شؤون إسرائيلية

تقرير عن معهد واشنطن – فيما يتخطى ‘الدولة الواحدة’: استنتاجات أولية من اجتماع نتنياهو

معهد واشنطن – ديفيد ماكوفسكي – 17/2/2017

من الأهداف الرئيسية لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض في 15 شباط/فبراير، تجديد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال وضع الخلاف في السياسات الذي طبع السنوات القليلة الماضية جانباً. وبهذا المعنى، نجحت القمة، إذ بذل كلٌّ من نتنياهو والرئيس ترامب جهداً خاصّاً في الثناء لبعضهما البعض. لكن ما زالت التداعيات لسياسة الولايات المتحدة حول مسائل ثنائية أساسية – كعملية السلام مع الفلسطينيين التي توقفت منذ فترة طويلة – غير واضحة المعالم وتستحق إلقاء نظرة فاحصة عليها.

“دولة واحدة” أمر غير مستحسن لنتنياهو

كانت اللحظة الواضحة التي تصدرت معظم العناوين الرئيسية التي أعقبت اجتماع القمة هي القبول المفتوح لترامب لحل الدولة الواحدة أو حل الدولتين فيما يتعلق بالنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني طالما يوافق الطرفان على ذلك. وأشار هذا الموقف إلى تراجع الحكومة الأمريكية عن التزامات الدولتين التي تبنتها منذ عام 2001.

ربما كان الهدف من تصريح ترامب مساعدة نتنياهو في سياسة الإئتلاف المحلية في بلاده، حيث أصبحت بعض الفصائل من الجناح الأيمن تعارض نموذج الدولتين على نحو متزايد. فقبل اجتماع القمة على سبيل المثال، طالب وزير التربية والتعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت أن يتفادى خصمه نتنياهو إعادة تأكيد الدعم لهذا النموذج. لكن يبدو أن ترامب لم يُسدِ معروفاً لنتنياهو عندما ذكر سيناريو الدولة الواحدة، حيث

هناك فرصة ضئيلة بأن يوافق رئيس الوزراء يوماً على مثل هذه النتيجة. فنتنياهو يعلم أن التركيز على دولة واحدة لن يؤدي إلا إلى مساعدة «حماس» وتشويه سمعة السلطة الفلسطينية، في حين سيجعل التصدي للتحديات المتكررة التي يطرحها بينيت لسلطته أكثر صعوبة أيضاً. لذلك، حرص رئيس الوزراء في مؤتمره الصحفي مع ترامب على تفادي تأييد فكرة الدولة الواحدة، موضحاً أن إسرائيل لا تريد أن تضم إليها فلسطينيي الضفة الغربية الذي يبلغ عددهم 2.75 مليون نسمة.

وحتى أولئك الذين يقفون إلى يمين نتنياهو يفهمون مخاطر مقاربة الدولة الواحدة. ففي مقابلة إذاعية جرت في إسرائيل في الأسبوع الثاني من شباط/فبراير الحالي ولم تلفت الأنظار كثيراً، أقرت وزيرة العدل أيليت شكيد حليفة بينيت أن إلحاق الضفة الغربية بأكملها من شأنه أن يؤدي إلى “نهاية الدولة اليهودية” – مدركةً على ما يبدو أن انهيار السلطة الفلسطينية سيؤدي على الأرجح إلى مطالب “الصوت الواحد للناخب الواحد” التي سيرفعها سكان عرب إسرائيليون/فلسطينيون قد يبلغ عددهم فوراً ثلاثة أضعاف تقريباً.

وبالمثل، من غير المرجح أن تسهّل الدول العربية مفاوضات السلام إذا كان السبيل المنْوي سلوكه هو مقاربة دولة واحدة يؤيدها الإسرائيليون. وتريد الحكومات العربية المعروفة بتجنّبها للمخاطر أن تظهر بصورة المدافعة بالنيابة عن الفلسطينيين، وليس المذعنة للمطالب الإسرائيلية، لا سيما نظراً إلى مدى حساسية شعوبها إزاء هذه القضية. وإذا كان ما يفضّله الإسرائيليون هو الدولة الواحدة، فلن يجنوا أي مكاسب سياسية من خلال ربط أنفسهم عن بعد بمثل هذه العملية.

يبدو أن هذه العوامل مجتمعةً تجعل من خطة الدولة الواحدة فكرةً محكوم عليها بالفشل، لذلك، ربما كان تعليق ترامب محاولة ارتجالية للبقاء حاليّاً بمنأًى عن

الالتزامات العلنية، وليس إشارةً إلى حدوث تحوّل حقيقي في السياسة. فلم تقم الإدارة الأمريكية قبل ذلك بمراجعة رئيسية للسياسات التي من شأنها أن تبرّر مثل هذا التحوّل التاريخي. لذلك، ربما ليس من المستغرب أن تعيد سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي التأكيد على التزام واشنطن بحل الدولتين في اليوم الذي أعقب تعليق ترامب.

ولا يتمحور الجدل الحقيقي الذي يجب أن يواجهه نتنياهو كثيراً حول خيار الدولة الواحدة مقابل خيار الدولتين، إنما حول تحديد طابع حل الدولتين، كما أشار في المؤتمر الصحفي. ويشكل هذا التحدي أحد الأسباب الرئيسية لانهيار محادثات السلام في عامي 2013-2014. فلطالما شدد نتنياهو على أن الجمع بين الرفض الفلسطيني الذي تتزعمه حركة «حماس» وعدم الاستقرار الخطير في المنطقة يعني أنه يجب منح إسرائيل مسؤولية أمنية أساسية على أي دولة فلسطينية مستقبلية، وأشار إلى أن عدة بلدان أخرى قد قبلت قيوداً مماثلة على سيادتها الخاصة. ويوافق الفلسطينيون أن تكون دولتهم غير معسكرة، لكنهم رفضوا عناصر أخرى من المطالب الأمنية لنتنياهو.

وما يضيع أيضاً في دوامة “الدولة الواحدة/الدولتين” هو واقع إعراب ترامب مرة أخرى عن رغبته في التوسط في اتفاق للوضع النهائي خلال فترة رئاسته. وليس هناك دائرة سياسية داخلية تدفعه نحو هذه المشاركة، لذلك تبدو دعواته المتكررة إلى هذا الاتفاق كإشارة حقيقية إلى الإهتمامٍ على المستوى التنفيذي بعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية.

أما بالنسبة إلى توقع إطلاق مبادرة سلام إقليمية قد تشجع الفلسطينيين على تقديم تنازلات هم غير مستعدين للنظر فيها خلال المحادثات الثنائية، فلم يُعرَف بعد إذا ما

كانت الدول العربية مستعدة للتجرؤ على الانخراط في مثل هذه العملية. حتى أن التعاوُن بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران قد لا يكون كافياً لإقناع هذه الدول خلاف ذلك، لأن الكثير من القادة العرب يفتقرون إلى الثقة في ما يستعد نتنياهو تقديمه إلى الفلسطينيين في أي إطار.

نتنياهو يوافق على آلية المستوطنات

اعتماداً على لغة الجسم على الأقل، ربما فاجأ ترامب نتنياهو خلال المؤتمر الصحفي عندما طلب من إسرائيل تقليص نشاطها الاستيطاني، حيث لم يردّ رئيس الوزراء مباشرةً [على هذه الملاحظة]. لكن في مقابلةٍ لاحقة مع محطة “إم إس إن بي سي”، تطرق نتنياهو بصورة أكثر مباشرة إلى المسألة قائلاً، “إنها قضية اتفقنا على مناقشتها. ووضعنا آلية لمناقشة وسيلة للتوصل إلى تفاهم”. وكرر هذه النقطة في تصريح رسمي أدلى به لوسائل الإعلام الإسرائيلية، بإشارته إلى أنه يريد “التوصل إلى نقاط تفاهم” مع واشنطن بشأن النشاط الاستيطاني.

وعلى الرغم من عامية هذه الأوصاف، إلا أنها مهمة لأنها تشير إلى استعداد نتنياهو المحتمل لوضع قيود جغرافية على النشاط الاستيطاني. كما أن أي تفاهمات ثنائية جديدة لن تكون بعيدة المدى إلى درجة تصل إلى تجميد عملية الاستيطان الإسرائيلية من عامي 2009-2010، لكنها ستكون بمثابة تحسين للوضع الذي كان قائماً بعد عام 2010، عندما تبيّن أن تنسيق سياسة الاستيطان أمرٌ مستحيل، نظراً إلى رفض إدارة أوباما التمييز بين المستوطنات في مواقع مختلفة. وإذا تابعت الحكومتان “الآلية” التي ذكرها نتنياهو، فلا بد لها أن تؤدي إلى إجراء محادثات ثنائية أكثر دقة حول المستوطنات في الأسابيع المقبلة، كتلك التي أجراها مسؤولون أمريكيون

وإسرائيليون في عامي 2003-2004 بشأن مسار الجدار الأمني في الضفة الغربية.

وفي حين أنه من السابق لأوانه مناقشة القيود الجغرافية المحتملة لمثل هذه الآلية في المرحلة الحالية، فإن مجرد ذكرها من قبل نتنياهو يشير إلى أنه لا يتفق مع بينيت عندما يتعلق الأمر بالمستوطنات. فقد أمل بينيت أن يؤدي انتخاب ترامب إلى منح إسرائيل حرية البناء في مختلف أنحاء الضفة الغربية؛ حتى أنه عبّر عن إمكانية قدوم نتنياهو إلى واشنطن مع خطة للبدء بضم جزءٍ من الضفة الغربية على الأقل. غير أن رئيس الوزراء عارض بوضوح هذه المقاربة، وفضّل التعاون مع ترامب. فوجود ركيزة أمريكية في ما يخص المستوطنات يعطي نتنياهو أساساً سياسيّاً منطقيّاً للحد من الضغط الذي يضعه بينيت للتوسع في بناء المستوطنات خارج الجدار الأمني. ويخشى رئيس الوزراء من أن يؤدي هذا التوسع إلى ربط إسرائيل بصورة أكثر في واقعٍ ثنائي القومية من خلال زجّها في مناطق يتمركز فيها معظم الفلسطينيين. ومن ثم، من الناحية السياسيّة، من الأفضل له أن يترك واشنطن تؤدي دورها التقليدي المتمثل في الدعوة إلى تقييد النشاط الاستيطاني – إن لم يكن تجميده.

الخاتمة

بينما كانت ملاحظات الرئيس الأمريكي المتعلقة بـ “الدولة الواحدة” مؤسفة على أمل أن يتم التراجع عنها، إلا أنه لأمر مشجع أنه اتفق مع نتنياهو مبدئياً على آليةٍ لتنسيق النشاط الاستيطاني. وبطبيعة الحال، يكمن الشيطان في التفاصيل، والتفاصيل لم تأت بعد. لكن المبدأ الذي تبناه الزعيمان مغاير للتوقعات التي راودت أفكار المستوطنين في أعقاب فوز ترامب في الانتخابات، عندما احتفلوا بحريتهم

الوشيكة المفترَضة للتصرف كما يحلو لهم في الضفة الغربية. وبدلاً من ذلك، من المرجح أن يَجِدوا أن وجهتي نظر ترامب ونتنياهو غير مختلفتين كثيراً، وأن سياسة الاستيطان الخاصة بالإدارة الأمريكية الجديدة قد تتماشى نوعاً ما مع مقاربة جورج دبليو بوش المتمثلة في التمييز بين المستوطنات داخل الجدار الأمني وخارجه. وبالمثل، إن التحوّل البالغ الأهمية في السياسة الذي ذكره ترامب في الماضي – أي نقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الغربية – لا يزال على ما يبدو قيد الانتظار، بينما أشار نتنياهو إلى أن ترامب ما زال يدرس هذه المسألة.

*ديفيد ماكوفسكي هو زميل “زيغلر” المميز في معهد واشنطن ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى