ترجمات أجنبية

تقرير مترجم عن موقع Mobilizing Ideas – العالم العربي بعد 2011 : التغيير هو اسم اللعبة

موقع Mobilizing Ideas – جيمس دورسي * – 1/3/2017

تقول الفكرة الشائعة إن الثورات الشعبية المتعثرة أو الفاشلة التي بدأت في العام 2011 في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد انتهت في نهاية المطاف إلى نشوب الحروب الأهلية الدامية والتطرف العنيف، ومنحت الاستبداد فرصة جديدة للحياة.

في الحقيقة، ليس هناك أحد ينكر أن الحرب الأهلية الوحشية في سورية أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين. كما يسعى العراق، مثل سورية، إلى هزيمة “داعش”، الحركة الجهادية الأكثر شراً في التاريخ الحديث. وتقوم نزعات الطائفية والتفوق الديني بتمزيق نسيج المجتمعات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجهما.

ومع ذلك، فإن إرث ثورات العام 2011 لم يكن مجرد العنف واسع النطاق، وصعود الجهادية الوحشية، وتكريس القمع الخانق. في واقع الأمر، بدأت الثورات العربية عصر تغيير، واحداً قبيحاً، مزعزعاً للاستقرار، عنيفاً وغير متوقع، والذي قد لا يؤدي في أي وقت قريب إلى حكم أكثر ليبرالية، ناهيك عن جلب حكم ديمقراطي.

إنه عصر تخالطه حاجة الأنظمة الاستبدادية إلى تنويع اقتصاداتها وإجراء إصلاحات اقتصادية تنطوي على إعادة صياغة جذرية للعقود الاجتماعية. وهو ينطوي أيضاً على حاجة هذه الأنظمة إلى تحديث استبدادها لضمان إحداث تغيير اقتصادي قابل للاستدامة. ويعني ذلك محاولة جعل الحكم الاستبدادي مستساغاً أكثر

من خلال توسيع هامش الحياة الاجتماعية والسلوكيات المقبولة، وخلق قنوات للتعبير عن السخط والإحباط.

التغيير بأي وكل وسيلة

صعدت الجماعات الجهادية مثل “داعش” على خلفية السياسات التي استبعدت أو همشت فئات اجتماعية كبيرة، ونيتجة للثورات المعاكسة التي ساعدت في نقض التقدم الذي تم إحرازه في العام 2011، من دون إنتاج بدائل ذات مصداقية، بالإضافة إلى سوء إدارة التوقعات في أعقاب الثورات الشعبية مباشرة، وقمع أي قنوات كانت موجودة للتعبير حتى عن انتقاد متواضع أو محدود.

على هذه الخلفية، يستمر “داعش”، سواء شئنا أم أبينا، في أن يكون قوة ثورية، بمعنى أنه يسعى إلى إحداث تغيير اجتماعي وسياسي واقتصادي جذري وأساسي. وقد لا يكون هذا هو نوع التغيير الذي يريد الكثيرون أن يروه، لكن فلسفة التنظيم تزدهر في بيئة للبدائل فيها فرصة ضئيلة لتزهر.

تجرب بعض دول المنطقة التي تشترك في بعض الجذور الأيديولوجية مع الجهاديين، مع إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي مسيطر عليه، ولو أنه عمل محفوف بالمخاطر. ومن المؤكد أن الغرض من هذه العملية هو الإبقاء على الأنظمة الحاكمة. ومع ذلك، أصبح التغيير من نوع السماح بقدر أكبر من الفرص الترفيهية في دول عادة ما تكون متقشفة ثقافياً، وتقليل الرقابة الشرطية الدينية، ومنح المزيد من الفرص للنساء، أصبح هذا التغيير ملموساً.

ولكن المشكلة مع ذلك، كما هو مفصل في تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2016، هي أن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يستطيع أن ينجح فقط إذا تم ضمان حرية التعبير عن المظالم ومكامن الاستياء.

وبينما حذر من أنه في غياب الحريات “سوف يلجأ بعض العرب في نهاية المطاف إلى العنف، مع ما ينطوي عليه ذلك من عواقب وخيمة”، أشار التقرير إلى أن “الأحداث التي وقعت في العام 2011 وتشعباتها هي نتائج السياسات العامة التي مورست على مدى عقود عديدة، والتي أدت تدريجياً إلى استبعاد قطاعات كبيرة من السكان من الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وحرمان العديد من الناس من الرعاية الصحية المناسبة، والتعليم الجيد وسبل العيش المناسبة”.

وصفة للكارثة

لم يتغير شيء يذكر في كثير من مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فما يزال انتفاخ شريحة الشباب مستمراً؛ حيث يمثل الشباب ثلث سكان العالم العربي. وما تزال فرص العمل محدودة، ومن المرجح أن تتدهور في السنوات المقبلة.

وعن ذلك، قال التقرير: “في المنطقة العربية، تقوم السياسات والقوانين التي تنظم سوق العمل بإعاقة نمو الوظائف بمعدلات تطابق النمو السكاني واحتياجات السوق. وهذا يؤثر على الشباب بشكل خاص ويمنع التمكين الاقتصادي للشباب. وتلعب سيادة المحسوبية والاعتماد على الصلات الاجتماعية دوراً كبيراً في توزيع الوظائف المتاحة المحدودة، مما يدفع الشباب الذين يبحثون عن وظائف إلى الاعتماد على العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية”.

بل إن فرص المشاركة السياسية أكثر محدودية. وباختصار، ما تزال القضايا التي دفعت ثورات العام 2011 بعد ست سنوات، أكثر انتشاراً مما كانت عليه سابقاً. وقد عملت الثوارات المضادة على دحر وتقويض أي فُرَج أو فرص صنعتها الانتفاضات، وهندست أوضاعاً حيث تقرر فيها الحرب الأهلية والوحشية والعنف السياسي طبيعة المشهد. ويرقى ذلك إلى وصفة للكارثة في بيئة تخلق فيها الطائفية التي تشجعها الدولة، والأيديولوجية الدينية الفوقية، والعنف والقمع، مزيجاً متفجراً.

الكتابة واضحة جداً على الجدار. يعمل فشل الحكومات العربية في الوفاء بالتوقعات على دفع العديدين بشكل متزايد نحو التشديد على الهويات الدينية، والطائفية أو القبلية، بدلاً من الهويات الوطنية. ولدى الكثير من الشباب شعور بأنهم يتعرضون للتهميش. والنتيجة هي تصلب خطوط المعركة. والنتيجة: قبل خمسة عشر عاماً، كانت خمس دول عربية غارقة في الصراع، واليوم أصبح العدد إحدى عشرة دولة، وهو في ازدياد.

على السطح، قامت الثورة المضادة، والحرب في سورية، والسياسات القاسية والقمعية التي تنتهجها أجهزة الشرطة السرية وإنفاذ القانون، بخنق الشهية للاحتجاج في العديد من الدول العربية. ومع ذلك، وعلى نحو يشبه إلى حد كبير الفترة التي سبقت العام 2011، ما يزال السخط يغلي. لكن هذا لا يعني أنه سوف ينفجر بحكم التعريف. إنه قد لا يشتعل، أو ربما يصبح أكثر احتمالاً للاشتعال بفعل حدث مفاجئ وقوي التأثير، والذي لا يمكن التنبؤ به.

الاحتجاج في دورات

يرسم تقرير التنمية البشرية العربية دورة مدتها خمس سنوات لحياة حركات الاحتجاج في العالم العربي. ويتبين أن كل دورة تكون أكثر تقلباً من سابقتها. ويشكل “داعش”

أحد التعبيرات عن ذلك. وهو يبيّن أن الشباب “قد يفضلون الوسائل الأكثر مباشرة والأكثر عنفاً، خصوصاً إذا أصبحوا على قناعة بأن الآليات القائمة على المشاركة والمساءلة هي عديمة الفائدة”، كما يحذر التقرير.

في الخلاصة، تنطوي الثورة المضادة، إلى جانب المحاولات الاستبدادية لضمان استمرار أسس الوضع الراهن من خلال التعديلات والإصلاحات المحدودة، ينطوي ذلك على بذور الدورة المقبلة لحملة أخرى من أجل التغيير.

قدر مسح أجرته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) تكلفة الصراع المسلح في العالم العربي بمبلغ في 613.8 مليار دولار من الخسارة في النشاط الاقتصادي، و243.1 مليار دولار في شكل العجز المالي.

عقود من المحسوبية الاقتصادية، وانخفاض الإنتاجية، وانخفاض الاستثمار -باستثناء قطاعي الطاقة والعقارات- وخنق قنوات التعبير عن السخط، وزيادة التركيز على الأسلحة القمعية للدولة على حساب تعزيز المؤسسات، كل ذلك يجعل من التحديثات الاستبدادية أقل احتمالاً للنجاح ويعمل على زيادة دور العنف في الجهود الرامية إلى فرض تغيير.

لا ينطوي العنف ضمناً على جلب نهاية لما يعتقد كثيرون أنه كان مجرد جهد قصير الأجل لتحقيق التغيير. كما أنه لا يشكل أيضاً علامة على نهاية لحقبة عربية لم تدم طويلا من التحدي والمعارضة. وإنما هو، بدلاً من ذلك، بمثابة مؤشر على الشوط الذي تبدو الأنظمة العربية مستعدة لقطعه لضمان بقائها على قيد الحياة، ويزيد من تكلفة التغيير الذي لا مفر منه.

إن العالم العربي يمر منذ العام 2011 بمرحلة انتقالية، ولو أنها واحدة من المرجح أن تظل دموية ووحشية. ويُحتمل كثيراً أن يكون ما يحدث هو عملية انتقال في دورات، والتي قد يكون بعضها نكوصياً وانكفائياً بدلاً من أن يكون تقدمياً، على أساس مبدأ لينين: خطوتان إلى الأمام، وخطوة إلى الوراء. لكن ما هو واضح، مع ذلك، هو أن الوضع الذي سبق الانتفاضات العربية أصبح تاريخاً، وأن التغيير هو اسم اللعبة.

*موقع Mobilizing Ideas، هو موقع مداخلات تابع لمركز دراسة الحركات الاجتماعية في جامعة نوتردام.

*الدكتور جيمس دورسي هو زميل رفيع في معهد إس راجاراتنام للدراسات الدولية، والمدير المشارك لمعهد جامعة فورتسبورغ لثقافة المشجيعن، ومؤسس موقع “العالم المضطرب لكرة القدم القدم في الشرق الأوسط”، وكتاب بالعنوان نفسه، ومؤلف “التحولات السياسية المقارنة بين جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، بالاشتراك مع الدكتورة تيريسيتا كروز ديل روزاريو. وله كتابان قيد الصدور.

*نشرت هذه المداخلة تحت عنوان:

The post-2011 Arab World: Change is the name of the game

ترجمة: علاء الدين أبو زينة – الغد – 23/3/2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى