ترجمات أجنبية

تقرير مترجم عن كاونتربنتش – نحو بداية فلسطينية جديدة

كاونتربنتش – رمزي بارود* – 15/12/2017
الآن بعد أن سقط القناع الأميركي تماماً، يحتاج الفلسطينيون إلى مراجعة عاجلة لأولياتهم السياسية وتحالفاتهم واستراتيجيتهم للتحرر الوطني.
لا يجب أن تسير الأمور كالمعتاد بعد أن قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعريف إسرائيل للقدس بأنها عاصمتها، منتهكاً بذلك الإجماع الدولي الساحق بشأن هذه المسألة.
في الرد على خطوة ترامب، استبَقت حركة فتح، التي سيطرت على السلطة الفلسطينية منذ إنشائها في العام 1994، غضب الناس من الخطوة الأميركية عن طريق إعلان “يوم غضب”. وقد استشهد العديد من الفلسطينيين وأصيب الكثيرون منهم في الاشتباكات التي جرت في جميع أنحاء الأراضي المحتلة، في موجة من الغضب المفهوم والمبرر من القرار الأميركي غير المبرر.
لكن استغلال مشاعر الفلسطينيين من قِبل قيادتهم هو أمر جدير بالازدراء على أقل تقدير. فقد عملت “سياسة الغضب” التي استخدمتها القيادة الفلسطينية في السابق في كثير من الأحيان على تغيير وجهة الاستياء والنقد الشعبيين بعيداً عن هذه القيادة.
من المؤكد أن إسرائيل والولايات المتحدة تستحقان كل الإدانة على دورهما في إدامة وتمويل الاحتلال العسكري والدفاع عنه وإخضاع الشعب الفلسطيني. لكن القيادة الفلسطينية تستحق الكثير من اللوم أيضاً. وأولئك الذين شاركوا عن طيب خاطر في لعبة “عملية السلام” العبثية، متعلقين بالإمكانية الضئيلة لتطبيع “حل الدولتين” قبل تيئيس الفلسطينيين، لا يجب أن يفلتوا بما فعلوه بسهولة.
لقد جمع القادة الفلسطينيون وجيش من المسؤولين والساسة والمنظِّرين والمتعاقدين مليارات الدولارات من الأموال الخارجية من أجل الإبقاء على مسيرة “عملية السلام” ماضية لأكثر من 25 عاماً، بينما أصبح الفلسطينيون العاديون أكثر فقراً وإحباطاً من أي وقت مضى.
أما أولئك الذين قاوموا، خارج الإطار السياسي المقبول كما عرضته القيادة الفلسطينية، فقد تعرضوا للمضايقة والسجن والعقاب الشديد. ولم يكن الأمر كذلك في غزة فحسب، وإنما في الضفة الغربية أيضاً. وقد عومل الكثير من الصحفيين، والأكاديميين والفنانين والناشطين، بقسوة بسبب استنطاقهم أساليب السلطة الفلسطينية على مر السنين.
مع ذلك، ها نحن نقف الآن هنا؛ السلطة الفلسطينية تدعو هؤلاء الفلسطينيين أنفسهم إلى الغضب. وحماس تدعو أيضاً إلى انتفاضة جديدة. وبشكل غريب، لم تتعلم الفصائل الفلسطينية مطلقاً من التاريخ. فالانتفاضات الشعبية الحقيقية والمستدامة لا تكون أبداً استجابة لدعوة من حزب أو سياسي. إنها صرخة أصيلة وعفوية من أجل الحرية، والتي تنبع من الجماهير، وليس من النخب السياسية.
بينما تأمل بعض الفصائل الفلسطينية في أن يصنع توجيه الغضب الشعبي نحو الاحتلال الإسرائيلي حاجزاً واقياً لها حتى تتمكن من البقاء على قيد الحياة يوماً آخر، تركب جماعات أخرى الموجة من أجل تحقيق مصالحها السياسية الخاصة.
لكن هذه ليست استراتيجية. لن يكون من شأن إرسال الناس العزل لمحاربة الجنود المسلحين بصدورهم العارية، فقط من أجل إرسال رسالة إعلامية، أن يضغط على إسرائيل ولا على الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، تُركز معظم وسائل الإعلام الأميركية نقاشها على ما تسميه “العنف الفلسطيني”، كما لو أن العنف الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي ليس قضية، وكما لو أن سلامة الإسرائيليين هي الشاغل الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن.
كما أن النداءات المهذبة الموجهة إلى الولايات المتحدة لحثها على إعادة النظر في قرارها والضغط على ترامب لإلغاء نقل سفارته، لن تُحدِث أي فرق أيضاً. وكان البيان الختامي الذي أصدره وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة يوم السبت مثالاً على اللغة الباهتة التي ستثبت كونها عديمة الفعالية.
لن تُحدث دعوة ترامب إلى إلغاء قراره، وحدها، حتى ذرة من الفرق. ويحتاج الفلسطينيون من أشقائهم العرب أن يعبروا عن موقف قوي واحد موحد من المسألة، من دون التردد في استكشاف طرق سياسية جديدة وممارسة ضغط حقيقي وملموس على الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما القيادة الفلسطينية التي قللت من شأن الكفاح الفلسطيني، وأهدرت سنوات ثمينة في مطاردة السراب الأميركي، فيجب أن تخضع للمساءلة.
لماذا لا يفكر القادة الفلسطينيون الذين ما يزالون يواصلون التشبث بكراسيهم بكل هذه القوة في حجم الضرر الذي ألحقوه بالقضية الفلسطينية؟
إذا كان لدى القيادة الفلسطينية الحد الأدنى من تحمل المسؤولية واحترام الذات، فإنها ستصدر اعتذاراً من القلب للشعب الفلسطيني عن كل هذا الوقت والطاقة والدم المهدور. وستعمد فوراً إلى إجراء إصلاح كامل في صفوفها، وإلى تفعيل كل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية؛ وجلب كل الفصائل الفلسطينية معاً، تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، لإعلان استراتيجية جديدة تتعامل مع المستقبل الذي يبدو أكثر قُتامة باطراد.
لم يحدث أي شيء من هذا حتى الآن. لن تفيد البيانات الغاضبة والدعوات إلى التعبئة الفلسطينية من دون وجود استراتيجية مشتركة، ومن أجل تعزيز مصالح الفصائل فقط، وستثبت هذه الأساليب في النهاية أنها لم تقدم أي مساعدة للشعب الفلسطيني وتطلعاته الوطنية.
في واقع الأمر، لا يحتاج الفلسطينيون العاديون أن تدعو فتح ولا حماس إلى “يوم غضب” أو انتفاضة جديدة. ولا تتطلب كراهيتهم للاحتلال وحبهم لمدينتهم، القدس، أي اتصالات رسمية. هذه معركتهم. وكانت دائماً معركتهم التي خاضوها كل يوم على مدى السنوات الخمسين الماضية.
سوف تكون لما فعله ترامب عواقب وخيمة على المنطقة لسنوات طويلة قادمة. لكن أحد النواتج المبكرة هو أنه عرى عملية السلام باعتبارها تمثيلية فارغة، وعرّى دور الولايات المتحدة بما هو عليه، لا نزيهاً ولا عادلاً. لكنه يجب أن يعري القيادة الفلسطينية أيضاً، بجميع إخفاقاتها ومواطن قصورها وفسادها.
إذا أراد الفسطينيون أن يبدأوا من جديد، فإن عليهم أن يبدأوا رحلتهم بخطاب سياسي جديد، بدم جديد، ونظرة مستقبلية جديدة تقوم على الوحدة، والمصداقية والكفاءة. ولا يمكن لأي من ذلك أن يحدث أبداً بنفس الوجوه القديمة، ونفس اللغة المستهلكة، ونفس السياسات التي لا تفضي سوى إلى الطرق المسدودة.
لقد حان الوقت لبداية جديدة.
*كتب الدكتور رمزي بارود عن الشرق الأوسط على مدى 20 عاماً. وهو كاتب عمود دولي، ومستشار إعلامي، ومؤلف العديد من الكتب ومؤسس موقع “الحكاية الفلسطينية” (ذا بالستاين كرونيكل). آخر كتبه هو “أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية: قصة غزة التي لم تُروَ”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Towards a New Palestinian Beginning
ترجمة علاء الدين أبو زينة – الغد – 23/12/2017
ala.zeineh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى