ترجمات أجنبية

تهديد عسكري حقيقي ضد إيران

مركز الناطور للدراسات والابحاث

 يؤكد البيت الأبيض والمسؤولون الإسرائيليون تقارب وجهات النظر بين الفريقين الأميركي والإسرائيلي في المجالس الخاصة خلال الأيام الأخيرة. ربما لم يتوصلا بعد إلى اتفاق فعلي حول مفهوم «الخطوط الحمراء»، لكن يبقى الخيار العسكري الذي يطالب به الإسرائيليون محدوداً وهو يحمل مجازفة أقل من الخيارات التي تتم مناقشتها علناً.

خلال الخطاب الذي ألقاه ميت رومني في معهد فرجينيا العسكري تحت شعار “الأمل ليس استراتيجية”، ركز المرشح الجمهوري على الاضطرابات الراهنة في الشرق الأوسط، واعتبر أنها تشير إلى عدم فاعلية السياسة الخارجية التي يطبقها الرئيس باراك أوباما.

أكثر ما يلفت النظر في ذلك الخطاب هو التأكيد أن “القاعدة” عادت إلى الواجهة (بمعنى أن مقتل أسامة بن لادن، الذي كان كفيلاً برفع المعنويات، لم يغير قواعد اللعبة في المنطقة بقدر ما ادعت إدارة أوباما).

لكنّ ما يثير الاهتمام أيضاً في الانتقادات الجمهورية لأوباما هو تقييم رومني لجهود أوباما التي فشلت بحسب رأيه في عكس مسار إيران التي تتجه نحو اكتساب أسلحة نووية. في الساعات التي سبقت ذلك الخطاب، شارك مستشار السياسة الخارجية لرومني، دان سينور، في برنامج Morning Joe على قناة MSNBC واعتبر أن أوباما أُجبر على تشديد العقوبات على إيران “إنها العقوبات القاسية نفسها التي جعلت الإدارة تتلقى الإشادة لأنها بدأت تعطي مفعولها الآن”.

أعلن سينور أن وزير الخزانة تيموثي غيثنر ونائب وزيرة الخارجية السابق جيمس شتاينبرغ عارضا دعم العقوبات في الكونغرس خوفاً من نشوء تداعيات سلبية غير مقصودة على الاقتصاد في الولايات المتحدة والعالم.

ركز رومني على الفكرة القائلة إن أوباما لم يتصرف بصرامة كافية مع إيران لأن الرئيس لم يوجه أي تهديد عسكري فعلي ضد الإيرانيين. يمكن انتقاد جميع تعليقات رومني الأخرى (لم تكن تلك التعليقات جديدة باستثناء إقدام المرشح الجمهوري للمرة الأولى على مناقشة السياسة الخارجية من دون الإدلاء بواحد من تصريحاته الخاطئة)، لكن حتى بعض مناصري الرئيس أخبروني في المجالس الخاصة بأنهم يتساءلون عن درجة التزامه والتزام الجيش الأميركي بالتحرك ضد إيران.

تتعدد أسباب هذه الشكوك رغم تأكيد الرئيس أنه لن يسمح لإيران بتطوير أسلحة نووية وأنه سيستعمل القوة عند الاقتضاء، إذ أدى تعب الأميركيين من الحرب غداة تجربتي العراق وأفغانستان إلى جعل أي تحرك معقد أو مكلف خياراً سياسياً صعباً على الساحة المحلية، كذلك، أكد المحللون مراراً وتكراراً على تراجع احتمال أن تنجح الضربة العسكرية ضد إيران. أخيراً، أشارت المشاحنات العلنية مع الإسرائيليين إلى أن الولايات المتحدة تتردد في مواقفها وأن الإسرائيليين قد يُجبَرون على التحرك وحدهم لأنهم لا يتوقعون الحصول على الدعم الأميركي.

رغم الخلافات الظاهرية التي تسبق اجتماعات الجمعية العامة في الأمم المتحدة، يؤكد البيت الأبيض والمسؤولون الإسرائيليون تقارب وجهات النظر بين الفريقين في المجالس الخاصة خلال الأيام الأخيرة. ربما لم يتوصلا بعد إلى اتفاق فعلي حول مفهوم “الخطوط الحمراء” (مؤشر على التقدم الإيراني نحو تطوير أسلحة نووية من شأنه الحث على تنفيذ تحرك عسكري)، لكن يبقى الخيار العسكري الذي يطالب به الإسرائيليون محدوداً وهو يحمل مجازفة أقل من الخيارات التي تتم مناقشتها علناً. وفق مصدر مطّلع على تلك المناقشات، إن التحرك الذي يفكر به المشاركون راهناً هو عبارة عن ضربة حاسمة مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على أن تستهدف منشآت التخصيب الإيرانية. قد تتطلب تلك الضربة ساعتين فقط في أفضل الأحوال وقد تمتد على “يوم أو يومين” بشكل عام، وسيتم تنفيذها في الجو عبر استعمال قاذفات تكون مدعومة بطائرات بلا طيار. يعتبر داعمو هذه المقاربة أنها ستكون مقبولة سياسياً في الولايات المتحدة، وإذا نجحت العملية في القضاء على منشآت التخصيب وتأخير البرنامج النووي الإيراني لسنوات عدة من دون سقوط ضحايا مدنيين، فستترافق مع مكاسب تشمل المنطقة كلها. يؤكد البعض أن النتيجة ستكون جذرية لأنها ستشمل “إنقاذ العراق وسورية ولبنان، وإعادة إحياء عملية السلام، وضمان أمن الخليج، وتوجيه رسالة واضحة إلى روسيا والصين، وترسيخ التفوق الأميركي في المنطقة خلال العقد المقبل”.

صحيح أن هذه المقاربة ستحد من التكاليف السلبية المرتبطة بعمليات التدخل المطولة، لكن لا يمكن أن ينفذها الإسرائيليون وحدهم. سيتطلب تدمير المنشآت الإيرانية، مثل مصنع التخصيب في فوردو، ذخائر خارقة للدروع بأعداد لا يمكن أن توفرها أي طائرة إسرائيلية. لذا يجب أن تشمل المهمة الولايات المتحدة، سواء تحركت بمفردها أو بشكل مشترك مع الإسرائيليين وأطراف أخرى.

لكن ما علاقة هذه المقاربة بتعليقات رومني؟ لو اتضح أن الخيار الأولي بشأن أزمة إيران يتمحور حول هذه الضربة الجذرية المحدودة، لكان التهديد الأميركي باستعمال القوة سيصبح أكثر مصداقية، ولو كان التهديد صادقاً (إذا اتضح أن الرئيس هو أكثر استعداداً لتنفيذ كلامه)، لكانت ستظهر ضغوط إضافية من شأنها تفعيل نجاح الدبلوماسية. بعبارة أخرى، يوفر التفكير العلني بمهمة محدودة وقابلة للتنفيذ أوراق ضغط فاعلة بما يفوق تلك التي يقدمها التهديد بتنفيذ تحرك قوي وغير وارد.

عند التفكير من هذا المنطلق وعند النظر إلى التقدم الذي أحرزه الإسرائيليون والإدارة الأميركية خلال الأسبوعين الأخيرين، فأسهل ما يمكن أن يفعله فريق أوباما لإضعاف انتقادات رومني حول إيران هو توضيح الخيارات المطروحة. لا يصبح التهديد العسكري أداة دبلوماسية مفيدة وفق حجم الاعتداء المرتقب بل وفق احتمال تنفيذه على أرض الواقع؛ حتى إن التهديد العسكري قد يتحول إلى أداة سياسية فاعلة في هذه الحالة!

كتب: David Rothkopf- Foreign Policy

قسم الترجمة * الجريدة * 15/10/2012

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى