شؤون اقليمية

تهديد سلب الشرعية – جذوره ومظاهره ومكافحته*

 بقلم: يهودا بن مئير وايفان الترمان

مركز باحث للدراسات & 10/3/2012

 قال الرئيس اوباما في خطبة في المؤتمر السنوي لجماعة الضغط اليهودية “ايباك” في الثاني والعشرين من أيار 2011 : “يمكن التحقق من التزامنا بأمن دولة اسرائيل بمعارضتنا الحاسمة لكل محاولة لسلب دولة اسرائيل شرعيتها”. وقد اقتبس الرئيس من اعلانه في الجمعية العامة للامم المتحدة الذي قال: “ان الجهود لاضعاف شرعية اسرائيل ستلقى معارضة الولايات المتحدة التي لا تتزعزع”. وأكد الرئيس بخطبة مركزية في شأن الشرق الاوسط وشمال افريقيا خطبها قبل ذلك بثلاثة ايام قائلا: “فيما يتعلق بالفلسطينيين فان جهودهم لسلب اسرائيل الشرعية محكوم عليها بالفشل”. اذا كانت محاولات سلب اسرائيل شرعيتها أمرا مهما عند رئيس الولايات المتحدة فان هذا الامر ذو صلة بكل نقاش حالي في أمن دولة اسرائيل القومي. ان هدف هذه المقالة ان تصف التهديد بسلب الشرعية وان تحلله. وفي ضوء هذا الهدف سيتم بحث جذور سلب الشرعية ويتم تحديد معنى المصطلح ويتم الفحص عن العنصرين الرئيسين في جهود سلب الشرعية في هذا الوقت: الـ بي.دي.اس (القطيعة وسحب الاستثمارات والعقوبات الاقتصادية)؛ والحرب القانونية، وسيتم تقدير الضرر الواقع على اسرائيل والتهديد الذي تعرضها له هذه الجهود، وسيتم الفحص عن عدة سبل للرد يمكن دولة اسرائيل ان تستعملها.

 جذور سلب الشرعية

 سبقت محاولات سلب دولة اسرائيل شرعية الوجود في ارض اسرائيل، انشاء دولة اسرائيل وهي مستمرة بلا انقطاع الى هذا اليوم. ويمكن ان نفسر هذا الجهد الذي لا يتوقف بفعل ان دولة اسرائيل أُنشئت بناءا على قرار واعتراف من المجتمع الدولي وبالتأييد الواسع من الرأي العام المستنير في العالم مع المعارضة الشديدة الحازمة لكل الدول المجاورة. ان استقرار رأي الجمعية العامة للامم المتحدة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 1947 على تأييد تقسيم البلاد وانشاء دولة يهودية ودولة عربية في فلسطين – ارض اسرائيل الانتدابية رفضه العالم العربي كله رفضا باتا.

 اعتمد المجتمع العربي في فلسطين على تأييد الدول العربية التي كانت منظمة في اطار الجامعة العربية ورفض الشرعية الاخلاقية لقرار الامم المتحدة وأعلن بنية منع تطبيق هذا القرار بقوة السلاح وبكل وسيلة اخرى يملكها. ومنذ ذلك الحين الى أيامنا تواجه اسرائيل التهديد الثلاثي وهو الحرب التقليدية والارهاب ومحاولات لا تتوقف لسلبها شرعيتها (ومنها القطيعة الدبلوماسية والاقتصادية). وتوجد صلة ما بين صور القتال الثلاث هذه أو هذه التهديدات – فحينما تضعف واحدة منها تقوى الاخرى أو الأخريان. واذا أردنا ان نستعمل كلام كلاوزفيتش مع تعديل ما وهو الذي قال “ان الحرب هي استمرار للدبلوماسية بوسائل اخرى” فاننا نقول ان سلب الشرعية ايضا هو استمرار للحرب بوسائل اخرى.

 على أثر الهزيمة العربية في حرب الاستقلال (حرب 1948) والتوقيع على اتفاقات الهدنة في رودوس في 1949، أعلنت الجامعة العربية بقطيعة اقتصادية مع دولة اسرائيل ولم توجه القطيعة على دولة اسرائيل وحدها بل اشتملت ايضا على قطيعة ثانوية وثالثية على هيئة قطيعة مع شركات كانت لها علاقات تجارية مع اسرائيل، وقطيعة مع شركات أجرت صلات تجارية مع شركات تاجرت مع اسرائيل. وكانت درة تاج انجازات جهود سلب الشرعية من قبل الدول العربية على اسرائيل قرار الامم المتحدة المخزي على ان “الصهيونية عنصرية” والذي تم اتخاذه في العاشر من تشرين الثاني 1975 – وأُبطل هذا القرار بقرار من الجمعية العامة للامم المتحدة في 16 كانون الاول 1991.

 كانت هناك حادثة مركزية أثرت تأثيرا حاسما في اتجاه ومقدار جهود سلب الشرعية ألا وهي هزيمة العرب في حرب الايام الستة واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة. ان واقع وجود ثلاثة ملايين فلسطيني لا يعيشون في دولة مستقلة تخصهم، ويخضعون منذ سنين كثيرة لسيطرة اسرائيل العسكرية بدرجات متغيرة هو عنصر مركزي في كل حملة لسلب الشرعية. وسواء أكان الحديث عن تعلل أم كانت الامور على هذه الحال حقا، فان “الاحتلال” أصبح شعارا موحِّدا لأكثر عمليات سلب الشرعية.

 شهدنا في العقد الاخير من القرن العشرين انخفاضا حادا لجهود سلب الشرعية. وكان ذلك النتيجة المتراكمة لانحلال الاتحاد السوفييتي – الذي كان مؤيدا ولاعبا مركزيا في حملة سلب الشرعية – ومؤتمر مدريد في سنة 1991 وقبل كل شيء ايضا اتفاقات اوسلو التي وقع عليها في ايلول 1993. وكان الشعور في تلك الايام ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني قريب من الحل وبأن السلام وراء الباب حقا. وتغير الوضع في مطلع القرن الواحد والعشرين، فالنشوة التي سادت الفترة الاولى التي تلت التوقيع على اتفاقات اوسلو قد اختفت، وتبين مع نشوب الانتفاضة الثانية في ايلول سنة 2000 ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني دخل مرحلة جديدة دامية. وأفضت هذه الأحداث الى تجديد جهود سلب الشرعية وزادت هذه زخما وأصبحت معركة زادت قوتها طوال العقد الاخير كله. وكان الزخم الكبير لتجديد حملة سلب الشرعية هو القرارات التي اتخذت في المؤتمر العالمي للامم المتحدة المضاد للعنصرية الذي انعقد في دربن في جنوب افريقيا في ايلول 2001 (مؤتمر دربن الاول). اجل نضجت في العقد الاول من القرن الحالي جهود سلب الشرعية وأصبحت تهديدا جديا لدولة اسرائيل.

 ما هو سلب الشرعية

 كما ذكر طوني بلير على نحو صحيح فان “كثيرين من المشغولين بسلب الشرعية ينكرون هذا بقوة”. والأفراد أو المجموعات الذين قصد اليهم طوني بلير يزعمون، وهم يفعلون هذا حقا، أنهم يوجهون انتقادا شرعيا على نشاطات اسرائيل التي تعارض في رأيهم القانون الدولي وتشكل اخلالا بحقوق الانسان الأساسية وتستحق التنديد الاخلاقي من كل جهة اخرى. وعلى هذا فان السؤال المطلوب هو متى يكون رأي أو عمل ما سلبا للشرعية، ومتى يكون الحديث عن انتقاد شرعي لنشاطات حكومة اسرائيل أو سلوكها، أو للمؤسسات الاسرائيلية أو للجيش الاسرائيلي. وقد اقترحت اقتراحات مختلفة بشأن معايير التمييز بين هاتين الحالتين. واقترح نتان شيرانسكي التمييز الآتي: اذا كان الانتقاد على اسرائيل نسبة الى الشيطنة وسلبا للشرعية (رفض تسويغ وجود دولة اسرائيل) أو كان يقوم على ازدواجية اخلاقية فهو سلب للشرعية حقيقي. ومهما يكن هذا التمييز مثيرا للعناية وأصيلا فان هذا المعيار لا يجيب على كل حال عن السؤال، لأنه يصعب في ظروف ما ان نحدد بصورة موضوعية هل النقد هو بمثابة نسبة الى الشيطان أم يعبر عن ازدواجية اخلاقية.

 وكما في مجالات كثيرة اخرى توجد حالات أو امثلة ذات معنى واحد في حين توجد حالات اخرى في المجال الرمادي مع درجات مختلفة من عدم الوضوح. ان إنكار حق دولة اسرائيل في الوجود باعتبارها دولة يهودية (كما تُعرّف باعلان استقلالها وبقرار التقسيم عن الامم المتحدة)، وكذلك العيب الشامل على طبيعة الدولة هما مثالان واضحان على سلب الشرعية. وان انتقادا من حكومات أو منظمات على نشاطات ما للسلطات في اسرائيل كنشاط الاستيطان هو مثال على انتقاد شرعي غير مشمول في مجال فحص هذه المقالة. ان القطيعة، وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات الاقتصادية، والحرب القانونية كما سنعرفها فيما يلي تقيم تحديا وتهديدا شديدا لدولة اسرائيل، وعلى ذلك، وبرغم ان هناك مكانا لأن نتجادل في كونها بمثابة سلب للشرعية، فانها تدخل ضمن النقاش هذا.

 ما زالت تُسمع الى اليوم اصوات كثيرة في العالمين العربي والاسلامي – ولا سيما في ايران ومنظمات مثل حماس وحزب الله – تنكر حق دولة اسرائيل في الوجود. وتسود العالم الغربي اصوات بقدر أقل ولا تمثل مجموعة ذات شأن، ومع ذلك ينبغي ألا نقول انها غير موجودة على الاطلاق. ان التصريحات المعادية لاسرائيل ليست نادرة في الأحرام الجامعية وفي حلقات ليبرالية خاصة في دول غرب اوروبا بل في الولايات المتحدة. وتشمل هذه التصريحات في حالات كثيرة جملة “كان انشاء دولة اسرائيل خطأ تاريخيا”. ومن المفارقة الشديدة ان عددا ممن يعبرون هذا التعبير هم يهود. وأفضل مثال على العداوة الأساسية لاسرائيل في حلقات ما هو في كلام سفير بريطانيا في فرنسا الذي تناول اسرائيل، وإن يكن الكلام قد قيل في عشاء خاص إذ قال “هذه الدولة الصغيرة القذرة”.

 على كل حال، ان دولة اسرائيل هي العضو الوحيدة في الامم المتحدة التي يمكن ان نجد تساؤلات عن مجرد حقها في الوجود. ومع ذلك فان التهديد والتحدي الشديد لسلب الشرعية الذي تواجهه اسرائيل اليوم ليس هو قبل كل شيء تحدي مجرد حقها في الوجود. بل ان أحداث العقود الثلاثة الاخيرة جعلت من الصعب على أعداء دولة اسرائيل ان يشكوا في شرعيتها أو ان يؤيدوا الدعوات الى القضاء عليها وإن تكن هذه الدعوات ما تزال تُسمع. ولاسرائيل اتفاقات سلام وعلاقات دبلوماسية باثنتين من جاراتها هما مصر والاردن. وفي مبادرة السلام العربية في سنة 2002 التي حظيت بتأييد جميع الدول الاسلامية تقريبا، تم الحديث عن اعتراف باسرائيل وعن احتمال انشاء علاقات تطبيع معها. واعترفت م.ت.ف ممثلة الشعب الفلسطيني المعترف بها – في وثيقة وقع عليها زعيمها التاريخي ياسر عرفات – اعترفت “بحق اسرائيل في العيش بسلام وأمن”. ولاسرائيل علاقات دبلوماسية بـ 120 دولة تشتمل على علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية متشعبة. واسرائيل عضو ذات منزلة معترف بها في الامم المتحدة وفي سائر الأجسام الدولية المعترف بها، وتم قبولها في الفترة الاخيرة القريبة عضوا كاملة في منظمة OECD. ان حملة سلب اسرائيل شرعيتها المتصلة هي من نوع مختلف. فهدفها هو ان تُعرض اسرائيل على أنها دولة تنقض على الدوام القانون الدولي وحقوق الانسان وجميع المعايير الدولية المقبولة وعلى أنها دولة تستعمل الفصل العنصري وأنها متهمة بجرائم حرب في نطاق واسع وبجرائم على الانسانية. وهدف الحملة الدعائية ان تجعل اسرائيل تصبح دولة تقصيها أمم العالم كلها وهو ما سيفضي الى عزلتها المطلقة. وقد تم تفصيل ماهية حملة سلب الشرعية هذه وهدفها في أوضح صورة في الاعلان النهائي لنادي المنظمات غير الحكومية في مؤتمر دربن الاول والذي دعا الى استعمال “سياسة العزل الكامل المطلق لاسرائيل باعتبارها دولة فصل عنصري…” والى “فرض عقوبات اقتصادية وقطيعة شاملين”. واشتمل عليها ايضا تصريح بدعوة الى “وقف كامل لجميع العلاقات بين جميع الدول ودولة اسرائيل”. وما تزال هذه الأهداف بعيدة جدا عن التحقيق، لكن مع وجود جهود من شتى المنظمات التي تنشط في جهد سلب الشرعية المستمر.

 يمكن ان نسأل لماذا اسرائيل، واسرائيل وحدها، هي الموضوع والهدف لحملة سلب شرعية شريرة بهذا القدر. هناك من يزعمون أنها نتيجة الاحتلال الذي بدأ في سنة 1967 والذي سلب ملايين الفلسطينيين تحقيق حقهم في تقرير المصير. ان الاحتلال هو في الحقيقة الشعار الذي يوحد جميع المشتغلين بسلب الشرعية تقريبا. ويزعم آخرون ان سلب اسرائيل شرعيتها ينبع من معاداة سامية طويلة – معاداة سامية مسلمة باطنة ومعاداة سامية مسيحية خفية. وعلى حسب هذا التصور فان الهجوم على اسرائيل هو بمثابة نوع جديد مُعدل سياسيا من معاداة السامية التقليدية. وهناك من يقولون ان الحديث عن استمرار الرفض العربي منذ سنة 1948 وقبلها للتسليم بوجود دولة يهودية في الشرق الاوسط. وعلى حسب هذا التصور يستغل الفلسطينيون بمساعدة العالم العربي والعالم الاسلامي بعامة، أجندة حقوق الانسان التي تميز حلقات ليبرالية في غرب اوروبا وفي العالم الانجلوسكسوني.

 ومع كل ذلك ينبغي ألا ننكر وجود جو سلب الشرعية. لكن ليس الجو نفسه أو سلب الشرعية المباشر الفظ هما في مقدمة ما يقلق اسرائيل، بل النشاطات الكثيرة المتنوعة التي يتبناها عدد من المنظمات التي تشغل نفسها بنشاطات سلب الشرعية اليومية المعادية لاسرائيل. ان الجو العام هو البنية التحتية الأساسية لهذه النشاطات لكن النشاطات نفسها هي مصدر قلق اسرائيل المركزي، وهي التي تعطي احتمال إحداث ضرر شديد. ان المعركة المعادية لاسرائيل الواسعة والعالمية تتم في مسارين: الـ بي.دي.اس والحرب القانونية.

 الـ  بي . دي . اس

 ان جهد الـ بي.دي.اس (القطيعة وسحب الاستثمارات والعقوبات الاقتصادية) واسع النطاق ويشمل محاولات فرض قطيعة وعقوبات اقتصادية على اسرائيل في مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والثقافة والاكاديميا والفن. في العاشر من أيار 2011 ورد في صحيفة “دير شبيغل” ان شركة القطارات الوطنية الالمانية (دويتشيه بان) استقر رأيها على إنهاء مشاركتها في مشروع خط القطار السريع بين تل ابيب والقدس. وكانت دويتشيه بان مسؤولة عن الاشراف على الكهرباء والاتصالات في خط السكة الحديدية المخطط له. وكان سبب القرار ان السكة الحديدية تمر بـ “اراض فلسطينية” وقد تكون اخلالا بالقانون الدولي. ودويتشيه بان شركة تملكها الحكومة ملكية كاملة لهذا فان هذا القرار قد اتخذته حكومة المانيا بالفعل التي تعتبر واحدة من المؤيدات الرئيسة لدولة اسرائيل. واتخذ هذا القرار نتيجة ضغط أخذ يزداد طوال شهور استعملته جهات المانية وفلسطينية واسرائيلية وعلى رأسها “تحالف النساء من اجل السلام” (سي.دبليو.بي)، والذي كان ذروة حملة دعائية مناصرة للفلسطينيين نشيطة شاملة.

 حظيت جهود قطيعة وحالات سحب استثمارات مركزة اخرى بنجاح محدود فقط. وتمت محاولات القطيعة مع منتوجات من انتاج اسرائيل لا مما يُنتج أو يُستنبت في الضفة الغربية فقط وكذلك مع حوانيت ومراكز بيع تعرض هذه المنتوجات. وتُستعمل في حالات كثيرة ضغوط ثقيلة وتجري حملات دعائية عامة على شركات أو مؤسسات اقتصادية لها اعمال مع اسرائيل. والمثال على جهد من هذا النوع هو محاولة منظمة هيومن رايتس ووتش ان تفرض على شركة “كاتر بيلر” ان توقف المبيعات لاسرائيل وهي محاولة فشلت. وكان أنجح منها قرار عدد من السلطات في بلجيكا في سنة 2009 على القطيعة مع بنك بسبب علاقاته الاعمالية باسرائيل.

 كانت جهود واسعة ترمي الى جعل منظمات كبيرة تسحب استثماراتها من اسرائيل كأن تبيع أسهمها في شركات اسرائيلية. وتوجه هذه الجهود في الأساس الى الجامعات والى منظمات كنسية والى اتحادات عمال والى صناديق تقاعد. وقد نجح المشروع الأكبر لـ “تحالف النساء من اجل السلام” وهو قاعدة المعطيات الموجهة والذي يرمي الى “الكشف عن شركات واتحادات تربح من الاحتلال”، نجح في اقناع صناديق تقاعد رسمية من السويد والنرويج بسحب استثماراتها من “البيت معرخوت”، وهي شركة أمنية اسرائيلية كبيرة.

 وانتقلت جهود القطيعة ايضا الى ميدان الجامعات. فقد استقر رأي مجلس ادارة جامعة يوهانسبرغ على وقف خطة اكاديمية كانت تُدار بالاشتراك مع جامعة بن غوريون في النقب. وفي أواخر أيار 2011 تبنى اتحاد الطلبة الوطني في بريطانيا (ان.يو.اس) اقتراحا يصنف اسرائيل باعتبارها “نظام فصل عنصري” ويدعو الطلبة الجامعيين الى المشاركة في قوافل بحرية الى غزة. وكذلك دعا القرار اسرائيل الى قبول “حق العودة” للفلسطينيين. وفي نفس الوقت استقر رأي اتحاد الطلبة من جامعة لندن (يو.ال.يو) على الدعوة الى معركة لفرض قطيعة على اسرائيل وسحب الاستثمارات منها. واستقر رأي الاتحاد المهني الاكاديمي الأكبر في بريطانيا، وهو اتحاد الاكاديميين (يو.سي.يو)، الذي يمثل نحوا من 120 ألف عضو، في مؤتمره السنوي في الخامس من حزيران 2011 على تبني الدعوة الى فرض قطيعة اكاديمية وثقافية كاملة مع اسرائيل. وفي سنة 2010 استقر رأي اتحاد اكاديميي بريطانيا على تأييد معركة لفرض قطيعة وسحب استثمارات وعقوبات اقتصادية على اسرائيل، وعلى قطع العلاقات مع الهستدروت العامة – وهي منظمة الاتحادات المهنية في دولة اسرائيل. وهذه بعض الامثلة فقط من الفترة الاخيرة تثبت الضرر الذي سببته حملة الـ بي.دي.اس.

 يكمن في قلب هذه الحملة الدعائية وفي قلب الجهد الحديث لسلب الشرعية عامة زيادة أهمية المنظمات غير الحكومية المعروفة باسم ان.جي.أو.اس. فخلال أكثر القرن العشرين كانت اللاعبات المركزية في المجتمع الدولي هي حكومات ومنظمات فوق دولية (كالامم المتحدة). وفي السبعينيات ارتفعت منظمات غير حكومية تنشط في مجالات حقوق الانسان والقانون الدولي. وهناك اثنتان من المنظمات الأشد بروزا وهما “أمنستي انترناشيونال” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”. وفي خلال وقت قصير أصبحت المنظمات غير الحكومية لاعبات مهمة في ميدان الدبلوماسية الدولية. وفي هذا الوقت يوجد ما يزيد على 4 آلاف منظمة غير حكومية محسوبة على المجلس الاقتصادي – الاجتماعي للامم المتحدة. وتتمتع المنظمات غير الحكومية بسهولة الوصول الى أجسام الامم المتحدة ونشاطات كثيرة تجري فيها وأصبحت لاعبات مركزية في مجال حقوق الانسان. ويمثل على هذه النقطة بأن مؤتمر دربن الاول انشأ ثلاثة أطر كان أحدها نادي المنظمات غير الحكومية وفيه آلاف الممثلين عن نحو من 1500 منظمة. وقد تبنى نادي المنظمات غير الحكومية قرارات مؤتمر دربن المذكورة آنفا لكنها أُسقطت من صيغة النادي الحكومي بسبب ضغوط شديدة استعملتها دول كثيرة في اوروبا (هددت بمغادرة المؤتمر على أثر وفدي الولايات المتحدة واسرائيل)، ومع ذلك كانت تأثيرات القرارات التي تبناها نادي المنظمات غير الحكومية بعيدة المدى ومنحت جهد سلب الشرعية زخما كبيرا. وسهلت الشبكة العنكبوتية جدا انشاء شبكة منظمات غير حكومية يشارك في عضويتها مئات المنظمات، وهكذا عززت نفسها جدا.

 في كل ما يتعلق بالجهد لسلب الشرعية ولا سيما الحملات الدعائية لسلب الشرعية من قبل الـ بي.دي.اس ينبغي ان نُفرق بين نوعين من المنظمات غير الحكومية: تلك التي تشتغل في الأساس وفي حالات كثيرة بالقضية الفلسطينية وحدها وتلك التي برنامج عملها أوسع كثيرا. وتُعد في منظمات النوع الاول منظمات فلسطينية غير حكومية مثل “المركز الفلسطيني لحقوق الانسان” و”الحق” و”الميزان” ومنظمات اسرائيلية غير حكومية مثل “تحالف النساء من اجل السلام” وعدد كبير من منظمات غير حكومية من خارج المنطقة ولا سيما من اوروبا (وبخاصة بريطانيا)، ومن الساحل الغربي للولايات المتحدة (ولا سيما منطقة سان فرانسيسكو). وتُعد في منظمات النوع الثاني منظمات غير حكومية أشهر مثل “أمنستي انترناشيونال” و”هيومن رايتس ووتش”. ان نصيب الاسد من اعمال سلب الشرعية واعمال الـ بي.دي.اس تقوم به المنظمات من النوع الاول، لكن المنظمات من النوع الثاني تعطي في حالات كثيرة مساعدة حيوية.

 عبرت عن هذا التأييد تعبيرا كلاسيكيا اتهامات الفلسطينيين للجيش الاسرائيلي بارتكاب مجزرة في جنين في نطاق عملية “السور الواقي” في آذار 2002. وكررت منظمات فلسطينية غير حكومية ومنظمات مناصرة للفلسطينيين غير حكومية هذه الدعاوى وحظيت بتأييد “أمنستي انترناشيونال” و”هيومن رايتس ووتش” اللتين زعمتا ان اسرائيل أخلت اخلالا شديدا بحقوق الانسان الدولية وبالقانون الانساني ومن ضمن ذلك جرائم حرب. وقضى تحقيق من قبل الامم المتحدة بدأ في أعقاب هذه الاتهامات بأنه قُتل 55 عربيا كانت الكثرة الغالبة منهم محاربين مسلحين.

 ان حملة الـ بي.دي.اس مركبة فيها: انشاء جو معاد لاسرائيل باساءة السمعة وتصوير اسرائيل بصورة الشيطان مع استعمال االتحريض الذي يؤجج الغرائز كذاك الذي يصف اسرائيل بأنها دولة عنصرية وفاشية وشمولية ودولة فصل عنصري، وبواسطة نشاطات محددة موجهة الى مجموعات كسلطات ومنظمات في أنحاء العالم تحصر عنايتها في أهداف دبلوماسية واقتصادية واكاديمية وثقافية اسرائيلية محددة. وفيما يتعلق بالنوع الاول فان المُضر وذا التأثير الهدام على نحو خاص هو عرض اسرائيل بأنها دولة فصل عنصري. وليس سبب ذلك فقط ان الفصل العنصري منسوب الى نظام جنوب افريقيا الذي زال وانقضى بل لأنه يُعرف بأنه جريمة بفعل الميثاق الدولي بشأن قمع وعقاب جريمة الفصل العنصري، وبفعل ميثاق روما الذي هو مصدر صلاحية المحكمة الجنائية الدولية، والفصل العنصري يُعد بحسب ميثاق روما جريمة على الانسانية تستطيع المحكمة الجنائية الدولية ان تستعمل صلاحيتها القضائية لمواجهته مع وجود الظروف المناسبة. وتبذل منظمات غير حكومية تشتغل بسلب الشرعية جهودا كثيرة في تنظيم اسبوع الفصل العنصري الاسرائيلي السنوي (آي.إي.دبليو) في أحرام جامعية لمعاهد وجامعات في أنحاء العالم. ولم تؤت جهودها حتى الآن ثمارا ومع ذلك فان عدد الأحرام الجامعية التي تستضيف أحداثا من هذا النوع في ازدياد وإن يكن ازديادا هامشيا في هذه المرحلة.

 ان الحالة الأنجح والأبرز والأضر بالتنديد باسرائيل هي تقرير غولدستون عن عملية “الرصاص المصبوب” في قطاع غزة (كانون الاول 2008 – كانون الثاني 2009). ففي هذه الحالة نجحت الدول العربية والدول ذوات الأكثريات المسلمة في جعل مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة يستقر رأيه على تحقيق رسمي انتهى الى تعيين لجنة غولدستون التي نتج عنها نشر التقرير. ومع ذلك فان المنظمات غير الحكومية هي التي أدت دورا حاسما في صوغ تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بتنفيذ جرائم حرب ربما تبلغ حتى درجة جرائم على الانسانية. وكان هذا هو الانجاز الأبلغ تأثيرا لحركة سلب الشرعية، وكانت تأثيراته في اسرائيل والجيش الاسرائيلي بعيدة المدى.

 فيما يتعلق بنشاطات مخصوصة محددة لحركة الـ بي.دي.اس، فانها تتم يوميا من قبل منظمات غير حكومية كثيرة في دول كثيرة وبخاصة في غرب اوروبا. وتُدعم هذه الجهود ببرنامج عمل عظيم التأثير بشأن حقوق الانسان أخذ يزداد انتشارا في أجزاء واسعة من المجتمع الدولي ولا سيما في دول ديمقراطية. ففي المجال الثقافي، نجحت جهود القطيعة في اقناع عدد من المشاهير والفنانين والممثلين والأدباء بالغاء زيارات وعروض مخطط لها في اسرائيل وإن يكن ذلك في نطاق محدود جدا. وكذلك نُظمت حملات دعائية لفرض قطيعة على احتفالات ثقافية في اوروبا وامريكا الشمالية كانت فيها أفلام اسرائيلية واعمال فنية لفنانين اسرائيليين وعروض لممثلين اسرائيليين. والمثال على ذلك هو مهرجان السينما في تورنتو 2009 الذي اشتمل على عدد من الأفلام تذكارا لمرور 100 سنة على انشاء مدينة تل ابيب.

 حرب قانونية

 بادر الفلسطينيون وأنصارهم في العقد الاخير الى عدد من حملات الدعاية من النوع الذي يسميه كثير من الاسرائيليين “حربا قانونية”، بواسطة حلقات قانونية. يُعد في أبرزها الرأي الاستشاري للمحكمة الدولية في قضية “جدار الفصل” في الضفة الغربية، واستعمال سلطة قضائية كونية على جنود ومسؤولين اسرائيليين كبار، ومحاولة تأسيس سلطة قضائية للمحكمة الجنائية الدولية. وتعلقت القرارات القضائية التي تم اتخاذها بسياسات أو عمليات محددة لاسرائيل، ورآها الفلسطينيون وأنصارهم فرصة لاساءة سمعة دولة اسرائيل وللمساعدة في جهود اخرى لسلب الشرعية.

 ان القرار الذي اتخذته المحكمة الدولية في سنة 2003 المتعلق بجدار الفصل في الضفة الغربية أعطى الفلسطينيين وأنصارهم نصرا قضائيا أملوا ان يترجموه كما يبدو الى فرض عقوبات على اسرائيل، وقد ادعى الفلسطينيون وآخرون في المحكمة ان جدار الفصل الذي كان قد أخذ يُبنى في تلك الايام في الضفة الغربية يُخل بالقانون الدولي. وقبل قضاة المحكمة هذه الدعوى بأكثرية غالبة وأضافوا ان على دول العالم “واجب، مع احترام اتفاق الامم المتحدة والقانون الدولي، ان يضمنوا طاعة اسرائيل للقانون الانساني الدولي كما تجسده وثيقة جنيف الرابعة”. وبرغم أن قرار الحكم كان بمثابة “رأي استشاري” غير ملزم، فان دعوة دول العالم الى العمل على مواجهة جدار الفصل لاءم استراتيجية عامة لسلب الشرعية هي في هذه الواقعة تدويل الصراع ومنح خطوات معاقبة دول مختلفة لاسرائيل، الشرعية. وكان هناك انجاز مهم آخر للفلسطينيين وأنصارهم هو إحداث توازي بين قرار المحكمة الدولية بشأن جدار الفصل وقرارها في سنة 1971 لمواجهة سيطرة جنوب افريقيا على نميبيا، وأن يُحدثوا بذلك ربطا لدى الرأي العام بين اسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.

 استعمل الفلسطينيون وأنصارهم في سنوات الانتفاضة الثانية ايضا قوانين اوروبا بشأن صلاحية قضائية كونية لمواجهة متهمين بجرائم حرب، استعمالا زائدا. فبحسب هذه القوانين يُبيح عدد من دول اوروبا لمحاكمها ان تطبق سلطة قضائية على مجرمي حرب دونما صلة بالمكان الذي نُفذت فيه الجرائم المذكورة، ودونما صلة بقومية الضحايا في ظاهر الامر. واعتمادا على هذا قُدم عدد من الدعاوى على قادة ومسؤولين كبار وجنود اسرائيليين. ولم تتم الى الآن اعمال اعتقال ما ولم تبلغ أي حالة من الحالات الى المحاكم. ومع ذلك فان التهديد بالمحاكمة قد بقي على حاله. فقد بدأ قاض بلجيكي في سنة 2001 تحقيقا أوليا موجها على رئيس الحكومة السابق اريئيل شارون، وفي سنة 2009 كانت محكمة اسبانية توشك ان تُمكّن من تقديم دعاوى على عدد من الضباط والقادة السياسيين الاسرائيليين للاجهزة القضائية. ويمتنع مسؤولون كبار اسرائيليون عن دخول بريطانيا خشية ان يتم اعتقالهم. وما تزال هذه القضية تُثقل على علاقات الدولتين برغم ان حكومة بريطانيا بدأت اجراء تغيير قانون الصلاحية الكونية الموجود لمنع اعتقال اسرائيليين. ومع ذلك فان استعمال صلاحية القضاء الكونية في كل أنحاء اوروبا يُقدم سبيلا مضمونا لاستراتيجية “الحرب القانونية”.

 وفي الختام نقول ان السلطة الفلسطينية خطت خطوة اخرى من اجل اتخاذ وسائل قضائية على اسرائيليين في محاولتها تمكين المحكمة الجنائية الدولية من صلاحية قضائية. فبحسب الميثاق الذي أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية على أساسه، تُمنح المحكمة سلطة قضائية على مواطني دولة عضو في الميثاق أو عن اعمال تمت داخل دولة عضو في الميثاق أو في كل وضع آخر يُنقل الى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الامن. ليست اسرائيل عضوا في الميثاق، والتوجه من مجلس الامن ليس منطقيا. وعلى ذلك طلب الفلسطينيون تطبيق الصلاحية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية على نحو مناطقي على اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة على الأقل. وقد حاولت السلطة الفلسطينية لاحراز هذا الهدف ان تقرر ان “فلسطين” دولة لأنه بحسب صيغة الميثاق تستطيع دول فقط ان تكون اعضاءا في الميثاق وان تمنح المحكمة الجنائية الدولية سلطة قضائية. وزعمت اسرائيل وأنصارها ان “فلسطين” ليست دولة وانها لا تستطيع لذلك ان تمنح المحكمة الجنائية الدولية سلطة قضائية. وسيتم حسم ذلك في المداولة الاولى من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الذي لم يقض في هذا الامر حتى الآن. فاذا قبل المدعي العام الزعم الفلسطيني – في أعقاب قرار الجمعية العامة للامم المتحدة في ايلول 2011 بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية مثلا – فان هذا المسار قد يفضي بحسب السيناريو الاسوأ بالنسبة لاسرائيل، الى اصدار أوامر اعتقال لمسؤولين كبار وجنود اسرائيليين بل لمستوطنين ايضا. وقد يكون هذا التطور صعبا على اسرائيل في ساحة الدبلوماسية العامة وان يقيد تقييدا شديدا خروج الناس ذوي الصلة من حدود الدولة. ومع ذلك فان المدعي العام حتى لو قضى بأن للمحكمة الجنائية الدولية صلاحية قضائية في الضفة الغربية وقطاع غزة فان اسرائيل تستطيع ان تثير سلسلة من الدعاوى القضائية قبل ان تُتخذ تدابير مضادة لمواطنيها. وسيكون من الممكن لهذا السبب كما يبدو منع السيناريو الاسوأ. ومع ذلك ما يزال خطر النتيجة التي قد تضر باسرائيل على حاله.

 في حين يعترف كثيرون بكون القانون الدولي ذا صلة، فان من أوكل اليهم اقرار السياسة الاسرائيلية يجب ان يتفقوا على عدد من القضايا الاستراتيجية المركزية المتصلة بمجابهة تحدي الحرب القانونية. فعلى سبيل المثال ما يزال اشخاص من الحكومة ومن الاكاديميا ومن الاعلام مختلفين في آرائهم هل على اسرائيل ان تتعاون أم تقطع مع الاجراءات التي تجري في المحكمة وفي لجان تحقيق. وسيكون هذا السؤال واسئلة اخرى مهمة في السنين القادمة ايضا ولا سيما اذا حظي الفلسطينيون باعتراف واسع بمنزلة دولة. ويستطيع هذا الاعتراف ان يساعد “دولة فلسطين” على تصديق مواثيق دولية تمنح حلقات دولية منها المحكمة الجنائية الدولية متناولا مباشرا.

 تقويم الأضرار

 ليس تقويم الضرر الحقيقي الذي سببه نشاط سلب اسرائيل شرعيتها ولا سيما ذاك الذي سببته جهود الـ بي.دي.اس والحرب القانونية، ليس مهمة سهلة. ففي المستوى العام وفي المستوى الاقتصادي العملي يبدو ان الضرر تافه. فنمو الاقتصاد في دولة اسرائيل في السنين الاخيرة الذي يحركه في الأساس النشاط التصديري نسبته 4 في المائة في المتوسط ويتوقع ان يرتفع فوق 5 في المائة في سنة 2011 – وهذه معطيات أعلى كثيرا مما في أكثر دول الـ OECD .  وما تزال النشاطات التصديرية تتسع من جهة السلع والخدمات ايضا. وقد بلغت السياحة في سنة 2010 الى أعلى مستوى في تاريخ الدولة – فقد جاء أكثر من 3 ملايين سائح الى اسرائيل. وبقي حجم الاستثمارات الاجنبية في اسرائيل كبيرا. وتتمتع اسرائيل بارتفاع دائم لاحتياطها من العملة الاجنبية، وبفائض في ميزان المدفوعات، وبعملة قوية ومستقرة. ويمكن ان نذكر مثالا على التأثيرات المحدودة لسلب الشرعية ان تصدير السلع من اسرائيل الى تركيا في الربع الاول من سنة 2011 التي كانت فيها اسرائيل مستهدفة لنشاط سلب للشرعية واسع في أعقاب حادثة “مرمرة”، زاد بنسبة 73 في المائة قياسا بالربع الموازي من سنة 2010؛ فقد نمت تركيا وأصبحت سوق التصدير الثالثة في حجمها بالنسبة لاسرائيل (بعد الولايات المتحدة وهولندة).

 وفي المستوى المصغر، يوجد أرباب صناعة ورجال اعمال اسرائيليون يزعمون أنهم يشعرون بصعوبة أخذت تزداد في إتمام صفقات في عدد من دول غرب اوروبا يبدو أنها نتاج جو سلب الشرعية. وبرغم ان هذا الشعور قد ينذر بالاوقات الصعبة المتوقعة في الساحة الاقتصادية فانه يبدو مع الأخذ في الحسبان جميع المعطيات التي ذكرت آنفا ان تأثيرات سلب الشرعية حتى الآن محدودة جدا.

 في كل ما يتعلق بتأثيرات الحرب القانونية فان الوضع أشد تعقيدا. وكما فصلنا آنفا فان استعمال الصلاحية القضائية الكونية هو مصدر قلق جدي بل صعوبة بالنسبة لاسرائيل. فقد اضطرت الحكومة الى تحديد أسفار ضباط كبار وقادة – في الماضي والحاضر – الى دول ما في اوروبا. وحقيقة ان رئيسة المعارضة في الكنيست تسيبي لفني اضطرت الى الغاء زيارة مخطط لها الى بريطانيا وان رئيس الحكومة نتنياهو لا يستطيع ان يضم سكرتيره العسكري اللواء ورئيس هيئة قيادة سلاح الجو السابق يوحنان لوكر، لزيارة رسمية للندن خطط فيها للقاء رئيس حكومة بريطانيا (خوفا من الاعتقال في الحالتين)، تتحدث من تلقاء ذاتها.

 لهذا سيكون من عدم المسؤولية النظر باستخفاف الى حملة سلب الشرعية أو تجاهلها. فقد تكون تأثيرات هذه الحملة الدعائية أهم كثيرا في مجال الدبلوماسية العامة والتصور عن دولة اسرائيل. وبخلاف المجال الاقتصادي يصعب ان نُقدر موضوعيا نتائج جهود سلب الشرعية في هذه المجالات. هناك دلائل واضحة على ان اسرائيل تعاني في دول كثيرة في اوروبا تصورا سلبيا جدا عنها والى ان مستويات دعمها فيها قد أخذت تقل. ربما لم تنجح حملة سلب الشرعية حتى الآن في الوصول الى كتلة حرجة، لكن المشكلة هي أنه من الصعب أو من غير الممكن ان نُقدر سلفا ما هي تلك الكتلة الحرجة. ان الموقف الرسمي لأكثر الحكومات في اوروبا مناصر لاسرائيل أكثر من الرأي العام في هذه الدول. والسؤال هو هل يمكن الحفاظ على هذا الفرق في الأمد البعيد. وينبغي ألا نلغي السيناريو الاسوأ الذي يقول انه في ظروف في المستقبل تتعلق بأحداث سياسية أو أمنية سلبية، فان قوة وحجم وجدوى جهود الـ بي.دي.اس قد تصبح تهديدا شديدا لمصالح دولة اسرائيل الحيوية. ذكر طوني بلير، الذي قارن بين سلب الشرعية والتهديد الايراني ان التهديد الاول “أشد دهاءا وتحديده أصعب والتنبؤ به أصعب ومجابهته أصعب… وهذا النوع من التهديد معرض لخطر الزيادة ويحتمل ان يصبح تأثيره تهديدا مهما”.

 الرقابة على الأضرار – رد اسرائيل

 ما هو رد اسرائيل على التهديد بسلب الشرعية، وما هي امكانات العمل التي تستطيع بواسطتها ان تلغي تأثيراته السلبية؟ الشرط الأساسي لتطوير رد ناجع هو في اعتراف سلطات الدولة بوجود التهديد واستيعابه وخطره واحتمال ضرره. ويصعب ان نقدر ان الامور كذلك. لا جدل في ان قضية سلب الشرعية تبرز في الخطاب العام في اسرائيل. ولم تكن حكومة اسرائيل محتاجة الى كلمات الرئيس اوباما لتعلم مسار جهد سلب شرعية اسرائيل القوي الواسع. مع ذلك، ليس واضحا بأي قدر من الجدية تتناول السلطات في اسرائيل هذا التهديد وأي دور له في تصور التهديد العام لدولة اسرائيل.

 ليس صدفة ان أكثر المعلومات عن سلب الشرعية وعن نشاطات الـ بي.دي.اس التي عرضناها في هذه المقالة تقوم على مصادر غير حكومية. ان عددا قليلا من منظمات اسرائيلية غير حكومية مثل “ان.جي.أو مونيتر” و”معهد ريئوت” وغيرها، هي النشيطة الرئيسة في تحديد جهد سلب الشرعية الواسع وتوثيقه، وهي في مقدمة جبهة محاولات محاربته. ويبدو في المستوى الرسمي أنه قد حدث تحسن لمقدار الانتباه وسعة وعمق الرد المختص المنسق لجميع السلطات الحكومية ذات الصلة (وزارة الخارجية ووزارة المالية وديوان رئيس الحكومة ومتحدث الجيش الاسرائيلي واجهزة الاستخبارات وغيرها)، وإن يكن العمل في هذا المجال ما يزال كثيرا.

 يبدو كما يبدو الامر في مجالات اخرى ايضا ان الجيش يسبق كثيرا السلطات المدنية الى تطوير ردود على التهديد. ويبدو ان الجيش الاسرائيلي أحسن استيعاب التهديد الخطير لاتجاه سلب الشرعية على حرية عمله في ميدان القتال وهو يخطو خطوات لمحاربته. وأصبح أشد وعيا مما كان في الماضي لضرورة تخصيص موارد أكبر ليحمي نفسه من اتهامات العدوان على القانون الدولي. ومن اجل هذا وسع قسم القانون الدولي في النيابة العامة العسكرية ومنحه وزنا أكبر في اتخاذ قرارات عملياتية. وفي المدة الاخيرة فقط فتح الجيش الاسرائيلي دورة تعليمية خاصة لضباط اتصال في مستوى لواء. ومهمتهم مزدوجة هي ان يشيروا على قادة اللواء والكتيبة في اسئلة تتعلق بعلاج المدنيين وشؤون مدنية اخرى في مناطق قتالهم وتنسيق الجهود لمنع نشوء حالات ازمة انسانية.

 الرد المدني أكثر تعقيدا وتركيبا. ولما كنا نواجه في الأساس معركة “ذات قوة منخفضة” واشد إحكاما فانه يُحتاج الى رد متخصص ومنسق. وفي هذا الشأن أُثير عدد من الاقتراحات ومنها: محاربة نشاط المنظمات غير الحكومية بواسطة منظمات غير حكومية اخرى؛ والحث على إعمال الجماعات اليهودية وجمهور أشياع اسرائيل في دول اخرى؛ واستعمال سلب الشرعية لمن يشتغلون بسلب الشرعية، وحصر العناية في منظمات رئيسة تستطيع ان تقف في أحد جانبي المتراس أو في الجانب المقابل. ويُحتاج على نحو عام الى تعزيز واضح للجهود والموارد والنفقات المخصصة لدبلوماسية عامة وعلاقات عامة خارج البلاد.

 هناك اقتراح يستحق الفحص عنه هو ضعضعة وردع نشاط الـ بي.دي.اس بتشريع وطني. ان قطيعة الجامعة العربية تلقت ضربة شديدة على أثر تشريع في الولايات المتحدة جعلها غير قانونية بالفعل. وعلى حسب هذا التشريع تتعرض شركات تتعاون على القطيعة بواسطة اجابة استبيانات تتناول صلاتها التجارية بدولة اسرائيل أو بشركات لها صلات باسرائيل، لغرامة باهظة. ومع عدم وجود قرار ملزم من الامم المتحدة أو اجهزة الدولة أو في حال نشاط غير قانوني بصورة واضحة، فان فرض قطيعة من منظمة غير حكومية على دولة ما هو عمل تمييزي في جوهره ولهذا قد ينطبق عليه تشريع يحظر استمرار هذا النشاط. من المؤكد ان اقناع الدول الاوروبية بل الولايات المتحدة بسن قانون يمنع نشاط الـ بي.دي.اس الموجه على اسرائيل ليس مهمة سهلة بل قد يكون غير ممكن ومع ذلك سيكون من الخطأ رفض هذه الامكانية رفضا باتا.

 يصعب ان نتوقع أو ان نتنبأ بالتطورات التي ستقع خلال سنة 2011 أو في سنة 2012، لكن هناك سبب جيد لاعتقاد ان تهديد سلب الشرعية قد يصبح في الاشهر القريبة قضية مركزية في برنامج عمل الامن الوطني لدولة اسرائيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى