع انهياره.

والتحريض فى هذا الإطار ليس عشوائياً، بل منظم ومحسوب. يبدأ بخطاب إعلامى ينزع الشرعية عن الدولة، ثم ينتقل إلى شيطنة مؤسساتها، قبل أن يفتح الباب أمام تبرير الاعتداء عليها، داخل الحدود أو خارجها. ومن ثمّ فإن استهداف السفارات والقنصليات لا يمكن اعتباره هامشياً، بل يعكس عقلية ترى أن الصراع لم يعد سياسياً، وإنما وجودى، وأن جميع أدوات الضغط، بما فيها العنف باتت مشروعة. وهذا، فى جوهره، هو التعريف العملى للإرهاب.

والأخطر هنا هو أن هذا المسار لا يقتصر على ساحة بعينها. فما جرى فى تركيا تكرر بأشكال مختلفة فى أوروبا، من محاولات الضغط على البعثات الدبلوماسية، إلى التحريض على اقتحامها، إلى تهديد العاملين فيها. وقد بات واضحاً أن الجماعة تتحرك اليوم بمنطق «الفوضى العابرة للحدود»، مستفيدة من أزمات إقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لتحويل الغضب المشروع إلى وقود يخدم أجندتها الخاصة. هنا لا تُستثمر القضايا العادلة من أجل حلها، بل من أجل تأجيج التوتر، وتعميق الاستقطاب، ودفع الأفراد نحو مسارات تصادمية.

وما يؤكد أن العنف أصبح المسار الرئيسى، لا الاستثناء، هو الغياب شبه الكامل لأى خطاب جاد داخل الجماعة يراجع هذا النهج أو يرفضه. فلا بيانات حاسمة، ولا محاسبة تنظيمية، ولا محاولة للفصل بين العمل السياسى والتحريض. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالحياد، بل بالموافقة الضمنية، وإدارة المشهد من الخلف.

الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس انحرافاً طارئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الفشل والإنكار والتطرف.

فالعنف لم يعد خياراً هامشياً لدى جماعة الإخوان، والتحريض لم يعد زلة لسان أو خطأ تقدير، بل أصبح استراتيجية شاملة تُدار عبر الإعلام، وتُغذَّى بالأزمات، وتُترجم على الأرض فى محاولات استهداف وتهديد وتخريب. وما لم تُقرأ هذه الحقيقة بوضوح، سيظل البعض يتعامل مع الجماعة بوصفها معارضة سياسية، بينما الواقع يقول إنها تجاوزت هذه المرحلة منذ زمن، ودخلت بوعى كامل إلى منطقة الخطر.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى