تودد أوباما مقابل لامبالاة بوتين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

تودد أوباما مقابل لامبالاة بوتين

0 132

Jackson Diehl – Washington Post

الجريدة * قسم الترجمة * 17/5/2012

بعد نزول آلاف المتظاهرين المعارضين إلى شوارع موسكو، بدا بوتين نموذجاً شبيهاً بمبارك أو الأسد عندما كان أوباما يتقرب منهما قبل 3 سنوات: حتى الآن هو يسيطر على الوضع، لكن من الواضح أن نموذج حكمه أصبح متصدعاً وقد بدأ بلده ينقلب عليه.

لقد أصبح واضحاً أن الرئيس أوباما سيعتبر فلاديمير بوتين شريكاً أساسياً له في مجال السياسة الخارجية خلال ولايته الثانية، لكن تكمن المشكلة في واقع أن بوتين يرفض أداء هذا الدور.

كان الإعلان الذي صدر عن البيت الأبيض يوم الأربعاء بأن رئيس الكرملن لن يحضر قمة مجموعة الثماني في كامب ديفيد هذا الأسبوع يخفي موقفاً رافضاً فظاً. لقد أعد أوباما هذا الاجتماع مع مراعاة بوتين، فنقل مكانه من شيكاغو للفصل بينه وبين قمة حلف الأطلسي. في وقت سابق من هذا الشهر، أرسل أوباما مستشار الأمن القومي توم دونيلون إلى موسكو لتسليم بوتين “وثيقة مفصلة ومتعددة الصفحات تحمل رسالة أساسية مفادها أن أوباما مستعد للتعاون مع بوتين”، بحسب قول أحد المسؤولين الروس.

في المقابل، ادعى بوتين أنه مضطر إلى تفويت اجتماع كامب ديفيد لأنه منشغل بتشكيل حكومة جديدة، علماً أنه أصبح رئيس البلاد الآن ولم يعد رئيس الحكومة. اعتبر بعض المحللين الروس أن ذلك التبرير ليس صحيحاً بل إن بوتين شعر بالإهانة بسبب الانتقادات الخفيفة التي وجهتها وزارة الخارجية الأميركية بعد ضرب المتظاهرين خلال حفل تنصيبه في الأسبوع الماضي. لكن توقع البعض الآخر أنه كان يدير من وراء الكواليس صراعات جدية على السلطة.

في مطلق الأحوال، يبدو أن بوتين ليس مهتماً بتركيز أوباما عليه وإصراره على عقد اتفاق حاسم في مجال الأسلحة النووية في عام 2013. لا شك أن ذلك الاتفاق سيتجاوز شروط معاهدة “ستارت” الجديدة التي أُبرمت في عام 2010 وسيهدف إلى تخفيض الترسانة الأميركية والروسية بشكل جذري على المدى الطويل. سيكون هذا الاتفاق الإرث الذي سيخلفه أوباما في مجال السياسة الخارجية وسيتذكره به الجميع. بل سيكون الأمر بمنزلة تبرير متأخر لنيله جائزة “نوبل للسلام”.

لكن في المقابل، يبدو أن بوتين لا يبالي بأي شكل بهذا الموضوع. فقد ذكر بيان كان قد أصدره في الأسبوع الماضي ويتألف من سبع نقاط عن العلاقات مع الولايات المتحدة ضرورة “تخفيض عدد الأسلحة الهجومية الاستراتيجية”، مع التشديد على “احتمال تطبيق ذلك حصراً مع مراعاة جميع العوامل التي تؤثر بالاستقرار الاستراتيجي العالمي”. إنها إشارة واضحة إلى الدفاع الصاروخي. تكرر النقطة السابعة مطلب موسكو بتقديم “ضمانات جدية” بشأن الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية الأميركية.

كان إصرار أوباما على عقد اتفاق نووي نقطة تحول مهمة في طريقة معاملته لبوتين بعد أن تجاهله طوال ثلاث سنوات على أمل تعزيز موقع ديمتري ميدفيديف “الإصلاحي”. ربما انتظر أوباما مرور بضعة أيام قبل أن يتصل ببوتين لكن سرعان ما هنّأه على انتخابه، مع أن المراقبين الدوليين اعتبروا أن تلك الانتخابات لم تكن حرة ولا عادلة. كذلك، جعل أوباما بند إلغاء “تعديل جاكسون-فانيك” لعام 1974 (مرسوم يحد من حجم التجارة الأميركية مع روسيا) على رأس الأولويات في الكونغرس خلال هذا الربيع.

أكثر ما يصدم بشأن هذه الاستراتيجية هو تجاهلها لأهم درس مستخلص من السياسة الخارجية خلال ولاية أوباما الأولى. أثبت الربيع العربي أن “التواصل” مع القادة الاستبداديين ليس خياراً حكيماً إذا كان حكمهم يوشك أن ينهار. بعد نزول آلاف المتظاهرين المعارضين إلى شوارع موسكو واشتباكهم مع قوى الأمن، بدا بوتين نموذجاً شبيهاً بحسني مبارك أو بشار الأسد عندما كان أوباما يتقرب منهما قبل ثلاث سنوات: حتى الآن هو يسيطر على الوضع، لكن من الواضح أن نموذج حكمه أصبح متصدعاً وقد بدأ بلده ينقلب عليه.

سيكون الرهان شائكاً على ما يبدو بعد أن رفض بوتين هذه الدعوة الرئاسية الأخيرة. لهذا السبب، قد يكون الجزء الخاطئ من سياسة الإدارة الأميركية متعلقاً بإصرارها على معارضة “مشروع ماغنيتسكي” (تشريع من إعداد الديمقراطيين يهدف إلى إعادة بند حقوق الإنسان إلى محور العلاقات الروسية الأميركية).

كان سيرغي ماغنيتسكي (سُمي المشروع تيمناً به) محامياً روسياً كشف عن مخطط اختلاس بقيمة 230 مليون دولار من إعداد مسؤولين في وزارة الداخلية ودائرة الضرائب في روسيا. قام هؤلاء المسؤولون أنفسهم بزجّه في السجن حيث تعرض لمعاملة سيئة أدت إلى وفاته في عام 2009. كان ذلك المشروع الذي يحظى بدعم السيناتور بنجامين كاردين (ديمقراطي عن ولاية ميريلاند) والنائب جيم ماكغفرن (ديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس) ليحرم هؤلاء المسؤولين من حق الحصول على تأشيرة لزيارة الولايات المتحدة مع تجميد أرصدتهم في البنوك الأميركية. الأهم من ذلك هو أن ذلك المشروع ينص على التعامل بالطريقة نفسها مع أي مسؤول روسي آخر متورط في أعمال فاضحة تنتهك حقوق الإنسان.

تستهدف هذه العقوبة قلب شبكة الفساد التي تحيط ببوتين. تتكل المافيا البيروقراطية الروسية بشدة على أرصدتها في البنوك الخارجية. يقضي هؤلاء المسؤولون العطلة في فرنسا ويرسلون أولادهم للتعلم في الجامعات الأميركية ويلجأون إلى لندن عندما يختلفون مع بوتين. تمثّل الخوف والاستياء من هذا المشروع في موسكو بصدور هذا البند في النقطة الثالثة من لائحة الأولويات الجديدة التي أعدها بوتين: “تفعيل العمل لتجنب العقوبات الأميركية الخارجية الأحادية الجانب ضد الكيانات القانونية الروسية والأفراد الروس”.

ما يثير الصدمة هو أن أوباما اصطف مع بوتين ضد الكونغرس. حاولت جماعات الضغط التابعة له إعاقة تمرير المشروع مراراً وتكراراً، مع أن هذا الأمر أصبح عاملاً ضرورياً لتمرير التشريع التجاري الذي يريده أوباما. عندما طُرح القرار على التصويت في لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ في الشهر الماضي، طالب كبار المسؤولين في البيت الأبيض وفي وزارة الخارجية الأميركية بتأجيل الأمر إلى ما بعد زيارة بوتين إلى كامب ديفيد.

بعد أن ألغى بوتين تلك الزيارة الآن، ربما حان الوقت لإعادة بند حقوق الإنسان في روسيا إلى محور جدول أعمال الإدارة الأميركية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.