تقييم الخيارات الأميركية لتغيير النظام في سورية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

تقييم الخيارات الأميركية لتغيير النظام في سورية

0 246

دانيال بايمان، مايكل دوران، كينيث بولاك، وسلمان الشيخ

ترجمة: ناديا حمدان & وكالة اخبار الشرق الجديد & 2/4/2012

سوريا على شفا كارثة حقيقية، ومع ذلك سقوطها قد يؤدي إلى مخاطر كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية وعلى الشعب السوري. النظام السوري يقوم بتوظيف قواته العسكرية الموالية من اجل سحق البلطجية الطائفية المعارضة والتأكيد على طغيانهم. وحتى لو سقط الرئيس بشار الأسد سوريا لن تخرج بسهولة من المأزق الذي تعيشه: البديل المحتمل للنظام الحالي هو حرب أهلية دامية على غرار ما شهدناه في لبنان، البوسنة والكونغو، ومؤخرا في العراق.

كوارث هذه الحرب قد تفوق ما نشهده حاليا، وقد ينتشر ذلك ليصل إلى الدول المجاورة لسوريا، تركيا، العراق، الأردن، لبنان، ويمكن لإسرائيل، وقد تهدد تلك الأزمة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

استقالة الأسد في الواقع لن تكون سهلة، على الرغم من أن إدارة اوباما سعت خلال الأشهر الماضية إلى نقل السلطة ولكن الأمور اتجهت نحو الأسوأ، ولكن عدم القيام بشيء يعني الوقوف إلى جانب قوات الرئيس الأسد وبذلك قد تغوص سوريا بالحرب الأهلية ومخاطر التحول إلى دولة فاشلة. خلال السنة الماضية قتل الكثير من السوريين، إلا أن المعارضة بقت منقسمة والجيش السوري الحر هو علامة تجارية أكثر من كونه قوة فاعلة، ذات مغزى. القاعدة أيضا تحث المقاتلين على الانضمام إلى المعركة في سوريا.

لحماية مصالح الولايات المتحدة، يجب أن يبقى الرئيس الأسد، لان سوريا ضعيفة قد تدمرها الحرب الأهلية، وبالتالي، يجب أن تسير سياسة الولايات المتحدة على حبل مشدود، من خلال محاولة إزالة الرئيس الأسد، لكن بطريقة تحافظ فيها على دولة سليمة قادرة على حفظ الأمن على الحدود وضمان النظام في الداخل.

 الشرق الأوسط

خيارات تقييم تغيير النظام

الولايات المتحدة مستعدة لدفع الثمن، وإذا كان الأمر كذلك، فإنها قد تضطر للاختيار بين التعايش مع النظام الحالي، أو إزالته بغض النظر عن العواقب. هذه المذكرة تضع ستة خيارات أمام الولايات المتحدة، إذا ما اختارت الخيار الثاني:

 1- إزالة النظام عن طريق الدبلوماسية.

 2- إضعافه عبر العقوبات ودبلوماسية العزلة.

 3- تسليح المعارضة السورية للإطاحة بالنظام.

 4-  القيام بحملة جوية تساعد في فوز المعارضة.

5- غزو سوريا بمساهمة قوات تقودها الولايات المتحدة وإسقاط النظام مباشرة،

6- المشاركة في الجهود المتعددة الأطراف التي يقودها حلف الأطلسي، للإطاحة بالرئيس الأسد وإعادة بناء سوريا.

 الخيارات معقدة، وصناع القرار على الأرجح يحاولون الجمع بين أكثر من خيار لإبراز الايجابيات والتقليل من السلبيات، التي ستكون حتما صعبة وتبرز تعقيدات جديدة.

 ولكن من خلال التركيز على نهج منفصل، هذه المذكرة تساعد على كشف نقاط القوة والضعف النسبية لكل مسار عمل، وهذه المذكرة توضح الإستراتيجية الملازمة لكل خيار وما من شأنه أن يستتبعه من الناحية العملية.

هذه المذكرة لا تؤيد أي سياسة معينة، بدلا من ذلك، هي تسعى لتوضيح المخاطر والفوائد التي يمكن أن نسير بها في الوقت المناسب.

خيار رقم واحد

فرصة واحدة وأخيرة للعمل الدبلوماسي

 لقد فشلت الجهود الدبلوماسية الدولية في وقف الحالة الدموية على نحو متزايد في سوريا. عدم قدرة المجتمع الدولي على التوصل إلى توافق أدى إلى التساؤل عما إذا كان يمكن للدبلوماسية وحدها أن حل الأزمة، ولكن لا يزال، الحل الدبلوماسي أكثر فعالية ويمكن أن يكون حاسما في إدارة العواقب الإنسانية من الناحية النظرية.

وراء هذه الدبلوماسية، لا توجد مخاطر على رؤوس الأموال المحلية السياسية والعسكرية، أو التكاليف المالية التي نوقشت في الخيارات الأخرى، وحتى الآن الدبلوماسية قامت بنوع من التقدم في ظل الانقسامات بين الجهات الرئيسية الفاعلة.

 في شباط 2012، أصدرت مجموعة من 137 بلدا في الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدين نظام الرئيس الأسد ويدعم الخطة العربية لانتقال السلطة، لكن جهود جامعة الدول العربية مرت على الأرجح دون نتيجة، نظرا للخلافات بين دول الخليج ودول مثل السودان والجزائر، التي لا تزال قلقة بشأن تغيير النظام والتدخل في الشؤون الداخلية.

كان جوهر نهج الدبلوماسية الأميركية تأسيس مجموعة ما يعرف “بأصدقاء سوريا” المجموعة التي يقودها العرب مع  التحالف الدولي الذي يشمل أوروبا، الولايات المتحدة الاميركية، والجهات الفاعلة الرئيسية في المنطقة مثل تركيا. بينما من الناحية النظرية هذا التحالف هو نسبيا أكثر فطنة من الأمم المتحدة، واستغرق تشكيله شهرا من كل الجهات الفاعلة الرئيسية.

لكن أكبر عائق أمام الوحدة الدولية كان الموقف الذي اتخذته روسيا والصين. الاثنين على حد سواء اظهروا أنهم يعارضون تغيير النظام في سوريا عبر التدخل الدولي. الرفض الروسي جاء لمنع تكرار ما حصل في ليبيا، والأسباب التي تقف وراء موقف روسيا واضحة: سوريا هي حليف روسيا العربي، وليست على استعداد لخطر خسارة الميزات السياسية والاقتصادية التي تتمتع بها.

ويذكران روسيا، وخلال الأعوام الماضية ركزت على حربها ضد الإسلاميين في الشيشان وداغستان، وهي الآن ليست مستعدة على تكرار المسالة، أخيرا، موسكو، جنبا إلى جنب مع بكين مصممة على مقاومة التدخل الدولي في الشؤون الداخلية لأي دولة سيادية.

إدارة أوباما، على الرغم من سخطها من النقض الروسي والصيني، إلا إنها واصلت إصرارها على إصدار قرار من مجلس الأمن يجيز التدخل في سوريا (لكن الإدارة لم ترغب في اتخاذ إجراءات معقدة في سوريا دون الحصول على تفويض دولي، وعلى الرغم من ذلك ليس من الواضح ما إذا كانت إدارة اوباما ستصعد في ظل عدم وجود قرار من الأمم المتحدة).

 الاستمرار في دعم جهود الأمم المتحدة هي الطريقة الوحيدة لتكثيف الحملة الدبلوماسية وتعزيز تصميم المجتمع الدولي والمساعدة في نهاية المطاف في فرض أهدافها السياسية….

 الأمم المتحدة الحديثة

 يحاول مبعوث الجامعة العربية والرئيس السابق للأمم المتحدة الأمين العام كوفي انان، تنسيق خطة وقف العنف، والتي في حال نجاحها، من شأنها أن تخلق مساحة للمجتمع الدولي (بمساعدة المبعوث الخاص، ومجموعة أصدقاء سوريا، والروس والصينيين) للعمل على إيجاد حل سياسي على أساس خطة انتقالية تشرف عليها جامعة الدول العربية.

 ولكن مواصلة إمداد الأسلحة إلى الرئيس الأسد من روسيا يثبت خلاف ذلك، فأي حل دبلوماسي قد يفشل حتى لو شمل موسكو.

الجانب الأساسي في أي حل دبلوماسي يكون خيار المنفى، لكن الآن، نظام الرئيس الأسد مستقر، وخيار الخروج السلمي من السلطة بدل من مواجهة الموت قد يكون أفضل، وعلى الرغم من أنه لن يؤدي إلى نهاية النظام إذا احتفظ رفاقه بالسلطة.

 حل دبلوماسي يستند على افتراض رئيسي: عكس حماية روسيا لنظام الأسد في مجلس الأمن يبدو ممكنا .

يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في إقناع الروسي فلاديمير بوتين بأن المصالح الروسية تكمن في دعم التحول السياسي في سوريا، والى أن موسكو لديها دور هام تقوم به في هذا الصدد. وينبغي تكثيف الحوارات الإستراتيجية بين جامعة الدول العربية، ودول مجلس التعاون الخليجي و بين روسيا، فالعلاقة هي الآن في خطر التعثر. وينبغي على الدول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، ومصر مضاعفة الجهود لإقناع روسيا ومعاقل أخرى للانضمام إلى الحملة الدبلوماسية ضد الأسد.

 ومع ذلك، حتى لو تخطت الدبلوماسية كل هذه العقبات، هناك فرصة كبيرة أمام فشل الدبلوماسية وحدها، وقد أثبت الأسد وحلفائه أنهم على استعداد لتحمل العزلة الدولية المتزايدة. وفي الواقع، يبدو أنهم لا يهتمون كثيرا للشرعية الدولية حيث تصاعدت أعمال العنف في مواجهة المستوى الدولي.

 وعلاوة على ذلك نجاح الدبلوماسية، قد لا يضمن انتقال السلطة في سوريا بامان وضمان مرحلة ما بعد الرئيس الأسد. هناك خطر بأن الدبلوماسية قد تكون السبيل الوحيد لتحقيق التحول الجزئي في المدى القصير، مع احتمال تحقيق الاستقرار الدائم كما كان الحال في اليمن.

 وكما هو الحال مع الخيارات السياسية الأخرى، فإن الانتقال الناجح على المدى الطويل بحاجة إلى قدرة السوريين على التوحد حول رؤية مشتركة لسوريا، واستمرار دور الجهات الفاعلة الدولية الرئيسية في تشجيع هذا التحول. ولكن الحقيقة أن المعارضة السورية ليست موحدة، والانتقال السياسي السليم لا يبشر بالخير.

 وبديل الجهود الدبلوماسية هو التركيز أولا على كيفية وضع حد للعنف وكيفية إيصال المساعدات الإنسانية، كما يجري القيام به تحت قيادة انان، وهذا قد يؤدي إلى خلق ملاذات آمنة وممرات إنسانية، وهذا الأمر أيضا يجبان يدعم من القوى الكبرى، لتصبح الاحتمالات العسكرية محدودة جدا. وهذا، بطبيعة الحال، لا يرقى إلى أهداف الولايات المتحدة لسوريا لأنه سيحافظ على سلطة الأسد. ومن هذا المنطلق، فمن الممكن لائتلاف واسع في ظل ولاية دولية مناسبة أن يضيف المزيد من الإجراءات القسرية، وبوضوح هي مسألة وقت.

الخيار الثاني

 بناء مصيدة أفضل: تغيير النظام عن طريق الإكراه

 سياسة الولايات المتحدة الحالية في سوريا تندرج تحت عنوان له ثلاثة ملامح رئيسية “الدبلوماسية القصرية”: عزل نظام الأسد دبلوماسيا، وفرض عقوبات اقتصادية خانقة، وتقديم الدعم غير العسكري للمعارضة. هذا النهج يتطلب رأس مال سياسي ضئيل نسبيا لأنه لا ينطوي على عمل عسكري مباشر أو حتى تسليح للمعارضة السورية. “الصبر” هي كلمة السر في واشنطن. وقال مسؤول في الادارة الاميركية “نحن جميعا ننتظر الشيء الذي سيقضي على نظام الرئيس الاسد”. واضاف “سيكون للاقتصاد الدور الابرز في ايقاظ الجميع”.  إن منطق الدبلوماسية القسرية يقول إن الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الامنية والعزلة الدولية، تشجع عمليات الانشقاق عن مراكز القوة العسكرية وغيرها. وحتى الآن، العقوبات والعنف يتصاعدان وهذا اضر بالاقتصاد السوري، وأدى إلى هروب رؤوس الأموال، وانهيار العديد من شركات القطاع الخاص. ونتيجة لذلك، فقد الرئيس الاسد دعم البعض من الطبقة الوسطى. ومع ذلك، النظام يبحث عن اعمال التفافية ويتلقى الدعم المالي من ايران، مما يعوض عن الضغط الاقتصادي إلى حد ما. (وفي حالات أخرى، العقوبات تعزز الأنظمة الاستبدادية من خلال تركيز القوة الاقتصادية في أيديهم).

سياسة الدبلوماسية القسرية تقع على افتراض واحد وحاسم: أنه، وكما قال الرئيس أوباما، “ايام الاسد معدودة”، ولكن المسألة ليست إذا، ولكن متى (مركز سابان في معهد بروكينغز – الشرق الأوسط مذكرة 5).

 لسوء الحظ، قد يكون هذا الافتراض خاطأ، فالتاريخ العربي مؤخرا قدم لنا أمثلة على قادة مستعدة وقادرة على امتصاص الصدمات الشديدة والبقاء معلقة لسنوات. في العام 1991، على سبيل المثال، تعرض صدام حسين لهزيمة عسكرية مدمرة، تمثلت بالانتفاضات الكردية والشيعية، ولكن على الرغم من خسارة صدام حسين على مساحات واسعة من العراق الا انه ظل متشبثا بالسلطة. لذلك، سياسة واشنطن الحالية تجاه سوريا لن تنتهي في خريف الأسد. بدلا من ذلك، قد نصل الى نتيجة بديلة: كحالة من الجمود لفترة طويلة. الدولة السورية قد تفقد السيطرة على بعض من أراضيها، والمعارضة مما لا شك فيه ستشكل روابط مع الجهات الفاعلة في الخارج، ولكن النظام سيبقى في ظل الصراع مع المعارضة والمجتمع الدولي.

 هذه النتيجة من شأنها أن تشكل نكسة للشعب السوري وللمصالح الأميركية في جميع أنحاء المنطقة، ويمكن قراءة بقاء الأسد انتصار لإيران وجبهة “الرفض”. فقد قدمت طهران المعدات والأسلحة والمساعدات التقنية، وحتى أدوات الرصد، لقمع الاضطرابات”، وقال احد الأميركيين المطلع على بعض المعلومات السرية انه في الآونة الأخيرة “سافر مسؤولون في الامن الايراني إلى دمشق لتقديم المساعدة، وأضاف االمسؤول أن الروس، أيضا، قدموا أسلحة إلى دمشق، في الوقت الذي عززت فيه الحركة الدبلوماسية في الأمم المتحدة، فقد كان دورهم مفيد بشكل خاص بالنسبة لسوريا في مجلس الأمن، حيث أحبط الروس بنجاح الجهود الأميركية الرامية لزيادة الضغط على الأسد. ونتيجة لذلك، ينظر إلى الصراع السوري في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط على انه “حرب الوكالات”، فمن جهة نجد الإيرانيين والروس يساعدون النظام بشكل نشط، بينما من الجهة الأخرى تقف الولايات المتحدة وأوروبا والحلفاء الإقليميين لإعطاء المعارضة دعما محدودا. ويستفيد من الجمود في سوريا روسيا وإيران.

للتخفيف من هذه المخاطر، فإن واشنطن بحاجة إلى النظر في عدد من الخطوات التي من شأنها أن تعزز الأبعاد القسرية في دبلوماسيتها. وبالتعاون مع حلفائها، يمكن للولايات المتحدة تنفيذ حصار بحري لمنع السلع من دخول المرافئ السورية، وبطبيعة الحال وقف عمليات التهريب والتجارة. ويمكن لواشنطن أن تقوم باتخاذ تحرك دبلوماسي كبير خارج إطار الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وأحد السبل يكون بقيام الولايات المتحدة بتشكيل فريق اتصال صغير (يتضمن تركيا والأردن وقطر والمملكة العربية السعودية، وفرنسا) يكرس جل اهتمامه لزيادة الضغوط على الأسد. فإن مجرد وجود مثل هذه المجموعة مع بعض الأهداف العقابية إضافة إلى الضغط على النظام تردع الآخرين من ممارسة “الأعمال الاعتيادية” مع دمشق. مجموعة فرعية من خارج الأمم المتحدة تسهل انجاز الأمور مع الحفاظ على الإطار المتعدد الأطراف. ويمكن للولايات المتحدة أن تستمر بالتأكيد في محاولة جذب روسيا للتخلي عن الأسد مع بروز التنازلات في مجالات أخرى، وواشنطن عليها دراسة المزيد من الإجراءات الاستفزازية مثل الحصار البحري الذي من شأنه توجيه التحدي الروسي.

تستفيد إيران وروسيا من الجمود في سوريا، على نطاق أوسع من الإصلاح الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

 عند تقييم الخيارات المتاحة لتغيير النظام في سوريا يجب النظر في الدور التركي الحيوي، فواشنطن تشجع الأتراك على لعب دورا أكثر فائدة، في حين فقدت أنقرة كل الصبر مع دمشق، واتخذت خطوات ملموسة من شأنها زيادة الضغوط على الأسد (وبالتالي استعداء طهران). وقد عملت السياسة التركية مع المعارضة السورية لدعم الجهود الأميركية لتعزيز وتنظيم مجلس وطني موحد. مع التطلع إلى المعضلات الكردية المحلية، والتي أحبطت جهود أنقرة لدمج الأكراد السوريين في إطار معارضة موسعة. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تحيزت وبشكل علني للإخوان في سوريا على كل الجماعات المعارضة الأخرى. هذا ويجب على واشنطن إقناع تركيا بالحاجة إلى استيعاب المطالب الكردية المشروعة والسياسية والثقافية في سوريا ما بعد الأسد، وإلى أن تكون أقل إصرارا على إعطاء الأولوية للإخوان المسلمين.

 هذا وحاولت بعض الأصوات في واشنطن والقدس استكشاف ما إذا كانت إسرائيل ستساهم في إجبار النخب السورية على إزالة الأسد. إسرائيل التي تملك أهم وأكثر قوة عسكرية شراسة في الشرق الأوسط، ولديها أجهزة استخبارات مثيرة، لها مصالح في سوريا، وبالإضافة إلى ذلك، أجهزة المخابرات الإسرائيلية لديها معرفة قوية في سوريا، فضلا عن الأصول الموجودة داخل سورية والتي يمكن استخدامها لتخريب قاعدة النظام والضغط من أجل إزالة الرئيس الأسد.

كما باستطاعة إسرائيل تحريك الوضع في الجولان ما يضعف جبهة قمع المظاهرات في الداخل.

 سياسة الحرب المتعددة الجبهات تثير المخاوف في نظام الرئيس الأسد، لا سيما إذا كانت تركيا مستعدة لتفعل الشيء نفسه على حدودها، وإذا زودت المعارضة السورية بالأسلحة والتدريب. يمكن لهذه التعبئة إقناع القيادة السورية ربما العسكرية بضرورة الإطاحة بالرئيس الأسد من أجل الحفاظ على نفسها. ويزعم المدافعون عن هذا النهج أن كفة الميزان في الداخل ستتراجع في دعمها للرئيس الأسد.

 مساهمة  إسرائيل الكبيرة في حملة الإكراه يجب أن تعامل بعناية، لأنها قد تؤتي بنتائج عكسية في مجموعة متنوعة من الطرق. فالنظام ومن المرجح أن يعطي الأولوية للتهديدات الداخلية أكثر من الضغوط الخارجية، ويمكن أن يستخدم بعض الأساليب الجديدة لحشد الناس ضد الأجانب، في حين تقوم الوحدات الموالية بملاحقة معاقل المعارضة.

 وبالإضافة إلى ذلك، المشاركة الإسرائيلية قد تعقد الأمور في الدبلوماسية الإقليمية وراء أي جهد لإزالة الأسد،، وقد تضعف أيضا من شرعية المعارضة السورية، فإيران، حزب الله، وبطبيعة الحال النظام السوري سيحاولون رسم المعارضة وكأنها بيادق إسرائيلية، وبالتالي تمتنع بعض الحكومات العربية عن تقديم الدعم القوي للحكومة الانتقالية. لكن، مع ازدياد العنف في سوريا، قد تفضل بعض الأنظمة في المنطقة التسامح، أو الترحيب ولو بشكل سري بدور إسرائيلي.

  في نهاية المطاف، فإن الإكراه في هذه المسألة يصعب تحقيقه، فالقوى الخارجية لا زالت تستخدم صيغة الطلب، ولذلك، فإن الولايات المتحدة قد تختار التركيز على فريق الاتصال لتحقيق مكاسب محددة. لأن خلق معارضة وطنية موحدة هو مشروع طويل الأجل وربما لن ينجح تماما، ولكنها لن تتخلى عن هذه الجهود، وقد تسعى لأهداف أكثر واقعية.

 وكما قالت النخبة في حلب فان التركيز الأقصى سيكون على كسر قبضة الرئيس الأسد، والتي هي العاصمة التجارية حيث تركيا لديها أكبر قوة. وإذا سقطت حلب بيد المعارضة، فإن تأثير ذلك سيكون محبط على النظام. واذا فشل هذا الخيار، فعلى الولايات المتحدة أن تقبل بأمور أسوأ أو التصعيد وصولا إلى الخيارات العسكرية.

الخيار الثالث

إعطائهم الأدوات: تسليح المعارضة السورية

 يمكن للولايات المتحدة وحلفائها تسليح الجيش السوري الحر (FSA) وغيره من القوى المعادية للنظام في محاولة لتغيير نظام الحكم. والولايات المتحدة تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه، في ظل التصريحات المتكررة من جهات رفيعة المستوى، إلا أن الولايات المتحدة لم تسلح المعارضة بعد ولكن تنتظر أن تفشل الجهود الدبلوماسية المبذولة. (مركز سابان في معهد بروكينغز – الشرق الأوسط مذكرة 7).

طلبات المعارضة في الحصول على مساعدة واجهت المزيد من اليأس، وهناك تقارير متزايدة حول قيام دول الخليج بإرسال أسلحة إلى المعارضة عبر شركائهم المحليين في العراق ولبنان. ويمكن لمعارضة الولايات المتحدة أو حلفائها المسلحين الانتصار بطريقتين: تفعيل المجلس الوطني، وهزيمة القوات السورية المسلحة واحتلال هذا البلد.

الواقع الحالي هو أن قوى المعارضة السورية ضعيفة وعلى الرغم من التقهقر الذي شهدته السنة الماضية، إلا إنها وجدت صعوبة في التوحد. الطائفة والعرق والمنطقة، والإستراتيجية، والقيادة كلها عوامل سمت المعارضة، فهي تفتقر إلى الرؤية الموحدة، والقيادة الكاريزمية، والعملية الداخلية لضمان تمثيل جميع الأصوات السورية. المجلس الوطني، من جانبه يعمل حاليا على نحو رديء، غير منظم، ويجعل الأمور أكثر تعقيدا، وهناك انقسام عميق بين قواته في سوريا، وخارجها.

وبالتالي، إذا تبنت الولايات المتحدة سياسة تسليح المعارضة، الخطوة الأساسية الأولية تتمثل في جعل المعارضة أكثر تماسكا، ويستتبع ذلك كسب أفضل الهياكل السورية القبلية والدينية والعرقية، ومن ثم استخدام المال، والأسلحة كحافز لدفع هيئة الرقابة المالية وجماعات المعارضة السياسية في سورية مثل المجلس الوطني السوري (المجلس الوطني الأعلى) للعمل معا، واستخدام نفس الأدوات بعد ذلك للضغط من أجل التكامل العسكري والقيادة الموحدة.

 ومن شأن الدعم المجاور من الأردن وتركيا بشكل خاص أن يحي هذا الخيار، وهؤلاء الحلفاء سيقدمون الملاجئ والقواعد الآمنة للمعارضة على الحدود السورية، ويمكن لجيوشها أن تفعل الكثير من اجل تسليح وتدريب الجيش السوري الحر، بالتعاون مع الولايات المتحدة.

 يمكن لأجهزة المخابرات في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، العمل أيضا وراء الكواليس لتقويض نظام الأسد ودعم المعارضة. وتأمين المشاركة التركية والأردنية لأن عمان وأنقرة تترددان في استضافة جيش المعارضة السورية، وهم يخشون من الانتقام السوري في أي شكل من أشكال الإرهاب، وتحتاج أيضا إلى بعض الضمانات الأمنية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأردن وتركيا تخشيان من أن تسليح المعارضة قد يصعد القتال وقد تمتد المشاكل الأمنية إلى أراضيها، وإشعال الفتنة في جميع أنحاء المنطقة.

تسليح المعارضة قد يتطلب الدعم الغربي من جيران سوريا لان لذلك تداعيات كبيرة على المنطقة. على الورق، تسليح المعارضة قد يوفر العديد من المزايا: أولا، الحصول على دعم القوى العاملة في سوريا والتي تدعم بغالبيتها المعارضة.

 ثانيا، إذا كان للسوريين أن يحرروا بلدهم سيكون من الأفضل، إعطاء الشرعية لنظام بديل.

 ثالثا، هذا النهج لا يتطلب التدخل من قبل القوات المسلحة للدول المجاورة (على الأقل نظريا)، مما يحد من فرص “الحرب بالوكالة” في النضال للإطاحة بالرئيس الأسد أو تحديد بديل له.

وأخيرا، فإن التكلفة المادية والعسكرية قد تنخفض: وجود قوات الولايات المتحدة على أرض الواقع، وتقديم السلاح للمعارضة سيكلف الملايين، وليس المليارات. وحلفاء الولايات المتحدة لن يفعلوا الكثير لرفع الأحمال الثقيلة. وبالإضافة إلى ذلك، حتى لو فشل الخيار، قد تسجل الولايات المتحدة نقاط مع القوى الديمقراطية في المنطقة التي تبحث عن دليل على ان واشنطن تدعم أعداء الديكتاتورية.

 والعكس صحيح: تسليح المعارضة قد يدفع الكثير من العرب للقول إن الولايات المتحدة غير مهتمة بالديمقراطية في الشرق الأوسط، وتفضل الأنظمة الاستبدادية والديمقراطيات المستقرة وهذا قد يضع بعض العقبات أمام نجاح المهمة. في حين أن تاريخ الولايات المتحدة حافل في مشاريع تسليح الجماعات المعارضة.

عسكريا، مهمة إسقاط النظام تأخذ في عين الاعتبار، أن الجيش السوري الذي يكاد يكون الجيش الألماني، وعلى الرغم من كل ما يحصل يحظى بولاء كبير من قادته وجنوده. النظام لديه أعداد كبيرة من الدبابات والمدفعيات التي يمكن أن تسحق بها صفوف المعارضة، والنظام أثبت بشكل مؤلم أنه على استعداد لاستخدامها. على أقل تقدير، فإن المعارضة تحتاج إلى أعداد كبيرة من الأسلحة الصغيرة والقذائف الصاروخية، وقذائف الهاون في محاولة للتعامل مع نيران النظام.

تسليح المعارضة قد يزيد من فرص انشقاق الوحدات السنية وخلق مناطق خاصة بالمعارضة داخل سوريا، حيث أن المعارضة سوف تتمتع بدرجة معينة من الحرية. ومع ذلك، ما لم تتعرض قوات النظام لخلل جماعي (ممكن ولكن ليس من المرجح بالضرورة)، فان ذلك لن يؤدي إلى سقوط الأسد.

 حتى لو فازت المعارضة، ذلك لن يجعلها قادرة على توحيد الحكم في سوريا. فلا يمكن للمعارضة المنقسمة، والغير ديمقراطية، والمسلحة تسليحا جيدا ان تكون خليفة ديمقراطية (أو على الأقل غير ليبرالية) للنظام. وبالإضافة إلى ذلك، بسبب سهولة الحصول على الأسلحة الصغيرة في المنطقة، ورغبة بعض الدول المعادية للأسد في التصرف من تلقاء نفسها في دعم القوى المعارضة، هناك ضرورة لتواجد الكفاءة العسكرية التي تشكل حافزا لإقناع المعارضة لتوحيد القوى الخارجية ما لم تكن قادرة على السيطرة عليها، أو على الأقل التأثير في مدى اتجاه تدفق الأسلحة.

 في معظم الحالات، القوى الداعمة للمعارضة تعزز فكرة عدم الاستقرار ولكنها لا تساهم في حملة إسقاط النظام. (مركز سابان في معهد بروكينغز – الشرق الأوسط مذكرة 9 ).

 الأجدى هو قيام تلك القوى بوضع بيدها على نظام الأسد، والحفاظ على خصم إقليمي ضعيف، مع تجنب تكاليف التدخل المباشر. خلال الحرب الباردة، دعمت الولايات المتحدة عددا من حركات التمرد في جميع أنحاء العالم، غير متوقعة أنها ستنتصر ولكن على أمل أن تضعف الأنظمة الموالية للاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، قد يقرر البعض في واشنطن أن دعم المعارضة محكوم عليه بالفشل وهذا قد يؤدي إلى تفاقم الحرب الأهلية من دون التسرع في نهاية الأسد.

 الخيار الرابع

التحرر من الأعلى: القوة الجوية والمعارضة السورية

 بسبب القيود المفروضة على المعارضة السورية وقدرتها غير المؤكدة على إسقاط نظام الأسد من تلقاء نفسها، السؤال الحاسم هو ما إذا كانت الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها قد توفر الدعم الجوي، بالإضافة إلى الأسلحة والتدريب، كما فعلت الولايات المتحدة في أفغانستان، والدعم الإداري والتشغيلي لتحالف الشمال في العام 2001، ومنظمة حلف شمال الأطلسي مع المعارضة الليبية في العام 2011. النظرية هنا هي أن قوة الدعم الجوي الأميركي يمكن أن ترجح كفة الميزان لصالح هيئة الرقابة المالية.

 الأمل هو أن الولايات المتحدة يمكن أن تخوض، الحرب من 00010 قدم، وترك العمل القذر على أرض الواقع لهيئة الرقابة المالية، وربما تفادي حتى التزام ببناء الأمة على غرار ما حصل في العراق.

الكلفة الكبيرة والمدة الطويلة لإعادة الإعمار بعد الحرب، فضلا عن التجارب الغير سارة في العراق وأفغانستان، دفعت الولايات المتحدة للتريث في هذه المهمة. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه المسالة ستعمل في سوريا.

المرة الأولى التي حاولت الولايات المتحدة فيها مثل هذا النهج في كوسوفو عام 1999.قامت واشنطن بتدريب جيش تحرير كوسوفو (عن طريق متعاقدين عسكريين من القطاع الخاص)، وقادت حملة الناتو الجوية ضد القوات المسلحة الصربية. في النهاية، وبدعم سلوبودان ميلوسيفيتش نجح هذا النمط من التدخل. ومع ذلك، هناك اثنين على الأقل من المحاذير الهامة لهذا الخيار، الدعم الإداري والتشغيلي لانطباق هذا النهج إلى سوريا.

 أولا، لم يطرد ميلوسيفيتش من السلطة، والحد الأدنى للنجاح في كوسوفو اقل بكثير مما هو عليه في سوريا.

 ثانيا، لم تستطع الضربات الجوية لحلف شمال الأطلسي خلال 78 يوم إلحاق أضرار تذكر بالجيش الصربي، وجيش تحرير كوسوفو لم يحدث أي تأثير في وسائل الدفاع الصربية. وبعد اثني عشر عاما، حاولت إدارة الرئيس جورج بوش بأتباع نفس الإستراتيجية عندما هاجمت الولايات المتحدة أفغانستان بعد أحداث 11/9، وخلافا لكوسوفو، كانت أفغانستان أسهل: فالهدف كان معلن وكان هناك أرضية للولايات المتحدة للعمل عليها، للإطاحة بطالبان (وتدمير بنية القاعدة وطالبان وحلفائها) ومع ذلك، هناك اختلافات مهمة بين أفغانستان وسوريا. المعارضة الأفغانية التي تدعمها الولايات المتحدة كانت من ذوي الخبرة ويقودها التحالف الشمالي، وإضافة القوة الجوية الأميركية كان حقا كل ما يحتاجونه. وكانت حركة طالبان ليست تنظيما، عسكريا محترفا، وعلاوة على ذلك، في أفغانستان كانت هناك خطوط للمعركة واضحة بين طالبان والتحالف الشمالي، مما جعل الأمور أسهل بكثير لضرب مواقع طالبان الدفاعية وتمزيق صفوفهم اللوجستية. في المقابل، أثبت الجيش السوري نفسه على انه أكثر صرامة من طالبان.

 خيارات تغيير النظام تتداخل تماما بين السكان والمعارضة التي تقاتل في جميع أنحاء البلاد. وهذا من شأنه على الأرجح أن يعيق قدرة القوة الجوية الأميركية وإلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين. وبسبب القيود التي تضعها هذه الأنماط، فإن الولايات المتحدة لم تحاول قط توظيف ذلك في العراق.

 اعترفت إدارتي كلينتون وبوش أن المؤتمر الوطني العراقي ببساطة افتقر الى الوحدة السياسية والقدرة العسكرية لمواجهة قوات صدام حسين.

عندما اختارت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي توظيف هذه الإستراتيجية ضد نظام القذافي في ليبيا، كانت لأسباب عقلانية، لان الديموغرافيا العسكرية/والتضاريس ساعدت في ذلك، إلى جانب ضعف فلول القوات المسلحة الليبية. في ليبيا، كما هو الحال في أفغانستان، تم تقسيم جغرافيا القوى المعارضة والنظام، (باستثناء بلدة واحدة هي مصراتة). وقد أجريت العمليات القتالية في المقام الأول على الخط الساحلي لليبيا الشمالية، حيث الصحراء ولا يوجد مدنيين. وكانت القوات البرية في ليبيا من بين الأسوأ والأضعف على الأرض، بعد أن تم توجيهها من قبل المصريين، والتنزانيين، والتشاديين في العقود السابقة. وفي العودة إلى سوريا، القوات المسلحة التابعة للرئيس الأسد والمعارضة تنتشر في جميع أنحاء البلاد، الأمر الذي سيجعل من الأمر أكثر تعقيدا لملاحقتهم جوا.

ولكل هذه الأسباب، العمل الاستراتيجي في سوريا سيكون أكثر تحديا مما كان عليه سواء في أفغانستان أو ليبيا. هيئة الرقابة المالية ليست قوة عسكرية قادرة وسوف تستغرق شهورا أو حتى سنوات لتصبح موحدة. الجيش السوري، وخصوصا نظام وحدات الحماية وفرق المدرعات والحرس الجمهوري، من المتوقع أن يقاتلوا بشكل أفضل وأصعب بكثير من قوات القذافي، وسوف يحصلون على مساعدة إيران. وعلاوة على ذلك، على الرغم من أن أميركا أو القوات الجوية الغربية يمكن أن تلحق أضرار كبيرة بالبنية التحتية العسكرية السورية، كما فعلت بالقوات المسلحة الصربية، فإنها قد تكون غير قادرة على إلحاق الضرر السريع بالتشكيلات المقاتلة التابعة للنظام بسبب التضاريس الصعبة، وثمة شرط رئيسي لهذا الخيار وهو وجود قواعد في المنطقة.

 البحرية الأميركية عادة لديها ثلاث حاملات طائرات متاحة للتدخل في عرض البحر في أي وقت. نظرا للحاجة إلى الإبقاء على حاملات الطائرات في الخليج الفارسي لمشاهدة إيران واشنطن تفضل نقل واحدة أو اثنين فقط للتدخل في سوريا. هذا وتستطيع الولايات المتحدة أن تحلق بالقاذفات الثقيلة أيضا من الولايات المتحدة، ولكن مزيج من القاذفات البعيدة المدى وحاملات الطائرات 1-2 من المرجح أن تكون كافية لتلبية احتياجات هذا النوع من العمليات.

ومن أجل أن تكون قادرة على توفير  الدعم على مدار الساعة، الولايات المتحدة تحتاج إلى عدد كبير من الطائرات الهجومية القصيرة المدى من جهة، والنفقات العامة في جميع الأوقات، ويعني ذلك بقاء القواعد الجوية لسلاح الجو الأميركي في مكان قريب.

 تتوزع القوات المسلحة التابعة للرئيس الأسد بشكل كبير بين السكان في جميع أنحاء البلاد، الأمر الذي سيجعل ملاحقتهم من الجو أصعب. (مركز سابان في معهد بروكينغز – الشرق الأوسط مذكرة 11).

نظريا، يمكن للطائرات الأميركية أن تنطلق من قواعد منظمة حلف شمال الأطلسي في اليونان، والبلقان، أو حتى إيطاليا، ولكن الأفضل أن تكون القواعد اقرب في إسرائيل أو في العراق مثلا ولكن يصعب ذلك لأسباب دبلوماسية. وبينما الولايات المتحدة، لأسباب سياسية وتنفيذية، تريد أن تقنع انقرة وبغداد بتوفير تلك القواعد، أو ربما تشارك هي نفسها في العملية العسكرية، رفضت تركيا دعم الغزو الأميركي، والعراق أيضا أوضحت أن هذا الأمر مفروغ منه.

 هذا لا يعني أن الخيار العسكري قد لا ينجح. فالبحرية الأميركية مستعدة لجلب قوة مرعبة تتحمل لنهاية الأمر العسكري من الدرجة الثالثة، ولكن ينبغي التريث في نثر الوعود فالعمل يتطلب جهدا أكبر بكثير من الذي أنفق في ليبيا. قد تبدأ الولايات المتحدة بهذا النهج فقط لتجد نفسها في مواجهة خيار غير مستساغ يتمثل بطي الأمور أو مضاعفت العمل وصولا إلى الغزو البري.

الخيار الخامس

 التوجه إلى دمشق: تغيير النظام عبر الغزو

 ذكر الكتاب الأربع لهذه المذكرة انه لا احد حاليا يدعو لغزو سوريا، ولم تخرج أصوات من داخل المعارضة السورية تدعو للتحرر عبر الغزو الأجنبي ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تدفع الدول إلى النظر في هذا الخيار، وجدواه أو تحدد قرار التفكير بمناهج أخرى.

 وعلاوة على ذلك، إذا قررت الولايات المتحدة وقف ذبح المدنيين الأبرياء في سوريا أو قلب نظام الحكم العلوي، لن يكون ذلك إلا بطريقة وحيدة هي غزو سوريا، فمن المؤكد أنها الطريقة الأضمن. ثانيا، طرح أشكال أخرى قد تعرض الحملة إلى الفشل.

 هناك ما لا يقل عن أربع أمور “ايجابية” لغزو الولايات المتحدة لسوريا. أولا، كما هو الحال في العراق، الغزو الأولي من المرجح أن يكون أسهل، لان الجيش السوري أصغر، وأقل خبرة من الجيش العراقي. ثانيا، الولايات المتحدة هي أفضل من يقوم بالإصلاحات وإعادة اعمار البلاد بعد الحرب، لأنها تعلمت من الأخطاء الكثيرة التي حصلت في العراق.

 بعد العراق وأفغانستان، الولايات المتحدة لديها كادر كبير من الموظفين ذوي المهارات اللازمة للتعامل مع تحديات إعادة الإعمار. ثالثا، في حين أن قوات الأسد تقوم بعمليات الإبادة الجماعية إلا أنها ليست شمولية ستالينية مثل صدام حسين. أخيرا، إدارة أوباما لن تغزو سوريا بدون دعم دولي قوي (ففي الواقع، ربما تفضل الولايات المتحدة أن يأخذ الحلفاء زمام المبادرة).

 هناك العديد من السقطات المحتملة أمام الولايات المتحدة في حال غزو سوريا، في حالة العراق وأفغانستان، هناك مسالة تخطت كل شيء: إعادة الإعمار بعد الصراع. ففي هاتين الحربين الولايات المتحدة ركلة الباب، وإطاحة بالنظام، ومن ثم مشت بعيدا. كان عليها أن تقود كافة الجهود لإعادة اعمار البلاد. وإذا لم تفعل ذلك، في سوريا فإنها قد تعرض البلد لحرب أهلية مثل ما حصل في العراق، سوريا هي فسيفساء عرقية وطائفية الغالبية فيها من السنة الذين يعانون بشدة على أيدي العلويين.

 وبالتالي، فإن أكبر مشكلة في الغزو هي أن تحدد التكاليف البشرية والمادية التي ستتكبدها الولايات المتحدة، فغزو سوريا لن يكلفها الكثير كما حصل في العراق ولكن لا تزال التكلفة عالية.

سوريا لا تملك الثروة النفطية التي يملكها العراق والتي تحملت جزء من تكاليف الحرب عليها. الغزو يتتطلب في الأشهر الأولى  200000 إلى 300000 جندي للقيام بالعملية بالشكل الصحيح. وينبغي أن تصل تكاليف الغزو لنحو 200 إلى 300 مليار دولار سنويا.. مرة أخرى، إذا استوعبت الولايات المتحدة درس العراق، فيمكن أن تخفض هذه الأرقام، ربما في غضون أشهر، مع عدد أقل من الجنود.

ينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك أن الأمور قد لا تسير على ما يرام خلال الاحتلال الأولي ويجب أن تكون على استعداد للحفاظ على أعداد أكبر من القوات هناك. الولايات المتحدة يجب أن تتوقع بأنها ستساهم على الأقل ببعض عشرات المليارات (وربما حتى مئات المليارات) من الدولارات اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد السوري والبنية التحتية المدنية، على الرغم من أنه قد يكون من الممكن الحصول على مساعدة مالية أكبر من دول الخليج الغنية.

سوريا أصغر من العراق، كما أنها تفتقر إلى احتياطيات النفط التي تجعل اقتصادها هام جدا، ولكنها حليفة لإيران، وتتشارك حدودها مع تركيا والأردن وإسرائيل ولبنان والعراق وجميع البلدان التي لدى الولايات المتحدة فيها مصالح قوية أو حتى حيوية.

 حرب أهلية في سوريا قد تهدد الوضع السياسي والاقتصادي في تركيا، وقد تشكل بعض الكوابيس الأمنية لإسرائيل، وفي الواقع، كل هذه المشاكل المحتملة هي من بين الأكثر إلحاحا للولايات المتحدة والتي تدفعها للتريث في الموضوع السوري، إذا غزت الولايات المتحدة البلاد لوضع حد لحالة الفوضى والحرب الأهلية، فإنه لا يمكنها أن تمشي بعيدا وترك الأمر على حالها.

غزو سوريا يستدعي مد اليد العاملة العسكرية الأميركية، وربما يكون من الضروري سحب القوات بسرعة أكبر.

من شبه المؤكد أن استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط مرة أخرى من شأنه أن يزيد الضغوط على حياة الجنود الأميركيين ومشاة البحرية والأسر. ملاحظة أخيرة، قد تنجح هذه السياسة، إذا استطاعت الولايات المتحدة شن هذه الحملة من الأردن أو تركيا، التي تملك البنية التحتية، والطوبوغرافيا، والمواقع التي تجعلها أفضل بكثير من العراق أو لبنان (لن تكون إسرائيل خيارا واضحا).

انضمام عدد أكبر من الدول العربية وإقناعها بضرورة دعم المعارضة، سيسهل مشاركة الأردن وتركيا. وعلى الرغم من ذلك لا يبدو ضروريا مساهمة مجموعة واسعة من أوروبا وشرق آسيا. وفي الوقت الراهن، أيا من هذه الدول لا يحرص على دعم الغزو.

الخيار السادس

 الحل عبر التدخل الدولي

 متغير واحد تختلف حوله الآراء وهو دفع منظمة حلف شمال الأطلسي لغزو سوريا بظل دعم دبلوماسي عربي، ومشاركة عربية عسكرية. دعم الأمم المتحدة سيكون مرغوب فيه ولكن ذلك لن يكون وشيكا نظرا للمعارضة الروسية في المجلس.

 القوات الغازية ستعزل نظام الأسد، وتفرض وقف لإطلاق النار في المناطق الحامية، (سلسلة  سابان في معهد بروكينغز – الشرق الأوسط مذكرة 13) مع بذل الجهود الدولية لإعادة بناء سوريا.

 احد النماذج القريبة هو تدخل حلف شمال الأطلسي في البوسنة، في العام 1995 على الرغم من وجود اختلاف واحد على الأقل.

 باختصار، حلف شمال الأطلسي يجب أن يوافق على الغزو ومن ثم توفير الوسائل العسكرية لفرض السلام وحماية كل الأطراف التي تقودها الأمم المتحدة وإعادة بناء البلاد. ومن الاعتبارات الرئيسية الأخرى انه يجب على الأمم المتحدة إجراء محادثات المصالحة بين السنة والعلويين في سوريا، على عكس ما فعلت في العراق. وعلى منظمة حلف شمال الأطلسي إبقاء قواتها طالما هناك حاجة لذلك، وضمان عدم تعرض العلويين للاضطهاد من قبل الطائفة السنية (هذا ما لم تفعله الولايات المتحدة طول فترة بقاؤها فغي العراق).

أربعة شروط يتعين تلبيتها لهذا النموذج ليكون قابلا للتطبيق:

1-    أن تكون تركيا على استعداد لتقديم القاعدة اللوجستية وجزء كبير من القوات البرية لهذه العملية. تركيا تساهم بشكل كبير في مهمة غزو سوريا، لقدرتها العسكرية ولمصلحتها في رؤية السلام والتحول الديمقراطي. ومع ذلك، هذا الشرط قد يصعب الأمور، لان العلويين لا يثقون بالأتراك السنة، وأنقرة قد ترغب في رؤية الإخوان المسلمين يستولون على الحكم في سوريا.

2-   تركيا ليست راغبة في أن تكون رأس الحربة في غزو سوريا لأنها لا تريد استفزاز الأكراد تخوفا من إشعال الاضطرابات في تركيا نفسها، وإعادة بناء سوريا من المرجح أن يكون كذلك من الموارد التركية وحدها. وهكذا، تركيا بحاجة إلى المساعدة المالية من مختلف الأطراف وتامين الغطاء العسكري لها. الأوروبيون والعرب ودول الخليج يجب أن يكونوا على استعداد لتسديد الفواتير الإنمائية، فكما لوحظ أعلاه، فان إعادة بناء سوريا بعد أحداث العام 2011 والغزو والاحتلال تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة،  حتى لو استطاعت الولايات المتحدة تخطي كل الأخطاء التي ارتكبتها في العراق إلا أن التكلفة ستكون عالية جدا على تركيا.

3-   يجب على الولايات المتحدة أن تكون على استعداد لتقديم أوجه الدعم اللوجستي والعسكري، وبعض المكونات القتالية. كما هو الحال دائما، هناك بعض الأمور، في القيادة بشكل خاص، والتوجه الاستراتيجي، من أصول نقل، لا احد مستعد لتقديمها غير القوات المسلحة الأميركية وإذا لا تستطيع الولايات المتحدة القيام بذلك فالعملية ستتعثر على الأرجح. تدخل القوات الأميركية سيكون حاسما لطمأنة السوريين. وبالإضافة إلى ذلك، وكما لوحظ، من تجارب الدول في العراق وأفغانستان، هناك الكثير من الأميركيين من ذوي المهارات يمكنهم أن يساهموا في تهدئة الأوضاع وإعادة الإعمار في سوريا.

4-   يجب أن تتم هذه العملية في إطار متعدد الأطراف إذا لم يكن في ظل الإطار الدولي. مشاركة حلف شمال الأطلسي (كما هو الحال في ليبيا، والبوسنة، وكوسوفو) أمر ضروري لأنه يخلق إطارا مناسبا للتدخل التركي وللمساندة الغربية، ومشاركة جامعة الدول العربية ستكون مفيدة للغاية على حد سواء. هكذا ستتكلف الولايات المتحدة اقل بكثير من أن تقوم بالعملية منفردة، ومع ذلك، تأمين شرط من هذه الشروط الأربعة يبدو مستحيلا. فقد أظهر الروس أنهم سيقاتلون بأسنانهم وأظافرهم لمنع أي تفويض من الأمم المتحدة لمثل هذه العملية، وليس من الواضح أن الأتراك على استعداد للالتزام بتلك التوصيات.

 هذا وتبدو أوروبا الغربية والولايات المتحدة غارقة في مشاكل اقتصادية حادة، والدول العربية، ليست على استعداد لدفع الفواتير وبالتالي، تنفيذ هذه العملية قد يكون صعبا جدا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.