تنظيم الدولة والتمدد في إفريقيا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

تنظيم الدولة والتمدد في إفريقيا

0 64

بلهول نسيم * – 30/12/2019

استراتيجية التحالف الدولي في حربه على تنظيم “الدولة الإسلامية” لا تعد استجابة كافية للتهديدات التي أطلقتها التنظيمات المسلحة بالساحل الإفريقي وهو ما يتطلب تعاونًا أوثق بين البلدان المعنية بهذا التهديد، وذلك في إطار دعم دولي مدروس ينبني على استراتيجية مشتركة؛ تحاول الورقة رصد بعض مظاهرها. 

في ظل حالة الانهيار التي عرفها تنظيم الدولة الإسلامي في العراق والشام (داعش) في كل من سوريا والعراق، سعى هذا الأخير إلى تشكيل قوته من جديد، وذلك من خلال محاولة إيجاد ملاذات آمنة أخرى ومنصات تنطلق منها عملياته، على أن تكون هذه المرة جغرافيا دول القارة الإفريقية مسرحًا لها، وهي التي تعيش أوضاعًا أمنية غير مستقرة نظرًا للانتشار المتنامي للكثير من الجماعات والتنظيمات المسلحة، على غرار كل من: بوكو حرام، والقاعدة، وحركة الشباب في الصومال.. وغيرها كثير.

فمع هذا التحول الجغرافي لوتيرة العنف نحو دول القارة السمراء وخاصة في كل من ليبيا وتونس، أصبحت معادلة التوتر والهشاشة تشكِّل وضعًا يشمل فضاءات إفريقية متعددة في ظل تمدد متسارع ومستمر لتنظيم الدولة الإسلامية، ليصبح هذه الأخير واقعًا يتهدد دول القارة، ولتتحول مخاوف انتقال مقاتلي تنظيم الدولة -بعد انحساره في العراق وسوريا- إلى القارة الإفريقية مشكِّلةً صداع رأس حقيقي بالنسبة للحكومات المحلية ودول الجوار، وقد ذكرت تقارير إعلامية نزوح وتدفق مجموعة من أعضاء التنظيم من مدينة الموصل عبر سوريا وصولًا إلى ليبيا؛ قصد الانطلاق نحو اتجاهات متعددة من القارة متخذين من شعار “باقية وتتمدد” وقودًا لمحطتهم الجغرافية الجديدة. وهو ما سنتطرق له من خلال هذا المقال وذلك من منطلق التساؤل عن مبررات وخلفيات هذا التحول في بوصلة الانتشار الجغرافي لتنظيم الدولة وأثره على معادلة الأمن في إفريقيا.

أولًا: الجغرافيات الهشة في إفريقيا وتفريخ الإرهاب

يهيمن على أغلب دول إفريقيا النوع الخطأ من الحكومات؛ حيث باتت النخب الحاكمة موضع ريبة من طرف قطاعات كبيرة من السكان بسبب الإقصاء العرقي والديني أو حتى الاقتصادي. فهذا النوع من الدول الهشة في إفريقيا تكون الحكومات فيها في وضع العاجز أمام المشاكل الإنسانية والقضايا العالقة بين الجماعات أو في المناطق المهمشة والطرفية من تلك الدول(1)، ويعود ذلك إلى استشراء مظاهر الفساد داخل دواليب السلطة والإدارة، هذا بالإضافة إلى عمليات النهب التي تشمل الموارد الاقتصادية وقد أضحت جدَّ محدودة ولا تستجيب لتطلعات شعوب تلك الدول الإفريقية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن اعتماد اقتصاديات تلك الدول بشكل كبير على الزراعة أو التعدين، يحول دون توفير وظائف كافية لشرائح واسعة من المجتمع. ففي مثل هذه التجمعات من الدول يمكن أن يشكل ارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الغذائية أو جفافٌ حادٌّ أو فيضانٌ مدمرٌ اختبارًا قاسيًا للحكومات. فمن حيث تفشل هذه الأخيرة تنطلق صراعات يمكن لها أن تمتد إلى دول أخرى تقاسمها نفس الهشاشة ونفس الوضع الاقتصادي المتدهور، وهو ما قد يتسبب في إشعال المنطقة بأسرها.

تشهد القارة الإفريقية اليوم انتشارًا واسعًا لظاهرة الدولة الفاشلة والضعيفة؛ فدول مثل ليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى والصومال ومالي وغيرها فقدت سيطرتها على مناطق وأجزاء مهمة من أراضيها. وهو ما يعكس ضعف سلطة الدولة أمام تنامي دور المتشددين في ملء ذلك الفراغ ولاسيما من طرف تنظيمات على غرار تنظيم الدولة الإسلامية التي سعت من أجل بناء جغرافيات رعب تابعة لها من خلال عمليات تجنيد واسعة للأتباع(2). وتفيد مؤشرات بارتفاع عدد سكان القارة لمن هم تحت سن الرابعة والعشرين بواقع نمو قد يصل إلى 500 مليون نسمة في أفق 2050؛ وذلك حسب تقدير تقرير صادر عن الأمم المتحدة(3). هذا بالإضافة إلى موجات الجفاف والفيضانات المدمرة وتراجع المحاصيل الزراعية والهجرات الجماعية التي من شأنها أن تتسبب في مجموعة من الصدامات والخلافات الحادة بين الفئات العرقية والدينية. كل هذا في إطار تنافس دولي محموم على القارة الإفريقية، وهو تنافس لم ينتج عنه حتى الآن سوى نهب موارد القارة وبالتالي إفقار رهيب ومقصود للقارة في ظل عملية النهب المستمرة التي شملت البر والبحر، وهي أمور سمحت بانتشار الحركات الموسومة بالإرهاب في مناطق عديدة من القارة الإفريقية.

ثانيًا: شمال إفريقيا: بوابة توسع تنظيم الدولة الإسلامية في القارة

على الرغم من الاستقرار الأمني النسبي الذي كانت تتمتع به بعض دول شمال إفريقيا، خاصة بعد ما يسمى بـ”الربيع العربي”، إلا أن عملية اقتحام متحف باردو، بتاريخ 18 مارس/آذار 2015، كان دليلًا واضحًا على أن أيادي العنف المسلح بدأت تتجه نحو منطقة شمال إفريقيا، كمحطة جديدة متجاوزة في ذلك ساحات القتال الرئيسية لتنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا. ليتحول العنف إلى الوجهة العكسية، معلنًا عودة مقاتلي شمال إفريقيا من العراق والشام إلى بلدانهم حاملين معهم خبرة عسكرية وتمرسًا قتاليًّا كبيرين(4). غير أن تموضع تنظيم الدولة الإسلامية وخلاياه في دول المنطقة أخذ أشكالًا ووضعيات مختلفة حسب الظروف المحيطة بثلاث من دول منطقة المغرب العربي: 

‌أ. ليبيا 

تتقاتل على الأراضي الليبية حكومتان من أجل السيطرة على البلاد، في إطار انتشار أفقي وعمودي للجماعات المسلحة، والتي تمكنت من فرض نفوذها في الكثير من المساحات الجغرافية الليبية، هذا أمام تفكك وتراجع السلطة المركزية والتي أسست لثغرة كبيرة استفاد منها تنظيم الدولة الإسلامية لينشأ موطئ قدم عليها؛ حيث أقام المقاتلون الليبيون العائدون من سوريا والذين تربطهم صلات بتنظيم الدولة الإسلامية معقلًا جديدًا لهم داخل الأراضي الليبية إذ تشير التقديرات الأمنية إلى أن هنالك ما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل موال للتنظيم يقاتلون حاليًّا في ليبيا، من بينهم ثلاثمئة عنصر عائد من سوريا والعراق. ولقد عرف تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا في الآونة الأخيرة تزايدًا كبيرًا في وتيرة نفوذه، خاصة أن من بين المتسللين إلى أراضيه، خصوصًا في مدينتي درنة وسرت، مجموعة من كبار قادة تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك قصد تجنيد وتنظيم صفوف المتطرفين هناك(5). لقد أصبحت ليبيا وبفضل موقعها الاستراتيجي المهم أرضية خصبة ينطلق منها المقاتلون المحتملون من مختلف أنحاء جغرافية شمال إفريقيا في سعي منهم للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، ليستتب لهم بعد ذلك أمر اكتساب الخبرة القتالية الكافية وهذا بعد أن تنظم لهم سفريات إلى سوريا.

‌ب. تونس

على الرغم من كون عملية إسقاط نظام ابن علي لم تكن تعرف معارضة مسلحة في الداخل التونسي، إلا أن الأراضي التونسية أضحت في الآونة الأخيرة خزانًا كبيرًا مصدِّرًا للمقاتلين إلى الجغرافيات المشتعلة خاصة في منطقة الشرق الأوسط؛ فمن بين ما يقرب من ثلاثة آلاف تونسي سافر للقتال في سوريا والعراق -وذلك حسب التقديرات الحكومية التونسية- هنالك حوالي ألف وأربعمئة منهم عادوا إلى وطنهم(6). علمًا بأنه، في وقت سابق، انحاز المتشددون في هذا البلد أساسًا إلى جماعة أنصار الشريعة -والتي اتهمتها إدارة واشنطن بمسؤوليتها عن هجوم عام 2012 على بعثتها الدبلوماسية في بنغازي بشرق ليبيا- ومقاتلي جماعة عقبة بن نافع، الذين ينشطون في جبال الشعانبي المتاخمة للحدود الجزائرية. فالعديد من المتشددين في تونس ينضوون تحت لواء جماعة أنصار الشريعة وهم في نفس الوقت يتبنون رفع راية الدولة الإسلامية. إلا أنه لا يمكن أن نجزم، لحد الآن، بوجود هيكل تنظيمي للدولة الإسلامية في تونس، بل كل ما هو مؤكد يتعلق بمجموعة من الأشخاص منجذبين نحو فكرها العقائدي.

‌ج. الجزائر

في سنة 2018، بايعت جماعة القاعدة الفرعية في الجزائر (جنود الخلافة) تنظيم الدولة الإسلامية، وهي بذلك تعد واحدة من أولى الجماعات المسلحة في شمال إفريقيا التي بايعت تنظيم الدولة الإسلامية. وكان ذلك على هامش عملية ذبح الجماعة لرعية فرنسي. غير أنه سرعان ما تم القضاء على تلك الجماعة وزعيمها من طرف الجيش الجزائري، معلنًا بذلك عن قطع الحبل السري الذي كان يربط تنظيم الدولة بالمتشددين في الجزائر(7).

ثالثًا: تحالف تنظيم الدولة مع بوكو حرام والخلافة الموعودة

لم يكن من المستغرب أن يعلن زعيم حركة “بوكو حرام” السابق في نيجيريا، أبو بكر شيكاو، مبايعته لزعيم تنظيم “داعش”، الراحل أبو بكر البغدادي، على السمع والطاعة، ليعتبر بذلك أن جماعته جزء من “الدولة الإسلامية” التي دعا إليها البغدادي انطلاقًا من منطقة الشرق الأوسط لتشمل رقعة جغرافية واسعة تمتد على عموم آسيا وإفريقيا وأوروبا، لتحقق الخلافة الإسلامية على تلك الأراضي بعد إزالة الحدود. ويعتبر ذلك التحالف أمرًا طبيعيًّا، خاصة أنه يعود أساسًا لوجود عدة عوامل مشتركة بين الحركتين، تعكس في واقع الأمر تلاقي فكرهما في المرجعية، وتقوي في نفس الوقت روابط التقارب فيما بينهما، وهي كالآتي: 

أ‌. الانشقاق والتمرد على التنظيمات الإرهابية الكبرى: وذلك قصد الانفراد بأسلوب ونمط (جهادي) خاص بها؛ وهو الأمر الأكثر بروزًا عند كل من “داعش” و”بوكو حرام”؛ ففي حين رفض تنظيم داعش الاعتراف بزعامة ونهج “أيمن الظواهري” بحكم أنه زعيم أكبر تنظيم عنفي في العالم “القاعدة”؛ لم تكن قضية الولاء واضحة بالنسبة لـ”بوكو حرام” والتي كانت تسمى “طالبان نيجيريا” أو “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد”. فكلتا الحركتان عملتا من أجل التمرد على تنظيم القاعدة، محاولِتَيْن في أول الأمر تقليده، لتؤسسا طريقًا خاصًّا بهما فيما بعد(8).

ب‌. انتماء قادة الحركتين إلى الجيل الثالث من المتشددين: حيث إن كلًّا من “أبو بكر شيكاو و”أبو بكر البغدادي” ينتميان إلى الجيل الثالث من قادة التنظيمات المتشددة. هذا نظرًا إلى طبيعة الأفكار الجهادية التي يحملانها والخاصة بهما، فمنها ما يتعلق بممارسة العنف المفرط العابر للحدود؛ وهذا من خلال انتهاجهما لأساليب ووسائط قتالية جديدة على غرار كل من استغلال النساء في العمليات “الجهادية”، إلى جانب الاستثمار الاستراتيجي في العاملين، الديني والطائفي.

د‌. كلتا الحركتين تعملان -حسب خطابهما- من أجل إقامة الخلافة الإسلامية وهذا عن طريق ممارسة العنف المسلح، وعلى الرغم من كونهما تشتركان مع بقية التنظيمات الأخرى في نفس الهدف والخطاب، إلا أنهما بالمقارنة مع تلك التنظيمات كانتا تتحركان بصورة عملية من أجل إعلان الخلافة على كل أرض حلَّتا فيها.

في الحقيقة، لم تكن بوكو حرام، وخصوصًا فرعها التابع لشيكاو، لتعلن ما إذا كانت تريد أن تصبح ولاية تحت سلطة تنظيم الدولة الإسلامية لكونها تدرك جيدًا أن هذا الأمر سيكون له انعكاسات على تراجع سلطة قادتها بمجرد الانضواء تحت راية تنظيم الدولة. ولهذا، لا يمكن لحركة مثل بوكو حرام أن تقبل رؤية خلافة أخرى تزاحم خلافتها على نفس الأرض. فالغرض الوحيد من تلك البيعة، في حقيقة الأمر، هو تقوية وجودها على أرض الواقع كحركة من شأن المنطقة أن تتعامل معها كتهديد كبير بحجم القاعدة وداعش. هذا من جهة، وكذا التنسيق والاستفادة من مزايا التعاون مع تنظيم الدولة في ليبيا، والذي من شأنه في حالة ما إذا تحقق أن يتحول إلى خطر فعلي يهدد المنطقة.

أما في الصومال، وعلى الرغم من كون أعضاء تنظيم القاعدة لا يزالون يهيمنون على الحركة الجهادية “جماعة الشباب” في ذلك البلد، وهذا في إطار منافسة شديدة مع عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، خاصة في منتصف عام 2018. إلا أن التنظيمين عرفا فيما بعد تعايشًا مستمرًّا خاصة في كل من منطقة “كاندالا” و”بوساسو”؛ حيث أقاما عليهما معسكرات للتدريب وتخزين الأسلحة المتدفقة من اليمن القريبة جغرافيًّا من الصومال(9).

إلى جانب الصومال، عرف تنظيم الدولة الإسلامية انتشارًا وتحولًا في العديد من النقاط الجغرافية الساخنة من القارة الإفريقية، آخذًا فيها شكل شبكات سرية، مبقيًا في نفس الوقت نفسه كمنظمة إرهابية عالمية ذات قيادة مركزية، وتخضع تحت سلطانها ولايات عديدة وذلك من أجل توسعة خلافتها الموعودة في القارة؛ ففي منطقة الساحل، على سبيل المثال، وجد تنظيم الدولة منافسة كبيرة من طرف الحركات المتشددة الأخرى، على غرار تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. هذا الأخير عرف انشقاقات كثيرة على مستوى صفوفه، من بينها انشقاق عدنان أبو وليد الصحراوي رفقة مئتي مقاتل كانوا تابعين إلى نفس التنظيم في شمال ووسط مالي، ملتحقين بعد ذلك بتنظيم الدولة الإسلامية في إفريقيا(10).

رابعًا: إفريقيا: القاعدة الخلفية واستهداف أوروبا

بدأ التخوف الأوروبي يتنامى في حقيقة الأمر منذ وصول الإرهاب إلى بوابات القارة العجوز، وكان ذلك أواخر عام 2015، حيث نجح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في كسب دعم وتأييد واسع من قبل الجماعات المتشددة في ليبيا، ليتسنى له بعد ذلك السيطرة على مدينة “سرت”، معقل الرئيس الليبي السابق، “معمر القذافي”؛ حيث تمكن من خلال ذلك أن يجنِّد آلاف المقاتلين ويضمهم إلى صفوفه. هذا إلى جانب إقامة العديد من معسكرات التدريب، لينتقل بعد ذلك إلى مرحلة جديدة -وهذا بعد أن أمَّن عملية انتشاره وتوسعه الكبيرين على الأراضي الليبية- عكف من خلالها على الإعداد والتخطيط من أجل التحول إلى كل من منطقة شمال إفريقيا وأوروبا وذلك في إطار ما يسميه التنظيم بـ”الغزوات الجهادية”.

تعتبر إيطاليا من أولى الدول الغربية السبَّاقة التي عبَّرت عن قلقها حيال انبعاث تنظيم الدولة في القارة الإفريقية. ليتبعها بعد ذلك كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، والتي سارعت بطريقة أو بأخرى من أجل تقديم مخرجات وحلول قصد وقف عملية تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في قارة غارقة في الفوضى السياسية والأمنية، وهذا خاصة بعد سقوط نظام القذافي. على أن يكون الخيار العسكري أحد الحلول المهمة المطروحة على طاولة اجتماعات تلك الدول، وهذا في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية على الأرض الليبية، أو بالرجوع إلى إيعاز يأخذ شكل تفويض سياسي من طرف أية حكومة ليبية معترف بها(11).

وحسب وزيرة الدفاع الإيطالية، إليزابيتا ترينتا، فإن عملية تحول تنظيم الدولة الإسلامية إلى ليبيا وتوسعه على حساب أراضيها بلغ حدًّا لا يمكن السكوت عنه. وهو الأمر الذي وجدت من خلاله السلطات الإيطالية نفسها مجبرة على السماح للقوات الأميركية باستخدام طائرات بدون طيار، انطلاقًا من قاعدة سيغونيلا الجوية الأميركية الواقعة في صقلية، قصد ضرب تنظيم الدولة في ليبيا.

خامسًا: محاصرة داعش في إفريقيا: المبادرات والاستراتيجيات

اعتبرت فرنسا، والتي لها علاقات ومصالح جد متميزة مع العديد من دول القارة السمراء، أنه على بقية الدول الأوروبية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه ما يتعلق بمكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار في إفريقيا، وذلك من خلال تقديم الدعم الكافي لتحقيق أمن القارة، داعية من خلال تصريح وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لو دريان، خلال اجتماع وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي المنعقد في ريغا (عاصمة لاتفيا)، بتاريخ 19 فبراير/شباط 2015، إلى ضرورة التحرك نحو مناطق الأزمات المتاخمة وحتى البعيدة منها عن الأراضي الأوروبية(12). علمًا بأن الاتحاد الأوروبي أبدى مؤخرًا تأييده لتلك الجهود التي تقودها الأمم المتحدة قصد إنهاء الصراع في ليبيا، وهذا في ظل اضطراب مواقف دول المجموعة الأوروبية حيال التدخل العسكري في ليبيا وذلك من أجل إرساء خارطة سلام، وهذا في حالة ما إذا كُلِّلت مساعي الوساطة الأممية بالنجاح أو مُنيت بالفشل. علمًا بأن ليبيا أضحت نقطة جغرافية جد حساسة من جسد القارة الإفريقية؛ حيث أصبحت منطقة عمليات مهمة بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية إذ استغل هذا الأخير الفوضى الأمنية التي أعقبت عملية الإطاحة بنظام القذافي، ليؤسس قاعدة خلفية له على أرض غنية بمصادر النفط. وهو ما جعله هدفًا لتلك المعارك التي خاضتها قوات موالية لحكومة السراج في مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس)، وذلك قصد استرجاع تلك المدينة الساحلية من تنظيم الدولة. ولقد عرفت عملية “البنيان المرصوص”، من جهة أخرى، دعمًا كبيرًا من طرف الحكومات الغربية الموالية والداعمة لحكومة الوفاق، فيما تجاهلتها قوات الحكومة الموازية في شرق ليبيا تحت قيادة الفريق أول، خليفة حفتر، والغارقة بدورها في معارك مع تنظيم الدولة الإسلامية وذلك في مدينة بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس).

وعلى الصعيد الإفريقي، اعتبرت اللجنة الإفريقية للأمن والاستخبارات، والتي تدعم وتساعد الاتحاد الإفريقي في مواجهة التهديدات الأمنية، أن هنالك ما يقارب 20 إلى 40% من المقاتلين المتشددين الأجانب ممن عادوا إلى بلدانهم انطلاقًا من الأراضي السورية والعراقية ومناطق ساخنة أخرى، وهذا بعد أن شاركوا في القتال إلى جانب تنظيم داعش. معتبرة في نفس الوقت أن كلًّا من المقاتلين الأجانب والمرتزقة والمنظمات المارقة عبارة عن مثلث الرعب في القارة الإفريقية(13). وهو ما دفع، في وقت سابق، إلى عقد اجتماع في الخرطوم، ضم عشرات الضباط المنتمين إلى أجهزة استخبارات ثلاثين دولة إفريقية (من بينهم: السودان ورواندا وأوغندا وإثيوبيا ومصر وجنوب إفريقيا)؛ وذلك قصد البحث عن استراتيجية إقليمية فاعلة من أجل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، خاصة أن تقارير اللجنة أشارت إلى أن هنالك الآلاف من الشباب الإفريقي المنضوي تحت لواء مجموعات إرهابية عديدة، على غرار تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وهو ما قد يشكِّل تهديدًا حقيقيًّا بالنسبة لأوطانهم. خاصة وأن أعدادًا كبيرة منهم حاملين لجوازات سفر غربية، وهو ما يسمح لهم بالتنقل عبر أراضي القارة الإفريقية بكل سهولة. وهو أمر حسب نفس اللجنة يقتضي حزمًا وسرعة في التحرك تفاديًا لأية عواقب أمنية مفاجئة.

أما بالنسبة لما يتعلق وموقف الإدارة الأميركية، فلا تزال تحتفظ لنفسها بوضع المراقب للأمر، خاصة ما يتعلق منه بمتابعة تحركات عناصر تنظيم “داعش” في ليبيا (خارج مدينة سرت على وجه الخصوص). داعمة في ذلك الحرب الليبية على التنظيم تحت لواء القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني. وهو الأمر الذي أكدته نائبة منسق مكافحة الإرهاب للشؤون الإقليمية والدولية في وزارة الخارجية الأميركية، “ماري ريتشاردز”، وهذا بمناسبة الانتصار الجزئي الذي أحرزته القوات الليبية على حساب أذرع تنظيم داعش بليبيا والذي كُلِّل بعملية استرجاع تلك الأراضي التي كانت واقعة تحت سلطة وهيمنة تنظيم الدولة. معتبرة في نفس الوقت أنه على الرغم من كون تنظيم الدولة الإسلامية قد عرف تراجعًا في كل من العراق وسوريا، إلا أنه لا تزال عملية تجنيد عناصر محلية جديدة في صفوف التنظيم متواصلة في صفوف التنظيم، وهو أمر من شأنه أن يمكِّنهم في المستقبل القريب من تنفيذ هجمات إرهابية دون أن يكلفهم ذلك عناء أي تنقل(14).

فبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإن تهديد داعش سوف يستمر غير أنه سيتخذ لنفسه نمطًا مغايرًا علمًا بأن قيادة القوات الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) نفذت ما يقارب 22 ضربة جوية جديدة ضد مواقع تنظيم “داعش” في ليبيا مدمرة حصيلة ذلك 63 موقعًا قتاليًّا تابعًا لـتنظيم الدولة الإسلامية في سرت. ليرتفع بذلك إجمالي الضربات الأميركية في تلك المدينة إلى 492 ضربة، وذلك منذ انطلاق عملية “البرق أوديسا” بتاريخ 1 أغسطس/آب 2016(15).

خاتمة

بناء على ما سبق، يمكن القول: إنه بات من الصعب الضغط كل مرة على تنظيم الدولة الإسلامية؛ لأن عملية تمدده وانتشاره كل مرة هي أصلًا وليدة تلك الضغوطات الممارسة عليه، وهذا في ظل غياب آليات واستراتيجيات جادة لاحتواء ومحاصرة وتحجيم قدرات التنظيمات العنفية. لقد أثبت التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية أن استراتيجية حربها على التنظيم في العراق وسوريا لا تعد استجابة كافية لهذا النوع من التهديدات التي يشكِّلها تنظيم الدولة الإسلامية، والذي أضحى يخيم على دول إفريقيا (خاصة بلدان شمال إفريقيا) وأوروبا. فمن المهم الآن إيجاد إستراتيجية أكثر حزمًا قصد مواجهة تنظيم الدولة وذلك بتأسيس تعاون أوثق بين البلدان المعنية بهذا التهديد؛ إذ يجب التفكير في عملية تبني استراتيجية مشتركة وفاعلة أمام كل الأساليب الإرهابية وجميع الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور وتمدد داعش وغيرها من الحركات العنفية العابرة للأوطان. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*د. بلهول نسيم، باحث جزائري متخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، مركز الجزيرة للدراسات.

مراجع

(1) Alexander Yonah, Terrorism in North Africa and the Sahel in 2016, Eight Report, Washington D. C., Inter University Center for terrorism studies, The Potomac Institute for Policy Studies, mars 2017. P. 21.

(2) Solomon, Hussein,. «Beyond the State: Reconceptualising African Security in the 21st Century», African Security Review, vol. 26, n° 1, 2017 pp. 62-76 

(3) Sehmer Alexander, «Libya: Islamic State Still Holding Out», Terrorism Monitor, The Jamestown Foundation, Volume: 15 Issue: 19, 12 octobre 2017. P.33.

(4) Antil, Alain. “Chronique De L’année De Braise: Les Multiples Dimensions De La «Guerre» Au Terrorisme.” L’Année Du Maghreb VII (2011): 345-56. L’Année Du Maghreb. 01 Jan. 2013. Web. 28 July 2016. (Vu le 15/12/2019)  http://anneemaghreb. revues.org/1286.

(5) “Boko Haram «reste Une Menace», Affirme Hollande à Abuja.” Le Monde.fr. N.p., 14 May 2016. Web. 21 July 2016. (Vu le 18/12/2019) 

(6) Nkalwo Ngoula, Joseph Léa, 2016. «L’Union africaine à l’épreuve du terrorisme: forces et challenges de la politique africaine de sécurité», Fiche d’analyse, Modus Operandi, avril. le 22 avril 2018, (Consulté sur Internet le 18/12/2019), (http://www.irenees.net/bdf_fiche-analyse-1076_fr.html)

(7) Jean Bernard Veron, «Comprendre Boko Haram», numéro thématique, Afrique contemporaine, n° 255, 3/2015. P. 17.

(8) Caramel, Laurence, and Joan Tilouine. “L’Etat Islamique Multiplie Ses «Franchises» En Afrique.” LeMonde. fr. N.p., 10 Mar. 2015. (Consulté sur Internet le 17/12/2019), .

(9) Chena, Salim, and Antonin Tisseron. “Rupture D’équilibres Au Mali : Entre Instabilité Et Recompositions.” Afrique Contemporaine 1/2013 (n° 245). P. 71-84 Cairn.Info. De Boeck Supérieur, 2013. Web. 26 July 2016. (Consulté sur Internet le 18/12/2019), .

(10) Haider Kaci, «Des Jihadistes étrangers en route vers la Libye interceptés en Algérie», Algérie1, 22 février 2016 

(11) Lt Col Stéphane Spet. “Operation Serval : Analyzing the French Strategy against Jihadists in Mali.” ASPJ Africa & Francophonie 3rd Quarter (2015): n. pag. Air University. Mar. 2015. Web. 27 July 2016. (Consulté sur Internet le 18/12/2019), .

(12) Tawfik Hamel, «Djihadisme – Le Sahel, où se rencontrent terrorisme et criminalité», Le Courrier du Maghreb et de l’Orient, avril 2017, p. 26. 

(13) Porter, Geoff D. “How Realistic Is Libya as an Islamic State “Fallback”? – Combating Terrorism Center at West Point.” CTC Sentinel 9.3 (2016): 1-5. Combating Terrorism Center at West Point. Mar. 2016. Web. 27 July 2016. (Consulté sur Internet le 18/12/2019), . 

(14) Cristiani Dario, «Islamic State Reorganizes in Libya», Militant Leadership Monitor, The Jamestown Foundation, 10 octobre 2017 

(15) International Crisis Group, “How the Islamic State Rose, Fell and Could Rise Again in the Maghreb”, Middle East and North Africa Report No. 178, International Crisis Group, 24 juillet 2017.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.