ترجمات أجنبية

تقرير مترجم عن ذا إنترسبت – إسرائيلون كبار حذروا من الأبارتيد.. فلماذا الغضب من تقرير الأمم المتحدة؟

ذا إنترسبت – مهدي حسن* –22/3/2017

في مذكراته، وصف الصحفي الإسرائيلي هيرش غودمان كيف أنه عاد إلى البيت بعد حرب الأيام الستة في العام 1967، لكي يستمع إلى والد البلد المؤسس وأول رئيس وزراء له، دافيد بنغوريون، وهو يتحدث في المذياع. ويتذكر غودمان. “من الأفضل لإسرائيل، كما قال (بن غوريون)، أن تخلص نفسها من الإرهابيين وسكانها العرب بأسرع وقت ممكن. وإذا لم تفعل، فإن إسرائيل ستصبح قريباً دولة فصل عنصري”.

وكان غودمان قد ولد وترعرع في جنوب أفريقيا في حقبة نظام الفصل العنصري (الأبارتيد). وكتب غودمان: “ظل صدى تلك العبارة ‘إسرائيل ستصبح قريباً دولة فصل عنصري’، ظل حاضراً معي. في لمح البصر فهمت ما كان يقول”.

في لمح البصر. ومع ذلك، بعد خمسين سنة لاحقاً، وعلى الرغم من الاحتلال الراسخ والمتواصل، يرفض المدافعون عن إسرائيل بغضب أي استحضار لتلك الكلمة (أبارتيد). كما أن الساسة الأميركيين الذين تجرأوا على لفظها في صلة مع إسرائيل، مثل جون كيري وجيمي كارتر، أُجبِروا على الاعتذار والتراجع. وفي الأسبوع قبل الماضي، أصبحت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) أول وكالة للأمم المتحدة تنشر تقريراً رسمياً يوثق كيف “أسست إسرائيل نظام فصل عنصري يسيطر على الشعب الفلسطيني ككل”، وقد أثار ذلك، كما لاحظ زميلي غليِن غرينوالد، فورة ضخمة قادت الأمين العام للأمم المتحدة إلى إزالة التقرير عن

موقع الوكالة الإلكتروني، ودفعت رئيسة الإسكوا، الأردنية ريما خلف، إلى الاستقالة من منصبها احتجاجاً.

تخلُّص جيد، كما يقول أنصار الدولة اليهودية. ذلك أن ذكر جريمة الفصل العنصري القبيحة في الجملة نفسها مع دولة إسرائيل الديمقراطية، كما يزعمون، هي “تشهير”، “تشويه”، و”كذبة صارخة”، وعمل مخجل من أعمال “العدوان على إسرائيل”، و”شكل جديد من أشكال معاداة السامية”.

وهكذا، أتساءل، ما الذي يجعله ذلك من بِن غوريون؟ غير شريف وخسيس؟ وماذا عن إسحق رابين، الذي قال لصحفي من محطة للتلفزة في العام 1976 خلال الفترة الأولى من ولايتيه كرئيس لوزراء إسرائيل: “لا أعتقد أن بالإمكان على المدى الطويل، إذا لم نكن نريد أن نصل إلى دولة أبارتيد، احتواء مليون ونصف مليون (إضافيين) من العرب في داخل دولة يهودية؟” هل كان هو أيضاً منخرطاً في حملة تشهير ضد الأمة التي يقودها؟

في السنوات الأخيرة، ردد اثنان آخران من رؤساء الوزراء الإسرائيليين، إيهود أولمرت وإيهود باراك، تحذيرات أسلافهم البارزين. وتنبأ أولمرت بأنه “إذا انهار حل الدولتين، وأصبحنا نواجه نضالاً على غرار جنوب أفريقيا من أجل حقوق التصوريت، فإن دولة إسرائيل تكون عندئذٍ قد انتهت”. بينما أعلن باراك أنه “إذا لم تكن هذه الكتلة المكونة من ملايين الفلسطينيين تمتلك حق التصويت، فإن ذلك سيكون أبارتيد”.

فهل ينتمي هذان الزعيمان أيضاً إلى حملة التشهير بإسرائيل؟

في الوقت نفسه، اقترح عدد من الإسرائيليين رفيعي المستوى أن نظام الفصل العنصري في إسرائيل ليس خطراً مستقبلياً، وإنما هو حقيقة واقعة، بمن فيهم وزيرة

التعليم السابقة شولاميت آلوني: (“تمارس إسرائيل شكلها الخاص والعنيف جداً من الفصل العنصري مع السكان الفلسطينيين الأصليين”)، ووزير البيئة السابق يوسي ساريد: (“ما يعمل كنظام أبارتيد، يدار كأبارتيد، ويضطهد مثل الأبارتيد، إنه ليس بطة -إنه أبارتيد”)، والمدعي العام السابق مايكل بن يائير: (“لقد أسسنا نظام فصل عنصري في المناطق المحتلة”).

بل إن آخرين ذهبوا شوطاً أبعد، فاعترفوا بأن إسرائيل تمتلك السيطرة الكاملة على المنطقة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، وهي تقوم بتوسيع نطاق نظام الأبارتيد ليمتد من الضفة الغربية وغزة إلى داخل الخط الأخضر نفسه، إلى ما يعد مناطق إسرائيل الرئيسية. وكان رئيس وزارة الخارجية الأسبق، ألون لييل، الذي عمل أيضاً سفيراً إلى جنوب أفريقيا، قد قال أنه “حتى تتم إقامة دولة فلسطينية، فإننا في الحقيقة دولة واحدة. وهذه الدولة المتصلة… هي دولة فصل عنصري”.

فهل يفترض فينا أن نشجب كل هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين السابقين ونعتبرهم كارهين لإسرائيل؟

وماذا نفعل أيضاً بشهادات الأشخاص البارزين من جنوب أفريقيا، الذين هزموا نظام الفصل العنصري في الوطن -فقط ليروِّعهم ما شاهدوه بعد ذلك في المناطق الفلسطينية المحتلة؟ في العام 2002، كتب الحائز على جائزة نوبل للسلام، الأسقف ديزموند توتو: “شعرت بالقلق والإحباط العميق خلال زيارتي للأراضي المقدسة. ذكرني ذلك كثيراً بما حدث لنا نحن السود في جنوب أفريقيا”. كما أيدت طائفة من كبار المسؤولين من حزب المؤتمر الأفريقي مقارنة توتو أيضاً، بمن فيهم رئيس جنوب أفريقيا السابق كغاليما موتلانثي: (“الوضع الحالي… هو أسوا مما كانت عليه الظروف بالنسبة للسود في ظل نظام الفصل العنصري”)، والرئيس الحالي للبرلمان

في جنوب أفريقيا، باليكا مبيتي: (“أسوأ بكثير من الفصل العنصري”)، ووزير الاستخبارات السابق في جنوب أفريقيا، روني كاسريلز: (“الإجراءات الإسرائيلية، الوحشية، تجعل الأبارتيد يبدو أشبه بنزهة، مقارنة”).

هل يُتوقع منا تصديق أن كل هؤلاء المخضرمين والمناضلين السابقين في نضال جنوب أفريقيا المناهض للأبارتيد قد فقدوا عقولهم؟ هل يفترض فينا أن نشجبهم باعتبارهم معادين للسامية؟

ثم هناك القانون الدولي. الشيء الذي عادة ما يُترك دون قول في معظم النقاش حول إسرائيل وكلمة أبارتيد هو أن المرء يستطيع أن يناقش بشكل مشروع ما إذا كانت إسرائيل المعاصرة، وإلى أي مدى، تشبه حقبة الأبارتيد في جنوب أفريقيا. في الضفة الغربية، بما فيها من شبكات الطرق “المنفصلة وغير المتساوية”، وأنظمة المياه وسياسات الإسكان، وحيث يخضع المستوطنون الإسرائيليون للقانون المدني الإسرائيلي بينما يُحكم على الفلسطينيين وفقاً للقانون العسكري الإسرائيلي، يبدو الأمر قضية واضحة تماماً. أما في داخل الخط الأخضر، حيث يمتلك مواطنو إسرائيل الفلسطنيون الحق في التصويت والترشح للبرلمان، وحيث العربية لغة رسمية، فإنها -كما ينبغي الاعتراف- أقل وضوحاً. ومع ذلك، تشير جماعات حقوق الإنسان، مثل “عدالة”، إلى أكثر من 50 قانوناً مختلفاً أو مشاريع قوانين في إسرائيل، والتي تعطي امتيازات لليهود على العرب، أو تميّز لصالح اليهود في مجالات مثل الإسكان، والتعليم، ولمّ شم العائلات.

لكن الفصل العنصري، وفق القانون الدولي، هو جريمة محددة وذات تعريفات محددة مستقلة عن تجربة جنوب أفريقيا. وقد وسعت الاتفاقية الدولية في العام 1973 لقمع ومعاقبة جريمة الفصل العنصري تعريف الأبارتيد ليشمل “السياسات والممارسات

المشابهة للفصل العنصري والتمييز من النوع الذي مورس في جنوب أفريقيا”، وطبقته على “الأعمال غير الإنسانية التي تُرتكب لغاية تأسيس وإدامة هيمنة مجموعة عرقية أو أشخاص على أي مجموعة عرقية أخرى”، بما في ذلك تقييد حرية الحركة ومصادرة الأرض.

بعد أربع سنوات من انهيار النظام الأفريكاني في جنوب أفريقيا، عرَّف نظام روما الأساسي للعام 1998، الذي أسس المحكمة الجنائية الدولية، الفصل العنصري (الأبارتيد) بأنه “الأعمال اللاإنسانية… التي تُرتكب في سياق نظام مؤسسي للقمع المنهجي والهيمنة التي تمارسها مجموعة عرقية على أي مجموعة أو مجموعات عرقية أخرى، والتي تُرتكب بنية الحفاظ على ذلك النظام”.

بذلك، ومن منظور قانوني صارم، ستكون مسألة ما إذا كانت إسرائيل تطابق، أو حتى تشبه، حقبة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أم لا، غير ذات صلة بصراحة. المسألة التي تهم هي ما إذا كانت إسرائيل تتصرف بطرق تنتهك القانون الدولي. وفي العام 2009، توصل فريق من الأكاديميين والحقوقيين، والذي عمل بتكليف من وكالة الأبحاث القانونية في جنوب أفريقيا، إلى أن إسرائيل تحتفظ بـ”نظام هيمنة لليهود على الفلسطينيين”، و”هذا النظام يشكل انتهاكاً لحظر الأبارتيد”. وفي العام 2013، وجدت دراسة أخرى شارك في تأليفها أستاذ القانون الدولي والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة السابق لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة، جون دوغارد، أن “الممارسات الإسرائيلية في المناطقة المحتلة تشكل… انتهاكاً للحظر القانوني للفصل العنصري”.

وراء في العام 1967، فهم غودمان -في لمح البصر- ما كان بن غوريون يحاول أن يقول. واليوم، يرفض المدافعون عن الدولة اليهودية فهم التحذيرات الصادرة عن

رؤساء وزراء إسرائيليين سابقين، وإدانات ناشطين مناهضين للأبارتيد من جنوب أفريقيا، والضوابط الواضحة الخاصة بهذا الموضوع في القانون الدولي. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن ذلك كله يظل بعيداً جداً عن أن يكون قضية أكاديمة أو مجرد موضوع للنقاش. فعلى مدى خمسين عاماً، كانوا ضحايا دائمين للتمييز، والفصل والقمع والاضطهاد. فكم من الزمن الإضافي سيترتب عليهم أن يتحملوا كل ذلك أيضاً؟

*كاتب عمود ومذيع ومؤلف بريطاني حائز على جائزة، يقيم في واشنطن العاصمة، ويستضيف برنامج أب-فرونت” على قناة الجزيرة الإنجليزية، وقد أجرى مقابلات -من بين آخرين- مع إدوارد سنودن وحامد كرزاي وإيهود أولمرت والجنرال مايكل فلين. وهو أيضا مؤلف كتابين -سيرة زعيم حزب العمل السابق في المملكة المتحدة إد ميليباند، وكتاب إلكتروني عن الأزمة المالية واقتصاديات التقشف. تم إدراجه في القائمة السنوية للمسلمين الأكثر نفوذاً في العالم والبالغ عددهم 500 شخص، وسمي واحداً من البريطانيين الأكثر تأثيراً على “تويتر”.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:

Top Israelis Have Warned Of Apartheid, So Why The Outrage At A Un Report?

ترجمة علاء الدين أبو زينة – الغد – 28/3/2017

ala.zeineh@alghad.jo

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى