أقلام وأراء

تونس – فرنسا وهواجس الخوف من أقصى اليمين

اسامة رمضاني

اسامة رمضاني 27-04-2022

مثلما كان متوقعاً فاز الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون بولاية ثانية. 
كانت الانتخابات موضوع اهتمام في تونس وبقية بلدان المغرب العربي نظراً الى العلاقات التقليدية بين هذه البلدان وفرنسا. كان انتصار ماكرون النتيجة المأمولة من معظم الناس. لم يكن ذلك في الواقع حباً به، بل كان خوفاً من منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبن.
وحتى بالنسبة الى الذين عابوا عليه التضييقات التي فرضها على تأشيرات الدخول الى  فرنسا بالنسبة الى مواطني تونس والجزائر والمغرب، وانتقدوا دوره في تسرب سرديات اليمين المتطرف إلى بقية الجسم السياسي الفرنسي، فقد كان ماكرون بكل تأكيد يشكل أخف الضررين. 
تابع التونسيون الحملة الانتخابية وصولاً إلى نتائج الانتخابات. كانت ردود فعلهم وتعليقاتهم أحياناً تتدفق كالنشرات الإخبارية الموجزة على المنصات الإلكترونية. ولكن كتاباتهم كانت من منظور مختلف تماماً عن منظور عموم الناخبين الفرنسيين.
عندما شاهدوا المناظرة الانتخابية بين ماكرون ولوبن كانت قلوبهم على المهاجرين التونسيين المقيمين في فرنسا. سواء أكانوا حاصلين على الجنسية الفرنسية  أم لا، سواء أكانوا في أوضاع قانونية أم غير قانونية. من هذا المنطلق، لم تهدأ تحفظاتهم عن لوبن بعد المناظرة، بل زادت حدة. 
بقيت لوبن طوال الحملة، رغم محاولتها الظهور بمظهر الشخصية المعتدلة، تعزف على وتر كره الأجانب وتحميلهم مسؤولية مصاعب فرنسا، أملاً منها في كسب ما يكفي من الأصوات للتفوق على غريمها الوسطي ماكرون في الدور الثاني. استراتيجية المهاجرين ككبش الفداء تغري دوماً اليمين المتطرف. 
وبعكس ما كانت دوائر حزبها “التجمع الوطني” تروج له خلال بداية الحملة، لم تعدل لوبن من عدائها للأقليات المهاجرة، وبخاصة منها المسلمة، في تعبيرها عن مواقف بعضها مخالف تماماً للدستور الفرنسي وبعضها الآخر تدفعه مبررات الخوف من الإسلاميين المتطرفين. هذا الخوف غذّته الأعمال الإرهابية الدموية التي ضربت فرنسا خلال السنوات الأخيرة وراكمته قلة معرفة بجذور الظاهرة الإسلاموية ورموزها الظاهرة والباطنة.
 لم تتحمس لوبن خلال المناظرة لأي موضوع مثلما تحمست للمزايدة على طرد أكبر عدد ممكن من المهاجرين غير الشرعيين بغض النظر عن التراتيب والأعراف الدبلوماسية. 
حماستها كانت تعكس قناعات شخصية، ولكن أيضاً مراهنة على وجود تيار قوي معادٍ للمهاجرين ضمن الناخبين. هذا التيار يمثل الحجر الأساس للشعبوية السياسية في فرنسا التي يتضافر فيها الخوف من الآخر مع الجهل بحقائق الظواهر وخلفياتها الاجتماعية والسياسية والتاريخية.  
كانت لوبن في شعبويتها تزايد طيلة الحملة على المترشح اليميني المتطرف إيريك زيمور. كلاهما كان يحاول إعادة كتابة التاريخ بين فرنسا والمغرب العربي بحسب مزاجه الإيديولوجي.
لوبن حاولت توظيف مواقف الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة تجاه الإسلاميين في سعيها الى تبرير منع لباس الحجاب في الفضاءات العامة في فرنسا. ولكنها في الأثناء أظهرت قلة إلمام بالتاريخ عندما قدمت بورقيبة على أنه رئيس سابق للجزائر أو أنه منع الحجاب في الفضاءات العامة في تونس.
   
حتى وإن انهزمت المرشحة اليمينية المتطرفة في نهاية المطاف في الانتخابات، فإن أفكارها لن تختفي قريباً، بل ستبقى هذه الأفكار بمثابة عنصر شحن للتوترات. سوف يطفو تيارها إلى السطح كلما طرأ طارئ يتعلق بالتطرف والإرهاب. وهذا التيار لن يتردد مثلاً في استغلال أي مظهر من مظاهر الهجرة غير الشرعية من تونس، وهي ظاهرة مرشحة لمزيد من التفاعل في ظل استمرار أزمات البلاد الاقتصادية والاجتماعية.
ولكن، ورغم كل شيء، سوف تبقى فرنسا الشريك التجاري الأول لتونس ومخاطبها الرئيسي في الاتحاد الأوروبي، إضافة لكونها الوجهة الأولى لكفاءاتها التي تغادر البلاد بالمئات.
الواقع سيفرض استمرار متانة العلاقة، حتى إن حاول بعض أنصار الشعبوية في تونس استحضار قراءات تاريخية وثقافية تبرر العداء لفرنسا. 
بوصفها النموذج السياسي الغربي الأقرب الى تونس من الناحية الثقافية، يمكن للتجربة الانتخابية الفرنسية، رغم كل المآخذ التي تؤخذ عليها، أن تؤثر في رؤى النخب التونسية وهي تبحث عن تصورات جديدة للعمل السياسي، وإن كانت الفوارق كبيرة بين الثقافتين السياسيتين.   
قارن الكثيرون مثلاً بين اهتمام السياسيين الفرنسيين خلال الحملة الانتخابية بالمواضيع الاقتصادية وبقاء هذه المسائل في معظم الأحيان خارج أولويات الفاعلين السياسيين في تونس، رغم أن هذه المواضيع تشكل الشاغل الأكبر للرأي العام التونسي.
الشواغل الاقتصادية، وبخاصة منها موضوع القدرة الشرائية، سيطرت على النقاش خلال الحملة الانتخابية الفرنسية. وكانت لافتة هيمنة الأرقام والمؤشرات على المناظرة النهائية للمترشحين الرئاسيين في محاولتهما الإجابة عن المشاكل المتعلقة بالتضخم والطاقة والتقاعد والبطالة ومختلف تداعياتها الاجتماعية. 
ليس جديداً أن يكون الاقتصاد كنه السياسة أو أن تشكل الأرقام الخيط الناظم لمواقف الساسة، وذلك حتى قبل أن يردد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما خلال حملته الانتخابية مقولة “إنه الاقتصاد أيها الأبله”. 
ولكن، من الغريب أن يظل الاقتصاد الغائب الأكبر في سرديات الساسة التونسيين وأن تكون الأرقام آخر مشاغلهم، حتى وإن كان الاقتصاد جوهر الأزمات المتراكمة في تونس ولا تزال البلاد تتفاوض مع صندوق النقد الدولي من أجل الحصول على قروض عاجلة لإنقاذ موازناتها المهتزة. 
هذه الحلقة المفقودة تميز أجندات كامل النخبة السياسية التونسية، حكاماً ومعارضة. الحكومة لا تصارح الناس إلا قليلاً بواقع البلاد الاقتصادي وتفاصيل الإصلاحات المزمع تنفيذها. أما قادة المعارضة ومعظم الأحزاب السياسية فنادراً ما يغريهم الخوض في المسائل المالية والاقتصادية إلا إذا كان تدهور الوضع الاقتصادي وسيلة لتصفية الحسابات السياسية ومواصلة الجدل السياسي والدستوري حتى وإن كان بيزنطياً.
مثل هذه المقارنات قد تساعد على تنبيه الساسة التونسيين إلى أسباب تآكل صدقيتهم في الداخل وربما توحي لهم بآفاق أوسع خارج صندوق الأزمة.  
شكلت الانتخابات الفرنسية بشكل عام تذكيراً للبلاد بأن مستقبلها ومستقبل أبنائها مرتبطان إلى حد كبير بالانفتاح على الآخر سواء كان فرنسياً أم غيره. 
ومثلما بقيت تونس لعقود متتالية تتابع الأحداث في فرنسا وقلوبها على مهاجريها إلى أوروبا، يتابع اليوم المهاجرون التونسيون في فرنسا تطورات الأزمة المستمرة في تونس وقلوبهم على وطنهم الأم. لا يزال ذلك اليوم شاغلهم حتى لمن اختار الاستقرار نهائياً هناك. 
وبعد هزيمة لوبن، يبقى الأمل بأن تبتعد ولو إلى حين أجندات أقصى اليمين الساعي الى جعل الخوف المتبادل هو الجسر الوحيد الذي يربط بين أوروبا وجنوب المتوسط.  
ولكن يبقى التحدي قائماً أمام المهاجرين نحو التعايش مع ثقافة المجتمع الفرنسي ونواميسه والاندماج ضمن نسيجه لمن ينشد الاستقرار النهائي.
ما زالت أمامهم أشواط كبيرة نحو تحقيق ذلك. وسيتحملون هم مسؤولية ذلك بالاشتراك مع المجتمع الفرنسي المحتضن لهم، وإن كان الكثير منهم يحدوه شعور مستبطن بأن الاندماج الكامل ما زال بعيداً.
سألت فرنسياً من أصل تونسي بعد أن صوت للمرة الأولى في الانتخابات الفرنسية هل أن الاقتراع عمق شعوره بالانتماء لفرنسا. فقال: “نعم. طبعاً”، مضيفاً أنه لا يرى تناقضاً بين ذلك وانتمائه الى وطنه الأصلي. 
ولكنني لما استفسرته إن كانت تخامره فكرة الترشح مستقبلاً لمنصب سياسي في فرنسا كان رده بعفوية واضحة: “لا أتصور ذلك”.
  
خمس سنوات جديدة لماكرون وهو ممسك بدفة السلطة، قد تحمل الجديد على عدد من الصعد بما فيها علاقات بلاده مع تونس وأهلها.  
خمس سنوات لن تختفي خلالها مشاعر التوجس ممن يستثمرون في الخوف. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى