تقرير بقلم حلمي موسى : انتفاضات الربيع العربي تشغل بال "إسرائيل" وتزيد حيرتها تجاه فرصها ومخاطرها - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

تقرير بقلم حلمي موسى : انتفاضات الربيع العربي تشغل بال “إسرائيل” وتزيد حيرتها تجاه فرصها ومخاطرها

0 195

حلمي موسىالسفير، بيروت، 2/4/2012

 من المؤكد أن أحداث الربيع العربي أخذت إسرائيل على حين غرة وأخرجتها فجأة من حالة «النوم في العسل» إلى حالة المجهول. ورغم التخبطات الأولية التي رافقت المواقف الإسرائيلية في الأشهر الأولى للانتفاضات العربية ضد الأنظمة القائمة، فإن المواقف بعد عام تبلورت في اتجاهين بقي القاسم المشترك بينهما هو غموض المستقبل ومجهوليته. واندفع التيار الحاكم في إسرائيل إلى اعتبار أن هذا الغموض يبرر التشدد الذي كان قد أبدي في مواجهة السلطة الفلسطينية والمفاوضات معها وأنه يقود إلى تشدد آخر. وبالمقابل رأى كثيرون في إسرائيل من خارج الحكم أن على الحكومة الإسرائيلية استغلال الأوضاع القائمة والسعي لإيجاد حلول تسمح بوضع إسرائيل في مكانة أوثق والمساهمة في دعم حركة الواقع ضد غموض يقود إلى ظلامية ومجهول.

ومن الجائز أن بين أبرز الندوات التي جرت في إسرائيل حول هذا الأمر تلك التي عقدها مركز دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب في نهاية كانون الثاني الفائت بمناسبة مرور عام على انطلاقة الثورة المصرية. وقد عرضت الكلمات في كراس نشر في آذار في تل أبيب بعنوان «سنة على الربيع العربي: الآثار الإقليمية والدولية». وقد شارك في الندوة عدد كبير من الدارسين والمختصين الذين تناولوا الموضوع من جوانبه الدولية في كل ما يتعلق بالمواقف الأميركية والأوروبية والروسية ومن جوانبه الإقليمية، خصوصاً على كل دولة من دول المحيط.

وقد لخص رئيس مركز دراسات الأمن القومي وهو الجنرال عاموس يادلين، الذي كان إلى فترة قريبة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، أثر الانتفاضات العربية على إسرائيل بأنه ينطوي على «مخاطر وفرص». ورغم ذلك اعتبر أن إسرائيل، مثل الولايات المتحدة والحكام الذين سقطوا، تقع في دائرة الخاسرين لفقدانها حلفاء استراتيجيين من ناحية ولاحتمال تمدد الانتفاضات لتشمل حلفاء آخرين.

وقد لاحظ بعض الباحثين أن إسرائيل، ونظرا لعدم اشتعال الأرض تحت قدميها في المناطق المحتلة لاعتبارات مختلفة، تعتقد أن الانتفاضات العربية لم تمنح إلهاما للفلسطينيين للانتفاض لا ضد إسرائيل ولا ضد السلطتين الفلسطينيتين في الضفة والقطاع. بل أن محاولات جرت هنا وهناك في الضفة والقطاع لبلورة تحركات كهذه جوبهت بعنف شديد نظراً لخوف السلطتين من انتشار تحركات كهذه. والواقع أن التحركات التي حاولت استغلال شيوع روح الانتفاضات العربية ودعت إلى إنهاء الانقسام لم تلق الصدى المطلوب لدى صناع القرار في السلطتين، رغم التجاوب الشكلي هنا وهناك. وبدا واضحاً من تعدد الاتفاقات التي تم التوصل إليها للمصالحة بين حماس وفتح في القاهرة والدوحة أن التجاوب الشكلي يقود إلى إعلان اتفاقات وأن الهوة الفعلية بين الطرفين، وربما عدم صدق النوايا، يقود إلى تفجير الاتفاقات.

وأياً يكن الحال، ورغم الهدوء النسبي الذي يسود المناطق الفلسطينية المحتلة، فإن إسرائيل تعلم أن هذا الهدوء مضلل. فالقضايا القائمة بين الطرفين ساخنة سواء على صعيد المفاوضات أو على صعيد الصدام العسكري. واستمرار الهدوء الراهن أمر مستحيل في نظر كل المراقبين، خصوصاً أن اليمين الإسرائيلي لا يهدأ ولو لدقيقة عن محاولته فرض وقائع على الأرض في حين أن المفاوض الفلسطيني، والمقصود سلطة رام الله، ستضطر إن عاجلاً أو آجلاً لتحطيم الأواني وعدم القبول باستمرار الأمر الواقع. كما أن واقع الحكم في قطاع غزة باسم المقاومة وانعدام أفق أي تسوية هناك كفيل هو الآخر بتجديد الصراع العسكري في وقت لن يكون بعيداً. وبديهي أن التطورات الإسرائيلية الفلسطينية معزولة نوعاً ما عن تطورات الربيع العربي وحتى عن تجلياته المحددة.

ولكن إسرائيل مضطرة لأن تأخذ كل هذه الأوضاع في سلة واحدة من الاعتبارات السياسية والعسكرية على حد سواء. فمن الناحية العسكرية لا تفصل إسرائيل هذه الأيام بين ما يجري في قطاع غزة من تركيم للسلاح واستعداد للمواجهة وبين ما يجري في شبه جزيرة سيناء وحتى بين ما يجري في القاهرة. ففوز الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية وتنامي قوة الجهاديين في سيناء يلغي لدى إسرائيل مبدأ الجبهة الهادئة في الجنوب. والأدهى أن إسرائيل باتت تشعر أنه في كل ما يتعلق بالتصدي للمقاومة في قطاع غزة إنما تستفز المشاعر المصرية وتطلق شرارات الصدام معها. وهذا يعاكس ما كان قائماً في عهد النظام المصري السابق.

وينظر الجيش الإسرائيلي بارتياح تقريبا إلى نجاح الحكم الأردني، حتى الآن، في استيعاب التحركات الشبابية والمعارضة. فالأردن يملك أطول حدود مع إسرائيل كما أنه يطل على العمق العربي الأسخن مزاجاً في سوريا والعراق. وثمة توقعات بأن الحدود الهادئة مع الأردن ستعود في وقت قريب للسخونة عن طريق قيام البعض بتنفيذ عمليات بوتيرة أكبر من السابق ضد أهداف إسرائيلية انطلاقاً من الجانب الأردني كما هو الحال مع سيناء حالياً.

وتعتبر الجبهة السورية لغزاً محيراً للجيش الإسرائيلي الذي لا يعلم حق العلم أين تتجه الأمور في سوريا. وهناك من يعتقد أنه حتى إذا كانت الأحداث في سوريا ستقود إلى تغيير إيجابي لمصلحة إسرائيل على المدى البعيد فإن الأمور مزعجة على المدى القريب. إذ ثمة من يفكر بأن النظام السوري نفسه قد يلجأ إلى تفجير الأوضاع على الحدود مع إسرائيل، أو أن انشغال الجيش السوري بالأوضاع الداخلية سيسمح لقوى معادية لإسرائيل بالعمل انطلاقاً من هضبة الجولان.

وفي الأيام الأخيرة وبعد أن تم استيعاب التظاهرات التي جرت نحو الحدود بمناسبة يوم الأرض يوجد من يقول بأنه لا ينبغي الإطمئنان إلى محدودية المشاركة هذا العام. ويقول هؤلاء بأن المناسبات للتجمهر وإظهار العداء لإسرائيل لا تنقطع طوال العام وأن التظاهرات الأخيرة ليست أكثر من بروفة للتظاهرة الكبرى التي قد تنجح في إظهار العداء العربي لإسرائيل وتحرج إسرائيل دولياً بمسيرات مليونية.

في كل الأحوال خلق الربيع العربي لدى إسرائيل نوعاً من الحيرة تجاه ما يمكن أن تقود إليه الأمور. صحيح أن هناك في إسرائيل من يؤمن بأن العرب سيوفرون لإسرائيل الفرصة لأن تكسب من خلافاتهم، ولكن هناك أيضاً من يرون أن الأخطار في الانتفاضات العربية على إسرائيل أكبر مما يتصورون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.