توماس فريدمان يكتب - الإسرائيليون والأميركيون .. معضلة التنوع - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

توماس فريدمان يكتب – الإسرائيليون والأميركيون .. معضلة التنوع

0 148

توماس فريدمان  *- 15/4/2021  

بينما تحاول إسرائيل جاهدة تشكيل ائتلاف حاكم أدهشني تقرير تلفزيوني هناك، جاء فيه أن حاخاما كبيرا لطائفة اليهود الأورثوذوكس المتشددين وزعيما روحيا لحزب «يهوديت هتوراة المتحدة» قال إنه يفضّل حكومة مع «القائمة العربية الموحدة» الإسلامية الإسرائيلية على حكومة مع أحزاب «يهودية يسارية»، وذلك لأن المشرّعين العرب الإسرائيليين من المستبعد أن يحوّلوا الجميع إلى علمانيين. هذا الأمر يلخص تقريباً إلى أي حد بات الانقسام والاستقطاب يطغى على المشهد السياسي الإسرائيلي اليوم – ولماذا أجرت إسرائيل للتو رابع انتخابات غير حاسمة في ظرف أقل من عامين، وقد تتجه قريباً إلى خامس انتخابات، والتي لا بد أن تشكّل نوعا من الأرقام القياسية في التعاسة الانتخابية الديمقراطية.

وإذا كان الرئيس الإسرائيلي روفن ريفلن قد منح الثلاثاء الماضي رئيسَ الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه تهماً بالفساد، أولَ محاولة لتشكيل حكومة جديدة من بين كل الأحزاب التي فازت بمقاعد في الانتخابات الأخيرة، فإن ريفلن قال: «ليست لدى أي مرشح فرصة واقعية لتشكيل» ائتلاف حاكم. وقبل ذلك كان ريفلن قال إن إسرائيل في حاجة إلى زعيم يستطيع «علاج الانقسامات التي بيننا» وكذلك «تمرير ميزانية وانتشال مؤسسات الدولة من حالة الشلل السياسي».

فهل يبدو لكم هذا مألوفا؟ الواقع أن كلا من إسرائيل والولايات المتحدة تتقاسمان أربعة تحديات حاليا:

فالتهديدان الخارجيان اللذان واجهاهما خلال النصف الثاني من القرن العشرين – الحرب الباردة بالنسبة لأميركا والنزاع العربي-الإسرائيلي بالنسبة لإسرائيل – وكان لهما تأثير قوي على البلدين، اختفى إلى حد كبير الآن، ولم يخلفه أي شيء يضاهيه في القوة من أجل تعزيز اللحمة والتآلف الوطنيين.

وكلا المجتمعين لديهما عدد كبير من الشبكات الاجتماعية، ما يجعل حكمهما صعبا بشكل متزايد بسبب الطريقة التي قضت بها هذه الشبكات على حرّاس البوابة التقليديين. وقد يكون التخلص من حراس البوابة التقليديين أمرا جيدا – نظرا لأنه يتيح فرصا أكثر للآخرين من أجل الانخراط سياسيا وحكي قصصهم، غير أنه يمكن أن يقضي أيضا على المعايير بطرق تُضعف الحقيقة والثقة.

كما أن كلا المجتمعين كانت لديهما تجربة حادة وقوية مع زعيم شعبوي مثير للاستقطاب، يتقن فنون الإعلام والتواصل، ومستعد لخرق كل القواعد وإضعاف قيود نظاميهما القضائيين وبيروقراطية الدولة ووسائل الإعلام التقليدية، خلافا لأي زعيم قبله.

وأخيرا، هناك تغيرات ديمغرافية كبيرة كانت تتطور منذ فترة طويلة وبلغت نقطة تحول في كلا المجتمعين. ففي أميركا، من المتوقع أن يصبح البلد ذا «أقلية أغلبية» في حوالي العام 2045، حينما يشكّل البيض قرابة 49.9% من السكان. ويُتوقع أن تكون الأغلبية الجديدة مكونة من نحو 25%من الهسبانيك أو اللاتينيين، و13% من السود، و8% من المنحدرين من أصول آسيوية ونحو 4% من متعددي الأعراق.

وهذا الأمر زاد من حالة الاستقطاب، إذ لعب الحزب «الجمهوري» في عهد ترامب على التخوفات من نقطة التحول تلك وسعى إلى تقليص الهجرة القانونية وغير القانونية، ومؤخرا، إلى تقليص حقوق التصويت للإبقاء على صلاحيات الأغلبية البيضاء الآخذة في التقلص. وذهب اليسار إلى أقصى الطرف الآخر وبات يعرّف الناس بشكل متزايد من خلال عرقهم أو دينهم أو وضع القوة أو الضعف، وليس على أساس ما نشترك فيه جميعاً كأميركيين.

غير أن نقطة التحول الأهم بالنسبة لإسرائيل ليست تلك التي قد تظن – ليس مع العرب فحسب – وإنما مع انفجار عدد سكانها اليهود الأرثوذوكس المتشددين، كما يؤكد دان بن ديفيد، الاقتصادي بجامعة تل أبيب، والذي يرأس «مؤسسة شورش للبحوث الاجتماعية والاقتصادية».

ويشرح بن ديفيد قائلا: «رغم أنها تضم حاليا بعضا من أفضل الجامعات في العالم وقطاع تكنولوجيا عالية متميزا»، إلا أن إسرائيل دولة نحو نصف أطفالها – اليهود الأرثوذوكس المتشددون (المعروفون باليهود الحريديم) والعرب الإسرائيليين واليهود غير الأرثوذوكس الذي يعيشون في أطراف البلاد بشكل رئيسي-«يتلقون تعليما يليق ببلدان العالم الثالث، وينتمون إلى الأجزاء الأسرع نموا من السكان».

وتبلغ أسر اليهود الحريديم في المتوسط سبعة أطفال، كما يقول بن ديفيد، الرجال في 50% منها لا يعملون وإنما ينخرطون في الدراسات الدينية بفضل الإعانات الحكومية، كما أنهم لا يخدمون في الجيش، وبشكل عام، يحرمون أطفالهم من المناهج الأساسية في الرياضيات والعلوم والحوسبة والقراءة – «التي تعتبر إلزامية بموجب القانون في كل بلد متقدم ما عدا إسرائيل – والتي يمكن أن تمنحهم استقلالية اقتصادية ككبار ويحتمل أن ترخي قبضة المؤسسة الدينية عليهم».

وبالتالي، يقول بن ديفيد، أصبح إجبار المجتمع اليهودي الأرثوذوكسي المتشدد على الامتثال للقواعد نفسها التي تحكم بقية المجتمع الإسرائيلي «مشكلة وجودية»، ولكنها مشكلة يمكن تفاديها إذا فعلنا ما ينبغي فعله قبل فوات الأوان».

غير أنه لكي يحدث ذلك، يقول بن ديفيد، سيتعين على أغلبية تضم كل الأحزاب غير الأورثوذكسية المتشددة التي فازت بمقاعد في الانتخابات الأخيرة أن تتفق حول تشكيل حكومة معاً، حكومة«تزيل نتنياهو، وكذلك الأحزاب الأورثوذكسية المتشددة التي يعتمد عليها واشترى دعمها لسنوات طويلة من خلال تخصيص الإعانات الضخمة لمدارسها ومنحها تنازلات دينية أخرى».

باختصار، من أجل الازدهار في القرن الحادي والعشرين يتعين على كل من أميركا وإسرائيل أن تحدّدا من جديد تعريف أن تكون ديمقراطية تعددية –ذات تطلعات كبيرة ومثالية – في وقت ازداد فيه سكانهما تنوعا بشكل كبير.

في الوقت الراهن، هناك عدد كبير جدا من الأميركيين والإسرائيليين يتساءلون، جهرا أو سرا: «إلى من ينتمي هذا البلد؟»، «بدلا من أن يتساءلوا: «أترى ما نستطيع فعله حينما نعمل معا؟». الواقع أن كليهما سيظلان عالقين ما لم ينتقل تركيزهما إلى السؤال الأخير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.