ترجمات أجنبية

تقرير مترجم عن نيويورك تايمز – مستوطن إسرائيلي، وفلسطيني قتيل، وجوهر الصراع في الأراضي المحتلة

نيويورك تايمز – إيزابيل كيريشنر – 22/12/2017
قُصرة، الضفة الغربية- بدأ الأمر كنزهة بمناسبة حفل بلوغ لصبي يهودي بلغ 13 عاماً من العمر عبر طريق توراتي وعر. لكنه انتهى بمقتل رجل فلسطيني بالرصاص، وبعشرين تلميذ مدرسة إسرائيليا مصدومين وقد اختبأوا في كهف خوفاً من رماة الحجارة الفلسطينيين.
الرجل الفلسطيني، محمود زعل، 48 عاماً، كان من بلدة قُصرة في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل، وقد أضافت أرملته لقباً إلى اسمه منذ ذلك الحين: “حبيب الأرض”.
خلال مواجهة -والتي ما تزال كيفية بدئها موضع نزاع- أردي السيد زعل قتيلاً بالرصاص على يد أحد أولياء الأمور الذي كان يرافق مجموعة المدرسة، وفق ما ذكره سكان محليون وممثلون قانونيون والسلطات الإسرائيلية.
هذه قصة إحدى القرى الفلسطينية ومستوطنة إسرائيلية مجاورة تقعان في التلال إلى الجنوب من مدينة نابلس -كانتا في السابق مجتمعين صديقين، لكنهما الآن مليئان بالعداوة والشك. ويعكس هذا التدهور الصراع الأوسع لخليط متقلب من السكان، و50 عاماً من الاحتلال الإسرائيلي، والمنافسة على الأرض نفسها التي تزداد حدة وحسب.
إيغال كاسوس، أحد سكان ميغداليم منذ طويل وقت، هرع إلى المستوطنين المحتفين قبل مغادرتهم، وحذرهم إلى ضرورة تجنب قُصرة. لكنهم قالوا له أن لا يقلق؛ وكانوا متجهين إلى بؤرة كيدا الاستيطانة الأمامية قمة التلة عبر الوادي، وفوق المنحدرات المليئة ببساتين الزيتون.
وبسبب موقعها الرعوي، كانت المنطقة دائماً نقطة مشاكل. ويسير المستوطنون، الذين يعتقدون بأن الله وعدهم بهذه الأرض، من خلالها لتأكيد تواجدهم وادعائهم ملكيتها. وينظر الفلسطينيون المحليون إلى مسيرتهم كنوع من الاستفزاز الذي يقود إلى مواجهات عنيفة.
كما كانت المنطقة مكاناً للعنف المرعب، فقد طعن فلسطينيان خمسة من أعضاء عائلة حتى الموت في مستوطنة إيتامار في العام 2011. وبعد أربعة أعوام، أسفر حريق متعمد أضرمه مستوطنون يهود متطرفون في قرية دوما الفلسطينية، التي تمكن رؤيتها من أرض السيد زعل، عن مقتل طفل صغير ووالديه.
كان السيد زعل يشن حملته الخاصة الهادئة من أجل الدفاع عن أرضه. وكان قد زرع ستة دونمات بأشجار الفستق الحلبي والتين والمشمش والزيتون وكروم عنب والتوت من أجل الطيور. وقال ابن عمه محمود عودة: “لقد زرع أرضه لوقف المستوطنين من القدوم إلينا. وقد حول كل المنطقة إلى جنة”.
لكن تلك الجنة تلطخت صباح ذلك اليوم من تشرين الثاني (نوفمبر) بالدم. ويبدو أن ثمة القليل من الشك في أن السيد زعل قتل بعد أن فتح مستوطن النار عليه من بندقيته أم 16. وقد امتدح المستوطنون القاتل واعتبروه بطلاً، وزعموا أنه أطلق النار في الهواء لإنقاذ الأطفال حين قذفهم الشباب الفلسطينيون بالحجارة.
لكن سكان قُصرة، بمن فيهم عوض، نجل السيد زعل الأكبر والذي كان معه أثناء إطلاق المستوطن النار عليه، يصرون على أن الرمي بالحجارة بدأ فقط بعد مقتل السيد زعل.
ومع ذلك، يتفق كلا الطرفين على هذه الحقائق التالية بشكل أو بآخر: لحماية الأطفال، أدخلهم آباؤهم إلى داخل الكهف. ومنعهم الشباب الفلسطينيون من المغادرة واستمروا في إلقاء الحجارة عليهم. وحاول رجلان فلسطينيان تهدئة الوضع ومنع تطوره إلى الأسوأ. وأخلي الرجل المشتبه بأنه أطلق النار على زعل إلى المستشفى لعلاجه من جرح سطحي في رأسه.
وخلص التحقيق العسكري الإسرائيلي إلى استنتاج أن الفلسطينيين هاجموا المستوطنين أولاً، مما دفع مرافق المستوطنين إلى إطلاق النار دفاعاً عن النفس. وانتقد التحقيق المستوطنين لعدم تنسيقهم المسبق بسيرهم مع الجيش. لكن المنظمين للمسيرة قالوا إنهم أرسلوا رسالة بالبريد الألكتروني يصفون فيها الطريق إلى القيادة المحلية، لكنهم لم يتلقوا جواباً عليها.
وأجرت الشرطة الإسرائيلية تحقيقات مع المرافقين، كما هو المعتاد في هذه الحالات، لدراسة ما إذا كان إطلاق النار مبرراً أو ما إذا تسببوا بالوفاة بسبب الإهمال. وتم استنطاق المرافقين لكنهم لم يعتقلوا. وبعد ذلك، قالت الشرطة إن تحقيقاتها أيدت رواية المستوطنين: الفلسطينيون هاجموا أولاً، ووجد المشاركون في المسيرة أنفسهم في حالة تهديد للحياة.
لكن عوض، الابن الأكبر للسيد زعل، قال إنه لم يكن هناك شيء عشوائي في إطلاق النار، وأصر على أن والده لم يشكل أي خطر. وبينما يجلس إلى جانب والدته الثكلى في المنزل مؤخراً، قال إن والده ذهب إلى المزرعة وحده، وأنه اتصل به عند الساعة العاشرة صباحا تقريباً وطلب منه العودة لأن مستوطناً يقترب من المكان.
وقال عوض إن المستوطن، الذي كان يحمل بندقية أم 16، أمرهم بالخروج من الأرض، لكنهم رفضوا، فأطلق رصاصة في الهواء وكرر طلبه، ثم أطلق النار مرة أخرى فأصاب والده في الجزء العلوي من جسده قبل أن يهرب أسفل التل.
وأضاف عوض: “لقد شاهدت وجهه ورأيته يضغط الزناد… وكان يمكن أن يقتلني بدلاً من والدي”.
والآن، تسعى أرملة زعل السيدة منال، 46 عاماً، إلى الحصول على مساعدة لإكمال بناء بيت كان زعل قد بدأ بناءه بالقرب من أرضهم. وتقول: “ربنا لن ينسى”. ويقول ابن آخر للسيد زعل، عاهد البالغ من العمر 18 عاماً، عن المستوطنين: “إننا لا نذهب إليهم، وإنما هم الذين يأتون إلينا”.
لم يتم التعريف بالمرافقين الراشدين للمسيرة في وسائل الإعلام من أجل الحفاظ على سلامتهم. وعندما أرسل اسم وصورة المشكوك فيه الرئيسي على صفحة قُصرة في وسيلة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، جلب ذلك تهديدات ضده. وطلبت منظمة المساعدة القانونية “هونينو” من الشرطة الأمر بإزالة المنشور، الذي أزيل منذئذٍ.
يقول آدي كيدار، محامي المنظمة الممثلة للمرافقين، إن رواية عوض لم تتوافق مع أي شهادة أخرى استمع إليها. وأشار السيد كيدار إلى أنه نظراً للانحناءات الوعرة والعميقة للأرض، فقد كان من الصعب رؤية ما يحدث وأين كان الناس يقفون.
وقال عن الوالدين: “لو أنهما أصيبا بالذعر لوقعت كارثة”. وقال إن الأطفال “رأوا الموت بأعينهم”.
وقال إيران شوارتز، الناطق بلسان “هونينو” من يتزهار وآخرون أوجز لهم الحادث، إن الرجل المشتبه بأنه أطلق النار على السيد زعل لم يكن مدركاً أنه أصاب أحداً ما وقتها.
وما تزال قُصرة منذ ذلك الحين مسرحاً لاشتباكات مستعرة بين الفلسطينيين، والجيش الإسرائيلي، والمستوطنين الذين حاولوا زيارة الكهف مرة أخرى. وقال أحد أبناء عمومة السيد زعل بتلميح ساخر إن المستوطنين أصبحوا يعتبرون الكهف الآن موقعاً مقدساً. وأصبحت الأرض التي تقع أسفل الكهف والمزروعة بشتلات زيتون صغيرة الآن مليئة بأغلفة الطلقات النارية الفارغة.
وفي إحدى الليالي، أغار الجيش الإسرائيلي على قُصرة، واعتقل 22 من مواطنيها للاشتباه بأنهم انخرطوا في الاضطرابات الأخيرة. وعند فجر الثامن من الشهر الحالي، أغلق الجنود القرية بينما أعاد المستوطنون مسيرة حفل البلوغ باعتبارها تجربة إيجابية، ورافقهم في ذلك بعض الساسة الإسرائيليين الذين ينتمون إلى اليمين المتشدد.
وبعد ذلك أعلن الجيش الإسرائيلي أن واحداً من الذين تم اعتقالهم، محمد وادي، يواجه تهمة الشروع بالقتل بعد قذفه حجارة على رأس أحد الراشدين في داخل الكهف.
يتذكر سكان قُصرة أوقاتاً أخرى عندما كانت الأمور مختلفة. وكانت مستوطنة مغداليم قد تأسست في الثمانينيات من القرن الماضي كمستوطنة علمانية، وكان سكانها يتسوقون في قُصرة من محلات البقالة بالذمم الشهرية.
ولكن، قبل أربعة أعوام، انتقلت مجموعة من المستوطنين المتدينين الأكثر قومية إلى أحد المنازل الفارغة هناك، وسرعان ما امتلأت ضاحية جديدة بمنازل المقطورات. وأصبحت مغدوليم الآن ضعفي حجمها، مرتفعة من أصل 40 عائلة إلى أكثر من 80 عائلة. وتم إغلاق بار بالاكلافا الذي اشتهر ذات مرة والذي كان يقدم خدماته أيام السبت. وبني كنيس في مكانه.
أمير عودة، 19 عاماً، أحد شابين من قُصرة أصيبا بجروح خلال الاشتباكات الأخيرة، وكان يعمل في تجديد أحد المنازل في ميغداليم. وهو يصف السكان الأصليين بأنهم “اليهود”، ويصف القادمين الجدد بأنهم “المستوطنون”. وقال: “بدأت كل المشاكل مع قدومهم”.
ومن جهة أخرى، نعى مور شوشاني، الذي كان قد ولد في ميغداليم وما يزال يعيش فيها، في منشور له على الفيسبوك ما وصفه بـ”استيلاء” المتطرفين المتدينين على حركة الاستيطان.
وقالت إحدى القادمات الجديدات من المستوطنات المتدينات، رفقة هاريل، 34 عاماً، والتي انتقلت إلى مقطورة مكتظة مع عائلتها قبل ثلاثة أعوام، إنها تأمل في استئناف العلاقات الجيدة مع قُصرة.
يقوم السيد كاسوس، 62 عاماً، وهو فنان ومقاول بناء انتقل إلى قمة هذه التلة التي تعصف بها الرياح قبل أكثر من عشرين عاماً، بتشغيل من قُصرة، وهو يتحدث العربية ويحتفظ بعلاقات ودودة مع كل القرى المحيطة.
وقال عن أول وصول له: “لقد كنت ساذجاً. كنت أظن أنها مسألة تحدث مع الناس وبناء الثقة”.
ولأنه أصبح أكثر تديناً قبل بضعة أعوام، رحب السيد كاسوس بتدفق عائلات جديدة من المستوطنين على القرية الفلسطينية.
لكن نظرة القادمين الجدد الأكثر راديكالية في نهاية المطاف، كما يقول، هي أن “لدى العرب الكثير من الأماكن ليذهبوا إليها”، وأن “كل هذه الأرض يجب أن تكون يهودية”.
*نشرت هذه القصة الإخبارية تحت عنوان:
An Israeli Settler, a Dead Palestinian and the Crux of the Conflict
ترجمة عبد الرحمن الحسيني – الغد – 28/12/2017
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى